رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
فهم أن تختلف النخب المصرية في الإجابة عن السؤال: إلى أين نحن ذاهبون؟ ولكن حين يحدث ذلك مع بعض المسؤولين الكبار في الدولة فمعناه أننا تائهون:
ــ1ــ
ذلك حدث معي على الأقل، حيث تحدثت مع عدد منهم ــ احتفظ بأسمائهم ــ فلاحظت أن كل واحد منهم مستغرق في تفاصيل الموقع الذي يشغله، لكنه ليس على ثقة من وجهة السفينة التي هو جزء منها. الأمر الذي أعطاني انطباعا بأن الخرائط الكلية لم تتبلور بعد وأن الرؤية الإستراتيجية للحكومة لا تزال تحت التشكيل. وهو أمر لا يفاجئنا حين يكون الرئيس قد تسلم مهامه منذ ثلاثة أشهر فقط، وحين يكون عمر الحكومة كلها لا يتجاوز شهرين، إلا أنه يقلقنا ويصدمنا إذا استمر لوقت أطول.
لقد قيل لي إن رئيس الجمهورية ينام ثلاث ساعات فقط في اليوم، وأنه عاد من رحلته الآسيوية إلى القاهرة في الساعة الخامسة مساء. ثم استدعى مساعديه إلى مكتبه في الساعة السابعة، علمت أيضا أن رئيس الوزراء يعقد في المتوسط عشرة اجتماعات في اليوم، وأنه يذهب إلى مكتبه من الثامنة أو التاسعة صباحا، في حين يبدأ اتصالاته الهاتفية من بيته بعد طلوع الشمس، نحو السادسة صباحا، وبسبب غرق كل منهما في المهام الموكولة إليه، فهمت من المساعدين لهما أن كلا منهما لا يحسب رحلاته إلى الخارج بالأيام ولكن بالساعات، وقد استغرقت رحلة الرئيس مرسي إلى طهران سبع ساعات، في حين أن رحلته الأخيرة إلى أنقرة طالت بعض الشيء حتى استغرقت 12 ساعة.
ربما يعتبر البعض ذلك من قبيل التفاني في أداء العمل والإخلاص الزائد في تحمل المسؤولية، وهو ما أحسبه كذلك ولا أشك في أنه يتم بنية صادقة وصافية. لكن ذلك لا ينفي أنه يعد من علامات قلة الخبرة بالإدارة أو سوئها، وكان تعليقي على ما سمعت من معلومات عن الجهد الكبير الذي يبذله الدكتور مرسي ورئيس وزرائه الدكتور هشام قنديل، أنه ربما كان من المفيد والجيد أن يظل المرء يركض طول الوقت، ولكن الأهم أن يترتب على الركض تقدم إلى الأمام.
ــ 2 ــ
في الأسبوع الماضي فاجأنا وزير المالية ببيان غير مألوف لأنه لم يجاملنا فيه، قال الرجل إن ثمة عجزا في موازنة السنة المالية 2011/2012 يبلغ 170 مليار جنيه في حين أنه كان من المقدر ألا يزيد العجز على 134 مليار جنيه. وذلك معناه أن هناك نحو 36 مليار جنيه زيادة في العجز لم تكن في الحسبان. وأحد الأسباب الرئيسية لذلك العجز مصدرها زيادة الأجور التي تمت تحت ضغط مطالبات الفئات المختلفة. فقد تبين أن بند الأجور وصل إلى 122 مليار جنيه في حين كان المستهدف 110 مليارات فقط، وهو ما يعني أن الاستجابات التي تمت حمَّلت الميزانية عبئا قدره 12 مليار جنيه. هناك أيضا أسباب للعجز تمثلت في انخفاض الموارد العامة للدولة خصوصا الموارد الضريبية نتيجة توقف النشاط الاستثماري والإضرابات والاعتصامات العمالية، الأمر الذي أدى إلى تراجع إيرادات الدولة. عن السنة المالية الحالية (2012ــ2013) قال الدكتور ممتاز السعيد إن مصروفاتها تقدر بمبلغ 533 مليار جنيه، في حين أن الإيرادات في حدود 392 مليار جنيه. وهو ما يعني أن موارد الدولة لا تغطي سوى 74٪ من مصروفاتها ــ يعني أيضا أن مصروفات الدولة في السنة المالية الحالية التي تمثل 135 مليار جنيه، لا توجد لها إيرادات تغطيها. الأمر الذي تضطر معه الدولة للجوء إلى الاقتراض، الذي يترتب عليه زيادة الدين العام.
