رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
كلما ادلهمت أمامي سبل الخلاص من الخطر الذي يتربص بالعالم الإسلامي ومنه العرب وكلما رأيت القنابل والبراميل المتفجرة والراجمات تقتل الأبرياء في العراق وسوريا وليبيا واليمن كلما رجعت بذاكرتي إلى عقود ماضية وإلى التسعينيات تحديدا حين كنا مجموعة من المجتهدين المسلمين الوسطيين جمعتنا جامعة قطر الرائدة وكنا في الحقيقة قادمين من منافينا وبعضنا من سجونه ملاحقين من أنظمة عاتية مستبدة لم تطرح قضية الهوية وعلاقتها بالتنمية والحرية أبداً، بل اكتفت نخبهم باستعمال العصا وشهدنا سقوط طغاة الجمهوريات العرب وهم يستعدون لتوريث شعوبهم لأولادهم وأصهارهم كأن الشعوب قطيع أغنام ولم تصمد الأنظمة المعادية للهوية بعد سنوات أمام عواصف التغيير والغضب مثلما كنا نتوقع، أملا في عدالة الله سبحانه.
وكنا، تونسيين ومصريين وسوريين وفلسطينيين وخليجيين، نتحاور حول أسباب تخلف العرب واستهداف المسلمين ولم نكتف بالحوار، بل أنشأنا أول موقع في الشبكة لخدمة الإسلام وهو الموقع الرائد (إسلام أون لاين) لا يزال حيا وفاعلا إلى اليوم، ثم نظمنا، بفضل رشاد القيادة السياسية والعلمية القطرية ندوات حوار بين الأديان السماوية الثلاثة وتجادلنا مع أكبر علماء ومفكري المسيحية واليهودية حول أقوم المسالك لسن عهد جديد من التسامح وإقرار العدل في النظام العالمي الجائر.
ولعل أهم سؤال حاولنا الإجابة عنه لا يزال قائما اليوم ولم تحل معضلات المسلمين بين فرقتين كبيرتين: فرقة تعتقد أن الهروب للتاريخ القديم وإلغاء العصر هو الحل وفرقة تعتقد أن الهروب للجغرافيا، أي للغرب، وإلغاء التراث هو الحل! واليوم ينادي بعض الشباب بالعودة للماضي دون النظر في تحولات العصر وتوازن القوى وينادي بعض شباب النخب العلمانية باللجوء إلى الغرب المتغول وتقليده دون أي اعتبار لهوية المسلمين وأمجادهم وحقوقهم.
وما شد إعجابي هذا الأسبوع هو الحديث المهم الذي ألقته صاحبة السمو الشيخة موزا في جامعة أكسفورد حول نفس المعاني، حين أكدت أن الخوف من الإسلام هو نوع من أنواع العنصرية والظلم وأن عنف داعش هو جزء من العنف الذي شهده العالم في جوانتانامو وأبو غريب وأن الإسلام حمال قيم ورسالات كونية.
وهذا الحديث القيم دليل على أن الأسئلة الكبرى لا تزال مطروحة على الضمائر المسلمة ولعل الإجابة الجريئة عنها تدلنا إلى صراط السلام والأمن والتقدم والعودة لصنع الحضارة.
أذكر أننا كنا نتناقش في التسعينيات رغم أننا بعيدون عن شأن بلداننا حول رأي أبداه الشيخ يوسف القرضاوي في قناة الجزيرة، كيف مر مرور الكرام، ولم يعلق عليه لا الفقهاء ولا المفكرون المسلمون؟. أعجب من هذا الصمم التقليدي الذي يجعلنا لا نعير اهتماما للأفكار الحية الجريئة التي تحرك العالم وتطور المجتمعات وتنير الطرقات، خاصة أن ما قاله الشيخ الدكتور يوسف يعتبر مرجعا فكريا للأمة الإسلامية ومنارة حضارية لنهضتها من كبوة التخلف والتبعية والفتنة.
