رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
لا نستطيع أن نتقدم نحو المستقبل الذي ننشده ما لم نتخلص من بعض الأساطير التي نسجناها حول النظام المصري الجديد.
(1)
أمهد بثلاث ملاحظات أزعم أنها تساعدنا في استيعاب ما أدعو إليه هي:
• < إن العرب جميعا ونحن منهم من هواة تضخيم الذات، وهو ما عبر عنه الشعراء منذ الجاهلية. حتى إن عمرو بن كلثوم ــ أحدهم ــ قال في بيت شهير له إنه: «إذا بلغ الفطام لنا صبى / تخر له الجبابر ساجدينا». هكذا بقدرة قادر. وقد سار على دربه كثيرون منهم أبو فراس الحمداني في العصر العباسي الذي قال: ونحن قوم لا توسط بيننا / لنا الصدر دون العالمين أو القبر. أعز بني الدنيا وأعلى ذوي العلا/ وأكرم من فوق التراب ولا فخر. ولو أوردت ما ذكره في ذلك المقام المتنبي وأبوتمام والبحتري وابن الرومي لاحتجت إلى أضعاف المساحة المتاحة.
• إن حالة النفخ في الذات التي تنطلق من التمني وليس من الواقع لها تأصيلها الأكاديمي، فعلماء النفس يتحدثون عن حالة الذين يعيشون في الوهم، ويصفون من ينفصل عن واقعه ويحاول العيش فيما يتمناه بأنه ضحية ما يسمونه بالتفكير الآمل، ويعتبرون من يصر على التعلق بالوهم ويرفض ملامسة الواقع بأنه ضحية التضليل الآمل. والاثنان يجسدان درجات متفاوتة من محاولات الانفصال عن الواقع.
• < إن باحثي العلوم السياسية يفرقون بين التصويت في الانتخابات وبين استطلاعات الرأي العام. ولا يعترفون بنتائج الانتخابات ضمن وسائل استطلاع الرأي، لأن التصويت في الانتخابات تتعدد أسبابه. إذ كما أن البعض يصوت تأييدا لمرشح ما واقتناعا به، فإن آخرين قد يصوتون لصالح طرف احتجاجا على طرف آخر (الحكومة مثلا) وقد يصوتون ليس اقتناعا بمن صوتوا له ولكن لإسقاط مرشح آخر. وقد يكون التصويت له أسبابه العائلية أو الجهوية، كما قد يكون الدافع إليه هو الخوف من الغرامة مثلا. ناهيك عن أن أعدادا غير قليلة يصوتون لشخص ليس اقتناعا به، وإنما استجابة لنداء وضغوط الحكومة، أملا في أن يساعدهم ذلك على توفير احتياجاتهم أو تحسين أوضاعهم التي تتحكم فيها السلطة. إلى غير ذلك من الدوافع التي لا علاقة لها بتأييد شخص المرشح أو قبوله. وذلك كله مختلف عن استطلاع الرأي الذي يتوجه إلى كل واحد في العينة ويسأله عن حقيقة موقفه إزاء الأشخاص والظواهر المختلفة.
(2)
ما سبق يساعدنا على أن نشير إلى الثغرات التي تخللت قراءتنا لنتائج الانتخابات الرئاسية الأخيرة في مصر (26 و27 و28 مايو). ذلك أن بعضنا تعامل مع النتائج بحسبانها قياسات للرأي العام. ومن ثم استخدمها في القفز فوق الواقع وتجاهل تضاريسه. وتلك مسألة خطرة للغاية. ذلك أنه حين يقال إن أكثر من 90٪ من المصريين أيدوا المشير السيسي، فإن ذلك لا يعد خطأ علميا وسياسيا فحسب، ولكنه يعني تجاهل كل الشقوق والتمايزات والجراح التي يحفل بها الواقع المصري. ناهيك عن أنه سَوَّغ للبعض أن يقولوا إن معارضة السيسي في هذه الحالة تعد عملا غير وطني. بكلام آخر فإنه حين يبني التحليل المعتمد على أن النتائج عبرت عن الاكتساح والاصطفاف والإجماع، فإننا نصبح بصدد حالة من الإنكار تبعث على القلق الشديد.
