رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
تعاني دول كثيرة من آثار ومسببات الفساد الإداري والمالي، وخلقت هذه الآثار والمسببات متاعب كبيرة، وأزمات وصراعات خطيرة، وأصبحت هذه الدول تعاني منه منذ عقود، لعل أكبر هذه الآثار التخلف والتراجع على كل المستويات، بما يخلقه هذا الفساد من مشكلات للدولة والمجتمع، بحيث أسهم الفساد في تدمير لأخلاقيات العمل، وقيم المجتمع، ويصيبه بالانكماش والتراجع، مما يؤدي إلى ما يسميه بعض المهتمين، إلى شيوع حالة من الذهنية المفارقة للقيم السائدة، تجعل البعض من هؤلاء الفاسدين يسعون إلى تبرير ما يقومون به من أعمال مخالفة ويجد لها من الذرائع من يبرر له استمرار فساده ومخالفاته، في غياب الوازع والضمير الذي عندما يفقد المرء، يجعله يتمادى في أفعاله هذه التي بلا شك تسهم في تدني مستويات كفاءة الاستثمار العام، وضعف مقومات الجودة في التحتية العامة، لكونها تحد من الموارد المخصصة للاستثمار، وربما تزيد في كلفتها، أو توجيهها التوجيه السلبي الذي يجعل الدولة تخسر مبالغ طائلة دون أن تكون هذه المبالغ قد وضعت فيما خطط لها، بالصورة التي روج لها، أو قيل إنها وضعت وفق مخططات سليمة وعلمية، أو ربما يدخل عامل الوساطات في اختيار المشروعات الإنشائية، مما يسفر عنه تدني نوعية المنشآت العامة، لكن لم يتحقق هذا بطرق ناجعة وسليمة من الأخطاء الكبيرة.
وعندما تتفاقم مضاعفات الفساد، مع مرور الزمن، تصبح كما يقول د. محمود الفضيل، "الدخول الخفية" الناجمة عن الفساد والإفساد هي الدخول الأساسية التي تفوق أحيانا في قيمتها (الدخول الاسميّة)، مما يجعل الفرد يفقد الثقة في قيمة عمله الأصلي وجدواه، وبالتالي يتقبل نفسيا فكرة التفريط التدريجي في معايير أداء الواجب الوظيفي والمهني والرقابي. فتتم تعلية العمارات بلا (تراخيص)، ويتم تسليم المباني والإنشاءات دون أن تكون مطابقة للمواصفات، ويتم غش المواد الأساسية، ويجري تهريب السلع للاتجار بها في السوق السوداء، ويتم التعدي على أراضي الدولة بالاغتصاب والإشغال غير القانوني".
وفي غمار كل هذا يفقد القانون هيبته في المجتمع، ولأن المفسدين يملكون تعطيل القانون، وقتل القرارات التنظيمية في المهد. وعندما يتأكد للمواطن العادي، المرة تلو المرة، أن القانون بات عميقا، وأن الجزاءات واللوائح لا تطبّق ضد المخالفين، الصريحة والصارخة، لأمن المجتمع الاقتصادي والاجتماعي، فلابد للمواطن العادي من أن يفقد ثقته في هيبة القانون وقوته، وتصبح مخالفة القانون هي الأصل واحترام القانون هو الاستثناء، وهكذا عندما تضيع الحدود الفاصلة بين "المال العام و"المال الخاص"، ويتم الخلط المتعمد بين "المصلحة العامة و"المصلحة الخاصة"، تنهار كل الضوابط التي تحمي مسيرة المجتمع من الفساد، وتتآكل كل القيم التي تعلي من شأن الصالح العام.
فالآثار المدمرة للفساد، ليست قضية أخلاقية فقط، كون لها آثارها الخطيرة، وتكلفتها المدمرة على الجوانب الاقتصادية والاجتماعية، ومنها أنه يؤدي إلى زيادة العجز في الموازنة العامة للدولة، وضعف مستوى الإنفاق على السلع والخدمات، التكاليف الإضافية الناجمة عن ممارسة الفساد وفق تقرير البنك الدولي، ولذلك فإن من أساسيان تقليص وحصار الفساد، ثم القضاء على هذا المرض الخطير، هو توسيع ممارسة الرقابة والمحاسبة والمساءلة، والإصلاح الإداري والمالي، إصلاح هيكل الأجور والرواتب.
