رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
عندما تفتق الذهن البشري عن نموذج "الديمقراطية النيابية" كان الدافع إليه أن نموذج "الديمقراطية المباشرة" لم يستطع أن يفي بأغراض الشعوب. فالناس لا يمكنها أن تتجمع في الميادين والشوارع بالملايين لكي تفصح عن إرادتها، وحتى إذا كان ذلك ممكنا فإن مناقشة أي قرار وسط الآلاف المؤلفة من البشر لا يمكن أن يسفر عن نتائج ذات معنى، كما أن التعبير المباشر عن وجهات النظر السياسية يتضمن احتمال المواجهة بين المختلفين. فكما سينزل المؤيدون سينزل المعارضون، وهنا لن يكون النقاش هو سبيل الإقناع وإنما القدرة على إحداث أكبر قدر من الأذى بالخصم. ومن هنا حلت صناديق الانتخابات محل المواجهات، وحلت فكرة اختيار نواب عن الشعب محل التعبير المباشر عن وجهات النظر، وظل هذا الأمر محل اتفاق بوصفه الأسلوب الأقرب إلى السلمية في المجتمعات المتحضرة.
ولكن القوى السياسية في مصر قررت أن تخالف هذه القناعات، فعادت خلال الأيام الماضية إلى الشارع لممارسة الديمقراطية المباشرة من جديد، متجاوزة بذلك تراثا إنسانيا لم يصل إلى ما وصل إليه من تفضيل الأسلوب النيابي إلا بعد أن خبر مخاطر وأخطاء ديمقراطية الشارع. ليس هذا فحسب ولكن الديمقراطية المصرية أضافت إلى العيوب السابقة عيبا إضافيا وهو اعتمادها بشكل شبه كامل على كاميرات الإعلام، فأضفت بذلك بعدا استعراضيا، يستبدل أصوات الناخبين بحضورهم المباشر والشخصي، ثم ملاحقتهم بالكاميرات لالتقاط حركتهم وإبراز حشودهم. ولكن كاميرات الفضائيات وهي تفعل ذلك فإنها تمارس تحيزات نابعة من تفضيلاتها السياسية ومن مصادر التمويل التي تعتمد عليها، ولذا فإنها لا تظهر الحشود المتقابلة بنفس النسبة، ولا تقدم تغطية متوازنة لها، وإنما تحرص على إبراز كثرة من تؤيدهم، وضآلة من تعارضهم. هذه المتاجرة بمناظر الحشود بهدف إحراز نقاط سياسية تلهب مشاعر المزيد من الناس وتدفعهم للنزول والاعتصام بالميادين دعما لمؤيديهم.
في الديمقراطية على الطريقة المصرية إذن صار الإعلام جزءا من المنازلة السياسية، مهمته الأساسية هي محاصرة الإسلام السياسي على نحو كامل، وذلك للتغلب على معضلة التفوق الانتخابي للإسلاميين، فتم استدراجهم إلى ميدان منازلة جديدة، يفقدون فيها ميزتهم الأساسية، أما إعلان نتائج هذه المنازلة فلا يتم في لجان فرز الأصوات ولكن في أستديوهات التوك شو والبرامج الحوارية، وفي كل الأحوال تكون النتيجة معلنة مسبقاً، وهي انتصار الكتل المعارضة بالأغلبية الساحقة، بعد أن يستبدل اسمها لكي تتم الإشارة إليها باسم "الشعب"، فلا تصبح مجرد قوى معارضة ولكنها تصبح الشعب نفسه، كما لو كانت الأطراف الأخرى غير موجودة في المشهد أصلاً.
