رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
وجه الإرهاب الأعمى ضربة جديدة باغتيال المناضل القومي الناصري محمد البراهمي، النائب في المجلس الوطني التأسيسي التونسي والعضو القيادي في «الجبهة الشعبية» (تحالف اليسار والقوميين) محمد البراهمي،أمام منزله بحي الغزالة في ضاحية تونس العاصمة، حيث قام شخصان بإفراغ إحدى عشرة رصاصة في أنحاء مختلفة من جسده قبل أن يفرا على دراجة نارية.
ويشكل اغتيال القائد الشهيد محمد البراهمي(58عاماً)، ثاني عملية اغتيال سياسي في تونس منذ سنة 1956. المشهد يذكرنا تماماً، بما حصل مع المعارض اليساري شكري بلعيد في فبراير الماضي، الذي اغتيل بالطريقة عينها، والذي سبب اغتياله صدمة في المجتمع التونسي ودفع رئيس الوزراء التونسي آنذاك، حمادي الجبالي، لتقديم استقالته.وكان البراهمي، يشغل منصب الأمين العام لحركة الشعب ذات التوجه القومي الناصري، التي تعرضت لعملية انشقاق كبيرة بين تيار موالي كليا لحركة النهضة، وتيار يقوده البراهمي، الذي استقال من الأمانة العامة لتنظيم "حركة الشعب" يوم 7يوليو الجاري، واتهم حركة "النهضة الإسلامية" الحاكمة بـ"اختراق" حزبه، وفق ما نقلت وسائل إعلام محلية.وفي اليوم نفسه، أعلن البراهمي تأسيس حزب "التيار الشعبي" ذي التوجه الناصري، والانضمام إلى "الجبهة الشعبية"
باستثناء حركة النهضة، هناك شبه إجماع في تونس، بأن حكم النهضة، عرض الأمن الوطني للخطر، وهو الذي ظهر في معالجة قضية الإرهاب الذي تمارسه التيارات الجهادية المرتبطة بتنظيم القاعدة،والذي حوّل تونس إلى قاعدة خلفية لنشاط «القاعدة في بلاد المغرب الإسلامي » وتنظيم «أنصار الشريعة » في كل من تونس وليبيا، وأفسح في المجال لتجنيد الشباب التونسي للقتال في سورية، لا أدري من أجل أي قضية عادلة يقاتل التونسيون هناك؟
وقد ذهب الشهيد شكري بلعيد ضحية هذا العنف السياسي المنظم، إضافة إلى الاعتداءات المتواصلة على مكونات المجتمع المدني الحديث، وأحزاب المعارضة، والنقابات،لاسيَّما على حزب "نداء تونس" الذي كان له النصيب الأوفر من هذه الاعتداءات، باعتبار أن استطلاعات الرأي تشير إلى أنه قوة سياسية صاعدة من شأنها أن تنافس حركة النهضة بجدية في الانتخابات المقبلة.
اغتيال الشهيد محمد البراهمي، مثل نقطة تحول في مسار الثورة التونسية التي تعيش اليوم مرحلة الإجهاض بسبب خيبات الأمل المتلاحقة لدى التونسيين من جراء السياسة اللاعقلانية لحركة النهضة التي تحالفت مع الجماعات السلفية التكفيرية، وأنشأت ميليشيات تمارس القتل والإرهاب باسم «رابطات حماية الثورة»، لكي تمارس الحكم على طريقة النظام الديكتاتوري السابق، وتصادر ثورة الشعب التونسي من خلال أساليب غير ديمقراطية استهدفت قادة الأحزاب السياسية المنافسة، وبعض الإعلاميين، والأساتذة الجامعيين، ورموز الحركة النسائية ذات الحضور العريق والفاعل في المجتمع التونسي.
