رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
قالت الإذاعة البريطانية إن عدد المتظاهرين في مصر (30/6) هو الأكبر في مظاهرات الأحداث السياسية عبر التاريخ الإنساني، ونقلت الأنباء عن جوجل إرث إحصاء بأن عدد الحشود وصل إلى 14.3 مليون منهم 3.8 مليون بالتحرير و2.6. كانت هناك ابتسامة على الوجوه، وعلق أحد المشاركين "أول مرة ألاقي الناس تبتسم وتسامح من مدة طويلة!"، والظاهرة الرئيسية أن نسبة الأسر في المسيرات كبيرة، وأن أجناب الطرق عليها سكان يقفون أمام المنازل، أو في شرفات المنازل.
هكذا حقق المصريون المفاجأة، ليس في العدد وحالة الثقة والحالة المعنوية لهم، وسلمية المظاهرات، ولكن في أنهم أعلنوا أنهم يخوضون معركة استرداد وطنهم وهويتهم، بينما أن السلطة وجماعتها والموالين لهم، لم يعرضوا سوى أنهم هم الثورة والباقي أعداؤها، وأنهم هم الشرعية ومن يريد مشاركتهم عليه انتظار الانتخابات النيابية القادمة، وثالثة الأثافي أن الدم والرصاص هما الأسلوب للدفاع عما قرروا، زيفا هو أو حقيقة، ولكن ليس لديهم إلا القتل.
ما الذي يدفع بالإخوان والسلطة والجماعات الدينية، إلى الاعتقاد أنه يمكنهم أن يفرضوا وجودهم بالدم على بني جلدتهم؟ من أفتى بهذا؟ وماذا يعرضون؟ المؤلم أن إدراكهم للرفض الشعبي لم يأت عن كفر أو عناد، ولكن الرفض الشعبي نتيجة مباشرة للفارق في مفهوم الصراع، فالشعب يخوض معركة هدفها "عيش ـ حرية ـ عدالة اجتماعية"، صراع بقاء إنساني مشروع، والإخوان ومن والأهم يخوضون معركة التكفير لمن عداهم والتمكين المطلق لأنفسهم حتى وإن باعوا أنفسهم للشيطان بإراقة الدم الإنساني، غير مدركين أنهم بأيديهم حولوا معركتهم إلى معركة الفناء السياسي، وربما الإنساني.
كان خطاب مرسي في 26 يونيو كمن يرفع الستار عن حقيقة صورة دوريان جراي، حيث تركت كل الأفعال الشيطانية أثرها على صورته بين المواطنين، وكأنه كان يحشد مع إدارة "تمرد" ليوم 30 يونيو، وكان التعبير الأشهر له "كفاية سنة!"، وكأنه يمن على المصريين بأنه صبر عليهم سنة من حكمه، لينطلق بعد ذلك مهددا ومتوعدا الجميع وبلا استثناء، وبالقانون، ولأنه القائد الأعلى للقوات المسلحة ــ وكررها عدة مرات ربما ليقنع نفسه بها ــ فأيضا المحاكم العسكرية موجودة، ولم يأت بكلمة حول جريمة زاوية أبو مسلم حيث قتل أربعة من الشيعة، تحت مظلة حالة تحريضية مذهبية، يمارسها العديد من المشايخ، ومارسوها في حضوره، وردد هو بعضا من هذا التحريض، ليصبح حديثه بعيدا عن أي منطق أو مواكبة للأحداث.
كانت كافة المقدمات تقول إن يوم 30 يونيو قد بدأ قبل موعده، ولكن لأن أي دعوة سياسية، مهما كان صحة منطقها، تظل تحت الاختبار حتى تستجيب الجموع الشعبية لها بالحركة، وتظل محل الشك في تحقيق أهدافها حتى تكتشف آلية التعامل مع الهدف، وأيضا لأن دروس وتجارب الثلاثين شهرا الماضية مازالت مرارتها في الحلق، فإن القلق يتزايد والأسئلة تكثر، وكأنها تحاول أن تستدعي أعلى حالات اليقظة والانتباه:
1. كانت المكالمة من السويس، تسأل ما الأحوال عندكم، ويستكمل دون انتظار رد، "ما يحدث هنا في السويس وهذه الحشود لم تشهدها السويس من قبل، الشعب ده يتجاوز كل التوقعات ومحدش يقدر عليه"، ذات المكالمة جاءت من شباب الفيوم، "مليون في الشارع"، وتعجبت هل الفيوم الوديعة أنتجت مليونا في الشارع، كان هذا إحساس الشباب فوق الأرض، وكانت المعلومات تتوالى بأن الحالة شملت محافظات صعيد مصر، الشعب أعلن أنه يرفض، وأنه أكثر وعيا من قاتليه وسارقي ثورته، وتجاوز بحركته طموحات أكثر المتفائلين.
2. إن الشعب أدرك أن أهدافه في العيش والحرية والعدالة الاجتماعية تبدأ بإزاحة سلطة الإخوان بل والتنظيم ذاته الذي يتسم بالسرية والارتباط بهياكل خارجية، وكذلك كافة الجماعات التكفيرية والإرهابية في ذات الوقت الموالية لهم وكذلك مجموعات الراقصين تحت عباءة السلطة وأي سلطة.
3. توافقت الوقائع مع كافة السيناريوهات التي كانت تطرح بأن عندها يتدخل الجيش، وهذا في ذاته محل نقاش وإن كان الوعي بدور تأميني وحاسم للجدل للجيش يتزايد، حتى إن آليات الجيش نزلت تحمل شعار "جيش حماية الشعب"، وتوافق موقف الشرطة وكأن حالة من اليقظة استدعتها أحداث الاغتيال والخطف ورعونة قرار السلطة تجاه ذلك، ولتنزل آليات الشرطة تحمل شعار "شرطة الشعب"، هذا التوافق وضع إمكانات النجاح على إطلاق الأصابع.
4. كانت السيناريوهات تشترط الوصول إلى حالة الدولة الفاشلة، وهي حالة تبدأ عند الاحتراب الأهلي بالأساس، وهذا تكفلت به جماعة الإخوان والتنظيمات الإرهابية الموالية لها، وجرت وقائع إسالة الدم من قبل 30 يونيو واستمرت حتى فجر الأول من يوليو، وصار وجوب التدخل هو تنفيذ لكلمة وزير الدفاع بأنهم لا يستحقون الحياة إن هم تركوا الشعب مصدر الشرعية معرضا للتهديد والقتل.
5. استوعب الجميع حقيقة أن البديل ليس أشخاصا، ولكن البديل دستور ينبع من رؤية وطنية جامعة تدرسها العقول المتخصصة والإرادات الشعبية ليتم ترجمتها في دستور ينتجه التوافق الوطني العام، ويصبح هو العقد الاجتماعي لدولة الثورة.
6. نجح العقل الجمعي التخلص من الاتهام بالاتفاق بين الثورة وعناصرها، والشعب، وبقايا النظام السابق، فلم تأخذ بعقله فكرة إعادة الاختيار بين مرسي وشفيق، ولا الاختيار بين نظام الإخوان ونظام مبارك، وأخذت فكرة العدالة الانتقالية تنمو، وتجد لنفسها من يدرك أنها بحث عن الحقوق وليس بيع الثورة بين مجموعات المصالح الجديدة والسابقة.
7. كانت الهجمات على المحافظات بتعيينات المحافظين الجدد، وعلى القضاة، وعلى الثقافة، والإعلاميين، وكأنها أوامر استدعاء لإتمام عناصر وحدة مكونات المجتمع، ومن ناحية أخرى، تجاوزت حركة العمال والفلاحين مجرد المطالب الفئوية، وهو أمر إن جرى التعامل البيني من هذه المكونات وبعضها البعض، لنجح في تكوين سبيكة وطنية تمكن من استثمار المرحلة الانتقالية لتحقيق مهام وضرورات النظام الجديد بعد الثورة.
8. حالة الثقة التي تجلت مساء يوم 30 يونيه، حدت من تأثير تصريحات السياسيين والجماعات حتى الشباب الذي بدأ حركة تمرد، وجعلت ذلك كله إما أن يضيف إلى رؤية تتجسد لإدارة المرحلة الانتقالية وطبيعة المهام الواجبة خلالها، بل وإلغاء فوبيا الزمن والتوقيت، فالمرحلة الانتقالية هي مهام يجب إنجازها، وفي الزمن الملائم لإنجازها.