ويرى د. محمود الفضيل، أن إصلاح الهياكل المالية والأجور والرواتب قد لا يكفي وحده للقضاء على الفساد، فلابد من القضاء على (الفساد الكبير)، وهذا يحتاج إلى توسيع نطاق الديمقراطية والمحاسبة والإصلاح الإداري والمالي الشامل.
ومنذ فترة كشفت مؤسسة الشفافية الدولية، عن مساوئ ومخاطر الفساد، واستغلال السلطة والنفوذ، فتقول: (إنّ إساءة استخدام السلطة، والتعاملات السرية، والرشوة، هي مشكلات مستمرة في تخريب المجتمعات في شتى أنحاء العالم، وأن جميع الدول ما زالت تواجه تهديد الفساد على جميع المستويات الحكومية، من إصدار التراخيص المحلية وحتى إنفاذ القوانين واللوائح)، مشيرة في فقرة أخرى من التصريح: (إن الفساد في القطاع العام ما زال من بين أكبر التحديات العالمية، ويجب أن تكون المؤسسات العمومية أكثر انفتاحاً فيما يخص عملها وأنشطتها وأن يكون المسؤولون أكثر شفافية في صناعة القرار، ويمكن أن تساعد آليات إتاحة الحصول على المعلومات القوية وتوفر قواعد حاكمة لسلوك شاغلي المناصب العامة في تحسين درجات الدول، في حين أنّ نقص المساءلة في القطاع العام مقترناً بعدم فعالية المؤسسات العامة يؤثر سلباً على مدركات الفساد هذه).
والحقيقة أنّ قضية استغلال النفوذ من أجل العبث بمقدرات الوطن وثرواته ـ كما قالت ـ هذه المؤسسة، مقدمة جلية لتخريب المجتمعات ونشر الفوضى، والاحتقان والمشكلات التي تجعل الدول تتراجع، وتتحول إلى دول مضطربة في القضايا الاقتصادية والاجتماعية، ولذلك فإنّ البديل الذي يتصدى، هو الشفافية والرقابة الصارمة، وتوفير، كما قالت المؤسسة، (قواعد حاكمة لسلوك شاغلي المناصب العامة).
والحقيقة أنّ قضية استغلال النفوذ من أجل العبث بمقدرات الوطن وثرواته ـ كما قالت ـ هذه المؤسسة، مقدمة جلية لتخريب المجتمعات ونشر الفوضى، والاحتقان والمشكلات التي تجعل الدول تتراجع، وتتحول إلى دول مضطربة في القضايا الاقتصادية والاجتماعية، ولذلك فإنّ البديل الذي يتصدى، هو الشفافية والرقابة الصارمة، وتوفير، كما قالت المؤسسة، (قواعد حاكمة لسلوك شاغلي المناصب العامة).
ولا بد للدول من استخدام القانون الصارم لضرب الفساد ومحاصرته، وتطبيق العقاب القانوني، من أولويات القضاء هذا الخطر الكبير على موارد الدولة والمجتمع، وزيادة الفاعلية الرقابية المتعددة أصبحت من الضرورات المهمة، ولعل أهمها، خلخلة البنية الإدارية التي أقام عليها هذا الفساد بما يسهم في تجهيز أطر إدارية وقانونية في هذا القطاع، وعقاب من سولت له نفسه، بالتلاعب وتجاوز الأمانة التي كلف بها للحفاظ على مقدراتها وليس استغلالها بصورة أو بأخرى.