نزول المعارضين إلى الشوارع، ودخول الإعلام على الخط ليسا أغرب ظواهر الديمقراطية المصرية، فالأغرب بحق أن الجماهير التي نزلت إلى الشوارع، واعتصمت بالإعلام، ورفضت الاحتكام إلى الصناديق، فعلت كل ذلك لا لكي تحافظ على إرادتها حرة، ولا لكي تمتلك قرارها بأيديها، ولكن من أجل أن تستنجد بالعسكريين وتأتي بهم إلى الحكم، وكأننا أمام نسخة من الديمقراطية الفاشية، التي تقبل ما يفرضه العسكر وترفض ما تفرضه إرادة الأغلبية. ولذا فقد كانت قمة الدراما في الديمقراطية المصرية أن يحتفي المتظاهرون المدنيون، بعودة الجيش إلى المشهد السياسي، وأن يتطلع الكثير إلى أن يحتكر الجيش السلطة، ويقضي على تجربة التحول الديمقراطي المدني بكافة تفاصيلها. وقد شارك في هذا العرض الهزلي كثير من القوى الثورية التي التهبت حناجرها ذات يوم بالنداء الشهير "يسقط حكم العسكر"، هذه أيضا أصبحت لا تمانع في عودة الجيش إلى السلطة مرة أخرى، من أجل أن يبدأ مرحلة انتقالية جديدة، تدوم لعدة أشهر أو بضع سنوات.
لقد كان بالإمكان أن تنتظم القوى الرافضة لحكم الإخوان أمام صناديق الاقتراع في الانتخابات البرلمانية القريبة جدا، لتعبر عن رأيها بشكل سلمي ومتحضر، فتحصد أغلبية المقاعد وتشكل حكومة جديدة، يتولى رئيسها إدارة معظم الملفات السياسية، ويشارك رئيس الدولة في العديد من اختصاصاته، ولكن هذه القوى أبت إلا أن تختار أكثر الأشكال صخباً للتعبير عن رفضها للأداء السياسي للرئاسة والجماعة، ألا وهو النزول إلى الشوارع، مدعومين بكاميرات الفضائيات، التي لاحقتهم وثبتت صور خلفياتها على مشاهد الميادين وهي ممتلئة بهم، وكأنها تقرر بذلك سابقة سياسية، يتعين على المعارضين في المستقبل أن يحتذوها للتعبير عن رفضهم، وهي أن المباراة السياسية يحسمها الطرف الأقدر على إحداث أكبر قدر من الصخب.
إلا أن هذا الأسلوب هو بالضبط ما يجعل المباراة بلا قواعد، فإعلان المغلوب أنه لن يكمل المباراة حتى تتغير قواعد اللعبة بما يضمن له الفوز، أو طلبه من جمهوره أن ينزل إلى أرض الملعب قبل أن تنتهي المباراة أو حتى يستعين بالصديق القوي (المؤسسة العسكرية) للمساعدة في تطويع النتيجة، كل هذه السيناريوهات تنزع عن عملية تداول السلطة شكلها المؤسسي وتتحول بها إلى نمط فوضوي لا يمكن تكراره في المستقبل.
إشارة أخيرة تحملها ظاهرة التظاهرات أمام الكاميرات تتمثل في الإيحاء بأن الديمقراطية المصرية لم تكن أكثر من تمثيلية؛ تظاهر البعض باحترامها ولكنهم عند الجد أعلنوا عن قناعاتهم الحقيقية إزاءها، وهي أن احترامهم لها لم يكن أكثر من ادعاء. فالمثقفون والنخبة الذين صدعوا رؤوس الناس بالحديث عن الشرعية الدستورية، يستخدمون منابر الفضائيات للحديث عن شرعية جديدة تصنع في الشوارع والميادين، أما القوى الثورية فهي ترحب بتدخل المؤسسة العسكرية، وتحضّر لتسليم الجيش مسؤولية البلاد. وكأنها بذلك تعبر عن قناعاتها بأن الإجراءات الدستورية التي انخرطت وشاركت فيها لم تكن أكثر من حبر على ورق، وأن المسار السياسي تحكمه لغة القوة في المقام الأول، فالمشروعية وفقا لها تخرج من فوهة المدفع، وليس من خلال إرادة الشعب بأي شكل من الأشكال.
