رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
لا أعرف متى ستذهب عنا السكرة، لكي نتبين الحقيقة في العديد من الأساطير التي يروج لها في مصر هذه الأيام. لكنني أرى إرهاصات دالة على أن الإفاقة على الفكرة لن تتأخر كثيرا.
(1)
أتحدث عن بعض الكتابات الاستثنائية التي ظهرت في الصحف المصرية خلال الأسبوعين الماضيين معبرة عن تلك الإفاقة. خصوصا تلك التي أفزعتها عودة شبح الدولة الأمنية، مستصحبة معها ممارسات القمع والتحريض بدعوى الحفاظ على الدولة في مواجهة الإخوان، وأقلقتها مؤشرات عسكرة المجتمع المصري بعد عزل الدكتور محمد مرسي. إضافة إلى تلك الأصوات التي استهولت حجم القتل الذي تم باسم فض الاعتصام بالقوة، كما استهولت ارتفاع صوت أبواق الثورة المضادة، التي باتت تبشر بفاشية جديدة لا تكتفي بمباركة إجراءات القمع وخطاب الإقصاء وإنما عمد ممثلوها إلى اتهام المخالفين بالخيانة، والازدراء بمفجري ثورة 25 يناير ووصفهم حينا بأنهم «مرتزقة»، ووصف الثورة ذاتها في حين آخر بأنها «نكسة».
نظرا لمحدودية تلك الأصوات، فإنني أفهم أن ظهورها لا يشكل اختراقا لحملة الإعلام ولأجواء الإرهاب الفكري والاغتيال السياسي والمعنوي التي تتبناها مختلف الأبواق، التي أسهمت في تسميم الفضاء المصري، لكنني أزعم أن حضورها لا يمكن تجاهله، لأنه يعني أن المراهنة على الإفاقة من السكرة ليس ميئوسا منها ولا هي من قبيل التمني ووحي الخيال.
لا أرجع ذلك إلى وعي البعض ويقظة ضمائرهم فحسب، ولكن المبالغات الفجة التي يتم اللجوء إليها في الأجواء المحمومة الراهنة كثيرا ما تأتي بثمار عكسية، عملا بالقول الشائع أن ما يزيد على حده ينقلب إلى ضده. فحين يتهم أحد المحتجزين، اسمه محمد عبدالتواب أحمد، بالاعتداء على المتظاهرين وحمل السلاح وإرهاب المواطنين وقتلهم، ثم يتبين أن الرجل فاقد البصر ولا يستطيع أن يتحرك دون دليل يقوده، فإن أي عاقل يكتشف مباشرة التلفيق والكذب في التهمة، وحين تتحدث الصحف عن ترسانة للأسلحة في اعتصام رابعة، وعن وجود مدافع ثقيلة وأسلحة كيماوية مع المعتصمين، ثم يتم قتل المئات (في رابعة وحدها) واعتقال الألوف منهم دون أدنى مقاومة، فإن ذلك يهدم الأسطورة دون حاجة إلى تكذيبها. وحين تنشر إحدى الصحف أن الرئيس الأمريكي باراك أوباما ـ بجلالة قدره ـ عضو في التنظيم الدولي للإخوان (الوفد 28/8) الأمر الذي يعني خضوعه لقيادة مرشد الإخوان فإن ذلك يحول الخبر إلى نكتة من ذلك القبيل الذي يتردد في حلقات تعاطي المخدرات.. الخ
(2)
شيء من هذا القبيل حدث في الأسبوع الماضي حين نشرت على صدر صفحتها الأولى تقريرا مثيرا تحت العناوين التالية: «مؤامرة جديدة لزعزعة الاستقرار بتورط سياسيين وصحفيين ورجال أعمال ـ الأهرام يكشف الحلقة الأخيرة من اتفاق الشاطر والسفيرة الأمريكية لتقسيم مصر ـ القبض على 37 إرهابيا بعد إجهاض مخطط عزل الصعيد وإعلان الاستقلال ـ الخطة تضمنت الاستيلاء على مبنى محافظة المنيا وتشكيل حكومة ـ الاعتراف الأمريكي كان معدا والأجهزة الأمنية كشفت المخطط البديل.