ومن هنا لابد من تطوير وتجديد السياسات التي تسّير نظما في هذه القطاعات بما يضمن سلامة الأداء، ومصداقية الممارسة الأدائية للعمل المالي، والشفافية، وفقا لمعايير وخطط تكفل الكفاءة، وأن تكون منسجمة مع القانون وقواعد الإدارة المنظمة بضوابط اللوائح الرقابة المالية والتشريعية، وغيرها من الرقابات الأخرى التي تراها الدولة ضامنة لمنع الفساد والتجاوزات للمال العام. ولذلك على أجهزة الرقابة المتعددة في الدولة، أن تضطلع بمهام كبيرة لتحقيق هذه الأهداف في القضاء على مؤشرات الفساد، بما في ذلك مسألة "الرشاوى"، و"السمسرة" "والعمولة" المرتبطة بمصالح خاصة لعمل عام، وهذه للأسف تؤسس لذهنية سلبية لدى البعض، حيث يعتبرها ظاهرة طبيعية، لكنها تشكل مخاطر لكونها بيئة حاضنة للفساد الإداري والمالي، لو تركت تتغلغل في الإدارة، واستنزفت موارد الدولة في مشاريع، ظهر فشل بعضها! ومن المهم أن تقوم المؤسسات التشريعية في هذه الدول، بصياغة لوائح ونظم تحدد دور المراقبة الإدارية، للكثير من المؤسسات لتحصينها من التجاوزات والجرائم التي تمس العام، من الرقابة المشددة، إلى جانب العقوبة المغلظة، وهذه ستكون الضامن الرئيس في ضبط المخالفات والتجاوزات التي لا تراعي الأمانة والرقابة الذاتية، لضمان انسياب العمل الإداري والمؤسسي، من خلال معايير سلامة العقود الإدارية والمالية، والشفافية في التصرفات، مع الالتزام بوضع الضوابط التي تحجم الفساد، مهما كانت طرقه وأساليبه لاختراق النظم والقوانين واللوائح، وهذا ما يجعل أي مساس أو تجاوزات محط الأنظار والمتابعة الدقيقة، سواء من الأجهزة الرقابية، وهذا ما نراه هاما وضروريا، لإبعاد المخاطر والمشكلات التي يفرزها الفساد الإداري والمالي.
لماذا اختارت عُمان هذا المسار؟.
تابعت باهتمام التعليقات والتحليلات والتكهنات، عن الخطوة العمانية، بالانضمام إلى التحالف الإسلامي، الذي تقوده المملكة العربية السعودية، وكان... اقرأ المزيد
766
| 08 يناير 2017
التكامل العربي أين هو ؟
حضرت قبل أسبوعين المؤتمر السنوي لمؤسسة الفكر العربي التي انعقدت في أبو ظبي، بدولة الإمارات العربية المتحدة ،وكان... اقرأ المزيد
4923
| 01 يناير 2017
هل نخاف على لغتنا العربية؟
قبل أيام مضت عقدت بصلاله بسلطنة عُمان ندوة بمناسبة اليوم العالمي للغة العربية حملت عنوان (اللغة العربية والتحديات)،... اقرأ المزيد
567
| 25 ديسمبر 2016
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
هي ليست عربية ولا حتى مسلمة، ولا تربطها بغزة رابطة دم أو دين أو لغة، ومع ذلك استطاعت في مباراة كرة قدم واحدة أن ترسل رسالة أخلاقية دوّى صداها أبعد بكثير من حدود المستطيل الأخضر. في مباراة منتخب إيرلندا أمام دولة الكيان، لم يتعامل اللاعبون الإيرلنديون مع الأمر وكأنه تسعون دقيقة من كرة القدم تنتهي بصافرة الحكم ثم يعود الجميع إلى منازلهم. ارتدى اللاعبون الشارات السوداء تضامنًا مع الفلسطينيين، وخفضوا رؤوسهم أثناء عزف نشيد المحتل، وغابت المصافحة المعتادة قبل المباراة. وقبلها أعلن حارس المنتخب غافين بازونو انسحابه ورفض المشاركة، مؤكدًا أن قراره جاء انطلاقًا من موقف ومبدأ. حتى مدرب المنتخب الإيرلندي تحدث بوضوح عن رفض ما يجري في غزة، في وقت أصبحت فيه الكلمات الواضحة نفسها تحتاج إلى شجاعة. لم تكن القضية إذن