في لقاء تلفزيوني مباشر وغير متوازن مع داعية أمريكي للسياسات الإسرائيلية كان يتكلم بلسان المحافظين الجدد دون اطلاع معمق وضروري على خلفيات صراع الشرق الأوسط، أعاد الشيخ للأذهان ما كان أعلنه في مؤتمر العلماء المسلمين المنعقد في الاتحاد الأوروبي، حين صدع برأي غاية في الأهمية، يعتبر ثورة حقيقية وسطية في الفكر الإسلامي المستنير، وهو تقديم مبدأ إقرار الحريات والديمقراطية في المجتمعات المسلمة على مبدأ تطبيق الشريعة.
وهو رأي راعى فيه شيخنا مقاصد الشريعة والتحولات التاريخية الكبرى التي طرأت على العالم منذ الهزيع الأخير من القرن العشرين. وتذكرت الأحاديث المنعشة في بيته وفي مكتبه وفي الاجتماعات العديدة التي جمعتني به على مدى حول كامل لإنشاء أول موقع إسلامي كبير على شبكة الإنترنت، وما كان يدور بيننا من حوار حول أسبقية إقرار الحريات وصيانة حقوق الإنسان والعمل بالآليات الديمقراطية على مجرد رفع شعار الإسلام من أجل بلوغ مقاعد السلطة ثم الانقلاب على كل القيم وفي مقدمتها قيمة الحرية باسم الإسلام والإسلام من ذلك براء.
وهذا الرأي لا يزال حاضرا بقوة في وجداني، لأننا عشنا وصول بعض الحركات ذات المرجع الإسلامي للسلطة لكنها في أغلب المواقف تخلت عن ثوابت الحضارة الإسلامية وانطلقت تغازل الحركات التقليدية لتحافظ على السلطة، كأنما السلطة هي غايتها وليس إصلاح المجتمعات بإقرار الحداثة الأصيلة بدل الحداثة الدخيلة.
وأذكر أنني في يوم من الأيام سألت الشيخ قائلا له: "أعتقد، والله أعلم، أن القرآن إذا ما اعتبره البعض دستورا فهو ربما يجيز به بعض الطغاة طغيانهم، والأرشد للأمة أن تتخذ لنفسها دساتير من وضع الناس تحدد الحقوق والواجبات وتدستر علاقات الشعوب بدولها"، فقال لي الشيخ إن القرآن هو دستور الدساتير ولا ينفيها، بل في محكم آياته يدعو إلى إقرارها حفظا للمجتمع من الشطط والارتجال.
وحين أربط بين رأي العلامة ذاك والحملة التي يتعرض لها ظلما، أستنتج أننا نوصد أبواب ثورة فكرية حقيقية مباركة في العقل الإسلامي المنفتح الواثق وأننا بصدد قطع شوط كبير على درب العودة لعصر الجمود وتمكين أعدائنا من طردنا من دورة التاريخ لنعود كأمساخ ذليلة للأمم القوية المهيمنة لا كأصحاب حضارة عريقة مجيدة متجددة أثبتت أنها قادرة على إنجاب العبقريات وإنتاج المعرفة وتحريك السواكن.
وأنا لا أتردد في القول بأن الثورة الشاملة التي تنتظر المسلمين هي ثورة العقل المسلم على التبعية والجمود والغلو والجهل والاستبداد بكل أشكاله لا الهرب من الواقع المرير إلى الوهم الأمر منه، الثورات الوهمية التي نرفعها شعارات منفصلة عن الواقع وعن تحولات العالم وتطور الإنسان، فنعلنها تمردات عشواء على كل من يخالفنا الرأي أو الدين أو الجنس أو الانتماء ونقدم للمتربصين بنا، وهم كثر، ذرائع سهلة لمعاداتنا وتأليب العالم ضدنا وعزلنا عن المجتمع الدولي.