التقرير كتبه رئيس تحرير الأهرام زميلنا عبدالناصر سلامة ونسب معلوماته إلى «مصادر أمنية»، وذكر ما يلي: بعد إحباط مخطط عزل الصعيد وإعلان استقلاله كشفت المصادر الأمنية عن أن مخططا بديلا كان جاهزا، استهدف ضرب الاستقرار في الشارع المصري بمشاركة سياسيين وصحفيين ورجال أعمال سيتم كشفهم وتقديمهم إلى العدالة خلال أيام. وأكدت المصادر أن المخطط استهدف إحداث بلبلة في أوساط الرأي العام حول القضايا التي تضمنتها خريطة المستقبل (التي أعلنها الفريق السيسي في 3 يوليو)، من خلال عناصر «الطابور الخامس» السابق ذكرها.
أضافت المصادر الأمنية أن المخططين (استقلال الصعيد والتشكيك في خريطة الطريق) كانا ضمن اتفاق رعته السفيرة الأمريكية بالقاهرة آن باترسون مع القيادي الإخواني خيرت الشاطر قبل القبض عليه. وتضمن دخول 300 مسلح من غزة إلى مصر عبر الأنفاق لنشر الفوضى في القاهرة واقتحام عدد من السجون.
تحدث التقرير أيضا عن أن القوات المسلحة ألقت القبض على 37 إرهابيا في محافظة المنيا، وصادرت كميات كبيرة من الأسلحة كانت مرسلة إليهم عبر الصحراء الغربية لتمكينهم من الاستيلاء على المحافظة وتشكيل حكومة، حيث كان الاعتراف بالموقف الجديد معدا سلفا من جانب الولايات المتحدة الأمريكية ودول أوروبية أخرى.
في اليوم التالي مباشرة (28/8) تابعت الأهرام الموضوع، ونقلت عن بعض الخبراء الأمنيين أن ضرب مخطط فصل الصعيد أكبر طعنة ضد الغرب والولايات المتحدة، كما أنه يعد من أكبر الانتصارات التي حققتها الأجهزة الأمنية. ونقلت الجريدة عن أحد أولئك الخبراء قوله إن الفريق عبدالفتاح السيسي «هزم واشنطن وأوروبا»، وهي الدول التي «اهتزت» بعد الدعم العربي القوي لموقفه، ممثلا في المملكة العربية السعودية والدول العربية «الصديقة». وندد هؤلاء بالطابور الخامس الذي تم اكتشافه ممثلا في بعض السياسيين والإعلاميين ورجال الأعمال الإسلاميين.
قبل هذه الفرقعة التي تحدثت عن مؤامرة الطابور الخامس في مصر، وعن هزيمة الفريق السيسي للأوروبيين والأمريكيين وإحباط رجاله لمخطط فصل الصعيد بمساعدة حركة حماس، الذي رعته السفيرة الأمريكية في حين كان اعتراف واشنطن بالوضع الجديد كان جاهزا. سربت الأجهزة الأمنية فرقعة أخرى إلى جريدة «الوطن». إذ نشرت في 25/8 تقريرا مثيرا آخر تحدث عن اجتماع سري بقاعدة عسكرية في ألمانيا ضم ممثلين عن الموساد وأمريكا وفرنسا وبريطانيا وعن حلف شمال الأطلنطي لوضع خطة شل مصر، بعد الخسارة الكبرى التي أصابت تلك الأطراف جراء عزل الدكتور مرسي. وأعطى التقرير انطباعا بأن ذلك الاجتماع الذي يوحي بأنه يعد لحرب عالمية ثالثة، انعقد لنصرة الإخوان، في تحرك مواز للجبهة الوطنية لدعم الشرعية التي تشكلت في مصر.
السفيرة الأمريكية بالقاهرة أخذت على محمل الجد كلام التقرير الأول الذي تحدث عن تآمرها مع الشاطر وعن اعتراف واشنطن باستقلال الصعيد، فوصفته بأنه «شائن ومضلل وغير مهني»، ودعت رئيس تحرير الأهرام في خطابها الذي وجهته إليه بهذا الصدد إلى التصرف بمسؤولية، والكف عن نشر الأكاذيب والمخاوف التي تهدد مستقبل مصر وأفق التحول الديمقراطي بها.