الإرهاب الجديد الوافد إلى تونس، يجد حماية حقيقية له من قبل الطبقة السياسية الحاكمة لأنها ترفض محاربته وتمارس معه سياسة الغزل الانتخابي، هذا الإرهاب جاء ليغتال الثورة الشعبية التي قام بها الشعب التونسي، بوصفها ثورة قوّية في صراعها مع النظام الديكتاتوري السابق، بنهجها السلمي وتَفَوُقِهَا الأخلاقي، وبعدالة مطالبها في الحرّية والديمقراطية والعدالة الاجتماعية، وقوية بقاعدتها الاجتماعية العريضة التي انخرطت فيها طبقات المجتمع وفئاته وأجياله كافة، وقوية بالتماسك الداخلي للقوى المشاركة في صنع فصولها البطولية، ثم قوية بنفَسها الثوري الطويل الذي لا يكل ولا يتقطع بأثر من عياء.
ثورة حافظت على صورتها السلمية والحضارية أمام الرأي العام في الداخل والخارج، وهو ما جعلها تحدث قطيعة تاريخية مع الزمن العربي الذي سادت فيه درجة عالية من العنف السياسي في معظم البلدان العربية، لاسيَّما العنف السياسي ذي الطابع الرسمي بكل صوره العنفية وأشكاله، ولأنها دفعت بالعالم العربي إلى سيرورة إنجاز الثورة الديمقراطية بكل منطوياتها الفكرية والسياسية والثقافية والتاريخية.
الإرهاب الجديد في تونس، جزء من الحرب الأهلية العربية المستعرة في سوريا والعراق، والتي تزور مصر واليمن، وتونس. في تونس مؤسسات الدولة تنهار، والمجتمع التونسي مهدد بالتفكك، في ظل الاستقطاب السياسي والأيديولوجي الحاد بين حركة النهضة وحلفائها من التيارات الجهادية والميليشيات التي تمارس العنف السياسي ضد المجتمع المدني،وبين أطياف المعارضة الليبرالية واليسارية.
الطبقة السياسية الحاكمة في تونس، لا تريد وضع حد لهذه المرحلة الانتقالية، من خلال إقرار دستور توافقي، والعمل الجدي والمسؤول نحو بناء الدولة المدنية الديمقراطية، ومحاربة العنف السياسي الذي تمارسه أطراف محسوبة على الحزب الحاكم، الذي يرفض لحد الآن مواجهة الإرهاب لأنه بحاجة إلى القاعدة الانتخابية للتيارات السلفية الجهادية التكفيرية.فالإرهاب الجديد أدخل تونس في ليل طويل ليس له فجر قريب، مادام الدستور التونسي لم يتم إقراره بصورة يلبي مطالب الشعب التونسي في الحرية، والكرامة، وتأسيس الجمهورية الثانية على أساس الديمقراطية.
تونس بعد الثورة، تعيش في ظل أزمة المرحلة الانتقالية، هذه الأزمة تتوقف على حقيقة أن القديم يموت،أما الجديد: الدستور الديمقراطي التوافقي، والدولة المدنية، والعدالة الاجتماعية، لا يستطيع الولادة، بسبب إفلاس الطبقة السياسية الحاكمة عامة، وإفلاس الإسلام السياسي بخاصة الذي ثبت بالملموس، أنه عاجز أن يحكم في كل من تونس ومصر، وأنه انحرف عن خط الثورة ومطالب الثوار، وخطف الدستور لكي يجعله دستورا "إخوانيا "على طريقة حركة النهضة، وانفرد بوضع قواعد المنافسة السياسية بما يمنع تداول السلطة، وغيب العدل الاجتماعي، وضيق الحريات العامة، وهدد الوحدة الوطنية والعيش المشترك من خلال غض النظر عن ممارسي العنف السياسي من قبل الجماعات التكفيرية والميليشيات، وأهان الشعب التونسي، علاوة على تقليص الديمقراطية إلى مجرد "صندوق انتخاب".
