رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
أيصح حين نحاول تأهيل الشباب المصري لقيادة المستقبل أن ندعوهم إلى محاكاة البرلمان؟ إذ بدلا من أن نداري عليه ونقوم بواجب الستر المطلوب لمثل حالته، فإننا نستدعي ملفه ونفتحه أمام الشباب كي يتذكروا كيف شكلته الأجهزة الأمنية وكيف يدار بحيث تخصص في التصفيق والموافقة، وكيف صار ممثلا للحكومة دون الشعب. ثم إنني لا أعرف ماذا تكون الإجابة لو أن أحد الشبان عنَّ له أن يسأل عما فعله البرلمان في الرقابة على الحكومة ومحاسبتها، أو عن سبب تجاهله للقضايا الكبرى المثارة في مصر، من مسألة الجزيرتين إلى سد النهضة مرورا بأزمة الدولار والفشل المشهود في الدفاع عن الجنيه المصري..إلى غير ذلك من الأسئلة المحرجة المسكوت عليها، التي تنكأ جراحا تصيب الشباب بالإحباط واليأس، وتشجعهم على الهجرة من البلد وليس على المشاركة في مستقبله.
ما دعاني إلى إثارة الموضوع أن جريدة «الأهرام» الصادرة في ٣١ يوليو تحدثت في العناوين الرئيسية للصفحة الأولى عن «انطلاق مشاركة الشباب في صنع القرار»، وزفت إلينا خبر بدء المنتدى الأول لمحاكاة الدولة المصرية لطلاب البرنامج الرئاسي. وفهمنا من التفاصيل المنشورة أن مصدر الخبر هو المكتب الإعلامي برئاسة الجمهورية، وأن دورة المنتدى المذكور بدأت بالفعل صبيحة ذلك اليوم (٣١ يوليو)، بما يعني أن عملية تأهيل الشباب على القيادة والمشاركة في صنع القرار دخلت التنفيذ. وفي هذا الإطار تم تصميم دورة المنتدى بحيث تضمنت ١٩ نموذج محاكاة تمثل جميع مؤسسات وأجهزة الدولة من الحكومة ومجلس النواب والأجهزة الرقابية، إضافة إلى ٣٥ ورشة عمل مختلفة تشمل جميع قطاعات الدولة، سياسيا واجتماعيا واقتصاديا وإداريا. أضاف نص الخبر المنشور أن المحاكاة يفترض أن تنفذ على ثلاث منتديات منفصلة، يتضمن كل منها عروضا لعدد من أنظمة المحاكاة للحكومة ومجلس النواب التي تناقش بعض القضايا والتحديات التي تواجه الدولة، بالإضافة إلى قياس قدرات الدارسين على إدارة الأزمات. إلى غير ذلك من التفاصيل التي استوقفتني منها إشارة طريفة إلى أنه من «المقرر» أن تشهد المنتديات مناقشات ساخنة بين طلاب البرنامج والوزراء. إذ لم أفهم من الذي قرر ذلك وكيف سيتولى منظمو البرنامج «تسخين» المناقشات.
للخبر فضل تذكيرنا بحكاية «عام الشباب» التي أطلقت في شهر يناير الماضي، لكننا نسيناها طوال الأشهر السبعة التالية، وشغلتنا عنها مظاهرات الشباب ومحاكماتهم ومعاناتهم في السجون ومراكز الشرطة. الأهم من ذلك أن العناوين المنشورة ذكرتنا أيضا بمسألة المشاركة في القرار، التي نسيناها بدورها حين أقنعتنا الممارسة العملية بأننا لسنا طرفا فيها. وإن «الجهات السيادية» نهضت بها نيابة عنا، ولا أستبعد أن يكون ذلك قد أصبح من المسلمات التي استقرت بحيث اتجه التفكير إلى تجاوز أجيالنا واستبعادها من فكرة المشاركة، ثم المراهنة في ذلك على الشباب المعول عليهم في صناعة المستقبل.