لم تكن صراحة البيان هي الملاحظة الوحيدة عليه، ولكن عدم الاهتمام الإعلامي به، إلى حد تجاهله من جانب بعض الصحف، كان ملاحظة أخرى مثيرة للدهشة. وفي كل الأحوال فإنه يحسب له أنه واجه الرأي العام بجرأة مطلوبة لوضع الناس في الصورة كما يقال. صحيح أن بعض الوزراء ــ منهم وزير التعليم مثلا. أعلن للمطالبين بزيادة أجورهم أنه لا توجد لديه فلوس تمكنه من أن يلبي ما يطلبونه. إلا أننا لا نزال نفتقد الشفافية والمصارحة في مخاطبة المجتمع، الأمر الذي يبدو معه ذلك الخطاب الذي مررنا به استثناء لا يحتمل التعميم.
وإذ تقدر مبادرة وزير المالية إلى مصارحة الرأي العام بحقائق الوضع الاقتصادي إلا أننا لابد أن نلاحظ أنه وضعنا في صورة المشكلة ولم يتطرق إلى الحل. وهو يعذر في ذلك لأن مفتاح الحل ليس بيده. ولكنه يكمن في جوهر سياسة الحكومة ورؤيتها الإستراتيجية للتعامل مع الوضع الاقتصادي في مجمله.
ــ3ــ
أمضيت الأسبوعين الأخيرين في حوارات مع بعض الخبراء حول معالم الرؤية الإستراتيجية التي ينبغي الانطلاق منها للتعامل مع الأزمة الراهنة في مصر، ولم يكن هناك اختلاف في الرأي حول ضرورة اتباع سياسة المصارحة التي تجعل الرأي العام ونخبه المختلفة على إدراك كاف بحقائق الأوضاع الداخلية أولا بأول، ليس فقط التزاما بحق الناس في المعرفة ولكن أيضا لإشراك الجميع في المسؤولية إزاء ما يجري.
الرؤية التي توافقنا عليها خلصت إلى مطلبين ضروريين في المرحلة الراهنة هما: إعلان برنامج للإنقاذ الاقتصادي يراعي التقشف الذي تبدأ فيه الحكومة بنفسها ــ وإطلاق طاقات الشعب المصري واستدعائه لكي يقف في الصف الأول لجبهة مواجهة الأزمة.
< فيما خص الإنقاذ الاقتصادي تثار العناوين التالية على سبيل المثال:
ــ تخفيض وترشيد الإنفاق الحكومي والحد من صور الإسراف، التي منها الحد من سفر الوفود الرسمية التي تؤدي مهاما تستطيع السفارات أن تنجزها ــ إعادة النظر في المكاتب الفنية الملحقة بالسفارات والتي قيل لي إن ما يصرف عليها يعادل ميزانية وزارة الخارجية كلها ــ إعادة النظر في أوجه الإنفاق التي تذهب إليها حصيلة الصناديق الخاصة وقدرت بمبلغ 36 مليار جنيه ــ النظر في استثمار 53 قصرا رئاسيا و400 سيارة مرسيدس مخزنة في الرئاسة ويتم تجديدها بين حين وآخر.
ــ الجدية والحزم في تطبيق الحد الأقصى للدخول الذي لا تزال الحكومة تتراخى في تنفيذه وعاجزة عن وضع يدها على الخريطة الحقيقية له على أرض الواقع، نظرا لتلاعب كبار المسؤولين ومراوغتهم (أحد الأكاديميين تبين أنه يتقاضى دخلا شهريا قيمته مليون جنيه في حين ذكر في الأوراق الرسمية أن دخله 63 ألف جنيه فقط).
ــ إعادة النظر في أوضاع الثروة العقارية بعدما تبين أن مساحات هائلة من الأراضي تلحق إما بالقوات المسلحة أو بوزارة الداخلية، وتستثمرها تلك الجهات لصالحها مقابل مبالغ تافهة، وأحيانا بوضع اليد وقوة السلاح.
ــ ترشيد استهلاك المياه والطاقة الكهربائية، بعدما تبين أن 25٪ من حصة مصر في المياه تهدر سنويا ولا تستفيد منها الزراعة المصرية في حين أن بعض الأماكن في أشد الحاجة إليها.
ــ التعامل بشجاعة ومسؤولية مع ملفات الإنتاج الصناعي والزراعي وقطاع التشييد، وكلها ملفات حافلة بالمشكلات والعقد، التي لم يتم التعامل معها بشكل جاد إلى الآن.
ــ ترشيد الدعم مع استمرار حماية الطبقات الفقيرة، بحيث يتحمل القادرون الأسعار الحقيقية للسلع، بعدما تبين مثلا أن بعض أصحاب المصانع يحصلون على الطاقة بالأسعار المدعومة، في حين يبيعون منتجاتهم للناس بالأسعار العالمية.
ــ النظر في أمر الأخذ بنظام الضرائب التصاعدية، بحيث يدفع كل مواطن الضرائب التي تتناسب مع دخله الحقيقي.