وإني أدعو المثقفين المسلمين إلى تعميق التفكير والحوار حول الجدلية بين الهوية والحرية والشرعية، بالبحث والتفسير والتيسير، لأن حل هذه الجدلية الحضارية سيمد الأمة بقبس من النور الذي يهديها، وأيضا حول الحوار الإسلامي المسيحي والحوار الإسلامي اليهودي ومواصلة التنديد بالإرهاب إذا ما أصاب الأبرياء، مهما كانت بواعثه وبراهينه ونبقى مدركين أن هذه المقاربة الحكيمة للتاريخ الإسلامي المشحون بالتسامح وإعمال العقل لم يسعف أمته اليوم ولم ينقذها من الحملات الجهولة والعنصرية والمغرضة التي شنها عليه غلاة الأديان الأخرى وأزلام العداء للقيم الدينية والأخلاقية ممن لا يؤمنون بأي دين، بل يعتبرون الهوية عائقا أمام فسادهم وميوعتهم وضلالهم.
وأنا أبقى مقتنعا اليوم بأن مصائب العرب الراهنة أول أسبابها أن الهوية والحرية والشرعية هي من الفرائض الغائبة كما كتبت حرفيا في نهاية كتابي الصادر عام 2003 في عز الاستبداد، لا بعد أفول نجمه وزوال عهده.
الأمم المتحدة تكرم قائداً بنى وطناً وترك أثراً في أمته
لم يكن تكريم الأمم المتحدة لروح المغفور له بإذن الله، الأمير الوالد الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني،... اقرأ المزيد
270
| 18 سبتمبر 2026
من برجي نيويورك إلى مضيق هرمز.. 25 عاماً من صناعة الخوف وسوء الفهم
في الحادي عشر من سبتمبر 2001 لم يسقط في نيويورك برجا مركز التجارة العالمي فحسب، بل سقطت أيضاً... اقرأ المزيد
273
| 11 سبتمبر 2026
عودة وساطة الخير والسلام القطرية
عندما كنت بصدد تحرير مقالي واخترت عنوانه فوجئت كما فوجئتم جميعا بعودة الاشتباكات العسكرية بين الولايات المتحدة وإيران... اقرأ المزيد
189
| 04 سبتمبر 2026
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
نهج.. وبقيمنا نلتزم. توقفت عند هذا الشعار وسألت نفسي: هل نحن فعلًا من يختار ما نراه على هواتفنا؟ نفتح التطبيق لنشاهد مقطعًا واحدًا. وبعد نصف ساعة نجد أنفسنا نشاهد مقاطع لم نبحث عنها ونقرأ آراء لم نطلبها وربما نقتنع بفكرة فقط لأنها ظهرت أمامنا مرات عديدة ثم نعتقد بكل ثقة:أنا اخترت. لكن هل اخترنا فعلًا؟ أطلقت المؤسسة القطرية للإعلام مبادرة نهج بالتعاون مع جامعة قطر وجهات أخرى، لتعزيز الوعي بالمحتوى الرقمي ومسؤولية الكلمة. وجاءت المبادرة في وقت لم تعد فيه المنصات تعرض لنا ما ينشره الآخرون بالترتيب الذي نشروا فيه. فالخوارزميات تتعلم ما يجذبنا والذكاء الاصطناعي يساعدها على فهم اهتماماتنا أكثر. وكلما توقفنا عند مقطع وصلتنا مقاطع تشبهه. ونجد أنفسنا محاطين بأفكار نحبها من دون أن ننتبه إلى ما غاب عنا. لهذا التدريب على الذكاء الاصطناعي يجب ألا يتوقف عند تعلم استخدامه في العمل والدراسة. نحتاج أيضًا أن نفهم أثره في ما نشاهده كل يوم. لماذا وصلني هذا الخبر؟ هل مصدره موثوق؟ وهل أعطيته وقتي لأنه مهم أم لأنه عرف كيف يجذب انتباهي؟. يمكن أن نبدأ التدريب بموقف نعيشه جميعًا. نأخذ خبرًا انتشر على المنصات ونسأل المشاركين كيف وصل إليهم ولماذا صدقوه، وأين وجدوا مصدره. قد نختلف في الإجابات لكننا على الأقل سنتوقف قليلًا قبل المشاركة. الذكاء الاصطناعي يتطور بسرعة. أما قدرتنا على التوقف والسؤال فتحتاج منا بعض التدريب. وهذا أجمل ما تذكرنا به نهج أن يكون لنا نهج واضح ونحن نمسك الهاتف قبل أن يختار لنا الهاتف نهجنا.