إزاء ذلك فلعلي لا أبالغ إذا قلت إننا بصدد اصطناع فكرة الزعيم الذي يتعلق به أمل الأمة، والمخلِّص القادم من رحمها ليعيد إليها الرفاه بعد الفقر والعدل بعد الجور، ويخرجها من ظلمة الإحباط واليأس إلى نور المستقبل المشرق. وإذا صح هذا التحليل فإنه ينبغي أن يخيفنا لسبب جوهري هو أن تلك مقدمات تمهد للحاكم المستبد والفرعون الجديد.
ليس كل من جلس على مقعد الرئاسة زعيما حيث الزعامة يصنعها إنجاز الرئيس وليس منصبه. ومن الخطورة بمكان أن يعلق الأمل على فرد وأن يعد مخلِّصا لمجرد أنه حظي بالتأييد في لحظة تاريخية معينة. فذلك يظلمه بقدر ما أنه يظلم المجتمع إذ يهمشه ويلغيه. وفي الظروف التي تعيشها مصر بملايينها التسعين فإن حملها أثقل بكثير من طاقة أي فرد مهما بلغت قدرته ولن يحملها حقا سوى مؤسسات قوية تتحرك في بيئة حرة وفي ضوء إستراتيجية نهضوية واضحة المعالم.
لو أننا تخلينا عن أسطورة المخلِّص الذي وصفه أحدهم بأنه رسول بعثه الله لينقذ مصر، واعترفنا بأن نجاحه كان نسبيا ولم يتحقق باكتساح أو ضربة قاضية لكان ذلك أصدق وأعدل. ليس فقط لأنها الحقيقة التي ينكرها ضحايا «التضليل الآمل» ولكن أيضا لأن ذلك يؤكد له أن ثمة قطاعا في المجتمع ليس مستعدا لأن يوقع له على بياض، وإنما له شروطه التي يجب أن تستوفى وتحفظاته التي يجب أن تراعى.
لقد انتخبت الأغلبية «الرئيس» ولكن البيروقراطية المصرية وشبكة المصالح التي تحالفت معها مؤقتا ضغطت بقوة واستخدمت أساليب الترغيب والترهيب المعروفة، لكي تحول انتخاب الأغلبية إلى اكتساح، ولكي تصنع من الرئيس زعيما ومخلِّصا. ولا اعتراض على إطلاق مثل تلك الأوصاف بطبيعة الحال شريطة أن تكون ثمرة الإنجاز وليست ألقابا محررة سلفا في شهادة الميلاد.
(3)
في 21 مايو الماضي أعلن مركز «بيو» الأمريكي للدراسات نتائج استطلاع للرأي أجراه في مصر تضمن مجموعة من النتائج المهمة الجديرة بالملاحظة والانتباه. وربما لأهمية وحساسية تلك النتائج فإن الصحف المصرية تجاهلتها باستثناء جريدة «الشروق». التي أبرزتها على صفحتها الأولى في 24/5. إذ نشرت أغلب وليس كل نتائجه. ولا تفسير لتجاهل الإعلام المصري للنتائج سوى أنها جاءت على خلاف ما تروج له الأساطير الرائجة أو التفكير والتضليل الآمل. أبرز تلك النتائج جاءت على النحو التالي:
< مؤيدو المشير عبدالفتاح السيسي من بين العينة المختارة نسبتهم 54٪ و45٪ يعارضونه. وهذه المعلومة لم ينشرها الخبر الذي نشرته جريدة «الشروق» على صفحتها الأولى.
< 54 ٪ من المصريين يتطلعون إلى إقامة حكومة مستقرة (لاحظ أنها ذات النسبة التي أيدت المشير السيسي) في حين أن 44٪ يريدونها حكومة ديمقراطية.