لدى كلمتان في الموضوع. الأولى أن في نفسي شيئا من الفكرة من أساسها التي تحفظت عليها في حينها. إذ لست مقتنعا لا بفكرة تأهيل الشباب للمشاركة في صنع القرار من خلال برنامج موضوع ومحاضرات تلقى ومنتديات تعقد. ولا بتولي رئاسة الجمهورية تلك المهمة. ذلك أن المشاركة في القرار لا تتم بالتلقين ولكنها جزء من الثقافة السياسية للمجتمع التي تفرزها أجواء الممارسة الديمقراطية. وهذه إذا أخذت على محمل الجد فإنها تستدعي المجتمع كله إلى المشاركة من خلال المؤسسات المنتخبة، بحيث لا يكون الأمر مقصورا على الشباب دون غيرهم. ثم إنه ليس مفهوما أن يدرب الشباب على المشاركة في حلقات البحث والمناقشة، ثم يقمع في الجامعة أو يتهم ويتعرض للحبس إذا خرج في مسيرة سلمية دفاعا عن الوطن. ولنا عبرة فيما حدث في انتخابات اتحاد طلاب مصر حين انتخب الطلاب مجلسا لم ترض عنه الأجهزة الأمنية، فرفض وزير التعليم العالي اعتماد النتيجة، الأمر الذي وجه إلى الجميع رسالة سلبية تثبطهم وتدعوهم إلى العزوف عن المشاركة وليس الإقدام عليها.
على صعيد آخر، فإن تصدي الرئاسة لهذه المهمة في حين يفترض انشغالها بالسياسات والإستراتيجيات العليا يحملها بما لا تطالب به وبما هو فوق طاقتها. بل إنه يستهلك تلك الطاقة في مجالات يفترض أن تنهض بها جهات أخرى. وهو ما يسوغ لنا أن نتساءل مثلا: إذا كانت الرئاسة ستتولى تأهيل الشباب للمشاركة والقيادة. فما الذي تفعله وزارة الشباب إذن أو وزارة التعليم العالي أو غيرها من منظمات المجتمع المدني.
الكلمة الثانية تتعلق بفكرة محاكاة مؤسسات الدولة التي خص بيان المكتب الإعلامي الرئاسي بالذكر ثلاثة منها هي الحكومة ومجلس النواب والأجهزة الرقابية. ذلك أني لست واثقا من أن تلك المؤسسات هي أفضل ما يشجع الشباب على المشاركة. وإذا كنت قد أشرت إلى نموذج مجلس النواب فإن ورطة الحكومة في أزمة الدولار وموجة الغلاء لا يمكن تجاهلها في رسم الصورة. أما قصة المستشار هشام جنينة الذي خاض معركته ضد الفساد أثناء رئاسته لجهاز المحاسبات، الأمر الذي أدى إلى عزله والحكم بسجنه مدة عام فتقدم صورة سلبية لدور وحدود حركة الأجهزة الرقابية أو بعضها على الأقل.
إن استدعاء النماذج قد يستهدف الحفاوة بها واحتذاءها، وقد يكون الهدف منه التعلم من سلبياتها وتجنب مثالبها، ولا أعرف بالضبط الهدف الذي وضعه البرنامج من وراء محاكاة تلك المؤسسات، لكني أقرر فقط أن المؤسسات المشار إليها لا تشجع ولا تصلح كنماذج مرشحة للاحتذاء فضلا عن الحفاوة.