9. الساعات السابقة على يوم 30 يونيو كانت أيضاً مع اقتراب الدعوة من لحظة التحقق، كانت كاشفة لمواقف عديدة، وفرز للنخب والأحزاب.
10. أثبتت الوقائع أن الرصاص والدم، كل ذلك لا يستطيع أن يرهب الشعب ويواجهه، وأن ما اقترفته جماعة الإخوان والكيانات الموالية لها، قد حكم على مستقبلها، وأن الشرعية الشعبية تلفظهم خارج المجتمع.
11. إن مهام التمسك بالأرض والصمود حتى تحقيق هدف رحيل النظام، هي الأكثر وجوبا الآن، وأن حالة العصيان المدني المتدرج هو أمر واجب أيضا.
الشعب دائما يدفع الثمن مقدما، وصورة المرأة المصرية في مقدمة المظاهرات، وأمهات الشهداء تتقدمن الصفوف، يعني أن التمايز الإرهابي بالجنس قد انتهى مع نهاية هذا النظام اللقيط.
الثقة بالنفس، وإدراك حقيقة مكونات الدولة المصرية، وإدراك مهام المرحلة الانتقالية، ثم تحويل أرواح الشهداء إلى رقيب على النفس المصرية، كل ذلك هو ضمانة إيجاد البديل الوطني لمصر الثورة.
إن أصابع الاتهام التي تشير إلى سلطة الإخوان تتجاوزها إلى تلك الجماعة من المثقفين الذين ضللوا الوعي العام، سواء في بداية الثورة، أو خلال المرحلة الانتقالية السابقة، وفترة حكم مرسي، لعلهم يتقون الله في أمر وطن هو علامة في تاريخ البشرية، كما هي إبداعات شعبه مدرسة الصبر والصمود والوعي خارج محافلهم وبفطرة الإنسان السليمة.
الاقتراب من لحظات الإزاحة لنظام الإخوان يجب أن تعي أن الشعب هو مصدر السلطة، وعند ذلك سيحترم العالم إرادة الشعب وما ينتج عنها، والاعتقاد في ضرورة المباركات الخارجية لفعل يستوجبه النضال الوطني هي أول خطوة لتجديد الصراع مع الإرادة الشعبية، لأنها تفريط واستجداء وانطواء تحت إرادة الأجنبي.
طريق واحد لحسم معركة البقاء المصرية التي طالت لثلاثين شهرا، هي الإيمان بأن إرادة الشعب جزء من إرادة الله.
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
هناك قضية أراها مهمة جدًا، ولا ينبغي غضّ الطرف عنها، تتعلق بالتعليم الجامعي لأبناء المقيمين في دولة قطر، وما تتحمله أسرهم من أعباء مالية قد تحول بين هؤلاء الشباب وبين استكمال دراستهم وبناء مستقبلهم. المقيمون جزء أساسي من مجتمعنا، ويشكّلون النسبة الأكبر من سكان دولة قطر، ويشاركوننا العمل والبناء، ويسهمون في تسيير شؤون الحياة في مختلف المجالات الإدارية والمهنية والخدمية، في القطاعين العام والخاص. وما داموا يعيشون بين ظهرانينا، ويشاركوننا مسيرة التنمية، فإن معاناتهم تستحق أن تجد آذانًا صاغية، خصوصًا حين تتعلق بتعليم أبنائهم ومستقبلهم. كثير من هؤلاء الأبناء وُلدوا