< 72 ٪ من المصريين غير راضين عن الاتجاه الذي تسير فيه البلاد. وهو نفس مستوى عدم الرضا الذي عبر عنه المصريون قبل ثورة 25 يناير 2011.
< 39 ٪ فقط من المصريين ينظرون إلى المستقبل بتفاؤل في حين عبر 34٪ عن تشاؤمهم.
< 54 ٪ أيدوا تحرك الجيش لعزل الدكتور محمد مرسي في الثالث من يوليو الماضي بينما عارضه 43٪ إلا أن النظرة الإيجابية للرئيس السابق تراجعت من 53٪ قبل عزله إلى 42٪ في الوقت الراهن.
< خلال العام الأخير انخفضت شعبية الإخوان من 63٪ إلى 38% فقط وهو ما يعد تراجعا بنسبة 25٪. (وهي النتيجة التي اعتبرها المركز مفاجأة ومخالفة للانطباع السائد في مصر).
التراجعات ليست مقصورة على مؤيدي الإخوان وحدهم، ولكن تأييد العسكر انخفض من 73٪ في العام الماضي إلى 56٪ في العام الحالي بنسبة تراجع 17٪. وسمعة القضاء المصري تراجعت أيضا بذات النسبة إذ انخفضت من 58٪ إلى41٪.
< ثمة تراجع أيضا في نسبة التأييد الشعبي للديمقراطية. حيث يذكر الاستقصاء أن نسبة المصريين الذين يؤمنون بالديمقراطية كأفضل شكل للحكومة أصبحت الآن 59٪ في حين أنها كانت 66٪ في العام الماضي و71٪ في عام 2011 وعلق المركز على ذلك بقوله إنه رغم أن الأغلبية تقول إنه من المهم الحياة في بلد يتمتع بأساسيات الديمقراطية، إلا أن التأييد الشعبي في مصر للمقومات الأساسية للنظام الديمقراطي مثل حرية التعبير وحرية الصحافة والانتخابات التنافسية النزيهة تراجعت بدرجة ملحوظة خلال العام الحالي.
(4)
إذا كانت الأساطير الرائجة في الإعلام المصري ترضي غرائز الفخر والتباهي عندنا وتمثل تحليقا في فضاء الأمنيات، فإن نتائج الاستطلاع الذي نحن بصدده تمثل ارتطاما قويا بواقع الحال على الأرض المصرية. هي ليست قرآنا بطبيعة الحال، ولكنها قابلة للنقض والرد، وللأسف فإن البيئة السياسية في مصر لا توفر مناخا لإجراء استطلاع يتعارض مع الرياح السائدة. لكنني أتمنى أن نفكر في الأمر مليا قبل أن نسارع إلى الإنكار وإطلاق الألسنة الحداد التي تتهم المركز والعاملين فيه بالتواطؤ والاختراق والتمويل التركي والقطري. إلى غير ذلك مما اعتدنا أن نرمي به كل من خالفنا أو لم يعجبنا.
للأسف فإن المناخ السياسي السائد لا يحتمل حتى مناقشة النتائج التي توصل إليها مركز «بيو» للدراسات الذي يتمتع بسمعة عالمية متميزة في كفاءته وصدقيته. وهي المناقشة التي تضعنا على بدايات ملامسة الأرض والتعامل مع الواقع كما هو، وليس كما نتمناه أو نصطنعه ونتخيله. الأمر الذي يتيح لنا أن نفكر بشكل جاد في أسباب عدم رضا الناس وتراجع ثقتهم في بعض مؤسسات الدولة المهمة، وكيفية المصالحة بين المجتمع والسلطة.
من بين الشواهد الدالة على أهمية النقطة الأخيرة، ما ذكره الدكتور ماجد عثمان مدير مركز بصيرة لاستطلاع الرأي (مستقل) على شاشة التلفزيون يوم السبت الماضي 31/5 من أن ثمة مشكلات مسكوتا عنها في صعيد مصر جعلت إقبال أهله على التصويت في الانتخابات الأخيرة أقل منه عما كانت عليه في سنة 2012. ودلل على ذلك بأن النسبة آنذاك كانت في محافظات الفيوم 51٪ والوادي الجديد 45٪ والجيزة 55٪ لكنها انخفضت في 2014 حيث أصبحت 30٪ فقط في الأولى و27٪ في الثانية و42٪ في الثالثة. وهو ما حدث أيضاً في محافظات أخرى بالصعيد.
