رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
من روائع الحِكم أنه لا شيء في الحياة يعيش لنفسه؛ فالنهر لا يشرب ماءه، والأشجار لا تأكل ثمارها، والشمس لا تُشرق لذاتها، والزهرة لا تعبق لنفسِها، لكن المجتمع الإنساني بعد تجارب لا تحصى عبر تاريخ ممتد كله صراعات وحروب طاحنة لم يصل إلى صيغة تعايش تقبل التنوع والتعدد باعتباره طبيعة وفطرة في بني البشر.
ومنذ 76 عاماً عقب نهاية الحرب العالمية الثانية غدا المجتمع الدولي فريقان: (سيد) و(تابع) ولسان حال (السيد) يقول لـ(التابع): اصمت إلى الأبد! وإياك أن تتخذ قرارك، وأن ترفع صوتك، وأن تعلي صرختك، وأن تعلن موقفك بل إياك أن تمارس إنسانيتك، بل أضحت الفلسفة المادية بكل تجلياتها النظرية والتاريخية المختلفة، تشكل البنية الفكرية التحتية للفلسفات الحديثة الطاغية والمتحكمة كالماركسية والبرجماتية والداروينية، لاعتبار ذلك مرجعية مفروضة لرؤية التاريخ والتقدم وللعلاقات الدولية.
ومن ممارسات (السيد) المتجبّر على (التابع) المستضعف النظرة الفوقية التي نتاجها الطبيعي العنصرية المتمثلة في أيّ ممارسة أو تصرف أو معتقد ناشئ عن تلكم النظرة الفوقية، والنظرة الفوقية ترفض فطرة التعدد والتنوع التي تجسدها فروق حقيقية وعناصر موروثة في البشر وقدراتهم بسبب انتمائهم لجماعة أو عرق ما، ومن ثم تبرير معاملة هذه الجماعة بشكل مغاير اجتماعياً أو قانونياً، اعتقاداً من (السادة) أن أجناسهم متفوقة بطبيعتها على غيرها، وهذا ما يمعنون في اتخاذه مبرراً للتعامل مع المجموعات أو الأعراق المهمشة من البشر والقائمة على بعض الصور النمطية والخرافات، على أساس اللون أو الانتماء القومي أو اللغوي أو غيرهما.
كان من المفترض بعد الحرب العالمية الثانية الاعتراف بالتعددية الدينية، أي الاعتراف بوجود تنوع في الانتماء الديني في المجتمع الدولي مع احترام هذا التنوع وقبول ما يترتب عليه من اختلاف أو خلاف في العقائد، باعتبار ذلك درساً مستفاداً يحول دون نشوب صراع يهدد السلام والأمن الدوليين، وكذلك التعددية السياسية وهي مشروعية تعدد القوى والآراء السياسية وحقها في التعايش وفي التعبير عن نفسها وضمان وحماية مصالحها.
لقد غيرت الحرب العالمية الثانية الخارطة السياسية والعسكرية والبنية الاجتماعية في العالم، وأدت إلى إنشاء الأمم المتحدة التي تضمنت أدبياتها تعزيز التعاون الدولي ومنع الصراعات في المستقبل، بيد أن الدول المنتصرة ميّزت نفسها وأصبحت أعضاءً دائمين في مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة. وفي الوقت نفسه، أسّست هذه الدول مخالب تعزز سيطرتها على الأخر سياسياً واقتصادياً، في شكل منظمات اقتصادية دولية مثل صندوق النقد الدولي، ومنظمة التجارة العالمية، ومنظمات حقوقية وإنسانية توجه سهامها لثقافة الآخر تجسيداً للنظرة الفوقية.
وكان ثمة انفصام بيّن ظاهر بين أدبيات ومواثيق منظمة الأمم المتحدة وواقع العلاقات بين الدول والشعوب، فعندما يطلع المرء عليها يحسب أن الكون كله يعزف نشيداً، فمنذ عقود مضت، نادى الإعلان العالمي لحقوق الإنسان بالمساواة التامة بين كُلّ أفراد العائلةِ الإنسانيةِ، وأوضح أن الكرامة الإنسانية لا تتجزأ، في عام ٢٠٠٤ أصدرت الأمم المتحدة تقريراً بعنوان "الحرية الثقافية في عالمِ اليومِ المتنوّعِ" والذي تم الاعتراف فيه للمرّة الأولى في تاريخ تقارير برنامج التنمية البشرية بالحرية الثقافية بوصفها "جزءاً حيوياً في عملية التنمية البشرية"، وأكد التقرير على "عمق الأهمية التي يمثلها الدين لهويات الشعوب، لكن هذه القيم الرائعة يحيلها الواقع الأليم إلى خرافة.