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
هي ليست عربية ولا حتى مسلمة، ولا تربطها بغزة رابطة دم أو دين أو لغة، ومع ذلك استطاعت في مباراة كرة قدم واحدة أن ترسل رسالة أخلاقية دوّى صداها أبعد بكثير من حدود المستطيل الأخضر. في مباراة منتخب إيرلندا أمام دولة الكيان، لم يتعامل اللاعبون الإيرلنديون مع الأمر وكأنه تسعون دقيقة من كرة القدم تنتهي بصافرة الحكم ثم يعود الجميع إلى منازلهم. ارتدى اللاعبون الشارات السوداء تضامنًا مع الفلسطينيين، وخفضوا رؤوسهم أثناء عزف نشيد المحتل، وغابت المصافحة المعتادة قبل المباراة. وقبلها أعلن حارس المنتخب غافين بازونو انسحابه ورفض المشاركة، مؤكدًا أن قراره جاء انطلاقًا من موقف ومبدأ. حتى مدرب المنتخب الإيرلندي تحدث بوضوح عن رفض ما يجري في غزة، في وقت أصبحت فيه الكلمات الواضحة نفسها تحتاج إلى شجاعة. لم تكن القضية إذن تسجيل هدف في مرمى إسرائيل، مع أن المباراة انتهت بثلاثية إيرلندية نظيفة، وإنما كانت في كيفية استخدام الرياضة لإيصال موقف إلى العالم من دون أن يتحول الملعب إلى فوضى، ومن دون شعارات جوفاء أو استعراض مؤقت ومن غير خجل كثير من المنتخبات العربية للأسف. والشارع الإيرلندي كان حاضرًا قبل المباراة كذلك. احتجاجات وأعلام فلسطينية، ومطالبات بمقاطعة المباريات، ورسالة مفتوحة وقّعها أكثر من 160 رياضيًا إيرلنديًا تطالب لاعبي المنتخب بعدم مواجهة إسرائيل. حتى الاتحاد الإيرلندي لكرة القدم سبق أن طالب بوقف مشاركة إسرائيل دوليًا، وسط جدل واسع داخل البلاد بشأن استمرار المباريات. هؤلاء فعلوا ذلك من أجل غزة. وهنا يأتي السؤال المؤلم: ونحن ؟؟ أين نحن من غزة؟ أين الشارع العربي؟ أين الجماهير؟ أين الرياضيون؟ أين المشاهير؟ أين أصحاب الملايين من المتابعين؟ وأين ذلك الصوت الذي كان يملأ الدنيا عندما كانت القضية في بدايتها؟ أخشى أن أخطر ما يمكن أن يحدث لغزة ليس فقط استمرار القتل والدمار والتجويع، وإنما أن يصبح كل ذلك بالنسبة إلينا خبرًا عاديًا. أن نرى الصورة ثم نتجاوزها. أن نقرأ عدد الضحايا ثم ننتقل إلى خبر آخر. أن تصبح غزة فقرة ثابتة في نشرات الأخبار بعدما كانت جرحًا مفتوحًا في وجدان الأمة. لقد طال الزمن، وكثرت الصور، وتكررت المشاهد، وربما أصاب البعض شيء من الاعتياد. وهنا تكمن الكارثة. لأن المأساة عندما تطول لا تصبح أقل مأساوية، والطفل الذي يجوع اليوم ليس أقل قيمة من الطفل الذي أبكانا قبل عام أو عامين، والأم التي تفقد أبناءها اليوم لا يخفف من مصابها أن العالم شاهد آلاف القصص المشابهة قبلها. في غزة شعب يعيش تحت دمار هائل وحصار ومعاناة إنسانية ممتدة، وسط اتهامات دولية بالغة الخطورة لإسرائيل بشأن ما ارتُكب بحق المدنيين الفلسطينيين. ومع ذلك، نجد أن صوت التضامن يأتي أحيانًا من دبلن أقوى من أصوات كثيرة في عواصم أقرب إلى غزة جغرافيا ودينًا ولغةً وتاريخًا. وهذه ليست مقارنة هدفها جلد الذات، وإنما إيقاظها. الإيرلندي الذي يرفع علم فلسطين لا يقول لنا: انظروا إليّ. بل ربما يسألنا من حيث لا يدري: إذا كانت غزة حرّكت ضميري وأنا على بعد آلاف الكيلومترات، فكيف أصبحت بعيدة عن ضمائركم وأنتم أهلها وإخوتها؟ لسنا مطالبين بأن نتحول جميعًا إلى سياسيين، ولا أن تتوقف الحياة، ولا أن يصبح كل إنسان خطيبًا أو ناشطًا. لكننا مطالبون بأبسط شيء: ألا ننسى. ألا تصبح صور الأطفال أرقامًا. ألا يصبح الجوع خبرًا. ألا يصبح الموت مشهدًا مألوفًا. وألا تتحول فلسطين من قضية حاضرة في الوجدان العربي والإسلامي إلى ذكرى موسمية نستحضرها فقط عندما يقع حدث كبير. ما فعلته إيرلندا يثبت أن الموقف لا يحتاج دائمًا إلى منصة سياسية ولا إلى خطاب طويل. أحيانًا تكفي شارة سوداء. أحيانًا يكفي رأس ينحني رفضًا. أحيانًا يكفي لاعب يقول: لن أشارك. وأحيانًا يكفي جمهور يرفع علمًا ليذكّر العالم بأن هناك شعبًا لم يُنسَ. لكن السؤال الذي يجب أن يؤلمنا قليلًا بل كثيرًا: إذا كانت إيرلندا ما زالت تتذكر غزة بهذا الوضوح، فبأي عذر نسمح نحن لأنفسنا أن ننساها؟ غزة ليست خبرًا قديمًا. غزة ليست «ترندًا» انتهى. وغزة، قبل كل شيء، ليست بعيدة عنا. هي منا.. ونحن أولى الناس بألا نتركها وحدها. وإلا بذلك تكون إيرلندا هي المسلمة ونحن …..