تسجيل هدف في مرمى إسرائيل، مع أن المباراة انتهت بثلاثية إيرلندية نظيفة، وإنما كانت في كيفية استخدام الرياضة لإيصال موقف إلى العالم من دون أن يتحول الملعب إلى فوضى، ومن دون شعارات جوفاء أو استعراض مؤقت ومن غير خجل كثير من المنتخبات العربية للأسف. والشارع الإيرلندي كان حاضرًا قبل المباراة كذلك. احتجاجات وأعلام فلسطينية، ومطالبات بمقاطعة المباريات، ورسالة مفتوحة وقّعها أكثر من 160 رياضيًا إيرلنديًا تطالب لاعبي المنتخب بعدم مواجهة إسرائيل. حتى الاتحاد الإيرلندي لكرة القدم سبق أن طالب بوقف مشاركة إسرائيل دوليًا، وسط جدل واسع داخل البلاد بشأن استمرار المباريات. هؤلاء فعلوا ذلك من أجل غزة. وهنا يأتي السؤال المؤلم: ونحن ؟؟ أين نحن من غزة؟ أين الشارع العربي؟ أين الجماهير؟ أين الرياضيون؟ أين المشاهير؟ أين أصحاب الملايين من المتابعين؟ وأين ذلك الصوت الذي كان يملأ الدنيا عندما كانت القضية في بدايتها؟ أخشى أن أخطر ما يمكن أن يحدث لغزة ليس فقط استمرار القتل والدمار والتجويع، وإنما أن يصبح كل ذلك بالنسبة إلينا خبرًا عاديًا. أن نرى الصورة ثم نتجاوزها. أن نقرأ عدد الضحايا ثم ننتقل إلى خبر آخر. أن تصبح غزة فقرة ثابتة في نشرات الأخبار بعدما كانت جرحًا مفتوحًا في وجدان الأمة. لقد طال الزمن، وكثرت الصور، وتكررت المشاهد، وربما أصاب البعض شيء من الاعتياد. وهنا تكمن الكارثة. لأن المأساة عندما تطول لا تصبح أقل مأساوية، والطفل الذي يجوع اليوم ليس أقل قيمة من الطفل الذي أبكانا قبل عام أو عامين، والأم التي تفقد أبناءها اليوم لا يخفف من مصابها أن العالم شاهد آلاف القصص المشابهة قبلها. في غزة شعب يعيش تحت دمار هائل وحصار ومعاناة إنسانية ممتدة، وسط اتهامات دولية بالغة الخطورة لإسرائيل بشأن ما ارتُكب بحق المدنيين الفلسطينيين. ومع ذلك، نجد أن صوت التضامن يأتي أحيانًا من دبلن أقوى من أصوات كثيرة في عواصم أقرب إلى غزة جغرافيا ودينًا ولغةً وتاريخًا. وهذه ليست مقارنة هدفها جلد الذات، وإنما إيقاظها. الإيرلندي الذي يرفع علم فلسطين لا يقول لنا: انظروا إليّ. بل ربما يسألنا من حيث لا يدري: إذا كانت غزة حرّكت ضميري وأنا على بعد آلاف الكيلومترات، فكيف أصبحت بعيدة عن ضمائركم وأنتم أهلها وإخوتها؟ لسنا مطالبين بأن نتحول جميعًا إلى سياسيين، ولا أن تتوقف الحياة، ولا أن يصبح كل إنسان خطيبًا أو ناشطًا. لكننا مطالبون بأبسط شيء: ألا ننسى. ألا تصبح صور الأطفال أرقامًا. ألا يصبح الجوع خبرًا. ألا يصبح الموت مشهدًا مألوفًا. وألا تتحول فلسطين من قضية حاضرة في الوجدان العربي والإسلامي إلى ذكرى موسمية نستحضرها فقط عندما يقع حدث كبير. ما فعلته إيرلندا يثبت أن الموقف لا يحتاج دائمًا إلى منصة سياسية ولا إلى خطاب طويل. أحيانًا تكفي شارة سوداء. أحيانًا يكفي رأس ينحني رفضًا. أحيانًا يكفي لاعب يقول: لن أشارك. وأحيانًا يكفي جمهور يرفع علمًا ليذكّر العالم بأن هناك شعبًا لم يُنسَ. لكن السؤال الذي يجب أن يؤلمنا قليلًا بل كثيرًا: إذا كانت إيرلندا ما زالت تتذكر غزة بهذا الوضوح، فبأي عذر نسمح نحن لأنفسنا أن ننساها؟ غزة ليست خبرًا قديمًا. غزة ليست «ترندًا» انتهى. وغزة، قبل كل شيء، ليست بعيدة عنا. هي منا.. ونحن أولى الناس بألا نتركها وحدها. وإلا بذلك تكون إيرلندا هي المسلمة ونحن …..