(3)
أخطر ما في هذا الكلام ثلاثة أمور هي: مضمونه الفج الذي يكشف عن تدني مستوى التلفيق الذي يكشف عن جهل بأساليبه ونقص فادح في مستوى الذكاء. ثم إنه صادر عن الأجهزة الأمنية صاحبة اليد الطولى في تشكيل الرأي العام في الوقت الراهن، وهي التي كان يظن أنها أكثر كفاءة وخبرة. الأمر الثالث أن هذا الكلام ينطلي على كثيرين من العوام وحديثي الانشغال بالسياسة، وهو ما يسهم في شحنهم بالأساطير والأكاذيب، الأمر الذي يضللهم ويفسد رؤيتهم ويشوه إدراكهم.
إننا بإزاء حزمة من الأساطير والخزعبلات السياسية التي أزعم أنها لا تسمم الأجواء السياسية فحسب، ولكنها تهدد السِّلم الأهلي أيضا، وإذا جاز لي أن أشير إلى أبرز تلك الأساطير فإنني أجد في مقدمتها ما يلي:
* < أسطورة التآمر الغربي عامة والأمريكي بوجه أخص على النظام القائم في مصر لصالح الإخوان. إذ الحقيقة أن الغرب مشغول بثلاثة أشياء أولها مصالحه في مصر والمنطقة. وثانيها سياساته والمبادئ الديمقراطية التي يلتزم بها التي ترفض الانقلابات العسكرية. أما ثالثها فهو الاستقرار في مصر الذي يعتبرونه من ركائز الاستقرار في المنطقة العربية. من ثَمَّ فهم ليسوا سعداء بالإخوان ولكنهم مختلفون مع طريقة تعامل السلطة معهم. وفيما خص واشنطن فإن اختلاف الإدارة الأمريكية مع الإدارة المصرية بخصوص الإخوان هو خلاف عارض «تكتيكي» في حين أن التحالف بينهما إستراتيجي. وينبغي ألا ننسى في هذا الصدد ما قاله رئيس الأركان الأمريكي أمام الكونغرس إن الجيش المصري هو أهم حليف للإدارة الأمريكية.
* < أسطورة الحرب على الإرهاب التي جرى افتعالها والترويج لها إعلاميا. في سياق المشهد الذي بدأ بدعوة إلى إجراء انتخابات رئاسية مبكرة وانتهى بتجريم الإخوان وشيطنتهم ثم تسويغ قمعهم واستئصالهم، الأمر الذي أسفر حتى الآن عن سقوط خمسة آلاف قتيل وإصابة عشرين ألفا واعتقال عشرة آلاف شخص، حسب البيان الذي أعلنه التحالف الوطني لدعم الشرعية. وهو ما يهدد بدخول مصر إلى نفق الدولة الأمنية المظلم المحفوف بالشرور والمخاطر، بما يستصحبه من ترويع وتخوف وإجهاض لحلم الدولة الديمقراطية. في حين أن التظاهرات كانت سلمية في مجملها لكنها صورت إعلاميا وأمنيا بأنها إرهابية يرد عليه بوسيلة واحدة تمثلت في استخدام السلاح وتلفيق التهم الجاهزة.
* ـ أسطورة الطابور الخامس التي جرى ابتداعها بدورها مؤخرا، حين ظهرت بعض الأصوات الليبرالية والوطنية المستقلة التي اعترضت على الأساليب المتبعة، ولأنه كان متعذرا اتهامها بالانتماء إلى الإخوان، فقد كان تلويث وتخويف أصحابها بضمِّهم إلى الطابور الخامس هو الحل.
* < أسطورة تقسيم مصر وبيع قناة السويس للقطريين والتنازل عن سيناء أو جزء منها لحركة حماس، وهو من الفرقعات والافتراءات الإعلامية التي أطلقت في الفضاء دون دليل، واستهدفت الطعن في وطنية وانتماء من نسبت إليهم هذه الممارسات.