< المجال الآخر المتعلق بإنقاذ الاقتصاد المصري المتمثل في إطلاق طاقات المجتمع والإفادة من خبرات أهله وخيرات أرضه فيه كلام كثير، لأن من حدثتهم في الأمر انتقدوا بشدة تركيز خطاب السياسيين والمسؤولين على فكرة الاعتماد على الخارج في هذا الصدد، سواء تمثل ذلك في المسارعة إلى الاقتراض من المؤسسات الدولية، أو في الحديث المستمر عن جذب المستثمرين الذين يصورونهم بحسبانهم المخلِّصين وطوق النجاة الذي لا غنى عنه. وهو منطق وصفه بعضهم بأنه تعبير عن الكسل العقلي ووصفه آخرون بأنه تعبير عن عدم الثقة في النفس.
إن لدينا في مصر خبرات مهدرة ومراكز للبحوث منسية ومهملة، ومشروعات للتنمية الذاتية تحارب بشراسة من قبل جبهة الاستيراد والاتكال على الخارج، كما أن لدينا ثروات غير مستغلة في مجالات الطاقة الشمسية ورمال سيناء والساحل الشمالي والسياحة بشكل عام.
إن ما ذكرته مجرد أمثلة، ولا أشك أن لدينا عقولا قادرة على أن تثري ذلك الباب، وتسهم بشكل كبير في تحقيق الإنقاذ المطلوب، الأمر الذي يدعوني إلى طرح السؤال التالي: لماذا لا تدعى العقول المصرية المعنية بالموضوع إلى مؤتمر يمثل فيه الجميع، وتطرح فيه قضية الإنقاذ هذه على بساط البحث، بدلا من أن يتولى الأمر نفر محدود من المسؤولين أو الأشباح الذين نسمع عنهم ولا نراهم.
ــ4ــ
لا أستطيع أن أنهي قبل أن أشير إلى تجربتين للإنقاذ الاقتصادي في كل من ماليزيا والبرازيل، تمنيت أن يخضعا للدراسة من جانب أولي الأمر في النظام المصري، الذين ما برحوا يمدون أبصارهم خارج الحدود، في نهاية عام 1997 ضربت الأزمة اقتصاد نمور آسيا، الذي كان يعد نموذجا للتعافي والنمو. فانهارت العملات المحلية وتدهورت البورصات وتفاقمت البطالة وتراجعت الصناعة.. إلخ. وكانت ماليزيا من ضحايا ذلك الإعصار، فسارع صندوق النقد إلى عرض مساعداته بطريقته التي أعطت الأولوية لحرية السوق بتداعياتها التقليدية. كان مهاتير محمد رئيسا للوزراء، آنذاك فقرر رفض وصفة الصندوق. وبدلا من ذلك شكل مجلسا قوميا للإنقاذ الاقتصادي ضم رئيس الوزراء ونائبه مع النقابات والمجتمع المدني جنبا إلى جنب مع رجال البنوك والمستثمرين وممثلي الشركات.
أدار المجلس سياسة ماليزيا الاقتصادية طوال عامين، ظل خلالهما يعمل تحت رئاسة الدكتور مهاتير خمسة أيام كل أسبوع، بمعدل ثلاث ساعات كل يوم. واتخذ مجموعة من الإجراءات منها تثبيت العملة في مواجهة الدولار وتقييد خروج رأس المال وساعد على هيكلة ديون الشركات الخاسرة..الخ. وفي عام ٢٠٠٠ تعافى الاقتصاد الماليزي واستعاد حيويته، بعدما ضرب عرض الحائط بنصائح صندوق النقد.
البرازيل كانت أسوأ حالا، بعدما خضعت طويلا لقهر الاستبداد وعفونة الفساد، وجاء رئيسها لويس اناسيو لولا في عام 2009، رافعا شعار «البرازيل القوة العالمية الخامسة»، ومعلنا أن بلاده تملك طاقات كامنة قادرة على دفع تمكينها من ارتقاء أعلى درجات النحو، ذكّر الرجل جماهير شعبه بما تملكه بلاده من ثروات طبيعية من النفط والغاز والمياه واليورانيوم.
وكان بعض من سبقوه قد بذلوا جهدا ملموسا في توفير قوة عاملة متعلمة، تنامت في ظل التدابير التي أرست دعائم الاستقرار في الاقتصاد البرازيلي، وتضافرت تلك الجهود التي استثمرت طاقات البلد وقدرات البشر لكي تدفع بالبرازيل إلى مصاف الدول المتقدمة والواعدة. وكانت إرادة القيادة وثقتها في قدرة المجتمع على النجاح من العوامل التي أسهمت في تحقيق النهوض المنشود.