وترعرعوا في قطر، وتلقّوا تعليمهم في مدارسها، حتى وصلوا إلى أبواب الجامعة. وهنا تبدأ المعاناة؛ فالقبول في الجامعات الوطنية تحكمه شروط ومنافسة، وقد لا تتاح الفرصة لكل طالب، فتتجه الأسرة إلى خيارات جامعية أخرى، لتجد نفسها أمام رسوم تفوق قدرتها المالية. وحتى حين يتاح القبول، قد تبقى تكلفة الدراسة عائقًا أمام استكمالها. ولنتصور أسرة يبلغ دخلها الشهري خمسة عشر أو ثمانية عشر ألف ريال، تدفع منه إيجار السكن، وتغطي مصاريف المعيشة وتعليم الأبناء والتزامات الحياة اليومية. كيف تستطيع تحمّل رسوم جامعية مرتفعة، خصوصًا إذا وصل اثنان أو ثلاثة من أبنائها وبناتها إلى الجامعة في وقت واحد؟ هنا يجد الأب نفسه أمام معادلة صعبة بين تأمين احتياجات أسرته وتمويل دراسة أبنائه. والتقسيط، وإن كان يخفف العبء، يحتاج هو الآخر إلى مراجعة؛ فتوزيع الرسوم على دفعتين خلال الفصل الدراسي قد لا يحل المشكلة. المطلوب ترتيبات أكثر مرونة، تراعي الدخل الشهري والالتزامات الفعلية، وتمنح الأسرة قدرة واقعية على الوفاء. أقول ذلك لأنني أرى هذه المعاناة لدى أسر قريبة مني، وأسمع ما يؤلم القلب من آباء وأمهات يشغلهم مستقبل أبنائهم. شباب لديهم الرغبة والاستعداد والاجتهاد، لكن الإمكانات المالية تقف أمام طموحاتهم. ومن المؤلم أن يتوقف مسار شاب أو شابة عند الثانوية لعجز الأسرة عن تحمّل تكلفة الجامعة. ومن هنا، أرفع هذه الرسالة إلى وزارة التربية والتعليم والتعليم العالي، وإلى الجامعات والجهات المعنية، نحتاج إلى خطة واضحة توسّع فرص التعليم الجامعي الميسّر لأبناء المقيمين في القطاعين العام والخاص، من خلال مراجعة الرسوم، وتوفير منح جزئية تراعي دخل الأسرة وعدد أبنائها الملتحقين بالجامعة، وتقديم خصومات للأشقاء، واعتماد أقساط شهرية مريحة. كما يستحق الأمر دراسة تسهيل إنشاء مؤسسات جامعية وطنية تقدم تعليمًا جيدًا لأبناء المقيمين برسوم معقولة، وتشجيع الشراكات التي تسهم في تمويل دراسة الطلبة المستحقين، وتمنح الأسر خيارات تتناسب مع إمكاناتها. قطر التي جعلت التعليم ركيزة أساسية في نهضتها، قادرة على إيجاد حلول تحفظ جودته وتوسّع فرص الوصول إليه. وتعليم هؤلاء الشباب يفتح أمامهم أبواب العمل والعطاء، ويعزز إسهامهم في المجتمع الذي نشأوا فيه. معاناة هذه الأسر تستحق الالتفات والعمل؛ فلا ينبغي أن يبقى الوالدان قلقين كلما اقترب أبناؤهما من إتمام المرحلة الثانوية، ولا أن تتحول فرحة النجاح إلى سؤال موجع: كيف سندفع رسوم الجامعة؟ إنه ملف جدير بالاهتمام، ويستحق التعامل معه بجدية.