اليوم في السودان وبإيعاز من (السيد) يستعر جدل علمانية الدولة التي يراد بها إعادة صياغة المجتمع والإنسان السوداني في الإطار المادي الغربي، وصولاً إلى تنميط حياة الناس مع سيطرة وهم التحكم الكامل فيها، فـ(السيد) الذي لا يعترف إلا بثقافته وبضرورة فرضها على الآخر الذي لا تساوي في خَلَده ثقافة الآخر ولا معتقداته جناح بعوضة!، مطلوب من السودان استبدال شعائره وثقافته بالعلمانية، ويقول دعاة العلمانية ويزعمون بأن دولة المواطنة في إطار العلمانية تعني تساوي الجميع أمام القانون، وهذا القانون المراد فرضه لا يستجيب ليس لحقوق ثلة من المواطنين فحسب وإنما لا يستجيب لحقوق الغالبية العظمى من المواطنين.
إن كان القانون المقصود - وهو كذلك بدون شك - هو قانون على هدى علمانية الدولة، فهو بالضرورة يهضم حقوق المسلمين في حقهم في التعبد واتباع دينهم.. كيف ذلك؟ إن كل ما يتعلق بقوانين الأحوال الشخصية؛ كالزواج، وولاية الرجل، والميراث وغير ذلك فهي قوانين تعبدية، أي أنها من صميم العبادة في الإسلام فكيف تحرم أغلبية من حقها في التعبد وتجبرها على قوانين علمانية لا تعترف بل تستحقر التشريعات الإسلامية، حتى الاستعمار البريطاني للسودان لم يقرب قوانين الأحوال الشخصية وتركها ولم يتدخل لتعديلها، وهذا الحق التعبدي لا يقتصر على قوانين الأحوال الشخصية فحسب، بل ينسحب إلى فقه المعاملات التجارية وفروع البيع وما ورد نصاً في القرآن الكريم عن الربا.
وحتى الزعم بأن الإسلام وقوانينه تجافي المدنية مردود عليه في اعتراف المؤرخ الإنجليزي هربرت ويلز الذي يقول: "كل دين لا يسير مع المدنية في كل أطوارها فاضرب به عرض الحائط، وإن الدين الحق الذي وجدته يسير مع المدنية أينما سارت هو الإسلام، ومن أراد الدليل فليقرأ القرآن وما فيه من نظرات ومناهج علمية، وقوانين اجتماعية، فهو كتاب دين وعلم واجتماع وخُلُق وتاريخ، وإذا طُلب مني أن أحدد معنى الإسلام؛ فإني أحدده بهذه العبارة: الإسلام هو المدنية".
إن كل مزاعم تتجاوز حقيقة هذا الاعتراف ما هي إلا أمعية فكرية ومظاهرة للفكر الغربي خشية الاتهام بالتخلف أو التعصب، وليعلم أولئك أن الجذور الإنسانية والحضارية والثقافية للمجتمعات ليست حزمة نباتات زينة يعاد وضعها وترتيبها في أي مكان يناسبها حجماً وموقعاً ولوناً.
الميديا الغربية تحت ضغط الحقائق
رغم ارتباط الميديا في الغرب بالنظم السياسية في عموم أدائها لوظائفها لاسيما عندما يرتبط الموضوع بالشؤون المتعلقة بالآخر،... اقرأ المزيد
981
| 08 سبتمبر 2024
صراع البحر الأحمر.. مرحلة كسر العظم
كثير من المؤشرات تؤكد أن أفريقيا هي الميدان الأكثر سخونة للصراع الدولي على الموارد، والممرات البحرية الدولية. والمتصارعون... اقرأ المزيد
801
| 01 سبتمبر 2024
تحديات ما بعد الحرب والأزمة السياسية
فيما تسابق الحكومة الأمريكية ممثلة في الحزب الديمقراطي الحاكم الزمن لاهثة لإضافة أي إنجاز خارجي تدعم به حملتها... اقرأ المزيد
1200
| 25 أغسطس 2024
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
هي ليست عربية ولا حتى مسلمة، ولا تربطها بغزة رابطة دم أو دين أو لغة، ومع ذلك استطاعت في مباراة كرة قدم واحدة أن ترسل رسالة أخلاقية دوّى صداها أبعد بكثير من حدود المستطيل الأخضر. في مباراة منتخب إيرلندا أمام دولة الكيان، لم يتعامل اللاعبون الإيرلنديون مع الأمر وكأنه تسعون دقيقة من كرة القدم تنتهي بصافرة الحكم ثم يعود الجميع إلى منازلهم. ارتدى اللاعبون الشارات السوداء تضامنًا مع الفلسطينيين، وخفضوا رؤوسهم أثناء عزف نشيد المحتل، وغابت المصافحة المعتادة قبل المباراة. وقبلها