أخيرا إذا كنت قد لاحظت أنني تحدثت عن بعض جوانب الرؤية الإستراتيجية إزاء الأوضاع الداخلية، ولم أتحدث عن السياسة الخارجية رغم أهمية الملف بالنسبة لمصر، فتفسيري لذلك أن السياسة الداخلية هي الأساس في أي سياسة خارجية، التي أرجو أن يكون لها حديث آخر في وقت لاحق.
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
(ضاعوا عيالنا) عبارة أصبحت تقال كثيرًا في المجالس واللقاءات ومواقع التواصل يقولها الآباء والأمهات وهم يتحدثون عن أبنائهم، وهي عبارة تختصر حجم المشكلة التي نعيشها اليوم. فالأبناء لم يضيعوا منا لأنهم بعيدون عن بيوتنا واعيننا، بل المؤلم أنهم بين أيدينا، وأمام ناظرينا، ويجلسون معنا تحت سقف واحد، ومع ذلك نشعر بأنهم مختطفون منا. لقد سُلبت حرية أبنائنا، وتم السطو على أوقاتهم وتفكيرهم وسلوكهم، حتى أصبحنا نرى آثار ذلك داخل بيوتنا بأشكال كثيره: ضعف في التركيز، وضعف في الحفظ، وحالة من عدم الانتباه والإدراك لما يدور حولهم، وعصبية، وعزلة عن الأسرة، وضعف في الحوار والتواصل، حتى أصبح الجهاز في بعض البيوت المهدئ لهذا الادمان وفقده يجعل الطفل في حالة استنفار وغضب. والمؤلم أننا كأولياء أمور نشعر بالعجز وهذه حقيقه لا نكابر فيها. لقد حاولت الأسر المنع، وحاولت تحديد الساعات، وحاولت سحب الأجهزة، وحاولت الترغيب والترهيب، ولكننا أمام حرب أكبر من قدرة الأب والأم وحدهما، اصبح الواقع السباحة عكس التيار. ولذلك نسمع في كل مجلس تلك العبارة المؤلمة: (ضاعوا عيالنا). والمفارقة أننا في الماضي كنا نخاف على أبنائنا من الشارع، ومن اللعب بعيدًا عن البيت، ومن الخروج دون اذن، وكنا نطمئن عندما يعود الطفل إلى المنزل ونغلق عليه الباب، معتقدين أنه أصبح الان في المكان الأكثر أمانًا. أما اليوم فقد انقلبت المعادلة، وأصبح الخطر يدخل عليه ويأتيه وهو في بيته، بل وهو في غرفته. قد لا يخرج الطفل أو الشاب من المنزل يومًا كاملًا، وربما لا يغادر غرفته لساعات طويلة، فنظن أنه أمام أعيننا وفي أمان، بينما هو عبر هاتفه يتجول في أماكن أبعد وأخطر من الشارع الذي كنا نخاف عليه منه. يستطيع في دقائق أن يعبر حدود الوطن، وأن يدخل مجتمعات افتراضية لا نعرف عنها شيئًا، وأن يتعرف إلى أشخاص من دول وثقافات وأفكار مختلفة. وليس الخوف هنا من اختلاف الثقافات في حد ذاته، وإنما ممن قد يستغل براءة الطفل أو اندفاع الشاب، أو يستدرجه ويبتزه أو يدفعه إلى سلوكيات وأفعال خطرة، وقد يصل الأمر إلى استغلاله في جرائم أو إقناعه بتصوير أفعال مجّرمه ونشرها عبر مواقع ومنصات محظورة. وهنا يصبح الخطر أكبر، لأن الأب يكون جالسًا في الغرفة المجاورة معتقدًا أن ابنه في أمان، بينما ابنه موجود فعليًا في عالم لا يعرف الأب عنه شيئا. لقد كنا نسأل أبناءنا في الماضي: أين ذهبت؟ ومع من كنت؟ ومتى ستعود؟ أما اليوم فعلينا أن نسأل سؤالًا أصعب: أين كنت وأنت جالس معي وأمامي؟ والخطير ان العالم اليوم قد بدأ يخشى من خروج الذكاء الاصطناعي عن السيطرة، واجتمعت الدول والشركات الكبرى لمناقشة مخاطره ووضع الضوابط والحدود لقدراته، فلماذا لا نتوقف نحن أيضًا أمام ما يحدث لأطفالنا؟ وإذا كانت دول قد بدأت بالفعل في وضع قيود وضوابط على بعض البرامج والمواقع ومنصات الإنترنت بالنسبة للأطفال، فلماذا نترك الأسرة وحدها تخوض هذه الحرب؟ وهي حرب غير متكافئة. ومن هنا فإننا نطلق نداء استغاثة، وليس مجرد اقتراح، إلى الوزارات والمؤسسات والجهات المعنية في الدولة: تدخلوا قبل أن نفقد أبناءنا أكثر. نحتاج إلى آلية واضحة وحقيقية تساعد الأسرة على حماية أبنائها، وإلى قيود وضوابط على البرامج والمواقع والتطبيقات التي يصل إليها الأطفال، وإلى حلول تقنية وتشريعية ورقابية تعيد للأب والأم شيئًا من القدرة على حماية أبنائهم. فالأسرة حاولت كثيرًا، لكنها اليوم تقف بوجه تيار لا تستطيع مواجهته بمفردها. نحن لا نتحدث عن مشكلة عابرة، بل عن جيل كامل يتعرض يوميًا لسيل لا يتوقف من المقاطع والصور والألعاب والرسائل والمحتويات، يدخل إلى عقله وغرفته وبيته دون استئذان حتى منه. إنه تلوث جديد ينساب ببطء إلى فلذات أكباد هذا المجتمع، وقد لا نرى نتائجه كاملة اليوم، لكننا نرى مقدماته واضحة في بيوتنا ومدارسنا ومجالسنا. ولهذا فإن صرخة (ضاعوا عيالنا) التي تتكرر على ألسنة الآباء والأمهات يجب ألّا تبقى شكوى حبيسةً داخل المجالس بل يجب أن تصل إلى أصحاب القرار والجهات المختصة لتتدخل الدولة فالأسرة اليوم تطلب المساندة، وتطلب التدخل، وتطلب حلًا سريعًا. لأن أبناءنا ما زالوا أمام أعيننا، ولكننا نخشى أن يأتي يوم يكونون فيه أمامنا أجسادًا.. بينما عقولهم ووعيهم وحياتهم تخدم أجندة أخرى وربما عدوه.
43533
| 14 سبتمبر 2026
في نهاية كل عام، تعقد المؤسسات اجتماعاتها، وتراجع أرقامها، وتحدد أهدافها، ثم تصدر وثيقة أنيقة تضم المبادرات ومؤشرات الأداء. وبعد اعتمادها، يعود الموظفون إلى مكاتبهم، وتعود المؤسسة تدريجيًا إلى أسلوب عملها المعتاد. وعندما يحين موعد المراجعة، يتبين أن جزءًا كبيرًا من الخطة لم يُنفذ. غالبًا ما يوصف ذلك بأنه ضعف في التنفيذ، مع أن الخلل قد يبدأ من الخطة نفسها. فبعض الخطط تُعد لتبدو مقنعة عند عرضها، لا لتساعد المؤسسة على اتخاذ قرارات واضحة. وقد تتحدث عن تحسين الكفاءة، ورفع رضا العملاء، وتسريع التحول الرقمي، من دون أن تحدد المشكلة الأساسية، أو الخيارات التي ستتبناها المؤسسة، أو الأعمال التي ستتوقف عنها. يرى المفكر الاستراتيجي ريتشارد روملت أن الاستراتيجية الجيدة تبدأ بتشخيص التحدي، ثم اختيار النهج المناسب للتعامل معه، وتحويل هذا النهج إلى أعمال مترابطة. لذلك لا تكفي قائمة طويلة من الأهداف لصنع خطة جيدة. فعندما تعلن المؤسسة أن لديها عشر أولويات، فهي غالبًا لم تحسم أولوياتها بعد؛ لأن التخطيط الحقيقي يعني تقديم بعض الملفات وتأجيل ملفات أخرى. وتبدأ المشكلة أحيانًا من طريقة إعداد الخطة. فقد تُكتب داخل إدارة التخطيط، أو بمساعدة مستشارين، ثم تُرسل إلى الإدارات الأخرى للتنفيذ. تبدو افتراضاتها منطقية على الورق، لكنها عند التطبيق تصطدم بإجراءات بطيئة، أو نقص في المهارات، أو أنظمة لا توفر المعلومات المطلوبة، أو أهداف متعارضة بين الإدارات. بل إن تضخم إدارات التخطيط والاستراتيجية قد يصبح جزءًا من المشكلة. فعندما يزيد عدد العاملين فيها على الحاجة الفعلية، تزداد الاجتماعات والنماذج والتقارير التي لا تضيف قيمة إلى القرار ولا تسهل التنفيذ. ومع الوقت، قد تنشأ وظائف وإجراءات هدفها تغذية منظومة التخطيط نفسها، فتتوسع بسبب المتطلبات التي تنتجها، لا بسبب حاجة العمل. وفي المقابل، تنشغل الإدارات التشغيلية بإعداد البيانات وحضور الاجتماعات بدلًا من التركيز على مهامها. وجود إدارة للتخطيط ضروري، لكن دورها ينبغي أن يكون تبسيط القرار وتحديد الأولويات، لا إضافة طبقات جديدة من التعقيد. ولا تعني المشاركة في التخطيط فتح القرار أمام الجميع، بل الاستماع في الوقت المناسب إلى من يعرفون تفاصيل العمل. هؤلاء يستطيعون كشف العقبات مبكرًا واقتراح وسائل أكثر واقعية للتنفيذ. كذلك يجب تحويل كل هدف إلى مسؤولية واضحة: من يملكه؟ وما الصلاحيات والميزانية المتاحة له؟ وما أول نتيجة يفترض أن تظهر؟ إذا بقيت هذه الأسئلة بلا إجابة، أصبح الهدف عبارة يرددها الجميع ولا يتحمل مسؤوليتها أحد. وقد تكون المسؤوليات واضحة داخل كل إدارة، ثم تضيع عند انتقال العمل من إدارة إلى أخرى. في مصانع البتروكيماويات مثلًا، تسعى إدارة الإنتاج إلى تشغيل الوحدات بأقصى طاقة، بينما تطلب إدارة الصيانة إيقاف وحدة لمعالجة مؤشرات مبكرة على تدهور معدة رئيسية. وفي الوقت نفسه، تؤجل الإدارة المالية بعض المصروفات، وتحاول المشتريات الحصول على قطع الغيار بأقل سعر. وقد يتزامن ذلك مع خطة لخفض التكلفة تعتمد على تقليص أعداد الموظفين ذوي الخبرة والاستعانة بعمالة المقاولين حتى في بعض أعمال الصيانة الأساسية. الاستعانة بالمقاولين قد تكون ضرورية ومفيدة، لكن الخطر يبدأ عندما يصبح السعر المنخفض هو المعيار الأهم، من دون التحقق الكافي من خبرة العمال وتدريبهم وقدرتهم على الالتزام بإجراءات العمل والسلامة. بهذا الأسلوب، قد تنجح كل إدارة وفق مؤشراتها الخاصة: يحقق الإنتاج الكميات المستهدفة، وتخفض المالية المصروفات، وتحصل المشتريات على سعر أقل، وتقلص الموارد البشرية عدد الموظفين. ومع ذلك، يصبح المصنع أكثر عرضة لضعف الصيانة، وتكرار الأعطال، وأخطاء قد تمس السلامة. وقد يسبب توقف مفاجئ واحد خسائر تتجاوز جميع الوفورات. الخلل هنا ليس في أداء إدارة بعينها، بل في خطة جزأت أهداف المؤسسة ولم توازن بين خفض التكلفة والمحافظة على الخبرة وجودة الصيانة وسلامة الأصول. وتتعثر الخطط أيضًا عندما تضيف المؤسسة مبادرات جديدة من دون إيقاف أعمال قديمة، فتتوزع الموارد على عدد كبير من المشروعات ولا يحصل أي منها على ما يكفي. التخطيط الجاد لا يحدد ما ستفعله المؤسسة فقط، بل يحدد أيضًا ما ستتوقف عن فعله، ثم يوجه المال والكفاءات والوقت الإداري إلى الملفات الأهم. وتدعم ذلك دراسة حديثة لماكنزي شملت أكثر من أربعمائة شركة. فقد ظهر أن الفارق الأبرز لدى المؤسسات المتفوقة كان في تهيئة المنظمة للتنفيذ، ولا سيما تحويل الاستراتيجية إلى مبادرات محددة، وتوزيع المسؤوليات، وإعادة تخصيص المال والكفاءات والاهتمام الإداري. لذلك تظل الخطة التي لا تغير طريقة توزيع الموارد مجموعة من النوايا الجيدة مهما بدا عرضها مقنعًا. كذلك قد تُبنى الخطة على افتراضات غير مكتوبة، مثل استمرار الطلب أو توافر التمويل أو قدرة الأنظمة على دعم التنفيذ. ولهذا ينبغي تحديد الافتراضات الأساسية ومراقبتها من خلال مؤشرات مبكرة. فإذا تغيرت الظروف، يصبح تعديل الخطة تصحيحًا طبيعيًا للمسار، لا اعترافًا بالفشل. ولا تكفي لوحة مؤشرات ملونة لضمان التنفيذ. فكثير من اجتماعات المتابعة تنشغل بنسبة الإنجاز، لكنها تتجنب الأسئلة التي تحتاج إلى قرار: لماذا تأخر العمل؟ ما العائق الذي لا يستطيع الفريق إزالته؟ وهل ما زال المشروع يخدم الأولوية الأساسية؟ الاجتماع المفيد لا يراقب التنفيذ فقط، بل يزيل عوائقه ويتخذ القرارات اللازمة لاستمراره. ولتحويل الخطة إلى أداة عمل، يمكن اختصار كل مبادرة في صفحة واحدة تجيب عن سبعة أسئلة: ما النتيجة المطلوبة؟ لماذا تُعد مهمة؟ من يملكها؟ ما القرارات والموارد اللازمة؟ ما الإدارات التي يعتمد عليها التنفيذ؟ ما العلامات المبكرة للتقدم أو التعثر؟ ومتى نراجع قرار الاستمرار أو التعديل أو الإيقاف؟ الخطة الجيدة لا تتنبأ بالمستقبل بدقة، فهذا مستحيل، لكنها تساعد المؤسسة على اتخاذ قرارات متناسقة في ظل مستقبل غير مؤكد. وهي لا تُقاس بجمال عرضها أو بعدد مبادراتها، بل بما تغيره فعليًا في توزيع الوقت والمال والمسؤوليات. فإذا لم يعرف الموظف ما الذي سيفعله بصورة مختلفة في صباح اليوم التالي لاعتماد الخطة، فالأرجح أن المؤسسة لم تنته من التخطيط بعد.