2235
| 09 أكتوبر 2026
قد يربح استثمارك، ثم تكتشف أن من يديره اختاره لأن عمولته أعلى، رغم وجود خيار أنسب لاحتياجاتك. هل يكفي الربح لتطمئن إلى أنه أدى الأمانة؟ هذا السؤال يفتح بابًا مهمًا لفهم المسؤولية التي يتحملها كل من يُؤتمن على إدارة مصالح الآخرين. في قلب هذه المسؤولية يأتي مفهوم Fiduciary Duty، الذي يمكن تبسيطه بأنه واجب الأمانة والولاء والعناية تجاه من ائتمنك. فمن يُمنح صلاحية إدارة أموال أو مصالح، عليه أن يستخدمها لخدمتها، وأن يدرس قراراته بعناية، وأن يُفصح عن أي مصلحة شخصية قد تؤثر في اختياره. ولفهم المبدأ، يكفي طرح سؤالين: هل درس المسؤول القرار كما ينبغي؟ وهل اتخذه لخدمة المصلحة التي كُلّف بحمايتها؟ يتعلق السؤال الأول بالعناية، والثاني بالولاء. فقد يكون المدير أمينًا، لكنه يوافق على استثمار كبير دون فهم مخاطره. وقد يكون خبيرًا، لكنه يستخدم معرفته لتوجيه عقد نحو شركة ينتفع منها. ولذلك تحتاج الإدارة المسؤولة إلى الأمانة والكفاءة معًا. وتظهر أهمية هذا الواجب لأن صاحب المال لا يستطيع متابعة كل قرار. فالمساهم لا يحضر اجتماعات الإدارة اليومية، والعميل لا يعرف جميع تفاصيل المنتجات الاستثمارية، بينما يمتلك المسؤول معلومات وصلاحيات تمنحه تأثيرًا واسعًا. وكلما اتسعت هذه المسافة، ازدادت الحاجة إلى قواعد تحدد كيف تُستخدم السلطة وكيف يُساءل صاحبها. والأمانة هنا تتجاوز الامتناع عن السرقة. فقد يضر المسؤول بمن ائتمنه دون أن يأخذ مالًا من حسابه مباشرة؛ كأن يخفي مصلحته في صفقة، أو يستغل فرصة تخص المؤسسة لحسابه، أو يهمل دراسة التزامات تتحمل المؤسسة نتائجها لسنوات. لذلك ينبغي أن يمتد الاهتمام إلى أسباب القرار وطريقة اتخاذه، إلى جانب نتيجته. في الولايات المتحدة، يقدم عمل مستشاري الاستثمار مثالًا واضحًا. فالمستشارون الخاضعون لقانون مستشاري الاستثمار الاتحادي ملتزمون بواجبَي العناية والولاء تجاه عملائهم، بما يقتضي تقديم المشورة في مصلحة العميل وفهم أهدافه وظروفه. وهذا تطبيق محدد للمبدأ، إذ تختلف الالتزامات بحسب طبيعة الدور والعلاقة القانونية. لنفترض أن متقاعدًا يريد دخلًا منتظمًا، ويحتاج إلى جزء من مدخراته خلال عام. ينبغي للمستشار أن يفهم هذه الحاجة قبل أن يوصي باستثمار طويل الأجل يصعب الخروج منه. وعليه أن يدرس المخاطر والتكاليف وقدرة العميل على تحمل الخسارة. فالمنتج الذي يناسب شخصًا يستطيع الانتظار عشر سنوات قد لا يناسب من يحتاج أمواله قريبًا، مهما بدا عائده جذابًا. أما إذا كان المستشار يحصل على منفعة مرتبطة بتوصيته، فإن ذلك يثير تعارضًا محتملًا بين مصلحته ومصلحة العميل. وتوضح الإرشادات الأمريكية ضرورة إزالة