أعلن حارس المنتخب غافين بازونو انسحابه ورفض المشاركة، مؤكدًا أن قراره جاء انطلاقًا من موقف ومبدأ. حتى مدرب المنتخب الإيرلندي تحدث بوضوح عن رفض ما يجري في غزة، في وقت أصبحت فيه الكلمات الواضحة نفسها تحتاج إلى شجاعة. لم تكن القضية إذن تسجيل هدف في مرمى إسرائيل، مع أن المباراة انتهت بثلاثية إيرلندية نظيفة، وإنما كانت في كيفية استخدام الرياضة لإيصال موقف إلى العالم من دون أن يتحول الملعب إلى فوضى، ومن دون شعارات جوفاء أو استعراض مؤقت ومن غير خجل كثير من المنتخبات العربية للأسف. والشارع الإيرلندي كان حاضرًا قبل المباراة كذلك. احتجاجات وأعلام فلسطينية، ومطالبات بمقاطعة المباريات، ورسالة مفتوحة وقّعها أكثر من 160 رياضيًا إيرلنديًا تطالب لاعبي المنتخب بعدم مواجهة إسرائيل. حتى الاتحاد الإيرلندي لكرة القدم سبق أن طالب بوقف مشاركة إسرائيل دوليًا، وسط جدل واسع داخل البلاد بشأن استمرار المباريات. هؤلاء فعلوا ذلك من أجل غزة. وهنا يأتي السؤال المؤلم: ونحن ؟؟ أين نحن من غزة؟ أين الشارع العربي؟ أين الجماهير؟ أين الرياضيون؟ أين المشاهير؟ أين أصحاب الملايين من المتابعين؟ وأين ذلك الصوت الذي كان يملأ الدنيا عندما كانت القضية في بدايتها؟ أخشى أن أخطر ما يمكن أن يحدث لغزة ليس فقط استمرار القتل والدمار والتجويع، وإنما أن يصبح كل ذلك بالنسبة إلينا خبرًا عاديًا. أن نرى الصورة ثم نتجاوزها. أن نقرأ عدد الضحايا ثم ننتقل إلى خبر آخر. أن تصبح غزة فقرة ثابتة في نشرات الأخبار بعدما كانت جرحًا مفتوحًا في وجدان الأمة. لقد طال الزمن، وكثرت الصور، وتكررت المشاهد، وربما أصاب البعض شيء من الاعتياد. وهنا تكمن الكارثة. لأن المأساة عندما تطول لا تصبح أقل مأساوية، والطفل الذي يجوع اليوم ليس أقل قيمة من الطفل الذي أبكانا قبل عام أو عامين، والأم التي تفقد أبناءها اليوم لا يخفف من مصابها أن العالم شاهد آلاف القصص المشابهة قبلها. في غزة شعب يعيش تحت دمار هائل وحصار ومعاناة إنسانية ممتدة، وسط اتهامات دولية بالغة الخطورة لإسرائيل بشأن ما ارتُكب بحق المدنيين الفلسطينيين. ومع ذلك، نجد أن صوت التضامن يأتي أحيانًا من دبلن أقوى من أصوات كثيرة في عواصم أقرب إلى غزة جغرافيا ودينًا ولغةً وتاريخًا. وهذه ليست مقارنة هدفها جلد الذات، وإنما إيقاظها. الإيرلندي الذي يرفع علم فلسطين لا يقول لنا: انظروا إليّ. بل ربما يسألنا من حيث لا يدري: إذا كانت غزة حرّكت ضميري وأنا على بعد آلاف الكيلومترات، فكيف أصبحت بعيدة عن ضمائركم وأنتم أهلها وإخوتها؟ لسنا مطالبين بأن نتحول جميعًا إلى سياسيين، ولا أن تتوقف الحياة، ولا أن يصبح كل إنسان خطيبًا أو ناشطًا. لكننا مطالبون بأبسط شيء: ألا ننسى. ألا تصبح صور الأطفال أرقامًا. ألا يصبح الجوع خبرًا. ألا يصبح الموت مشهدًا مألوفًا. وألا تتحول فلسطين من قضية حاضرة في الوجدان العربي والإسلامي إلى ذكرى موسمية نستحضرها فقط عندما يقع حدث كبير. ما فعلته إيرلندا يثبت أن الموقف لا يحتاج دائمًا إلى منصة سياسية ولا إلى خطاب طويل. أحيانًا تكفي شارة سوداء. أحيانًا يكفي رأس ينحني رفضًا. أحيانًا يكفي لاعب يقول: لن أشارك. وأحيانًا يكفي جمهور يرفع علمًا ليذكّر العالم بأن هناك شعبًا لم يُنسَ. لكن السؤال الذي يجب أن يؤلمنا قليلًا بل كثيرًا: إذا كانت إيرلندا ما زالت تتذكر غزة بهذا الوضوح، فبأي عذر نسمح نحن لأنفسنا أن ننساها؟ غزة ليست خبرًا قديمًا. غزة ليست «ترندًا» انتهى. وغزة، قبل كل شيء، ليست بعيدة عنا. هي منا.. ونحن أولى الناس بألا نتركها وحدها. وإلا بذلك تكون إيرلندا هي المسلمة ونحن …..