8772
| 20 سبتمبر 2026
في عام 1997، كان السيد فيصل محمد السويدي يخوض المفاوضات مع الشركات اليابانية بصفته نائب رئيس مجلس إدارة شركة قطر للغاز. ولم يعتمد على الخبرة العملية وحدها، بل اهتم بدراسة الطريقة التي يفكر بها اليابانيون ويديرون بها مفاوضاتهم. وكان كتاب The Japanese Negotiator، للمؤلف روبرت مارش، من الكتب التي استعان بها لفهم ذلك الأسلوب. وقد أهداني نسخة منه آنذاك، كما أهدى نسخًا منه إلى آخرين. وكان، من واقع تجربته المباشرة معهم، يشرح لي أسلوب اليابانيين في التفاوض، وكيف يستعدون ويتشاورون ويتأنون قبل اتخاذ القرار. ولم يكن ذلك مجرد حديث عابر، بل كان يعكس حرصه على ألا تبقى خبرته حبيسة غرف المفاوضات، وأن ينقل ما تعلمه إلى الجيل الذي يليه. بقي هذا الكتاب معي، وبقيت معه تلك الشروح، لكن قيمته لم تكن في وصف المفاوض الياباني وحده، بل في السؤال الذي أثاره لديّ: هل يمكن الحديث، في المقابل، عن أسلوب مميز للمفاوض القطري؟ وإذا كان الياباني يدخل غرفة التفاوض مستندًا إلى الإعداد الدقيق والعمل الجماعي والصبر، فما الذي يميز المفاوض القطري؟ وما الذي يمكن أن يتعلمه كل طرف من الآخر؟ لا تعني هذه المقارنة أن كل مفاوض قطري أو ياباني يتصرف بالطريقة نفسها؛ فالأفراد والمؤسسات والظروف تختلف. ويشير الباحث بيتر بيرتون إلى أن كثيرًا من الممارسات المنسوبة إلى اليابانيين توجد بدرجات مختلفة في ثقافات أخرى، ولذلك لا ينبغي اعتبارها صفات ثابتة. يبين روبرت مارش في كتابه The Japanese Negotiator، ويشرح كازو نيشياما في كتابه Doing Business with Japan، أن الاجتماع الرسمي ليس دائمًا المكان الذي يُصنع فيه القرار. فكثير من العمل يتم قبله، من خلال جمع المعلومات ودراسة المخاطر والتشاور بين الإدارات، وصولًا إلى قدر واسع من التوافق داخل المؤسسة. ولذلك قد يبدو المفاوض الياباني بطيئًا أو متحفظًا، بينما هو يتأكد من أن مؤسسته تستطيع الوقوف خلف القرار. ولا يتعامل أعضاء الفريق الياباني عادةً مع المفاوضات باعتبارها مناسبة لإظهار المهارات الفردية. وقد لا يكون أكثرهم حديثًا هو صاحب القرار، كما أن الصمت لا يعني بالضرورة الرفض، والتأخر في الإجابة لا يدل دائمًا على عدم الاهتمام. فقد يكون المطلوب مزيدًا من التشاور الداخلي قبل تقديم موقف تستطيع المؤسسة الالتزام به. وتقدم مفاوضات الغاز بين قطر واليابان مثالًا عمليًا على ذلك. ففي أواخر الثمانينيات كانت قطر تمتلك احتياطيات هائلة من الغاز، لكنها لم تكن قد بنت بعد سجلًا في تصدير الغاز الطبيعي المسال. وكان نجاح المشروع يتطلب مشتريًا رئيسيًا يلتزم بكميات كبيرة ولفترة طويلة، بما يمنحه الأساس التجاري اللازم لجذب الشركاء والتمويل. ويروي مايكل توسياني وآن ماري جونسون، في كتابهما From Black Gold to Frozen Gas، تفاصيل الطريق الصعب الذي سبق انطلاق أول مشروع قطري للغاز الطبيعي المسال، والدور الذي أدته السوق اليابانية في توفير الركيزة التجارية اللازمة لانطلاقه. وفي عام 1991 وقّعت شركة تشوبو اليابانية خطاب نوايا لشراء أربعة ملايين طن سنويًا لمدة خمسة وعشرين عامًا، رغم ظروف حرب الخليج. ولكن عندما