4254
| 29 سبتمبر 2026
جميل هذا التعاون الذي بدأته مؤسسة حمد الطبية في تحويل المواطنين للعلاج في مستشفيات القطاع الخاص، وهي خطوة تستحق الإشادة؛ لما تحققه من تخفيف الضغط على المستشفيات الحكومية، وتسهيل حصول المواطنين على الخدمات العلاجية، فضلًا عن دعم القطاع الصحي الخاص وتنشيط الحركة الاقتصادية. إنها منظومة يستفيد منها الجميع: الدولة والمواطن والمستشفى. منذ أيام، كانت لي تجربة شخصية بعد تحويلي من مؤسسة حمد الطبية إلى مستشفى «ذا فيو» لمتابعة حالتي مع أحد الأطباء. والحقيقة أن المستشفى يتمتع بمستوى راقٍ من حيث المبنى والتجهيزات والخدمات، لكنني خرجت بملاحظتين مهمتين أتمنى أن تأخذهما مؤسسة حمد الطبية بعين الاعتبار. الأولى: ربط الملفات الطبية. لا يُعقل أن يدخل المريض على الطبيب في المستشفى الخاص ليبدأ بسرد تاريخه المرضي من الصفر، وكأنه يروي قصة قصيرة! فقد ينسى بعض التفاصيل، أو يعجز عن شرح حالته بدقة، خصوصًا إذا كانت لديه أمراض مزمنة أو عمليات سابقة أو يتناول أدوية متعددة. المريض المحوَّل من مؤسسة حمد الطبية إلى القطاع الخاص يجب أن ينتقل بملفه الطبي وتاريخه العلاجي، لا أن يبدأ رحلته العلاجية من الصفر. لذلك، من الضروري أن تتضمن اتفاقيات التعاون ربطًا إلكترونيًا آمنًا يتيح للطبيب المعالج الاطلاع على الملف الصحي للمريض، بما يشمل تاريخه المرضي ونتائج فحوصاته وعملياته السابقة والأدوية التي يتناولها، وفق الضوابط المعتمدة لحماية خصوصية المرضى. فهذا الربط لا يضمن استمرارية الرعاية وسلامة المريض فحسب، بل يوفّر أيضًا وقت الطبيب، الذي قد تكون عيادته مزدحمة بالمراجعين، ويساعده على فهم الحالة بصورة أشمل وأدق، واتخاذ القرار العلاجي المناسب دون إضاعة الوقت في استعادة معلومات يفترض أن تكون متاحة أمامه منذ البداية. الثانية: توفير خدمة الترجمة الطبية ليس كل المواطنين يجيدون اللغة الإنجليزية، وليس كل من يتحدث بها قادرًا على فهم المصطلحات الطبية الدقيقة. ومع وجود أطباء لا يتحدثون العربية، تصبح الترجمة الطبية المتخصصة ضرورة لضمان فهم المريض لتشخيصه وخطته العلاجية وتعليمات الطبيب، لا مجرد خدمة إضافية. ومن المهم أن تتوافر هذه الخدمة عند الحاجة، من خلال مترجمين مؤهلين قادرين على نقل المعلومات الطبية بدقة، حتى لا يؤدي سوء الفهم إلى أخطاء في تناول الأدوية أو اتباع التعليمات العلاجية. إن نجاح هذه المبادرة لا يقتصر على تحويل المريض إلى مستشفى خاص، بل يتطلب ضمان استمرارية الرعاية الطبية وسهولة التواصل بين الطبيب والمريض. شكرًا لمؤسسة حمد الطبية على هذه الخطوة، وأتمنى أن تؤخذ هاتان الملاحظتان بعين الاعتبار لاستكمال منظومة التعاون وتحقيق الفائدة المرجوة منها للجميع.