4245
| 29 سبتمبر 2026
جميل هذا التعاون الذي بدأته مؤسسة حمد الطبية في تحويل المواطنين للعلاج في مستشفيات القطاع الخاص، وهي خطوة تستحق الإشادة؛ لما تحققه من تخفيف الضغط على المستشفيات الحكومية، وتسهيل حصول المواطنين على الخدمات العلاجية، فضلًا عن دعم القطاع الصحي الخاص وتنشيط الحركة الاقتصادية. إنها منظومة يستفيد منها الجميع: الدولة والمواطن والمستشفى. منذ أيام، كانت لي تجربة شخصية بعد تحويلي من مؤسسة حمد الطبية إلى مستشفى «ذا فيو» لمتابعة حالتي مع أحد الأطباء. والحقيقة أن المستشفى يتمتع بمستوى راقٍ من حيث المبنى والتجهيزات والخدمات، لكنني خرجت بملاحظتين مهمتين أتمنى أن تأخذهما مؤسسة حمد الطبية بعين الاعتبار. الأولى: ربط الملفات الطبية. لا يُعقل أن يدخل المريض على الطبيب في المستشفى الخاص ليبدأ بسرد تاريخه المرضي من الصفر، وكأنه يروي قصة قصيرة! فقد ينسى بعض التفاصيل، أو يعجز عن شرح حالته بدقة، خصوصًا إذا كانت لديه أمراض مزمنة أو عمليات سابقة أو يتناول أدوية متعددة. المريض المحوَّل من مؤسسة حمد الطبية إلى القطاع الخاص يجب أن ينتقل بملفه الطبي وتاريخه العلاجي، لا أن يبدأ رحلته العلاجية من الصفر. لذلك، من الضروري أن تتضمن اتفاقيات التعاون ربطًا إلكترونيًا آمنًا يتيح للطبيب المعالج الاطلاع على الملف الصحي للمريض، بما يشمل تاريخه المرضي ونتائج فحوصاته وعملياته السابقة والأدوية التي يتناولها، وفق الضوابط المعتمدة لحماية خصوصية المرضى. فهذا الربط لا يضمن استمرارية الرعاية وسلامة المريض فحسب، بل يوفّر أيضًا وقت الطبيب، الذي قد تكون عيادته مزدحمة بالمراجعين، ويساعده على فهم الحالة بصورة أشمل وأدق، واتخاذ القرار العلاجي المناسب دون إضاعة الوقت في استعادة معلومات يفترض أن تكون متاحة أمامه منذ البداية. الثانية: توفير خدمة الترجمة الطبية ليس كل المواطنين يجيدون اللغة الإنجليزية، وليس كل من يتحدث بها قادرًا على فهم المصطلحات الطبية الدقيقة. ومع وجود أطباء لا يتحدثون العربية، تصبح الترجمة الطبية المتخصصة ضرورة لضمان فهم المريض لتشخيصه وخطته العلاجية وتعليمات الطبيب، لا مجرد خدمة إضافية. ومن المهم أن تتوافر هذه الخدمة عند الحاجة، من خلال مترجمين مؤهلين قادرين على نقل المعلومات الطبية بدقة، حتى لا يؤدي سوء الفهم إلى أخطاء في تناول الأدوية أو اتباع التعليمات العلاجية. إن نجاح هذه المبادرة لا يقتصر على تحويل المريض إلى مستشفى خاص، بل يتطلب ضمان استمرارية الرعاية الطبية وسهولة التواصل بين الطبيب والمريض. شكرًا لمؤسسة حمد الطبية على هذه الخطوة، وأتمنى أن تؤخذ هاتان الملاحظتان بعين الاعتبار لاستكمال منظومة التعاون وتحقيق الفائدة المرجوة منها للجميع.