في ظل أزمة المرحلة الانتقالية المعلقة، تظهر في تونس مجموعة من الظواهر المروعة من الإرهاب الذي يغتال قيادات المعارضة التونسية، ويهدد باغتيال المزيد من السياسيين،والمثقفين،و الإعلاميين،والصحفيين.وما يجري الآن، هو الوجه القاتم" للربيع العربي" الذي بطبيعته السلمية في كل من تونس، ومصر، أضرّ بـ"القاعدة" وحلفائها على الصعيد الأيديولوجي، لأن الثورات الديمقراطية العربية رسمت معالم طريق مختلفة عن تلك التي وضع أسسها سيد قطب، وتبعه عبدالسلام فرج، ثم الظواهري وغيرهم. فالثورات تؤكد أهمية النزوع السلمي، والدولة المدنية، والانفتاح على العالم، وهي طرق مناقضة، بل معاكسة تماما، لرهانات القاعدة أيديولوجيا وسياسيا.
اغتيال قيادات المعارضة في تونس من شكري بلعيد إلى محمد البراهمي، كشف للرأي العام العربي، أن الإسلام السياسي لا يمتلك مشروعاً للحكم في بلدان الربيع العربي. فمنذ وصوله إلى السلطة، أصبح الإسلام السياسي خاضعاً لإعادة نظر من قبل الثورة،والحرب الأهلية والاحتجاجات الشعبية. فمشروع بناء مجتمع تحكمه تعاليم الإسلام يعاني من أزمة، من تونس إلى إيران. فهاهو الرئيس المصري المخلوع محمد مرسي المتحدر من جماعة الإخوان المسلمين يتم إسقاطه من قبل الجيش، بعد مظاهرات حاشدة مناوئة له. ويواجه النظام الإسلامي المحافظ التركي الموجود في السلطة منذ عشر سنوات، أيضا موجة من الاحتجاجات غير المسبوقة. ويستمر النظام الإيراني الأصولي رغم قمعه للحركة الاحتجاجية. وأخيرا، فإن الحرب في سوريا تتحول إلى صراع طائفي.هل يستطيع الإسلام السياسي التغلب على هذه التغييرات؟
الإسلام السياسي يعتبر تاريخياً فاشلاً في إدارة الاقتصاد، لأنه لا يمتلك أي مشروع للتنمية، ففي عهده تراجع الاقتصاد التونسي بشكل مخيف، حيث زادت معدلات التضخم والبطالة وارتفاع الأسعار بمستوى غير مسبوق، في مقابل ارتفاع نسبة من وقعوا تحت خط الفقر، وتدني قدرة الدولة على تقديم الخدمات للمواطنين، بينما استمرت حركة النهضة في معالجة هذا الأمر بالطريقة التي ألفها الإسلاميون طيلة حياتهم، وهي تقديم الصدقات السياسية، وهي مسألة كانت الناس تقبلها منهم حين كانوا في المعارضة، ولكنها لم تكن مرضية على الإطلاق من سلطة تقدمت إلى الكراسي الكبرى تزفها وعود مفرطة زائفة.
لما كان الإسلاميون من حركة النهضة يفتقدون إلى أدنى درجة من الكفاءة في إدارة الدولة التونسية، وهي من أرقى الدول المركزية في العالم العربي، وعجزوا عن تسيير أمور الدولة، ولم يعترفوا بغياب هذه الإمكانية عنهم، بل كابروا وتصدروا المشهد الرسمي، ورفضوا فتح أي باب أو نافذة لتعاون أصحاب الكفاءات الحقيقية معهم، وتصرفوا وكأن الدولة أحد مشاريعهم الخاصة، وفشلوا في تحقيق الأمن للمواطنين التونسيين، ورفضوا بناء أجهزة أمنية على أساس قيم الجمهورية والمواطنة، بل عملوا إلى تشكيل أجهزة أمنية موازية بعقلية حزبية ضيقة، تنامت ظاهرة العنف السياسي في تونس بصورة لم تألفها البلاد في تاريخها المعاصر.