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
هي ليست عربية ولا حتى مسلمة، ولا تربطها بغزة رابطة دم أو دين أو لغة، ومع ذلك استطاعت في مباراة كرة قدم واحدة أن ترسل رسالة أخلاقية دوّى صداها أبعد بكثير من حدود المستطيل الأخضر. في مباراة منتخب إيرلندا أمام دولة الكيان، لم يتعامل اللاعبون الإيرلنديون مع الأمر وكأنه تسعون دقيقة من كرة القدم تنتهي بصافرة الحكم ثم يعود الجميع إلى منازلهم. ارتدى اللاعبون الشارات السوداء تضامنًا مع الفلسطينيين، وخفضوا رؤوسهم أثناء عزف نشيد المحتل، وغابت المصافحة المعتادة قبل المباراة. وقبلها أعلن حارس المنتخب غافين بازونو انسحابه ورفض المشاركة، مؤكدًا أن قراره جاء انطلاقًا من موقف ومبدأ. حتى مدرب المنتخب الإيرلندي تحدث بوضوح عن رفض ما يجري في غزة، في وقت أصبحت فيه الكلمات الواضحة نفسها تحتاج إلى شجاعة. لم تكن القضية إذن تسجيل هدف في مرمى إسرائيل، مع أن المباراة انتهت بثلاثية إيرلندية نظيفة، وإنما كانت في كيفية استخدام الرياضة لإيصال موقف إلى العالم من دون أن يتحول الملعب إلى فوضى، ومن دون شعارات جوفاء أو استعراض مؤقت ومن غير خجل كثير من المنتخبات العربية للأسف. والشارع الإيرلندي كان حاضرًا قبل المباراة كذلك. احتجاجات وأعلام فلسطينية، ومطالبات بمقاطعة المباريات، ورسالة مفتوحة وقّعها أكثر من 160 رياضيًا إيرلنديًا تطالب لاعبي المنتخب بعدم مواجهة إسرائيل. حتى الاتحاد الإيرلندي لكرة القدم سبق أن طالب بوقف مشاركة إسرائيل دوليًا، وسط جدل واسع داخل البلاد بشأن استمرار المباريات. هؤلاء فعلوا ذلك من أجل غزة. وهنا يأتي السؤال المؤلم: ونحن ؟؟ أين نحن من غزة؟ أين الشارع العربي؟ أين الجماهير؟ أين الرياضيون؟ أين المشاهير؟ أين أصحاب الملايين من المتابعين؟ وأين ذلك الصوت الذي كان يملأ الدنيا عندما كانت القضية في بدايتها؟ أخشى أن أخطر ما يمكن أن يحدث لغزة ليس فقط استمرار القتل والدمار والتجويع، وإنما أن يصبح كل ذلك بالنسبة إلينا خبرًا عاديًا. أن نرى الصورة ثم نتجاوزها. أن نقرأ عدد الضحايا ثم ننتقل إلى خبر آخر. أن تصبح غزة فقرة ثابتة في نشرات الأخبار بعدما كانت جرحًا مفتوحًا في وجدان الأمة. لقد طال الزمن، وكثرت الصور، وتكررت المشاهد، وربما أصاب البعض شيء من الاعتياد. وهنا تكمن الكارثة. لأن المأساة عندما تطول لا تصبح أقل مأساوية، والطفل الذي يجوع اليوم ليس أقل قيمة من الطفل الذي أبكانا قبل عام أو عامين، والأم التي تفقد أبناءها اليوم لا يخفف من مصابها أن العالم شاهد آلاف القصص المشابهة قبلها. في غزة شعب يعيش تحت دمار هائل وحصار ومعاناة إنسانية ممتدة، وسط اتهامات دولية بالغة الخطورة لإسرائيل بشأن ما ارتُكب بحق المدنيين الفلسطينيين. ومع ذلك، نجد أن صوت التضامن يأتي أحيانًا من دبلن أقوى من أصوات كثيرة في عواصم أقرب إلى غزة جغرافيا ودينًا ولغةً وتاريخًا. وهذه ليست مقارنة هدفها جلد الذات، وإنما إيقاظها. الإيرلندي الذي يرفع علم فلسطين لا يقول لنا: انظروا إليّ. بل ربما يسألنا من حيث لا يدري: إذا كانت غزة حرّكت ضميري وأنا على بعد آلاف الكيلومترات، فكيف أصبحت بعيدة عن ضمائركم وأنتم أهلها وإخوتها؟ لسنا مطالبين بأن نتحول جميعًا إلى سياسيين، ولا أن تتوقف الحياة، ولا أن يصبح كل إنسان خطيبًا أو ناشطًا. لكننا مطالبون بأبسط شيء: ألا ننسى. ألا تصبح صور الأطفال أرقامًا. ألا يصبح الجوع خبرًا. ألا يصبح الموت مشهدًا مألوفًا. وألا تتحول فلسطين من قضية حاضرة في الوجدان العربي والإسلامي إلى ذكرى موسمية نستحضرها فقط عندما يقع حدث كبير. ما فعلته إيرلندا يثبت أن الموقف لا يحتاج دائمًا إلى منصة سياسية ولا إلى خطاب طويل. أحيانًا تكفي شارة سوداء. أحيانًا يكفي رأس ينحني رفضًا. أحيانًا يكفي لاعب يقول: لن أشارك. وأحيانًا يكفي جمهور يرفع علمًا ليذكّر العالم بأن هناك شعبًا لم يُنسَ. لكن السؤال الذي يجب أن يؤلمنا قليلًا بل كثيرًا: إذا كانت إيرلندا ما زالت تتذكر غزة بهذا الوضوح، فبأي عذر نسمح نحن لأنفسنا أن ننساها؟ غزة ليست خبرًا قديمًا. غزة ليست «ترندًا» انتهى. وغزة، قبل كل شيء، ليست بعيدة عنا. هي منا.. ونحن أولى الناس بألا نتركها وحدها. وإلا بذلك تكون إيرلندا هي المسلمة ونحن …..
4605
| 29 سبتمبر 2026
لا يوجد إعلام رياضي خليجي واحد، وإنما إعلام خاص بكل دولة من دول مجلس التعاون. ورغم أهمية القضية وتأثيراتها السلبية على مستقبل الرياضة في خليجنا العربي، إلا أنها لم تنل ما تستحقه من البحث والدراسة، وسأناقشها من أربع زوايا. الزاوية الأولى: إن الإعلام في دولنا خال من الروح الخليجية، فهو يُعنى بالفعاليات والإنجازات الرياضية المحلية، ويركز عليها بشكل مطلق، وإذا ورد خبر رياضي خليجي فإنه يرد ضمن الأخبار غير المحلية ودون عناية به أو تمييز له. الزاوية الثانية: إنه إعلام خبري يهتم بنقل الخبر، ويفتقر إلى المقالات التحليلية العلمية. فمعظم المقالات تدور حول موضوعات تتعلق بجوانب شخصية لكتابها، ولا تقدم رؤى وأفكاراً تساعد في نشر الوعي الرياضي، أو تسهم في تخليق قاعدة جماهيرية مثقفة رياضياً تتيح إعداد جيل يبرز فيه إعلاميون وصحفيون رياضيون مستقبلاً. الزاوية الثالثة: إنه إعلام لا يُعنى بالدور التنموي الكبير للرياضة كأداة تغيير مجتمعي فعالة. فلا نجد اهتماماً بغير الجانب التنافسي لها كنشاطات بدنية، وقلما عثرنا باهتمامات بجوانبها الاجتماعية كالتوعية بالمسؤولية الاجتماعية أو التنشئة الأخلاقية للناشئة والشباب، وتنمية المشاعر الوطنية المرتكزة إلى الإسلام الحنيف والعروبة. الزاوية الرابعة: إنه إعلامُ اللعبة الواحدة، فمعظمُ موادهِ وتغطياتِـهِ تدور حول كرةِ القدمِ، وهذا أمر يعوقُ السعي لتأسيسِ قواعد شعبية للعبات الأخرى، ويؤثِّـرُ سلباً على إنجاح الفعاليات والبطولات الدولية جماهيرياً عندما تُقامُ في إحدى دولِـنا الستِّ. نبضةٌ خليجيةٌ: خليجنا واحد، عبارة تعني أننا شعب واحد في ست دول، وأن تنمية إنساننا هي مهمة خليجية نعمل جميعاً لإنجاحها، وحبذا لو انطلقنا في ذلك من الرياضة وإعلامها.