التعارض، أو الإفصاح عنه بصورة كاملة وواضحة تتيح للعميل الموافقة عن علم، مع استمرار الالتزام بمصلحته. وإذا تعذر الإفصاح بما يسمح بموافقة واعية، وجب إزالة التعارض أو تخفيفه على نحو يتيح ذلك. وجود عمولة لا يجعل كل توصية خاطئة، لكن إخفاءها أو إخفاء أثرها يحرم العميل من معلومة قد تغير قراره. ولذلك، قبل أن تمنح أحدًا سلطة إدارة أموالك، اسأله كيف يتقاضى أجره، وما المصالح التي قد تؤثر في قراراته. واسأله أيضًا: لماذا اخترت هذا الاستثمار؟ ما تكلفته؟ وما البدائل التي درستها؟ تساعد هذه الأسئلة على جعل العلاقة أوضح منذ البداية. وفي قطر، توجد أحكام قانونية تحقق جوانب أساسية من هذا الغرض. ففي الأحكام المنظمة لمجلس إدارة شركة المساهمة بقانون الشركات التجارية رقم 11 لسنة 2015 وتعديلاته، تُلزم المادة 109 رئيس وأعضاء مجلس الإدارة وأعضاء الإدارة التنفيذية العليا بالإفصاح عن مصالحهم المباشرة وغير المباشرة في صفقات الشركة وتعاملاتها. كما تمنع صاحب المصلحة من حضور الجلسات التي تناقش الموضوع المتعلق به أو التصويت عليه. وتنظم المادة 108 عدم منافسة هؤلاء للشركة دون موافقة الجمعية العامة، بينما تقرر المادة 113 مسؤولية رئيس وأعضاء المجلس عن الأضرار الناشئة عن الغش وإساءة استعمال السلطة ومخالفة القانون أو النظام الأساسي والخطأ الجسيم في الأداء. وتختلف التفاصيل القانونية بحسب نوع الشركة وصفة المسؤول. وتمتد الحماية إلى القضاء. فالمادة 109 تتيح للمساهمين، وفق شروطها ومع مراعاة حقوق الغير حسن النية، المطالبة ببطلان صفقات والتعويض عن المخالفات، وتُلزم المخالف برد المنفعة التي حققها إلى الشركة. وتتيح المادة 115 للشركة رفع دعوى المسؤولية عن الأخطاء التي تضر بمجموع المساهمين، بقرار من الجمعية العامة العادية. كما تسمح المادة 116 للمساهم برفع الدعوى منفردًا إذا لم ترفعها الشركة وكان الخطأ يُلحق به ضرر خاص كمساهم، بشرط إخطارها. وإذا صدر حكم لصالحه، تلتزم الشركة بتعويضه عن نفقات ومصاريف التقاضي. ولتقريب الصورة، تخيّل أن شركة تريد شراء معدات، وأحد أعضاء مجلس إدارتها شريك في الشركة التي قدمت العرض. قد يكون العرض جيدًا، لكن مصلحته فيه يجب أن تكون معلومة. ووفق الأحكام المنطبقة، يفصح عنها ويتنحى عن حضور المناقشة والتصويت، وتُستكمل الموافقات المطلوبة. ثم يقيّم الآخرون العرض وفق السعر والجودة والخدمة، ويوثقون أسباب اختيارهم. فالإفصاح عن المصلحة الشخصية لا يمنح المسؤول حرية تمرير القرار، بل يتيح إخضاعه للمراجعة والموافقات المطلوبة. وهناك سؤال مفيد للمراجعة الذاتية قبل اتخاذ القرار: لو لم تكن لي منفعة شخصية، هل كنت سأتخذ القرار نفسه؟ هذا السؤال لا يغني عن الإجراءات القانونية، لكنه يساعد المسؤول على ملاحظة تأثير مصلحته في حكمه، خصوصًا حين يجد نفسه يدافع عن خيار لا يستطيع تبريره بمعايير واضحة. ولكي تصبح هذه الحماية جزءًا من العمل اليومي، تحتاج المؤسسة إلى سجل للمصالح يُحدّث عند تغيرها، وطريقة واضحة للإفصاح، ومحاضر تثبت التنحي، ومراجعة للصفقات التي تتداخل فيها المصالح. ويحتاج المسؤول إلى فهم حدود صلاحياته، كما يحتاج المساهم إلى معرفة حقوقه ووسائل المطالبة بها. فالنص القانوني يزداد أثره حين يتحول إلى إجراءات يعرفها الناس ويطبقونها. ومع ذلك، يجب التمييز بين الخسارة والإخلال بالأمانة. فقد يُدرس مشروع بعناية ثم تتغير ظروف السوق، وقد تحقق صفقة ربحًا رغم إخفاء مصلحة شخصية فيها. لذلك ينظر التقييم السليم إلى العناية التي بُذلت، والمعلومات المتاحة، والالتزامات ذات الصلة، إلى جانب النتيجة. فهذا التوازن يحمي أصحاب الأموال، ويتيح للإدارة اتخاذ قرارات مهنية مسؤولة. حين تُسلَّم أموال الناس ومصالحهم إلى مسؤول، فإنهم يمنحونه صلاحية التصرف وثقة تستحق الحماية. ولهذا يجب أن تكون الأمانة التزامًا واضحًا، تدعمه قواعد للإفصاح، ورقابة تكشف التجاوز، وحق في التقاضي يتيح المطالبة بالإنصاف. فالمؤسسة التي تحمي أصحاب الأموال تجعل المسؤول قادرًا على تفسير قراراته، وتُلزمه بتحمل تبعات إخلاله. ومن يملك سلطة القرار في أموال الآخرين، لا يملك حق تقديم مصلحته على مصالحهم.
1125
| 11 أكتوبر 2026
أشدّ ما يؤلم في الفقد أن نكتشف متأخرين أننا أضعنا وقتا طويلا في طرق أبواب لا تعرفنا، بينما كان هناك باب واحد يستحق أن نقف أمامه طويلا، وصاحب ينتظر منا التفاتة صغيرة، أو سؤالا عابرا، أو زيارة تؤكد له أنه ما زال حاضرا في قلوبنا. ثم تمضي الأيام، ويغيب صاحب الباب، ونكتشف أن الطريق إليه صار أبعد من قدرتنا، وأن بعض المواعيد التي أجلناها بحجة الانشغال قد لا تمنحنا الحياة فرصة أخرى للوفاء بها. الأسى الحقيقي أن تطرق في الدنيا بابا، فيما قد يكون صاحب القلب الذي أهملته قد سبقك إلى غياب لا تعرف متى تلتقيه بعده، ولا كيف يمكن أن تصله رسائلك المؤجلة. أن تنشغل بمن لا يراك، وتستنزف مشاعرك في استرضاء من لا يعنيه حضورك، وتبذل من وقتك وكرامتك ما يكفي لشراء لحظة رضا عابرة، فيما هناك قلب يحبك بصدق، ويكتفي منك بما تستطيع من محبة واهتمام. قد يكون ذلك القلب أما أو أبا أو أو أخا صديقا قديما، أو شخصا منحك من عمره ما لم تنتبه يوما إلى قيمته، لأنه كان قريبا بما يكفي لتطمئن إلى بقائه. نؤجل الزيارات أحيانا لأن الغد يبدو مضمونا، ونختصر المكالمات لأن لدينا ما هو أهم، ونعد أنفسنا بأننا سنعوض من نحب حين تنتهي مشاغلنا. غير