11610
| 22 أكتوبر 2026
هل أصبح الاستمتاع بموسم التخييم يحتاج إلى مئات الآلاف من الريالات؟ وهل باتت فخامة الكرفانات وحجم التجهيزات مقياسًا للمتعة والمكانة الاجتماعية؟ أم أننا أمام سباق في البذخ بدأ يُخرج هذا الموسم عن غايته الحقيقية وجماله؟ ما نشهده في السنوات الأخيرة يستحق التوقف والمراجعة. أسعار خيالية لبعض الكرفانات، وتجهيزات للدراجات النارية المخصصة للبر تتجاوز أحيانًا تكلفة تجهيز سيارات نستخدمها طوال العام، فضلًا عن الأثاث والديكورات والكماليات التي تُرصد لها ميزانيات ضخمة من أجل إقامة مؤقتة لا تتجاوز بضع ساعات أو ربما أيام. ليس في تحسين المخيم أو تجميله أو توفير الراحة لأهله وضيوفه ما يُعاب، بل إن حسن الترتيب والنظافة وجمال المكان أمور مطلوبة، لكن حين تبلغ تكلفة تجهيز المخيم مئات الآلاف من الريالات، هنا يطرح سؤال: أين تنتهي الرفاهية ويبدأ الإسراف؟ المشكلة ليست في قدرة البعض على الإنفاق، وإنما في تحول المظاهر إلى منافسة تدفع آخرين إلى عمل ماهو اكثر وأكبر، حتى يصبح المخيم مقياسًا للمكانة الاجتماعية بدلًا من أن يكون مكانًا للراحة. والأخطر أن تنتقل هذه الثقافة إلى الأبناء، فيربطون السعادة بالفخامة والمتعة بكثرة الإنفاق، بدلًا من تقدير البساطة وحسن التدبير. وموسم التخييم في قطر أكبر من أن نختزله في هذه المظاهر، فهو موعد سنوي ينتظره أهل قطر بفارغ الصبر، الصغير قبل الكبير، وفرصة لاجتماع العائلات والأصدقاء وإقامة المناسبات، حتى أصبح موسمًا اجتماعيًا وسياحيًا يستقطب زوارًا من خارج الدولة، وهذه المكانة تفرض علينا أن نحافظ على روحه وأهدافه. ومن هنا تأتي أيضاً أهمية الضوابط التي وضعتها الدولة ونظّمتها وزارة البيئة والتغير المناخي، وما شهدته من تحديثات هذا الموسم، وفي مقدمتها الحظر التام لقيادة الدراجات النارية أو استخدامها داخل الروض، ومنع استخدامها في جميع مناطق التخييم من الساعة العاشرة مساءً حتى الخامسة صباحًا، إلى جانب تنظيم التصاريح وتحديد مواقع التخييم وتعزيز الرقابة الميدانية لحماية البيئة والحياة الفطرية وسلامة المخيمين. وهذه الإجراءات لا ينبغي النظر إليها باعتبارها قيودًا على الترفيه، بل ضمانات لاستمراره. فمن حق الأسرة أن تستمتع بالهدوء، ومن حق الجار أن تُحترم خصوصيته، ومن حق الجميع أن يجدوا بيئة آمنة ونظيفة، بعيدًا عن ضوضاء المحركات والقيادة المتهورة والتعدي على المساحات الطبيعية. ومن المؤسف أن ينفق الإنسان مبالغ طائلة على جمال مخيمه، ثم يُفسد جمال المكان بسلوك يزعج جيرانه أو يضر بالبيئة أو يعرض الآخرين للخطر. فالرقي لا يُقاس بفخامة التجهيزات وحدها، وإنما بحسن التصرف واحترام الحقوق وحفظ الخصوصيات. فلنحافظ على هذا الموسم بعيدًا عن الإسراف والإزعاج والتجاوزات، ولنجعل منه نموذجًا للمتعة المسؤولة التي تجمع بين راحة الإنسان واحترام الآخرين وصون البيئة.
8427
| 27 أكتوبر 2026
تصلك الدعوة رسمية الصياغة، تحمل عبارة "مؤتمر صحفي"، وتصل إلى المدربين رسائل تبشّرهم بـ"التكريم" و"الاعتماد"، فيحضر الجميع متوقعين أن يعرفوا ماذا سيُعلن، ومن سيُكرَّم، وعلى أي أساس، ثم يخرجون دون أن يعرفوا شيئًا من ذلك. والمشكلة ليست في ضعف التنظيم وحده، بل في غموض يحيط بالمنصة نفسها، فلا تعرف إن كنت أمام إطلاق مبادرة، أم إعلان سياسة، أم احتفال بروتوكولي لالتقاط الصور. في القاعة طاولة وكرسيان، المشهد المألوف لأي مؤتمر صحفي. لكن