رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
من خلال متابعتنا لما يدور حول التعليم المستقل "المدارس المستقلة" من جدل وجدال وضجة إعلامية صحفية وإذاعية عبر صحفنا المحلية وبرامجنا الإذاعية باعتباره النظام التعليمي الوحيد المتاح حاليا، واعتبارا من بداية العام الدراسي القادم وفقا لآخر التصريحات الرسمية، والتي أعقبت جلسة مجلس الشورى التي تمت فيها مناقشة القضية وتقييمها من وجهة نظر أعضاء المجلس لما لاحظوه من شكاوى وتذمر وإحباط واستياء وسخط أولياء الأمور في جميع مراحل التعليم من سلبيات هذا النظام وما يشوبه من قصور، لاحظنا أن هناك أخذاً ورداً، وشداً وجذباً، وغمزاً ولمزاً، وتصريحاً وتلميحاً، وتشكيكاً وتجريحاً، واتهام أولئك الكتاب أصحاب الأقلام الحرة بالتخلف أحيانا، وبمعاداة التجديد والتغيير والتطوير والنجاح أحيانا أخرى من قبل أصحاب التراخيص والمؤيدين لهذا النظام، والمدافعين عنه ضد كل ما يكتب من وجهات نظر لا تتوافق مع وجهات نظرهم الشخصية.
وتعليقا منا على ذلك، فلا نرى ما يدعو لكل هذا التشنج والتعصب والغضب غير المبرر على ما يكتب من نقد بنّاء يخدم القضية الوطنية الأولى (التعليم) في نهاية المطاف. فكلنا مع التغيير والتجديد والتطوير، ولكننا لسنا مع التجديد لمجرد التجديد، ولسنا مع أي تغيير، بل مع التغيير للإصلاح والتحسين والارتقاء بالعملية التعليمية، ونرى أن كل ما يكتب من آراء ووجهات نظر تصب جميعها في هذا الاتجاه حيث الحرص على الأداء الأفضل، ووفقا لمعايير المنطق والموضوعية المبنيّة على الأسس العلمية للتغيير المستهدف.
ونتيجة لما كُتب، وما أُذيع من انتقادات موضوعية مستندة إلى واقع ملموس ومحسوس يراه كل متابع لسير العملية التعليمية من أفراد المجتمع، واستجابة لنداء التقطير، وتقطير الهيئة التدريسية في المدارس المستقلة، اتخذت هيئة التعليم خطوتها الأولى إلى الأمام لإنقاذ ما يمكن إنقاذه من سمعة المدارس المستقلة، وما يرافقها من دعاية وإعلان وتلميع وبهرجة إعلامية، والعمل على حل مشكلاتها التعليمية وغير التعليمية مع الطلبة وأولياء أمورهم، وتحسين صورتها في عيون أفراد المجتمع القطري الساخط، فبادرت بمد جسور الاتصال والتواصل مع موظفي وزارة التعليم والتعليم العالي من خلال اجتماع موسع جمع قادة المجلس الأعلى للتعليم بأقطاب الوزارة أملا في استقطاب ما يمكن استقطابه من الكوادر الوطنية التربوية المؤهلة من معلمين وموجهين وإداريين وخبراء تعليم، وتشجيعهم على العمل في التدريس في المدارس المستقلة بهدف التقطير من جهة، وتطبيب التعليم المستقل العليل من جهة أخرى.
ويبدو للعيان، والمتابعين لمجريات الأحداث من خلال الصحف المحلية، ووسائل الإعلام الأخرى، أن البادرة جيدة لاحتوائها على مضامين مشجعة كثيرة معلنة بوضوح، مثل الراتب الأساسي وفقا لبنود ومواد قانون الموارد البشرية، وما يرافقه من بدلات وعلاوات، ومكافآت، واستحقاقات، وغيرها. ناهيك عن العلاوات التشجيعية المقترحة من قبل هيئة التعليم، مع التأكيد على ضمان الأمن الوظيفي للعاملين بهذه المدارس، وكل هذه مضامين مادية. أما فيما يتعلق بالمضمون المعنوي، غير المباشر، فيكمن في الاجتماع ذاته، فمجرد الاجتماع مع أطباء التعليم القدامى وخبرائه لبحث مشكلات التعليم الجديد وعلله، وتشخيصها لعلاجها، يعتبر في حد ذاته رد اعتبار لكل معلم محيّد ومغيّب عن مشروع التعليم الجديد منذ انطلاقته الأولى سنة 2004، حيث ينظر إليه على أنه عبء على التعليم لمرحلة جديدة، ودواء قديم لا يصلح لعلاج العلة الجديدة. ففي العرض من وجهة نظرنا المتواضعة رد اعتبار للمعلم الممارس لعمله حاليا (المتواجد على الساحة التعليمية، وعلى رأس عمله) من جهة، وللمعلم المُسَرّح من الوظيفة، والمحال على التقاعد أو على البند المركزي لعدم صلاحيته لمرحلة تعليم جديدة من جهة أخرى. وهذا يعني أنه لا غنى عنك أيها المعلم في أي مرحلة تعليمية كانت، فأنت الطبيب المداوي، والقادر بعلمك وخبراتك الميدانية على تشخيص العلل والمشاكل التعليمية، وتحديد أسبابها، والعمل على علاجها من جذورها.
