رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

Al-sharq

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

الشرق

مساحة إعلانية

مساحة إعلانية

د. مريم السبيعي

مساحة إعلانية

مقالات

267

د. مريم السبيعي

الوداع الأنيق

02 نوفمبر 2026 , 12:00ص

ليس كل وداعٍ يحمل خصومة، ولا كل رحيلٍ يسبقه جفاء. أحيانًا يغادر الإنسان لأنه أدرك أن بقاءه لم يعد يضيف إلى المكان شيئًا، وأن الحكاية التي جمعته بغيره وصلت إلى الصفحة الأخيرة، فاختار أن يطويها بهدوء، دون أن يمزق أوراقها أو يسيء إلى ذكرياتها.

الوداع الأنيق هو أن ترحل وقلبك خالٍ من الرغبة في الانتقام، وأن تترك خلفك ما كان جميلًا محفوظًا في موضعه، دون أن تسمح للنهاية بأن تفسد قيمة البداية. هو أن تعترف بأن بعض الطرق لا تستمر إلى الأبد، وأن بعض الأشخاص يرافقوننا في مرحلةٍ محددة، ثم يمضي كل واحدٍ منهم إلى طريقه، حاملًا شيئًا من أثر الآخر.

في الوداع الأنيق لا تُقال الكلمات القاسية، ولا تُستعاد الأخطاء القديمة لتكون سلاحًا في اللحظة الأخيرة. لا حاجة إلى كشف الأسرار، ولا إلى تعداد الخيبات، ولا إلى إثبات من كان أكثر وفاءً. يكفي أن يعرف الإنسان ما في قلبه، وأن يرحل دون أن يحمّل الرحيل ضجيجًا لا يليق بما كان بين القلوب من مودة.

وقد يكون أجمل الوداع ذلك الذي لا يطلب تفسيرًا طويلًا، ولا ينتظر دمعةً أو ندمًا أو محاولةً متأخرة للعودة. فحين يطمئن الإنسان إلى قراره، يصبح صمته أبلغ من الكلام، وخطوته إلى الأمام أصدق من كل الوعود التي لم تجد طريقها إلى التنفيذ.

الوداع الأنيق ليس ضعفًا، بل قوةٌ هادئة. أن تستطيع الرحيل وأنت قادر على البقاء، وأن تغلق الباب دون أن تطرقه كل ليلة، وأن تمنح نفسك فرصةً للنجاة من علاقةٍ استنفدت طاقتها، فهذا دليل على أنك تعلّمت أن كرامة القلب لا تقل أهمية عن عاطفته.

ولا يعني الرحيل أن الذكريات لم تكن صادقة، أو أن المحبة كانت وهمًا. قد تكون المشاعر حقيقية، لكن الاستمرار لم يعد ممكنًا. وقد يكون الإنسان عزيزًا، غير أن وجوده لم يعد مناسبًا للحياة التي يحاول الآخر أن يبنيها. بعض النهايات لا تأتي لأن أحدًا كان سيئًا، بل لأن الطريق تغيّر، والأمنيات تباعدت، والقلوب لم تعد تسير في الاتجاه نفسه.

فلنودّع من نحب باحترام، ولنترك لهم في ذاكرتنا مكانًا يليق بما منحوه، ولنمضِ نحن أيضًا دون حقدٍ يثقل الخطوات. فالحياة أقصر من أن نقضيها في مطاردة الذين اختاروا الرحيل، وأجمل من أن نملأها بالعتاب. يكفي أن نقول: شكرًا لكل ما كان جميلًا، وعذرًا لكل ما لم نستطع إكماله، وسلامًا على طريقٍ جمعنا يومًا ثم مضى بنا إلى جهتين مختلفتين.

مساحة إعلانية