3183
| 24 سبتمبر 2026
تُولي دولة قطر اهتمامًا بالعنصر البشري القطري، وتحرص على تأهيله وتمكينه وتطوير قدراته، غير أن بعض الجهات الحكومية لا تزال لا تستفيد بالصورة المطلوبة من أصحاب الخبرات الطويلة. فعندما يصل الموظف القطري إلى مسمى «خبير» أو «استشاري»، بعد سنوات من العمل والتدرج وتحمل المسؤوليات، يفاجأ أحيانًا بأنه أصبح بلا عمل واضح، ولا تُسند إليه مهام تتناسب مع خبراته ومسماه الوظيفي. وهنا يبرز السؤال: لماذا يتحول هذا المسمى في بعض الجهات إلى محطة انتظار بدلًا من أن يكون مرحلة جديدة للعطاء؟ ولماذا يُركن موظفون كانوا بالأمس القريب مديرين ورؤساء أقسام وأصحاب قرار، ثم يُتركون بعد ترقيتهم إلى مرتبة خبير أو استشاري بلا ملفات محددة، ولا مشاركة حقيقية في اللجان والدراسات وصناعة القرار؟ إن مسمى «خبير» أو «استشاري» ليس درجة شرفية تُمنح للموظف في نهاية مساره الوظيفي، بل وظيفة تخصصية لها غاية محددة. فالخبير يفترض أن يقدم الرأي الفني المبني على التجربة والمعرفة، وأن يراجع المشروعات والسياسات، ويحلل المشكلات، وينقل خبرته إلى الموظفين الجدد. أما الاستشاري، فينبغي أن يُسهم في إعداد الدراسات، وتقديم البدائل، وتقويم الأداء، ودعم القيادات في اتخاذ القرار وتطوير أساليب العمل. والمفارقة المؤلمة أن الخبير أو الاستشاري غير القطري غالبًا ما يُستفاد منه بصورة أفضل؛ فيشارك في إعداد الدراسات، ويسهم في صياغة التوصيات والقرارات، ويكون قريبًا من أصحاب القرار، بينما قد يُبعد الخبير القطري، وهو الأعرف ببيئة العمل وتاريخ المؤسسة واحتياجات المجتمع. وهذه ليست مطالبة بإقصاء الخبرات الوافدة التي نقدر دورها، بل دعوة إلى تحقيق التوازن وإعطاء الخبرة الوطنية المكانة والدور اللذين تستحقهما. وهذا الوضع لا يضر الموظف وحده، بل يضر الجهة والدولة؛ لأنه يهدر خبرة تراكمت على مدى عشرات السنين، ويضعف نقل المعرفة بين الأجيال، ثم يدفع بعض المؤسسات إلى الاستعانة بخبراء من الخارج للقيام بأعمال يستطيع أبناء الوطن إنجازها بكفاءة. فالخبرة الوطنية ليست عبئًا إداريًا، وإنما رأس مال مؤسسي يجب المحافظة عليه وحسن توظيفه. ولنضرب مثلاً في الولايات المتحدة وعدد من الدول الأوروبية، لا تتوقف الاستفادة من أصحاب الخبرات عند عمر معين أو مغادرة المنصب القيادي؛ فنراهم في البرلمانات ومجالس الإدارات والمؤسسات والشركات ومراكز الأبحاث والجامعات والمعاهد. أما في دولنا، فكثيرًا ما يغادر المسؤول منصبه فتُطوى معه خبرته، ثم نعود إلى استقدام الخبرة من الخارج بتكاليف مرتفعة. لذلك، نأمل من الوزارات والمؤسسات الحكومية التي يسري عليها قانون الموارد البشرية تفعيل ما قرره هذا القانون من ارتباط الوظيفة بواجبات ومسؤوليات محددة، وإلزام كل جهة بإعداد بطاقة وصف وظيفي واضحة للخبير والاستشاري، ووضع خطة سنوية لمهامهما، وإشراكهما في اللجان والدراسات وبرامج التدريب ونقل المعرفة، وتقييم أدائهما على أساس مخرجات قابلة للقياس، مثل إعداد دراسة، أو مراجعة سياسة، أو تدريب مجموعة من الموظفين. فالتكريم الحقيقي للموظف القطري صاحب الخبرة أن يمنح دورًا يليق بعطائه، ويضمن استمرار خبرته في خدمة الدولة والأجيال القادمة.
1119
| 28 سبتمبر 2026