4242
| 29 سبتمبر 2026
جميل هذا التعاون الذي بدأته مؤسسة حمد الطبية في تحويل المواطنين للعلاج في مستشفيات القطاع الخاص، وهي خطوة تستحق الإشادة؛ لما تحققه من تخفيف الضغط على المستشفيات الحكومية، وتسهيل حصول المواطنين على الخدمات العلاجية، فضلًا عن دعم القطاع الصحي الخاص وتنشيط الحركة الاقتصادية. إنها منظومة يستفيد منها الجميع: الدولة والمواطن والمستشفى. منذ أيام، كانت لي تجربة شخصية بعد تحويلي من مؤسسة حمد الطبية إلى مستشفى «ذا فيو» لمتابعة حالتي مع أحد الأطباء. والحقيقة أن المستشفى يتمتع بمستوى راقٍ من حيث المبنى والتجهيزات والخدمات، لكنني خرجت بملاحظتين مهمتين أتمنى أن تأخذهما مؤسسة حمد الطبية بعين الاعتبار. الأولى: ربط الملفات الطبية. لا يُعقل أن يدخل المريض على الطبيب في المستشفى الخاص ليبدأ بسرد تاريخه المرضي من الصفر، وكأنه يروي قصة قصيرة! فقد ينسى بعض التفاصيل، أو يعجز عن شرح حالته بدقة، خصوصًا إذا كانت لديه أمراض مزمنة أو عمليات سابقة أو يتناول أدوية متعددة. المريض المحوَّل من مؤسسة حمد الطبية إلى القطاع الخاص يجب أن ينتقل بملفه الطبي وتاريخه العلاجي، لا أن يبدأ رحلته العلاجية من الصفر. لذلك، من الضروري أن تتضمن اتفاقيات التعاون ربطًا إلكترونيًا آمنًا يتيح للطبيب المعالج الاطلاع على الملف الصحي للمريض، بما يشمل تاريخه المرضي ونتائج فحوصاته وعملياته السابقة والأدوية التي يتناولها، وفق الضوابط المعتمدة لحماية خصوصية المرضى. فهذا الربط لا يضمن استمرارية الرعاية وسلامة المريض فحسب، بل يوفّر أيضًا وقت الطبيب، الذي قد تكون عيادته مزدحمة بالمراجعين، ويساعده على فهم الحالة بصورة أشمل وأدق، واتخاذ القرار العلاجي المناسب دون إضاعة الوقت في استعادة معلومات يفترض أن تكون متاحة أمامه منذ البداية. الثانية: توفير خدمة الترجمة الطبية ليس كل المواطنين يجيدون اللغة الإنجليزية، وليس كل من يتحدث بها قادرًا على فهم المصطلحات الطبية الدقيقة. ومع وجود أطباء لا يتحدثون العربية، تصبح الترجمة الطبية المتخصصة ضرورة لضمان فهم المريض لتشخيصه وخطته العلاجية وتعليمات الطبيب، لا مجرد خدمة إضافية. ومن المهم أن تتوافر هذه الخدمة عند الحاجة، من خلال مترجمين مؤهلين قادرين على نقل المعلومات الطبية بدقة، حتى لا يؤدي سوء الفهم إلى أخطاء في تناول الأدوية أو اتباع التعليمات العلاجية. إن نجاح هذه المبادرة لا يقتصر على تحويل المريض إلى مستشفى خاص، بل يتطلب ضمان استمرارية الرعاية الطبية وسهولة التواصل بين الطبيب والمريض. شكرًا لمؤسسة حمد الطبية على هذه الخطوة، وأتمنى أن تؤخذ هاتان الملاحظتان بعين الاعتبار لاستكمال منظومة التعاون وتحقيق الفائدة المرجوة منها للجميع.