أن المشاغل تعرف كيف تتكاثر، والأيام تمضي من غير أن تستأذننا، حتى يأتي خبر صغير يغيّر ترتيب الأشياء في أعيننا إلى الأبد. عندها نستعيد وجوها لم نمنحها حقها من التأمل، وأصواتا كنا نستعجل انتهاء أحاديثها، وعتبا بسيطا تمنينا لو سمعناه مرة أخرى. ما أغرب قدرتنا على منح الغرباء من وقتنا أكثر مما نمنح أهلنا، وعلى الوقوف طويلا أمام أبواب مغلقة نرجو منها قبولا أو اعترافا، فيما نمر سريعا على الأبواب التي تفتح لنا بمحبة. نركض وراء مكانة قد لا تضيف إلى أرواحنا شيئا، ونحزن لأن شخصا لم يلتفت إلينا، وننسى من كان يفرح لمجرد سماع أصواتنا. وحين نراجع حساباتنا بعد الفقد، ندرك أن بعض ما أرهقنا كان يستحق التجاهل، وأن بعض من أهملناهم كانوا يستحقون أعمارا إضافية من قربنا. ولعل أقسى ما في الرحيل أنه يكشف لنا حقيقة علاقاتنا بأنفسنا أيضا. كم مرة خذلنا مشاعرنا الصادقة كي نرضي آخرين، وكم مرة اعتذرنا عن زيارة حبيب بحجة التعب، ثم احتملنا مشقة الطريق إلى شخص لا يبادلنا الود. كم مرة عرفنا أن أحدهم يحتاج إلينا، وقلنا إن الوقت لم يحن بعد، حتى صار الوقت كله ملكا للندم. لا أظن أن أحدا يستطيع استعادة الماضي، أو إصلاح ما انكسر في لحظة غياب، لكننا نستطيع أن نتعلم كيف نوزع محبتنا بعدالة أكبر، وأن نعيد النظر في أولوياتنا قبل أن يفرضها علينا الفقد. فالعلاقات الحقيقية تحتاج إلى رعاية يومية، وإلى حضور يشعر به الآخر، وإلى كلمات تقال في وقتها، واعتذارات لا تتأخر حتى تفقد معناها. وقد تكون زيارة قصيرة أثمن من هدية باهظة، ومكالمة صادقة أعمق أثرا من وعود طويلة نرددها كلما ضاق بنا تأنيب الضمير. أما الذين رحلوا، فلهم في القلب مكان لا تبلغه الأقدام، وتبقى ذكراهم امتحانا لمحبتنا ووفائنا. نرجو أن تصلهم دعواتنا، ونحفظ ما أحبوه، ونصل من كانوا يحبونهم، ونجعل من غيابهم سببا لمزيد من الرحمة في حياتنا. وربما كان أجمل الوفاء لهم أن ننتبه إلى الأحياء الذين ما زالوا ينتظرون منا التفاتة، قبل أن تتحول أسماؤهم إلى ذكريات نستدعيها كلما أوجعنا الحنين. فلنخفف من طرق الأبواب التي تستنزف أرواحنا، ولنلتفت إلى الذين يفتحون لنا قلوبهم بمحبة. فما أقسى أن نقضي أعمارنا في انتظار من لا يأتي، ثم نكتشف أن الذين كانوا يستحقون انتظارنا قد رحلوا إلى حيث لا نعرف من أمر اللقاء إلا ما نرجوه ونؤمن بإمكانه. عندها لن يعيد الاعتذار المتأخر صوتا غاب، ولن تعود يد امتدت إلينا ذات يوم لتمنحنا الأمان. وربما كان علينا أن نفهم باكرا أن بعض الأبواب ينبغي أن نغادرها، وأن بعض الأبواب تستحق أن نبقى عندها أكثر، لأن أصحابها كانوا يمنحوننا الحب الذي بحثنا عنه طويلا في الأماكن الخطأ.
645
| 12 أكتوبر 2026