إن النتائج التي أشار إليها الاستطلاع بخصوص شعبية المشير السيسي تستوقفنا. ويفاجئنا ما تعلق منها بالإخوان، الأمر الذي يدعونا إلى التفكير بشكل جاد في جدوى وصواب دعوة البعض إلى شطبهم من الحياة السياسية وإخراجهم من التاريخ. لكن ما يتعلق بأوضاع المجتمع المصري ورؤيته لمؤسسات الدولة وللحرية والديمقراطية يستحق مناقشة أطول وتحليلا أعمق. ذلك أن كثيرين يشغلهم هاجس السلطة والإخوان، ويتجاهلون أن بين الطرفين كتلة جماهيرية هائلة ليست طرفا في الصراع وليست مصطفة إلى جانب السلطة أو الإخوان. والبطل الحقيقي هو من يستعلى فوق صراعات ومرارات الأجنحة. ويعمل من أجل توفير العيش الكريم لهؤلاء الأخيرين، الذين ما قامت الثورة إلا لأجلهم.
إن إثارة الحماس ودغدغة المشاعر قد تكون لازمة لرفع معنويات الناس، ولكن الوقوف على الأرض وتلمس حقائق الواقع ألزم لاسترضائهم والفوز بثقتهم. ووحده الإنجاز على الأرض كفيل بذلك.
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
هي ليست عربية ولا حتى مسلمة، ولا تربطها بغزة رابطة دم أو دين أو لغة، ومع ذلك استطاعت في مباراة كرة قدم واحدة أن ترسل رسالة أخلاقية دوّى صداها أبعد بكثير من حدود المستطيل الأخضر. في مباراة منتخب إيرلندا أمام دولة الكيان، لم يتعامل اللاعبون الإيرلنديون مع الأمر وكأنه تسعون دقيقة من كرة القدم تنتهي بصافرة الحكم ثم يعود الجميع إلى منازلهم. ارتدى اللاعبون الشارات السوداء تضامنًا مع الفلسطينيين، وخفضوا رؤوسهم أثناء عزف نشيد المحتل، وغابت المصافحة المعتادة قبل المباراة. وقبلها أعلن حارس المنتخب غافين بازونو انسحابه ورفض المشاركة، مؤكدًا أن قراره جاء انطلاقًا من موقف ومبدأ. حتى مدرب المنتخب الإيرلندي تحدث بوضوح عن رفض ما يجري في غزة، في وقت أصبحت فيه الكلمات الواضحة نفسها تحتاج إلى شجاعة. لم تكن القضية إذن تسجيل هدف في مرمى إسرائيل، مع أن المباراة انتهت بثلاثية إيرلندية نظيفة، وإنما كانت في كيفية استخدام الرياضة لإيصال موقف إلى العالم من دون أن يتحول الملعب إلى فوضى، ومن دون شعارات جوفاء أو استعراض مؤقت ومن غير خجل كثير من المنتخبات العربية للأسف. والشارع الإيرلندي كان حاضرًا قبل المباراة كذلك. احتجاجات وأعلام فلسطينية، ومطالبات بمقاطعة المباريات، ورسالة مفتوحة وقّعها أكثر من 160 رياضيًا إيرلنديًا تطالب لاعبي المنتخب بعدم مواجهة إسرائيل. حتى الاتحاد الإيرلندي لكرة القدم سبق أن طالب بوقف مشاركة إسرائيل دوليًا، وسط جدل واسع داخل البلاد بشأن استمرار المباريات. هؤلاء فعلوا ذلك من أجل غزة. وهنا يأتي السؤال المؤلم: ونحن ؟؟ أين نحن من غزة؟ أين الشارع العربي؟ أين الجماهير؟ أين الرياضيون؟ أين المشاهير؟ أين أصحاب الملايين من المتابعين؟ وأين ذلك الصوت الذي كان يملأ الدنيا عندما كانت القضية في بدايتها؟ أخشى أن أخطر ما يمكن أن يحدث لغزة ليس فقط استمرار القتل والدمار والتجويع، وإنما أن يصبح كل ذلك بالنسبة إلينا خبرًا عاديًا. أن نرى الصورة ثم نتجاوزها. أن نقرأ عدد الضحايا ثم ننتقل إلى خبر آخر. أن تصبح غزة فقرة ثابتة في نشرات الأخبار بعدما كانت جرحًا مفتوحًا في وجدان الأمة. لقد طال الزمن، وكثرت الصور، وتكررت المشاهد، وربما أصاب البعض شيء من الاعتياد. وهنا تكمن الكارثة. لأن المأساة عندما تطول لا تصبح أقل مأساوية، والطفل الذي يجوع اليوم ليس أقل قيمة من الطفل الذي أبكانا قبل عام أو عامين، والأم التي تفقد أبناءها اليوم لا يخفف من مصابها أن العالم شاهد آلاف القصص المشابهة قبلها. في غزة شعب يعيش تحت دمار هائل وحصار ومعاناة إنسانية ممتدة، وسط اتهامات دولية بالغة الخطورة لإسرائيل بشأن ما ارتُكب بحق المدنيين الفلسطينيين. ومع ذلك، نجد أن صوت التضامن يأتي أحيانًا من دبلن أقوى من أصوات كثيرة في عواصم أقرب إلى غزة جغرافيا ودينًا ولغةً وتاريخًا. وهذه ليست مقارنة هدفها جلد الذات، وإنما إيقاظها. الإيرلندي الذي يرفع علم فلسطين لا يقول لنا: انظروا إليّ. بل ربما يسألنا من حيث لا يدري: إذا كانت غزة حرّكت ضميري وأنا على بعد آلاف الكيلومترات، فكيف أصبحت بعيدة عن ضمائركم وأنتم أهلها وإخوتها؟ لسنا مطالبين بأن نتحول جميعًا إلى سياسيين، ولا أن تتوقف الحياة، ولا أن يصبح كل إنسان خطيبًا أو ناشطًا. لكننا مطالبون بأبسط شيء: ألا ننسى. ألا تصبح صور الأطفال أرقامًا. ألا يصبح الجوع خبرًا. ألا يصبح الموت مشهدًا مألوفًا. وألا تتحول فلسطين من قضية حاضرة في الوجدان العربي والإسلامي إلى ذكرى موسمية نستحضرها فقط عندما يقع حدث كبير. ما فعلته إيرلندا يثبت أن الموقف لا يحتاج دائمًا إلى منصة سياسية ولا إلى خطاب طويل. أحيانًا تكفي شارة سوداء. أحيانًا يكفي رأس ينحني رفضًا. أحيانًا يكفي لاعب يقول: لن أشارك. وأحيانًا يكفي جمهور يرفع علمًا ليذكّر العالم بأن هناك شعبًا لم يُنسَ. لكن السؤال الذي يجب أن يؤلمنا قليلًا بل كثيرًا: إذا كانت إيرلندا ما زالت تتذكر غزة بهذا الوضوح، فبأي عذر نسمح نحن لأنفسنا أن ننساها؟ غزة ليست خبرًا قديمًا. غزة ليست «ترندًا» انتهى. وغزة، قبل كل شيء، ليست بعيدة عنا. هي منا.. ونحن أولى الناس بألا نتركها وحدها. وإلا بذلك تكون إيرلندا هي المسلمة ونحن …..