وأمام مشهد الاغتيال المروع للشهيد البراهمي، قرر «الاتحاد العام التونسي للشغل» تنفيذ إضراب عام اليوم الجمعة 26 يوليو إثر اغتيال البراهمي،وأعلنت «الخطوط الجوية التونسية" استجابتها للإضراب". ووسط هذه الأجواء، دعت «الجبهة الشعبية»، وهي ائتلاف سياسي علماني يضم أكثر من عشرة أحزاب، وكان المناضل الراحل شكري بلعيد أحد أركانها، إلى «الدخول في عصيان مدني سلمي في المناطق كافة حتى إسقاط الائتلاف الحاكم، مجلسًا تأسيسيًّا ومؤسّسات نابعة عنه (حكومة، رئاسة، الخ).
المعارضة التونسية لا تريد استنساخ السيناريو المصري في تونس، إنها تريد بكل بساطة تصحيح مسار الثورة التونسية من أجل تحقيق أهداف الشعب التونسي في الحرية، والكرامة، وبناء الدولة المدنية الديمقراطية، وتحقيق العدالة الاجتماعية.
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية




مساحة إعلانية
كلما ازداد الدمار وكلما اتسعت رقعة الدمار وطال زمان الدمار كان هاجس إعادة الإعمار حاضراً بقوة في أذهان صانعي القرار، قد تكون الحرب اختباراً للقدرات والإمكانات وللقدرة على الصبر وتحمُّل أعباء خسائر الحرب من قتل ودمار ولكن صانعي القرار ومن هو مسؤول عن دولة وعن نظام وعن شعب يجب أن يظل حاضراً في ذهنه ماذا بعد الحرب، فقد عانت إيران من الحصار لأكثر من 40 سنة مما دفع بالكثير من بنيتها التحتية وبنية قطاع الطاقة للتهالك خلال تلك الفترة، فإذا جاءت الحرب بدمارها من جديد فإن موضوع الإعمار إن كان قبل الحرب ضرورة فإنه بعد الدمار وبعد الحرب ضرورة قصوى، كما عانت إسرائيل من دمار سنين الحرب السابقة للحرب على إيران ويزداد الدمار يوماً عن يوم وبوتيرة متسارعة يدفع للتساؤل من أين سيأتي الإعمار. عندما تضع الحرب أوزارها ستكون إيران منهكة كلياً وتحتاج للإعمار، في الوقت نفسه أمريكا لم تعد قادرة على الإعمار فأعباء الديون على أمريكا يجعلها في خطر فقدان القدرة على الوفاء بخدمة الدين وفقدان جدارتها الائتمانية التي استمتعت بها على مدى عقود وعقود ولذلك فتوقع أي إعمار من أمريكا توقع يفتقد للموضوعية، وإسرائيل في نفس المعضلة ولذلك من سيكون قادراً على الإعمار سوى دول الخليج لوفرة رؤوس الأموال وعمق صناديق الاستثمار والاحتياطات الكبيرة المتوفرة في القطاع المصرفي والمصارف المركزية لديها والقدرات في تجاوز تبعات الحرب بشكل سريع، ولذلك مراعاة أمن دول الخليج من قبل الأطراف المتحاربة كونها ليست طرفا في الحرب فهي ضرورة أساسية لما بعد الحرب، إذن من يملك القدرة على الإعمار هي دول الخليج، فمن الحكمة لصناع القرار من البيت الأبيض وطهران وغيرها الأخذ في الحسبان عدم توتير العلاقة مع دول المنطقة والعمل على عدم تجاوز الخطوط الحمراء بالنسبة لدول الخليج. إذا أراد النظام الإيراني البقاء فهو يعلم أنه ملزم بتوفير ما يطلبه الشعب الإيراني ما بعد الحرب من إعمار ومستشفيات وغذاء واقتصاد وعملة مستقرة، هل سيكون قادرا لوحده على الإيفاء بمتطلبات الشعب الإيراني بعد الحرب، فترامب أقصى الحلفاء واستهزأ بهم وادعى أنه لا يحتاج أحداً فأمريكا لديها القدرات والإمكانات أن تعمل ما تريد ورأيناه حين أغلق مضيق هرمز يبحث عن دعم الحلفاء ويضرب أخماسا بأسداس على أنهم تبرأوا منه حين الحاجة، فهل ستجد إيران نفسها بعد الحرب بحلفاء قادرين على إعمار ودعم الاقتصاد الإيراني والاستثمار فيه أم ستكون وحيدة تضرب أخماسا بأسداس على أنه ليس هناك من له رغبة في إعمار إيران أو الاستثمار فيها. قد يعتقد البعض أن إيران استطاعت أن تتحمل الحصار الاقتصادي وكانت قادرة على الاستمرار في تلك الظروف ولأنها استمرت لفترات طويلة استطاع الشعب الإيراني التعايش معها ولو أنه كان هناك فترات فقد فيها مثل هذا الهدوء فعندما تتراجع العملة بشكل كبير ويرتفع معدل التضخم لدرجات غير مسبوقة فإن الشعب الإيراني يخرج في الشوارع. فما حدث في الأربعين سنة الماضية شيء وما سيحدث بعد وقف الحرب مباشرة شيء آخر سيكون كل يوم ما بعد الحرب معادلا لفترة ما قبل الحرب، فالدمار وحضور مثل هذا الدمار أمام التجار وأمام السوق وأمام الشعب سيبعث على التشاؤم وإن حدث هذا دون أي أفق يبعث على الأمل سنرى تراجع التومان العملة الإيرانية كما لم نره سابقا وستزداد معدلات التضخم بشكل غير مسبوق وسيفقد الناس الأمل في حياة أفضل ولذلك سيفقد النظام قدرته على إدارة الدولة، أما إذا كان هناك رؤية لمشاريع إعمار فانها ستكون الداعم الحقيقي للنمو الاقتصادي والنشاط الاقتصادي وسيملأ الناس الأمل بأنه ما بعد الحرب هو وضع أفضل مما قبل الحرب فإن طغى على الناس الإحساس بالأمل وبالعمل وبالاستثمار سيكون هناك استتباب في إيران، أما إذا طغى التشاؤم وفقد الناس الأمل قد تفقد إيران الكثير من وحدتها لأن كل منطقة سترى أنها أقدر على إدارة شأنها الاقتصادي وأن طهران لم تعد قادرة على مد يد العون. وما لم تحققه أمريكا وإسرائيل في حربهما لتفكيك إيران سيتحقق ما بعد الحرب إذا لم يكن هناك مشاريع إعمار، كل يوم تستمر فيه الحرب تزداد فيه الحاجة للإعمار، فكما عمَّرَت قطر بقيادة الأمير الوالد جنوب لبنان في حرب 2006 من سيعمر جنوب لبنان ومن سيعمر إيران وإلى أي مدى غزة والضفة وإيران وجنوب لبنان سيكونون في حاجة ماسة للدعم ولمشاريع الإعمار.