الكرسيين بقيا فارغين، فلم يجلس عليهما أحد، ولم يُفتح باب للأسئلة، ولم تكن في القاعة صحافة أصلًا. والمؤتمر الصحفي ليس ديكورًا، بل عقد ضمني تقول فيه المؤسسة: هذا ما نفعله، واسألونا عنه. فإذا غاب السؤال غابت المساءلة، وصار "المؤتمر الصحفي" مجرد اسم على بطاقة دعوة. أما المدربون، فقد دُعوا إلى ما قيل إنه حفل تكريمهم. ترك كثير منهم أعمالهم وحضروا، ثم جلسوا على الكراسي طوال الفعالية دون أن تُنادى أسماؤهم، وفي النهاية وُجّهوا إلى مبانٍ مختلفة ليستلموا شهاداتهم بأنفسهم. والتكريم رسالة اعتراف قيمتها في علنيتها، ومن يُستدعى من عمله ليُكرَّم ثم يُصرف إلى مكتب آخر، لا يشعر بالتقدير، بل يشعر بأنه رقم في قائمة الحضور. والمفارقة أن من عوملوا بهذه الطريقة هم المدربون أنفسهم، أي من يُفترض أن تقوم عليهم السياسة المعلنة كلها. والأغرب من طريقة التسليم هو مضمونه. فقد حصل المدربون على تصنيفات دون أن يُعلَن على أي أساس صُنِّفوا، وكثير منهم يتساءلون: لماذا وُضعنا في هذا التصنيف؟ وما الفائدة التي ستعود علينا منه؟ فالتصنيف بلا معايير معلنة يشبه أن يتسلم طالب درجته النهائية دون أن يعرف كيف وُزّعت الدرجات ولا ماذا تعني لمستقبله؛ قد تكون عادلة، لكنه لن يثق بها ولن يعرف كيف يتحسن. والتصنيف العادل يجيب قبل تطبيقه لا بعده عن ثلاثة أسئلة: 1. ما المعايير: الخبرة، أم الساعات التدريبية، أم المؤهلات، أم التقييم الميداني؟ 2. ما المستويات، وما الفرق بينها؟ 3. ما الأثر: فرص تدريبية، أم أولوية في التكليف، أم مسار للترقي؟ ثم عُرضت سياسة للتعليم المستمر والتعلم مدى الحياة (Lifelong Learning) كأنها توجه حديث. والحقيقة أن اليونسكو جعلت هذا المفهوم حجر الأساس في السياسات التعليمية منذ تقرير "تعلّم لتكون" (Learning to Be) عام 1972، ثم نصّ عليه الهدف الرابع من أهداف التنمية المستدامة عام 2015. أي أننا أمام مفهوم عمره أكثر من خمسين عامًا، فأين كانت الجهة المعنية بالتعليم والتدريب طوال هذه العقود؟ لا عيب في أن تتبنى مؤسسة سياسة متأخرة، فالتأخر خير من الغياب. العيب أن تُقدَّم المتأخرة على أنها سابقة، وأن يُغلَّف اللحاق بالركب بلغة الريادة. الحوكمة أولًا ما جرى ليس أخطاء تنظيمية منفصلة، بل عَرَض لخلل في الحوكمة، وهي في أبسط معانيها: أن يعرف الناس ما الذي يُقرَّر، وعلى أي أساس، ومن المسؤول عنه. وحين يغيب السؤال عن المؤتمر، والمعايير عن التصنيف، وتتوزع المسؤولية بين مبانٍ وإدارات لا يجمعها أحد، فنحن أمام غياب لهذه الأسس الثلاثة معًا. وقد يكون وراء ذلك خوف من السؤال، أو تقديم للصورة على المضمون، أو ضعف في التنسيق الداخلي، ولا شيء من ذلك يبرر النتيجة. والمؤسسة التي تطالب المدربين بالجودة والمعايير، أولى بأن تطبّقها على نفسها أولًا. والمطلوب ليس كثيرًا: • سَمِّ الحدث باسمه، فالمؤتمر الصحفي تحضره الصحافة ويُفتح فيه السؤال. • أعلن بوضوح: مبادرة أم سياسة أم إطار عمل، بجدول زمني ومؤشرات قياس. • كرّم المدعوين على المنصة، لا في ممرات المباني. • انشر معايير التصنيف وآثاره وآلية التظلم قبل التطبيق. • اعترف بالمرجعية الدولية، فهي تمنح السياسة مصداقية ولا تنتقص منها. الوضوح ليس ترفًا إداريًا، بل احترام للجمهور وأساس للثقة. والمدرب الذي لا يعرف لماذا دُعي، ولا لماذا صُنِّف، ولا ماذا يُنتظر منه، لن يكون شريكًا في أي سياسة، مهما كان عنوانها لامعًا.
3714
| 22 أكتوبر 2026