4254
| 29 سبتمبر 2026
جميل هذا التعاون الذي بدأته مؤسسة حمد الطبية في تحويل المواطنين للعلاج في مستشفيات القطاع الخاص، وهي خطوة تستحق الإشادة؛ لما تحققه من تخفيف الضغط على المستشفيات الحكومية، وتسهيل حصول المواطنين على الخدمات العلاجية، فضلًا عن دعم القطاع الصحي الخاص وتنشيط الحركة الاقتصادية. إنها منظومة يستفيد منها الجميع: الدولة والمواطن والمستشفى. منذ أيام، كانت لي تجربة شخصية بعد تحويلي من مؤسسة حمد الطبية إلى مستشفى «ذا فيو» لمتابعة حالتي مع أحد الأطباء. والحقيقة أن المستشفى يتمتع بمستوى راقٍ من حيث المبنى والتجهيزات والخدمات، لكنني خرجت بملاحظتين مهمتين أتمنى أن تأخذهما مؤسسة حمد الطبية بعين الاعتبار. الأولى: ربط الملفات الطبية. لا يُعقل أن يدخل المريض على الطبيب في المستشفى الخاص ليبدأ بسرد تاريخه المرضي من الصفر، وكأنه يروي قصة قصيرة! فقد ينسى بعض التفاصيل، أو يعجز عن شرح حالته بدقة، خصوصًا إذا كانت لديه أمراض مزمنة أو عمليات سابقة أو يتناول أدوية متعددة. المريض المحوَّل من مؤسسة حمد الطبية إلى القطاع الخاص يجب أن ينتقل بملفه الطبي وتاريخه العلاجي، لا أن يبدأ رحلته العلاجية من الصفر. لذلك، من الضروري أن تتضمن اتفاقيات التعاون ربطًا إلكترونيًا آمنًا يتيح للطبيب المعالج الاطلاع على الملف الصحي للمريض، بما يشمل تاريخه المرضي ونتائج فحوصاته وعملياته السابقة والأدوية التي يتناولها، وفق الضوابط المعتمدة لحماية خصوصية المرضى. فهذا الربط لا يضمن استمرارية الرعاية وسلامة المريض فحسب، بل يوفّر أيضًا وقت الطبيب، الذي قد تكون عيادته مزدحمة بالمراجعين، ويساعده على فهم الحالة بصورة أشمل وأدق، واتخاذ القرار العلاجي المناسب دون إضاعة الوقت في استعادة معلومات يفترض أن تكون متاحة أمامه منذ البداية. الثانية: توفير خدمة الترجمة الطبية ليس كل المواطنين يجيدون اللغة الإنجليزية، وليس كل من يتحدث بها قادرًا على فهم المصطلحات الطبية الدقيقة. ومع وجود أطباء لا يتحدثون العربية، تصبح الترجمة الطبية المتخصصة ضرورة لضمان فهم المريض لتشخيصه وخطته العلاجية وتعليمات الطبيب، لا مجرد خدمة إضافية. ومن المهم أن تتوافر هذه الخدمة عند الحاجة، من خلال مترجمين مؤهلين قادرين على نقل المعلومات الطبية بدقة، حتى لا يؤدي سوء الفهم إلى أخطاء في تناول الأدوية أو اتباع التعليمات العلاجية. إن نجاح هذه المبادرة لا يقتصر على تحويل المريض إلى مستشفى خاص، بل يتطلب ضمان استمرارية الرعاية الطبية وسهولة التواصل بين الطبيب والمريض. شكرًا لمؤسسة حمد الطبية على هذه الخطوة، وأتمنى أن تؤخذ هاتان الملاحظتان بعين الاعتبار لاستكمال منظومة التعاون وتحقيق الفائدة المرجوة منها للجميع.