* < أسطورة التنظيم الدولي للإخوان الذي يصور بحسبانه أخطبوطا هائلا له أذرعه المنتشرة في أكثر من 80 دولة حول العالم، في حين أنه مجرد كيان هش لا حول له ولا قوة، نشأ في ستينيات القرن الماضي حين كان إخوان مصر يعيشون خارجها. فشكلوا تلك الرابطة فيما بينهم، لكن لم يثبت يوما أن له دورا يذكر في التوجيه والتنظيم، والتفاوت الكبير بين أداء حركة النهضة في تونس والإخوان في مصر شاهد على ذلك، رغم أن الاثنين من أعضاء التنظيم الدولي.
(4)
في مواجهة هذه الأساطير ثمة حقيقة تتبدى وتظهر ملامحها يوما بعد يوم الآونة الأخيرة، خلاصتها أن ما جرى في الثالث من شهر يوليو لم يكن انقلابا على حكم الدكتور مرسي لكنه كان انقلابا على ثورة 25 يناير، بدليل ذلك الجهد الكبير الذي يبذل الآن لاستعادة أجواء وأساليب حكم مبارك. فضلا عن رجاله وأبواقه التي عادت إلى الظهور في الساحة الإعلامية بوجه أخص. وهو ما أشك كثيرا في أنه خطر ببال الذين خرجوا في 30 يونيو أو الذين قدموا التفويض ضمنا للفريق عبدالفتاح السيسي. الأمر الذي يستدعي بقوة السؤال التالي: من نفوض وعلى من نراهن أو نعول في الدفاع عن ثورة 25 يناير، لكي نبدد الحيرة في زمن والالتباس؟
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
هي ليست عربية ولا حتى مسلمة، ولا تربطها بغزة رابطة دم أو دين أو لغة، ومع ذلك استطاعت في مباراة كرة قدم واحدة أن ترسل رسالة أخلاقية دوّى صداها أبعد بكثير من حدود المستطيل الأخضر. في مباراة منتخب إيرلندا أمام دولة الكيان، لم يتعامل اللاعبون الإيرلنديون مع الأمر وكأنه تسعون دقيقة من كرة القدم تنتهي بصافرة الحكم ثم يعود الجميع إلى منازلهم. ارتدى اللاعبون الشارات السوداء تضامنًا مع الفلسطينيين، وخفضوا رؤوسهم أثناء عزف نشيد المحتل، وغابت المصافحة المعتادة قبل المباراة. وقبلها أعلن حارس المنتخب غافين بازونو انسحابه ورفض المشاركة، مؤكدًا أن قراره جاء انطلاقًا من موقف ومبدأ. حتى مدرب المنتخب الإيرلندي تحدث بوضوح عن رفض ما يجري في غزة، في وقت أصبحت فيه الكلمات الواضحة نفسها تحتاج إلى شجاعة. لم تكن القضية إذن تسجيل هدف في مرمى إسرائيل، مع أن المباراة انتهت بثلاثية إيرلندية نظيفة، وإنما كانت في كيفية استخدام الرياضة لإيصال موقف إلى العالم من دون أن يتحول الملعب إلى فوضى، ومن دون شعارات جوفاء أو استعراض مؤقت ومن غير خجل كثير من المنتخبات العربية للأسف. والشارع الإيرلندي كان حاضرًا قبل المباراة كذلك. احتجاجات وأعلام فلسطينية، ومطالبات بمقاطعة المباريات، ورسالة مفتوحة وقّعها أكثر من 160 رياضيًا إيرلنديًا تطالب لاعبي المنتخب بعدم مواجهة إسرائيل. حتى الاتحاد الإيرلندي لكرة القدم سبق أن طالب بوقف مشاركة إسرائيل دوليًا، وسط جدل واسع داخل البلاد بشأن استمرار المباريات. هؤلاء فعلوا ذلك من أجل غزة. وهنا يأتي السؤال المؤلم: ونحن ؟؟ أين نحن من غزة؟ أين الشارع العربي؟ أين الجماهير؟ أين الرياضيون؟ أين المشاهير؟ أين أصحاب الملايين من المتابعين؟ وأين ذلك الصوت الذي كان يملأ الدنيا عندما كانت القضية في بدايتها؟ أخشى أن أخطر ما يمكن أن يحدث لغزة ليس فقط استمرار القتل والدمار والتجويع، وإنما أن يصبح كل ذلك بالنسبة إلينا خبرًا عاديًا. أن نرى الصورة ثم نتجاوزها. أن نقرأ عدد الضحايا ثم ننتقل إلى خبر آخر. أن تصبح غزة فقرة ثابتة في نشرات الأخبار بعدما كانت جرحًا مفتوحًا في وجدان الأمة. لقد طال الزمن، وكثرت الصور، وتكررت المشاهد، وربما أصاب البعض شيء من الاعتياد. وهنا تكمن الكارثة. لأن المأساة عندما تطول لا تصبح أقل مأساوية، والطفل الذي يجوع اليوم ليس أقل قيمة من الطفل الذي أبكانا قبل عام أو عامين، والأم التي تفقد أبناءها اليوم لا يخفف من مصابها أن العالم شاهد آلاف القصص المشابهة قبلها. في غزة شعب يعيش تحت دمار هائل وحصار ومعاناة إنسانية ممتدة، وسط اتهامات دولية بالغة الخطورة لإسرائيل بشأن ما ارتُكب بحق المدنيين الفلسطينيين. ومع ذلك، نجد أن صوت التضامن يأتي أحيانًا من دبلن أقوى من أصوات كثيرة في عواصم أقرب إلى غزة جغرافيا ودينًا ولغةً وتاريخًا. وهذه ليست مقارنة هدفها جلد الذات، وإنما إيقاظها. الإيرلندي الذي يرفع علم فلسطين لا يقول لنا: انظروا إليّ. بل ربما يسألنا من حيث لا يدري: إذا كانت غزة حرّكت ضميري وأنا على بعد آلاف الكيلومترات، فكيف أصبحت بعيدة عن ضمائركم وأنتم أهلها وإخوتها؟ لسنا مطالبين بأن نتحول جميعًا إلى سياسيين، ولا أن تتوقف الحياة، ولا أن يصبح كل إنسان خطيبًا أو ناشطًا. لكننا مطالبون بأبسط شيء: ألا ننسى. ألا تصبح صور الأطفال أرقامًا. ألا يصبح الجوع خبرًا. ألا يصبح الموت مشهدًا مألوفًا. وألا تتحول فلسطين من قضية حاضرة في الوجدان العربي والإسلامي إلى ذكرى موسمية نستحضرها فقط عندما يقع حدث كبير. ما فعلته إيرلندا يثبت أن الموقف لا يحتاج دائمًا إلى منصة سياسية ولا إلى خطاب طويل. أحيانًا تكفي شارة سوداء. أحيانًا يكفي رأس ينحني رفضًا. أحيانًا يكفي لاعب يقول: لن أشارك. وأحيانًا يكفي جمهور يرفع علمًا ليذكّر العالم بأن هناك شعبًا لم يُنسَ. لكن السؤال الذي يجب أن يؤلمنا قليلًا بل كثيرًا: إذا كانت إيرلندا ما زالت تتذكر غزة بهذا الوضوح، فبأي عذر نسمح نحن لأنفسنا أن ننساها؟ غزة ليست خبرًا قديمًا. غزة ليست «ترندًا» انتهى. وغزة، قبل كل شيء، ليست بعيدة عنا. هي منا.. ونحن أولى الناس بألا نتركها وحدها. وإلا بذلك تكون إيرلندا هي المسلمة ونحن …..