7470
| 30 مارس 2026
مع تفاقم التوترات الإقليمية إلى صراع عسكري محتمل يضم الولايات المتحدة وإسرائيل في مواجهة إيران، سيكون الاقتصاد العالمي معرضًا لصدمة عميقة قد تعيد تشكيل ملامحه على المدى القريب والبعيد، نظرًا للمكانة الحيوية التي تحتلها منطقة الخليج في منظومة الطاقة العالمية. وتتضاعف خطورة هذا السيناريو في حال اقترن بإغلاق مضيق هرمز، الذي يُعد أحد أهم الممرات البحرية لنقل النفط والغاز، ما يجعله عنصرًا حاسمًا في استقرار الأسواق الدولية. تتمثل أولى التداعيات في الارتفاع الحاد في أسعار النفط نتيجة اختلال التوازن بين العرض والطلب، وهو ما سينعكس بشكل مباشر على تكاليف الإنتاج والنقل عالميًا. ومن ثمَّ، ستشهد الأسواق موجة تضخمية واسعة، تؤثر في القدرة الشرائية للأفراد وتزيد من الأعباء على الحكومات. وفي هذا السياق، أرى أن تأثير ارتفاع أسعار الطاقة لن يكون مرحليًا فقط، بل قد يمتد ليُحدث تغيرات هيكلية في سياسات الطاقة لدى العديد من الدول. كما ستتعرض سلاسل الإمداد العالمية لاضطرابات ملحوظة نتيجة ارتفاع تكاليف الشحن والتأمين، إضافة إلى المخاطر الأمنية المرتبطة بحركة الملاحة في المنطقة. هذا الاضطراب سيؤدي إلى تباطؤ التجارة الدولية وارتفاع أسعار السلع الأساسية، مما ينعكس سلبًا على استقرار الأسواق. ومن وجهة نظري، فإن التأثير الأكثر خطورة لا يكمن فقط في تعطّل الإمدادات، بل في حالة عدم اليقين التي ستدفع الشركات إلى تقليص استثماراتها، وهو ما يضعف النمو الاقتصادي العالمي بشكل تدريجي. ومن جانب آخر، ستواجه البنوك المركزية تحديًا معقدًا يتمثل في تحقيق التوازن بين كبح التضخم والحفاظ على النمو. فرفع أسعار الفائدة قد يحد من التضخم، لكنه في الوقت ذاته قد يؤدي إلى تباطؤ اقتصادي. وفي هذا الإطار، أرى أن احتمالية دخول بعض الاقتصادات في حالة ركود تضخمي تبقى مرتفعة، خاصة في الدول النامية التي تعتمد على استيراد الطاقة بشكل كبير. أما الأسواق المالية، فمن المرجح أن تشهد تقلبات حادة نتيجة توجه المستثمرين نحو الأصول الآمنة، مثل الذهب والعملات المستقرة. وسيؤدي ذلك إلى خروج رؤوس الأموال من الأسواق الناشئة، مما يزيد من الضغوط الاقتصادية عليها. ومن وجهة نظري، فإن هذه التحركات تعكس حساسية الأسواق العالمية تجاه الأزمات الجيوسياسية، ومدى ارتباطها بحالة الاستقرار الدولي. في ضوء هذه المعطيات، أرى أن احتمال لجوء إيران إلى استخدام مضيق هرمز كورقة ضغط إستراتيجية يظل قائمًا، خاصة في حال تصاعد الصراع إلى مواجهة مباشرة. ومع ذلك، أتوقع أن يكون أي إغلاق محتمل محدودًا من حيث المدة، نتيجة التدخل الدولي السريع لإعادة فتح هذا الممر الحيوي. كما أرى أن التأثيرات الاقتصادية للحرب لن تكون متساوية بين الدول؛ إذ ستتحمل الدول المستوردة للطاقة العبء الأكبر، في حين قد تحقق الدول المصدرة مكاسب مؤقتة. إلا أنني أتوقع أن هذه المكاسب ستكون قصيرة الأمد، نظرًا لتأثير تباطؤ الاقتصاد العالمي على مستويات الطلب. ومن وجهة نظري، فإن السيناريو الأكثر ترجيحًا يتمثل في تصعيد محدود ومواجهات غير مباشرة بدلًا من حرب شاملة طويلة الأمد، وذلك بسبب إدراك الأطراف المختلفة لحجم الخسائر الاقتصادية المحتملة. ومع ذلك، أرى أن مجرد التهديد بإغلاق المضيق أو حدوث اضطرابات جزئية فيه سيكون كافيًا لإحداث تأثيرات كبيرة في الأسواق العالمية، سواء من حيث ارتفاع الأسعار أو تراجع ثقة المستثمرين. كلمة أخيرة أرى أن هذه الأزمة، في حال وقوعها، قد تسهم في تسريع التحولات الهيكلية في الاقتصاد العالمي، خاصة فيما يتعلق بتنويع مصادر الطاقة وتقليل الاعتماد على الممرات البحرية الحساسة. ومن وجهة نظري، فإن العالم قد يتجه نحو إعادة تشكيل خريطة النفوذ الاقتصادي، بحيث تزداد أهمية الدول القادرة على تأمين إمدادات مستقرة، وهو ما يعكس الترابط العميق بين الأمن الجيوسياسي والاستقرار الاقتصادي.