3183
| 24 سبتمبر 2026
تُولي دولة قطر اهتمامًا بالعنصر البشري القطري، وتحرص على تأهيله وتمكينه وتطوير قدراته، غير أن بعض الجهات الحكومية لا تزال لا تستفيد بالصورة المطلوبة من أصحاب الخبرات الطويلة. فعندما يصل الموظف القطري إلى مسمى «خبير» أو «استشاري»، بعد سنوات من العمل والتدرج وتحمل المسؤوليات، يفاجأ أحيانًا بأنه أصبح بلا عمل واضح، ولا تُسند إليه مهام تتناسب مع خبراته ومسماه الوظيفي. وهنا يبرز السؤال: لماذا يتحول هذا المسمى في بعض الجهات إلى محطة انتظار بدلًا من أن يكون مرحلة جديدة للعطاء؟ ولماذا يُركن موظفون كانوا بالأمس القريب مديرين ورؤساء أقسام وأصحاب قرار، ثم يُتركون بعد ترقيتهم إلى مرتبة خبير أو استشاري بلا ملفات محددة، ولا مشاركة حقيقية في اللجان والدراسات وصناعة القرار؟ إن مسمى «خبير» أو «استشاري» ليس درجة شرفية تُمنح للموظف في نهاية مساره الوظيفي، بل وظيفة تخصصية لها غاية محددة. فالخبير يفترض أن يقدم الرأي الفني المبني على التجربة والمعرفة، وأن يراجع المشروعات والسياسات، ويحلل المشكلات، وينقل خبرته إلى الموظفين الجدد. أما الاستشاري، فينبغي أن يُسهم في إعداد الدراسات، وتقديم البدائل، وتقويم الأداء، ودعم القيادات في اتخاذ القرار وتطوير أساليب العمل. والمفارقة المؤلمة أن الخبير أو الاستشاري غير القطري غالبًا ما يُستفاد منه بصورة أفضل؛ فيشارك في إعداد الدراسات، ويسهم في صياغة التوصيات والقرارات، ويكون قريبًا من أصحاب القرار، بينما قد يُبعد الخبير القطري، وهو الأعرف ببيئة العمل وتاريخ المؤسسة واحتياجات المجتمع. وهذه ليست مطالبة بإقصاء الخبرات الوافدة التي نقدر دورها، بل دعوة إلى تحقيق التوازن وإعطاء الخبرة الوطنية المكانة والدور اللذين تستحقهما. وهذا الوضع لا يضر الموظف وحده، بل يضر الجهة والدولة؛ لأنه يهدر خبرة تراكمت على مدى عشرات السنين، ويضعف نقل المعرفة بين الأجيال، ثم يدفع بعض المؤسسات إلى الاستعانة بخبراء من الخارج للقيام بأعمال يستطيع أبناء الوطن إنجازها بكفاءة. فالخبرة الوطنية ليست عبئًا إداريًا، وإنما رأس مال مؤسسي يجب المحافظة عليه وحسن توظيفه. ولنضرب مثلاً في الولايات المتحدة وعدد من الدول الأوروبية، لا تتوقف الاستفادة من أصحاب الخبرات عند عمر معين أو مغادرة المنصب القيادي؛ فنراهم في البرلمانات ومجالس الإدارات والمؤسسات والشركات ومراكز الأبحاث والجامعات والمعاهد. أما في دولنا، فكثيرًا ما يغادر المسؤول منصبه فتُطوى معه خبرته، ثم نعود إلى استقدام الخبرة من الخارج بتكاليف مرتفعة. لذلك، نأمل من الوزارات والمؤسسات الحكومية التي يسري عليها قانون الموارد البشرية تفعيل ما قرره هذا القانون من ارتباط الوظيفة بواجبات ومسؤوليات محددة، وإلزام كل جهة بإعداد بطاقة وصف وظيفي واضحة للخبير والاستشاري، ووضع خطة سنوية لمهامهما، وإشراكهما في اللجان والدراسات وبرامج التدريب ونقل المعرفة، وتقييم أدائهما على أساس مخرجات قابلة للقياس، مثل إعداد دراسة، أو مراجعة سياسة، أو تدريب مجموعة من الموظفين. فالتكريم الحقيقي للموظف القطري صاحب الخبرة أن يمنح دورًا يليق بعطائه، ويضمن استمرار خبرته في خدمة الدولة والأجيال القادمة.
1119
| 28 سبتمبر 2026