3159
| 24 سبتمبر 2026
تُولي دولة قطر اهتمامًا بالعنصر البشري القطري، وتحرص على تأهيله وتمكينه وتطوير قدراته، غير أن بعض الجهات الحكومية لا تزال لا تستفيد بالصورة المطلوبة من أصحاب الخبرات الطويلة. فعندما يصل الموظف القطري إلى مسمى «خبير» أو «استشاري»، بعد سنوات من العمل والتدرج وتحمل المسؤوليات، يفاجأ أحيانًا بأنه أصبح بلا عمل واضح، ولا تُسند إليه مهام تتناسب مع خبراته ومسماه الوظيفي. وهنا يبرز السؤال: لماذا يتحول هذا المسمى في بعض الجهات إلى محطة انتظار بدلًا من أن يكون مرحلة جديدة للعطاء؟ ولماذا يُركن موظفون كانوا بالأمس القريب مديرين ورؤساء أقسام وأصحاب قرار، ثم يُتركون بعد ترقيتهم إلى مرتبة خبير أو استشاري بلا ملفات محددة، ولا مشاركة حقيقية في اللجان والدراسات وصناعة القرار؟ إن مسمى «خبير» أو «استشاري» ليس درجة شرفية تُمنح للموظف في نهاية مساره الوظيفي، بل وظيفة تخصصية لها غاية محددة. فالخبير يفترض أن يقدم الرأي الفني المبني على التجربة والمعرفة، وأن يراجع المشروعات والسياسات، ويحلل المشكلات، وينقل خبرته إلى الموظفين الجدد. أما الاستشاري، فينبغي أن يُسهم في إعداد الدراسات، وتقديم البدائل، وتقويم الأداء، ودعم القيادات في اتخاذ القرار وتطوير أساليب العمل. والمفارقة المؤلمة أن الخبير أو الاستشاري غير القطري غالبًا ما يُستفاد منه بصورة أفضل؛ فيشارك في إعداد الدراسات، ويسهم في صياغة التوصيات والقرارات، ويكون قريبًا من أصحاب القرار، بينما قد يُبعد الخبير القطري، وهو الأعرف ببيئة العمل وتاريخ المؤسسة واحتياجات المجتمع. وهذه ليست مطالبة بإقصاء الخبرات الوافدة التي نقدر دورها، بل دعوة إلى تحقيق التوازن وإعطاء الخبرة الوطنية المكانة والدور اللذين تستحقهما. وهذا الوضع لا يضر الموظف وحده، بل يضر الجهة والدولة؛ لأنه يهدر خبرة تراكمت على مدى عشرات السنين، ويضعف نقل المعرفة بين الأجيال، ثم يدفع بعض المؤسسات إلى الاستعانة بخبراء من الخارج للقيام بأعمال يستطيع أبناء الوطن إنجازها بكفاءة. فالخبرة الوطنية ليست عبئًا إداريًا، وإنما رأس مال مؤسسي يجب المحافظة عليه وحسن توظيفه. ولنضرب مثلاً في الولايات المتحدة وعدد من الدول الأوروبية، لا تتوقف الاستفادة من أصحاب الخبرات عند عمر معين أو مغادرة المنصب القيادي؛ فنراهم في البرلمانات ومجالس الإدارات والمؤسسات والشركات ومراكز الأبحاث والجامعات والمعاهد. أما في دولنا، فكثيرًا ما يغادر المسؤول منصبه فتُطوى معه خبرته، ثم نعود إلى استقدام الخبرة من الخارج بتكاليف مرتفعة. لذلك، نأمل من الوزارات والمؤسسات الحكومية التي يسري عليها قانون الموارد البشرية تفعيل ما قرره هذا القانون من ارتباط الوظيفة بواجبات ومسؤوليات محددة، وإلزام كل جهة بإعداد بطاقة وصف وظيفي واضحة للخبير والاستشاري، ووضع خطة سنوية لمهامهما، وإشراكهما في اللجان والدراسات وبرامج التدريب ونقل المعرفة، وتقييم أدائهما على أساس مخرجات قابلة للقياس، مثل إعداد دراسة، أو مراجعة سياسة، أو تدريب مجموعة من الموظفين. فالتكريم الحقيقي للموظف القطري صاحب الخبرة أن يمنح دورًا يليق بعطائه، ويضمن استمرار خبرته في خدمة الدولة والأجيال القادمة.
1110
| 28 سبتمبر 2026