3306
| 02 أكتوبر 2026
تُولي دولة قطر اهتمامًا بالعنصر البشري القطري، وتحرص على تأهيله وتمكينه وتطوير قدراته، غير أن بعض الجهات الحكومية لا تزال لا تستفيد بالصورة المطلوبة من أصحاب الخبرات الطويلة. فعندما يصل الموظف القطري إلى مسمى «خبير» أو «استشاري»، بعد سنوات من العمل والتدرج وتحمل المسؤوليات، يفاجأ أحيانًا بأنه أصبح بلا عمل واضح، ولا تُسند إليه مهام تتناسب مع خبراته ومسماه الوظيفي. وهنا يبرز السؤال: لماذا يتحول هذا المسمى في بعض الجهات إلى محطة انتظار بدلًا من أن يكون مرحلة جديدة للعطاء؟ ولماذا يُركن موظفون كانوا بالأمس القريب مديرين ورؤساء أقسام وأصحاب قرار، ثم يُتركون بعد ترقيتهم إلى مرتبة خبير أو استشاري بلا ملفات محددة، ولا مشاركة حقيقية في اللجان والدراسات وصناعة القرار؟ إن مسمى «خبير» أو «استشاري» ليس درجة شرفية تُمنح للموظف في نهاية مساره الوظيفي، بل وظيفة تخصصية لها غاية محددة. فالخبير يفترض أن يقدم الرأي الفني المبني على التجربة والمعرفة، وأن يراجع المشروعات والسياسات، ويحلل المشكلات، وينقل خبرته إلى الموظفين الجدد. أما الاستشاري، فينبغي أن يُسهم في إعداد الدراسات، وتقديم البدائل، وتقويم الأداء، ودعم القيادات في اتخاذ القرار وتطوير أساليب العمل. والمفارقة المؤلمة أن الخبير أو الاستشاري غير القطري غالبًا ما يُستفاد منه بصورة أفضل؛ فيشارك في إعداد الدراسات، ويسهم في صياغة التوصيات والقرارات، ويكون قريبًا من أصحاب القرار، بينما قد يُبعد الخبير القطري، وهو الأعرف ببيئة العمل وتاريخ المؤسسة واحتياجات المجتمع. وهذه ليست مطالبة بإقصاء الخبرات الوافدة التي نقدر دورها، بل دعوة إلى تحقيق التوازن وإعطاء الخبرة الوطنية المكانة والدور اللذين تستحقهما. وهذا الوضع لا يضر الموظف وحده، بل يضر الجهة والدولة؛ لأنه يهدر خبرة تراكمت على مدى عشرات السنين، ويضعف نقل المعرفة بين الأجيال، ثم يدفع بعض المؤسسات إلى الاستعانة بخبراء من الخارج للقيام بأعمال يستطيع أبناء الوطن إنجازها بكفاءة. فالخبرة الوطنية ليست عبئًا إداريًا، وإنما رأس مال مؤسسي يجب المحافظة عليه وحسن توظيفه. ولنضرب مثلاً في الولايات المتحدة وعدد من الدول الأوروبية، لا تتوقف الاستفادة من أصحاب الخبرات عند عمر معين أو مغادرة المنصب القيادي؛ فنراهم في البرلمانات ومجالس الإدارات والمؤسسات والشركات ومراكز الأبحاث والجامعات والمعاهد. أما في دولنا، فكثيرًا ما يغادر المسؤول منصبه فتُطوى معه خبرته، ثم نعود إلى استقدام الخبرة من الخارج بتكاليف مرتفعة. لذلك، نأمل من الوزارات والمؤسسات الحكومية التي يسري عليها قانون الموارد البشرية تفعيل ما قرره هذا القانون من ارتباط الوظيفة بواجبات ومسؤوليات محددة، وإلزام كل جهة بإعداد بطاقة وصف وظيفي واضحة للخبير والاستشاري، ووضع خطة سنوية لمهامهما، وإشراكهما في اللجان والدراسات وبرامج التدريب ونقل المعرفة، وتقييم أدائهما على أساس مخرجات قابلة للقياس، مثل إعداد دراسة، أو مراجعة سياسة، أو تدريب مجموعة من الموظفين. فالتكريم الحقيقي للموظف القطري صاحب الخبرة أن يمنح دورًا يليق بعطائه، ويضمن استمرار خبرته في خدمة الدولة والأجيال القادمة.
1272
| 28 سبتمبر 2026