3174
| 24 سبتمبر 2026
تُولي دولة قطر اهتمامًا بالعنصر البشري القطري، وتحرص على تأهيله وتمكينه وتطوير قدراته، غير أن بعض الجهات الحكومية لا تزال لا تستفيد بالصورة المطلوبة من أصحاب الخبرات الطويلة. فعندما يصل الموظف القطري إلى مسمى «خبير» أو «استشاري»، بعد سنوات من العمل والتدرج وتحمل المسؤوليات، يفاجأ أحيانًا بأنه أصبح بلا عمل واضح، ولا تُسند إليه مهام تتناسب مع خبراته ومسماه الوظيفي. وهنا يبرز السؤال: لماذا يتحول هذا المسمى في بعض الجهات إلى محطة انتظار بدلًا من أن يكون مرحلة جديدة للعطاء؟ ولماذا يُركن موظفون كانوا بالأمس القريب مديرين ورؤساء أقسام وأصحاب قرار، ثم يُتركون بعد ترقيتهم إلى مرتبة خبير أو استشاري بلا ملفات محددة، ولا مشاركة حقيقية في اللجان والدراسات وصناعة القرار؟ إن مسمى «خبير» أو «استشاري» ليس درجة شرفية تُمنح للموظف في نهاية مساره الوظيفي، بل وظيفة تخصصية لها غاية محددة. فالخبير يفترض أن يقدم الرأي الفني المبني على التجربة والمعرفة، وأن يراجع المشروعات والسياسات، ويحلل المشكلات، وينقل خبرته إلى الموظفين الجدد. أما الاستشاري، فينبغي أن يُسهم في إعداد الدراسات، وتقديم البدائل، وتقويم الأداء، ودعم القيادات في اتخاذ القرار وتطوير أساليب العمل. والمفارقة المؤلمة أن الخبير أو الاستشاري غير القطري غالبًا ما يُستفاد منه بصورة أفضل؛ فيشارك في إعداد الدراسات، ويسهم في صياغة التوصيات والقرارات، ويكون قريبًا من أصحاب القرار، بينما قد يُبعد الخبير القطري، وهو الأعرف ببيئة العمل وتاريخ المؤسسة واحتياجات المجتمع. وهذه ليست مطالبة بإقصاء الخبرات الوافدة التي نقدر دورها، بل دعوة إلى تحقيق التوازن وإعطاء الخبرة الوطنية المكانة والدور اللذين تستحقهما. وهذا الوضع لا يضر الموظف وحده، بل يضر الجهة والدولة؛ لأنه يهدر خبرة تراكمت على مدى عشرات السنين، ويضعف نقل المعرفة بين الأجيال، ثم يدفع بعض المؤسسات إلى الاستعانة بخبراء من الخارج للقيام بأعمال يستطيع أبناء الوطن إنجازها بكفاءة. فالخبرة الوطنية ليست عبئًا إداريًا، وإنما رأس مال مؤسسي يجب المحافظة عليه وحسن توظيفه. ولنضرب مثلاً في الولايات المتحدة وعدد من الدول الأوروبية، لا تتوقف الاستفادة من أصحاب الخبرات عند عمر معين أو مغادرة المنصب القيادي؛ فنراهم في البرلمانات ومجالس الإدارات والمؤسسات والشركات ومراكز الأبحاث والجامعات والمعاهد. أما في دولنا، فكثيرًا ما يغادر المسؤول منصبه فتُطوى معه خبرته، ثم نعود إلى استقدام الخبرة من الخارج بتكاليف مرتفعة. لذلك، نأمل من الوزارات والمؤسسات الحكومية التي يسري عليها قانون الموارد البشرية تفعيل ما قرره هذا القانون من ارتباط الوظيفة بواجبات ومسؤوليات محددة، وإلزام كل جهة بإعداد بطاقة وصف وظيفي واضحة للخبير والاستشاري، ووضع خطة سنوية لمهامهما، وإشراكهما في اللجان والدراسات وبرامج التدريب ونقل المعرفة، وتقييم أدائهما على أساس مخرجات قابلة للقياس، مثل إعداد دراسة، أو مراجعة سياسة، أو تدريب مجموعة من الموظفين. فالتكريم الحقيقي للموظف القطري صاحب الخبرة أن يمنح دورًا يليق بعطائه، ويضمن استمرار خبرته في خدمة الدولة والأجيال القادمة.
1116
| 28 سبتمبر 2026