رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

Al-sharq

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

الشرق

مساحة إعلانية

مساحة إعلانية

فهمي هويدي

فهمي هويدي

مساحة إعلانية

مقالات

579

فهمي هويدي

للوطن وليس للقبيلة

02 نوفمبر 2015 , 03:43ص

حين سئلت لماذا لم أكتب عن اعتقال هشام جعفر الباحث المرموق كان ردي أنني مصدوم وأن الصدمة أعجزتني عن الكلام. وليس اعتقال هشام هو سبب الصدمة وإنما مرجعها أنني أصبحت أيضا عاجزا عن فهم ما يحدث في مصر. ذلك أنني كلما تصورت أن الأمور هدأت نسبيا وأن الأجهزة الأمنية استعادت توازنها وخففت من بطشها وتنكيلها بالناس، أفاجأ بممارسات وانتهاكات تبدد ذلك الوهم وتعطي انطباعا بأن شيئا لم يتغير. بل وتشكك في احتمالات التهدئة والتحسن في الأجواء، وتؤيد سيناريو التصعيد الذي يحرص على استمرار التوتر وإغلاق الأمل في أي انفراج. ومن المفارقات أن الأجهزة الأمنية توجه تلك الرسالة إلى المجتمع المصري في توقيت متزامن مع إجراء انتخابات مجلس النواب الجديد.. فيما يبدو أنه من قبيل التحدي الذي يراد به تيئيس الناس من أي إصلاح سياسي، حتى إذا كان شكليا ووهميا. فوسائل الإعلام ما برحت تتحدث عن الوفاء بالاستحقاق الديمقراطي الذي نصت عليه خارطة الطريق، وفي الوقت ذاته تتناقل مواقع التواصل الاجتماعي الدعوة إلى وقف الاختفاء القسري الذي استشرى أخيرا وتمتلئ صفحات فيس بوك بصور المعتقلين الأبرياء الذين يجدد حبسهم كل ١٥ يوما. هذا التزامن يجعلنا بإزاء مشهد عبثي لا نعرف ما الذي نصدق فيه أو نكذب. بل إننا ما عدنا نعرف بالضبط من يعطل الدستور ويفسد الحياة السياسية.

إن الذي تعرض له هشام جعفر مر به آلاف الأبرياء القابعين في السجون منذ سنتين أو أكثر، ومنهم جرى اعتقاله قبل ذلك، أثناء فض الاعتصامات في عام ٢٠١٣. وهؤلاء لم يسمع بهم أحد ولا يعرف أحد مصيرهم أو أماكن احتجازهم. وكنت قد قرأت تدوينة لأحد نشطاء حركة ٦ أبريل الذي جرى اعتقالهم في الثاني من شهر أغسطس الماضي. قال فيها إنه التقى شخصا في الزنزانة التي أودع فيها أبلغه أنه محتجز منذ عام ٢٠١٣.. وسأله عن اليوم والتاريخ. وحين أبلغه صاحبنا بذلك فإن الرجل انخرط في البكاء وجلس صامتا. وقال الناشط المدون إنه انتقل إلى مكان آخر ولم يعرف شيئا عن رفيقه في الزنزانة سوى أنه من محافظة الشرقية واسمه عبدالمنعم محمد أو العكس، وطلب ممن قرأ رسالته أن يبلغ أهل رفيقه بأمره.

أدري أن هشام جعفر يستحق أن يعلن كل مواطن شريف تضامنه معه. لكنني أزعم أن وضعه يظل أقل سوءا من غيره، رغم ما جرى لبيته من تحطيم وترويع. فضلا عن الأذى الذي تعرض له شخصيا وكذلك العاملون في المؤسسة التي يديرها.. ذلك أن خبر اعتقاله ذاع وعرف مكان التحقيق معه وتضامن معه بعض المحامين، فضلا عن بعض النشطاء والمثقفين الذين عرفوه. ولست أشك أنه في حالة معنوية ونفسية لا بأس بها. أما الآلاف الذين لم يسمع بأسمائهم أحد ولم يتضامن معهم أحد وعانى أهلوهم من الإذلال والمهانة طول الوقت فهؤلاء يعذرون إذا أصبحت معنوياتهم في الحضيض ولم يعد أمامهم سوى الاستسلام لليأس والبؤس.

لقد اعتقل هشام جعفر يوم ٢١ أكتوبر.. وفي اليوم التالي نشرت الصحف الخبر، ومازلنا نطالع أخبار التحقيقات الجارية معه. إلا أنه في مساء اليوم ذاته كان المهندس عمر محفوظ عزام قد انتهى من تسليم مشروع مطار الغردقة الذي كان مسؤولا عنه. باعتباره ممثلا لإحدى الشركات الخاصة.. وحين توجه إلى المطار مع زميل له ليستقل الطائرة إلى القاهرة احتجزه اثنان من رجال الأجهزة الأمنية، وأبلغا صاحبه أنه سيلحق بالطائرة التالية. ومنذ ذلك الحين اختفى عمر ولم يعرف أحد مصيره. إلا أن أسرته فوجئت بـ«بوست» وضعه أحد المحامين على الفيس بوك قال فيه إنه صادف شخصا جاء إلى سجن العقرب اسمه عمر عزام وعلى من يعرف أهله أن يبلغهم بأمره. صدمت الأسرة وأجرت اتصالا بالمحامي الذي أبلغهم بأنه قدم إلى محكمة أمرت بحبسه مدة ١٥ يوما. ويظل عمر عزام واحدا من كثيرين من المجهولين الذين لا تعنى الصحف بنشر أخبارهم ولا يتضامن معهم أحد. ولولا الرسالة التي تلقيتها من زوجته بحكم معرفتي بالأسرة لما علمت بالأمر.

إنني أتلقى رسائل عدة تؤرق الضمير وتعذبه من أمهات وزوجات وآباء وجميعهم من الحزانى والملهوفين الذين يتمنون أن تنشر الصحف شيئا عن مظلومية ذويهم.. ولدي قدر كبير من التعاطف معهم وأعذرهم إذا ما تصوروا أن النشر في وسائل الإعلام قد يسرع بالإفراج عنهم وهو ما أشك فيه، رغم اقتناعي بأن النشر قد يخفف من أحزانهم من حيث إنه يوهمهم بأنهم ليسوا منسيين وأن هناك آخرين متضامنين معهم.

إن التضامن مع من نعرف ضرب من الوفاء مقدر ومطلوب حتى وإن كان مسكونا بروح «القبيلة». لكن التضامن مع من لا نعرف يعبر عن النبل الإنساني الذي هو أكثر نقاء وأعلى مرتبة. ذلك أنه في هذه الحالة بمثابة دفاع عن المجتمع بأسره واحتشاد لرد الظلم واستئصال شأفته.. إن شئت فقل إنه دفاع عن الوطن وليس القبيلة.

* تصويب: ذكرت أمس أن الأستاذ طارق البشري أتم العام الأول بعد الثمانين، والصحيح أنه أتم عامه الثاني وليس الأول.

مساحة إعلانية