2571
| 26 مارس 2026
يجب أن أبدأ مقالي هذا بالتأكيد على أن موقع التواصل الاجتماعي إكس (المعروف بتويتر سابقاً) لم يعد مصدراً مؤتمناً للأخبار العاجلة والموثوقة منذ ان اشتراه الملياردير ايلون ماسك. ويعود ذلك لأسباب كثيرة مثل اعتماد المغردين اليوم على عدد المشاهدات التي تحدد لهم عوائدهم المالية، فيجعل البعض ينشر مقاطع مكررة، أو كاذبة أو جدلية أو قليلة الحياء لجذب المشاهدات. المشكلة تكمن أن هذا الموقع لا يزال مؤثراً مثله مثل بقية وسائل التواصل الاجتماعي مثل انستجرام والتك توك والفيس بوك رغم معرفتنا بعدم موثوقية الكثير من الاخبار والتحليلات المنشورة على هذه المواقع لأغراض بعضها معلن واكثرها مخفي عن العين. وبما أن وسائل التواصل الاجتماعي لم تعد كما كانت في السابق، فساحاتها لم تعد مرآة للواقع العربي الحقيقي. وهذا ما جزمت به أحداث الحرب الأخيرة بين ايران وإسرائيل والولايات المتحدة الامريكية وتداعياتها على دول الخليج العربية. يا للأسف خلال هذه الحرب المستمرة والتي لا تزال فيها ايران تعتدي فيها على دول الخليج العربية، خرجت أصوات عربية حاقدة وشامتة تبارك هذا الاعتداء الإيراني على دول الخليج. ومن ثم خرجت أصوات من دول الخليج تشجع على الاستغناء عن الدول العربية - الجاحدة في نظرها - والثقة بإسرائيل والولايات المتحدة الامريكية! يجب ألا ننسى بأن هذه كلها أصوات نشاز فردية لا تعبر عن العربي والمسلم الأصيل الذي يكره إسرائيل المحتلة الإرهابية، وان المسلمين والعرب مهما حدث لا يمكن ان يفرحوا بمقتل رجل او امرأة او طفل في دولة مجاورة او بعيدة، او ان يسعدوا بخراب الدول اقتداء بتعاليم القرآن {مَن قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الْأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا} (سورة المائدة) (٣٢) و {وَلا تَعْثَوْا فِي الأَرْضِ مُفْسِدِينَ} (سورة البقرة) (٦٠). يجب ألا ننسى ان إسرائيل ومن وراءها هي عدونا الحقيقي والمستفيدة الكبرى من الحرب القائمة اليوم وما يحدث حالياً من استنزاف لموارد المنطقة وعدم استقرارها، وألا ننجر وراء الحرب هذه مهما حدث لأن دخول دول الخليج او الدول العربية في الحرب هي خسارة أياً كانت نتيجة الحرب، وهذا هو مبتغى إسرائيل. ما يحدث اليوم هي فتنة للعرب والمسلمين وهو اختبار حقيقي لدول الخليج العربية التي يمكنها ان تجعل من هذه الحرب فرصة لإعادة حساباتها لمستقبل أفضل مختلف عما رُسم لها من قبل دول تهتم بمصالحها فقط. وإن كنا قد تعلمنا شيئا من التاريخ فهو ان الدول التي لا تكتب مصيرها بأنفسها، تُكتب مصائرها دول أخرى نيابة عنها. وآخر نداء هو {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِن جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا أَن تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَىٰ مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ} (سورة الحجرات) (6).
1557
| 31 مارس 2026