4665
| 29 سبتمبر 2026
لا يوجد إعلام رياضي خليجي واحد، وإنما إعلام خاص بكل دولة من دول مجلس التعاون. ورغم أهمية القضية وتأثيراتها السلبية على مستقبل الرياضة في خليجنا العربي، إلا أنها لم تنل ما تستحقه من البحث والدراسة، وسأناقشها من أربع زوايا. الزاوية الأولى: إن الإعلام في دولنا خال من الروح الخليجية، فهو يُعنى بالفعاليات والإنجازات الرياضية المحلية، ويركز عليها بشكل مطلق، وإذا ورد خبر رياضي خليجي فإنه يرد ضمن الأخبار غير المحلية ودون عناية به أو تمييز له. الزاوية الثانية: إنه إعلام خبري يهتم بنقل الخبر، ويفتقر إلى المقالات التحليلية العلمية. فمعظم المقالات تدور حول موضوعات تتعلق بجوانب شخصية لكتابها، ولا تقدم رؤى وأفكاراً تساعد في نشر الوعي الرياضي، أو تسهم في تخليق قاعدة جماهيرية مثقفة رياضياً تتيح إعداد جيل يبرز فيه إعلاميون وصحفيون رياضيون مستقبلاً. الزاوية الثالثة: إنه إعلام لا يُعنى بالدور التنموي الكبير للرياضة كأداة تغيير مجتمعي فعالة. فلا نجد اهتماماً بغير الجانب التنافسي لها كنشاطات بدنية، وقلما عثرنا باهتمامات بجوانبها الاجتماعية كالتوعية بالمسؤولية الاجتماعية أو التنشئة الأخلاقية للناشئة والشباب، وتنمية المشاعر الوطنية المرتكزة إلى الإسلام الحنيف والعروبة. الزاوية الرابعة: إنه إعلامُ اللعبة الواحدة، فمعظمُ موادهِ وتغطياتِـهِ تدور حول كرةِ القدمِ، وهذا أمر يعوقُ السعي لتأسيسِ قواعد شعبية للعبات الأخرى، ويؤثِّـرُ سلباً على إنجاح الفعاليات والبطولات الدولية جماهيرياً عندما تُقامُ في إحدى دولِـنا الستِّ. نبضةٌ خليجيةٌ: خليجنا واحد، عبارة تعني أننا شعب واحد في ست دول، وأن تنمية إنساننا هي مهمة خليجية نعمل جميعاً لإنجاحها، وحبذا لو انطلقنا في ذلك من الرياضة وإعلامها.
3312
| 02 أكتوبر 2026
التوظيف بين وزارات الدولة وشركات الوساطة بات اليوم سؤالًا مشروعًا يحتاج إلى إجابة واضحة. فدولة صغيرة بعدد سكانها مثل قطر لا يمكن أن تكتفي بالكوادر الوطنية وحدها لتغطية كل التخصصات والمهن، ومن الطبيعي أن تستعين بالمقيمين والوافدين لسد النقص، خصوصًا في الوظائف التي قد لا يقبل عليها المواطن لاعتبارات مهنية أو ثقافية. لكن ما يحدث في الواقع أن بعض الوزارات والجهات الحكومية، بحكم القوانين والإجراءات التنظيمية، لا تستطيع التعاقد المباشر مع المقيمين رغم وجود حاجة فعلية لهم، فتضطر إلى اللجوء لشركات توظيف خاصة تقوم بدور الوسيط؛ فتوقّع العقود مع الموظفين ثم تعيرهم للوزارات، لكنها تقتطع من رواتبهم أحيانًا ما يقارب النصف تحت مسمى “عمولة” أو “رسوم إدارية”. وهنا يبرز الخلل: الوزارة تدفع ميزانيتها كاملة، والشركة تستحوذ على النصيب الأكبر، والموظف، الذي يقوم بالعمل فعليًا، لا يحصل إلا على النصف أو أقل، في بلد ترتفع فيه تكاليف المعيشة. فيبقى السؤال: كيف يعيش؟ وكيف يعيل أسرته؟ وكيف يدرّس أبناءه؟ والمفارقة أن كل جهاز حكومي لديه أصلًا إدارة متكاملة للتوظيف والموارد البشرية، تضم موظفين مختصين ومؤهلين للقيام بمهام الاستقطاب والاختيار والتعيين. فما الحكمة إذن من وضع التحكم في يد طرف ثالث، بينما الجهة الحكومية مؤهلة وقادرة على القيام بمهامها؟ ولماذا يُترك الموظف والمجتمع ليتحملا الكلفة، بينما المستفيد الأكبر هم أصحاب هذه الشركات؟ والأكثر إثارة للتساؤل أن شركات التوظيف التي تدور في هذا المجال محدودة ومعروفة، وهنا يحق للناس أن يسألوا: من أصحاب هذه الشركات؟ ومن المستفيد من بقاء هذا الباب مفتوحًا؟ وهل نحن أمام تنظيم إداري يخدم المصلحة العامة، أم أمام منفذ ربحي يستفيد منه قلة على حساب حاجة الدولة وجهد الموظف؟ وهذه العقود لا تظلم الموظف في الراتب فقط، بل تمتد إلى حقوقه الأساسية؛ فقد يُخصم من راتبه إذا مرض رغم تقديم شهادة طبية معتمدة، لأنه لا يتمتع بإجازات مرضية أو سنوية مدفوعة، ولا بضمانات وظيفية واضحة، ولا زيادات سنوية، ولا مكافأة نهاية خدمة، بل قد يتأخر راتبه أحيانًا إلى ما بعد بداية الشهر. والأخطر أن بعض الجهات الحكومية تستفيد من خبرات وكفاءات تعمل داخل مؤسساتها وتتحمل مسؤوليات كبيرة، لكنها تتركها تحت رحمة مكاتب وشركات وسيطة، تحقق أرباحًا عالية من جهد الموظف وخبرته، بينما يتحمل هو وحده مخاطر الخصم وعدم الاستقرار والاستبدال. ومن الناحية الشرعية والأخلاقية، فإن هذا النوع من العقود يثير تساؤلات جدية؛ فالوسيط من حقه أن يأخذ أجرًا معلومًا ومحددًا مقابل خدمته، لكن أن يتحول الأمر إلى اقتطاع مستمر من راتب الموظف طوال سنوات خدمته، فهذا يقترب من شبهة أكل أموال الناس بغير وجه حق، ويفتح بابًا واسعًا للاستغلال. والمسؤولية هنا لا تقع على الشركة وحدها، بل تشمل أيضًا الجهة الرسمية التي سمحت بهذا النموذج أو تغاضت عنه. أما من ناحية التخطيط، فالمنطق يقول إن الهدف من هذه الإجراءات هو إعطاء الأولوية للمواطن، وهذا هدف مفهوم ومشروع، لكن لا يجوز أن يتحول الأمر إلى التفاف إداري يرهق المقيم، ويضر بصورة العدالة، ويكلف الدولة أحيانًا أكثر مما لو تم التعاقد المباشر بشفافية ووضوح. نحن لسنا ضد التعاقدات، ولا ضد القطاع الخاص، ولا ضد ربح الشركات، لكننا ضد أن يكون الربح على حساب كرامة الإنسان وحقوقه الأساسية. فالكفاءة والخبرة ليست سلعة في مناقصة، والإنسان ليس رقمًا في فاتورة شهرية، يتم الاستغناء عنه أو استبداله متى انتهت الحاجة إليه. الحل ليس معقدًا: التعاقد المباشر مع المقيمين في الوظائف التي لا يتوافر لها مواطنون، ضمن عقود واضحة تحفظ الحقوق، مع تقييد دور شركات الوساطة بحيث تكتفي بأجر مقطوع ومعلوم لمرة واحدة، بدلًا من الاقتطاع الدائم من رواتب الناس. وهذا المقال موجّه إلى وزارة العمل، وديوان الخدمة المدنية والتطوير الحكومي، ووزارة المالية، وديوان المحاسبة، ومجلس الشورى، وكل جهة معنية بمراجعة عقود التوظيف، وحماية المال العام، وصون حقوق العاملين. فالمسألة في جوهرها تحتاج إلى مراجعة قانونية وشرعية وإدارية، حتى يكون التوظيف في قطر قائمًا على العدل لا على الالتفاف، وعلى الاستقرار لا على الاستغلال، وبما يحفظ حق الدولة، وحق الشركة، وحق الموظف، لأن الاستثمار الحقيقي لأي مؤسسة يبدأ من احترام الإنسان وخبرته واستقراره.
1176
| 01 أكتوبر 2026