انسحبت شركة BP من المشروع، أثار ذلك مخاوف اليابانيين، وأعادوا تقييم المخاطر، فتأجل توقيع العقد النهائي. وبعد استمرار الاتصالات ومعالجة المخاوف، وُقّع العقد عام 1992، ووصلت أول شحنة من الغاز القطري إلى اليابان في يناير 1997. تكشف هذه القصة أن الجانب الياباني في تلك المفاوضات لم يمنح ثقته بسهولة، لكنه عندما اطمأن إلى قدرة المشروع، التزم بعلاقة امتدت لعقود. كما تكشف جانبًا من التجربة القطرية؛ فلم يكن الفريق القطري يفاوض على سعر الغاز وشروط توريده فقط، بل كان مطالبًا ببناء الثقة في قدرة قطر، التي لم يسبق لها حينذاك تصدير الغاز المسال، على إنجاز مشروع ضخم والوفاء بالتزامات تمتد لعقود. وهنا يظهر اختلاف مهم بين المدرستين: المفاوض الياباني يصنع جزءًا كبيرًا من القرار قبل دخول غرفة التفاوض، عبر الدراسة والتشاور الداخلي، بينما ظهرت قوة الفريق القطري في هذه التجربة داخل عملية التفاوض، من خلال سرعة التواصل وبناء العلاقة وفهم مخاوف الطرف الآخر والبحث عن حلول تحفظ مصالح الطرفين. ومن الناحية العملية، نتعلم من التجربة اليابانية أن الاستعداد لا يقتصر على معرفة السعر والشروط، بل يبدأ بفهم الطريقة التي يتخذ بها الطرف الآخر قراره: من أصحاب التأثير داخل مؤسسته؟ ومن يملك الموافقة النهائية؟ وما المعلومات التي يحتاج إليها ليقنع زملاءه؟ وما المخاطر التي يخشى أن يتحمل مسؤوليتها لاحقًا؟ قد ننجح في إقناع الجالس أمامنا، لكن الصفقة تتعثر لأنه لم يستطع إقناع مؤسسته. فالمفاوض الجيد يسير في مسارين متوازيين: يفاوض الشخص الجالس أمامه، ويساعده في الوقت نفسه على بناء الحجة التي يحتاج إليها لإقناع مؤسسته. وفي المقابل، تكشف التجربة القطرية عن قيمة سرعة التواصل، وبناء القنوات المباشرة، والقدرة على التكيف مع الظروف المتغيرة. فالنجاح ليس في اختيار أحد الأسلوبين ورفض الآخر، بل في الجمع بين دقة الإعداد وسرعة الاستجابة. وتعيدنا تجربة فيصل السويدي إلى درس إداري مهم: فالمعرفة التي تتكون خلال المفاوضات الكبرى يجب ألا تغادر المؤسسة مع أصحابها، بل يجب أن تتحول إلى دراسات حالة وأدلة عمل وبرامج تدريب يستفيد منها المفاوضون الجدد، بدل أن يبدأ كل جيل من الصفر. وقد تجددت الشراكة في فبراير 2026، عندما وقّعت قطر للطاقة وشركة JERA اليابانية للطاقة عقدًا لتوريد ثلاثة ملايين طن من الغاز الطبيعي المسال سنويًا لمدة سبعة وعشرين عامًا، ابتداءً من عام 2028. وبعد أكثر من ثلاثة عقود على الاتفاق الأول، دخلت العلاقة مرحلة جديدة من الالتزام طويل الأجل. إن أهم ما تعلمناه من هذه التجربة ليس أن المفاوض القطري يجب أن يصبح يابانيًا، بل أن التفاوض الناجح يبدأ قبل الجلوس إلى الطاولة: بدراسة الطرف الآخر، وفهم طريقة اتخاذ القرار داخل مؤسسته، والاستعداد لمخاوفه قبل أن يعبّر عنها. أما الدرس الأهم لمؤسساتنا، فهو ألا تبقى خبرات المفاوضين الكبار حبيسة الذاكرة أو غرف الاجتماعات، بل يجب أن تتحول إلى معرفة موثقة تنتقل من جيل إلى آخر. فالصفقة الجيدة تحقق مكسبًا اليوم، أما المعرفة المتراكمة فتصنع مفاوضين قادرين على تحقيق المكاسب لسنوات طويلة.
7167
| 15 سبتمبر 2026