ولنا مع هذا العرض التشجيعي وقفة. فلا شك أن هذه الإغراءات سخية ومجزية، ولكنها لا تتعدى في مضمونها العام الإطار المادي البحت لتعلقها في المقام الأول بالناحية المالية للمعلمين، وتحسين أوضاعهم الاقتصادية، وهذا مطلوب دون شك، ولكنه ليس بالضرورة أن يكون مغريا لكل الكوادر التربوية الوطنية، ولذا، فربما تكون هذه المغريات كفيلة باستقطاب بعض هؤلاء المعلمين والمعلمات للعمل في المدارس المستقلة، إلا أنها غير كافية لاستقطاب كل الكوادر الوطنية الجيدة، وذلك لأنها لم تدق على الجرح الحقيقي لمشكلة العزوف عن المهنة والنزوح منها. وذلك لأن الوضع المادي للمعلم في هذه المرحلة التعليمية ليس هو السبب الوحيد في رفض الالتحاق بالتدريس في هذه المدارس، بل هناك سبب وجيه آخر، وربما رئيسي، ويشكل هاجسا كبيرا لفئة ليست بالقليلة من هؤلاء المعلمين، وهي لغة التدريس الأعجمية (الإنجليزية)، وليست العربية حيث يجد الكثير من المعلمين والمعلمات انفسهم أمام عقبة كبيرة في التعامل والتواصل مع بني جنسهم والمتحدثين بلغتهم الأم ومواطنيهم بلغة غير لغتهم الأصلية القادرين من خلالها على الاتصال والتواصل وتوصيل المفاهيم بسهولة وسلاسة وطلاقة دون تعثر وارتكاب أخطاء لفظية وارتباك وحرج، وربما سخرية في كثير من المواقف من قبل المتعلمين الذين ربما يكونون ملمين بهذه اللغة بحكم مراحلهم السنية والتصاقهم بوسائل الاتصال المعاصرة مثل الكمبيوتر والانترنت والقنوات الفضائية والإعلام الغربي وثقافته غيرها.
ومن هنا، وتعزيزا لمحاولة الاستقطاب هذه، نناشد قادة التعليم لمرحلة جديدة أن يحَكّموا العقل ويسيّدوا المنطق، ويصححوا المسار، ويتخلوا عن المكابرة، ويكملوا إحسانهم، ويعزّزوا عرضهم السخي ويوسعوه ليشمل لغة التدريس وتعريبها، وتعظيمها حيث عظمها الله سبحانه وتعالى وكرمها باختيارها لغة لكتابه العزيز "القرآن الكريم". وفي هذا التزام بقرار مجلس الوزراء الخاص باعتماد اللغة العربية لغة رسمية للدولة، وتفعيل لقرار وزيرة التربية والتعليم السابقة من بعده باعتماد اللغة العربية لغة اتصال وتواصل داخل الصفوف الدراسية في المدارس المستقلة. وبذلك تلقى هيئة التعليم قبولا لعرضهم السخي من قبل معلمي ومعلمات الوزارة دون تردد خصوصا في ظل ما رافق هذا العرض من امتيازات وضمانات، وإغراءات مالية، وعلاوات، وبدلات، وأمن وظيفي، واستقرار نفسي. فالتدريس بلغة غير لغة المعلم والمتعلم الأصلية عبث واستهزاء ومهانة لكرامة المعلم غير المتقن لهذه اللغة، وتشويه لصورته أمام المتعلمين، وخصوصا أننا أمة "اضحك".. نضحك على بعضنا البعض عند ارتكابنا لأي خطأ، ونتصيد أخطاء بعضنا البعض، ونسخر من بعضنا البعض في حالات التعثر في الحديث، وغياب الطلاقة والسلاسة في المواقف التعليمية أمام المتعلمين. فالمعلم بمظهره وعلمه وأساليب تدريسه ولغته الواضحة وطلاقته وسلاسة حديثه يعتبر نموذجاً وقدوة حسنة للمتعلم، وبذلك ترتقي مكانته الاجتماعية، وتتشكل صورته في ذهن المتعلمين، وأي خدش في هذه الصورة يؤثر سلبا على مكانته في الصف أمام المتعلمين أولا، وفي المجتمع ثانيا. أما التدريس باللغة العربية من قبل المتحدث بها والمتقن لمفرداتها بنسبة 100%، والملم بصغائرها، والمطلع على خفاياها، يضمن تفاعلا صفيا، وتعليما جيدا، وتعلما نافعا. وذلك نتيجة لقدرة المعلم القطري، بحكم ثقافته العربية على توصيل الرسالة العلمية والمحتوى العلمي التعليمي من حقائق ومفاهيم ومبادئ وقيم تربوية بكفاءة عالية إلى جمهوره وتلاميذه المتحدثين بنفس اللغة، والمنتمين إلى نفس الثقافة، والملمين بمفرداتها حيث إنها بالنسبة لهم لغة اتصال وتواصل فعالة. وليس هذا فحسب، بل هي لغتهم الأولى، ولا يعرفون غيرها في التواصل مع بعضهم البعض في الصف والمدرسة والحي والبيت، فلماذا التواصل بينهم وبين معلمهم بلغة غيرها. وما ذنب المعلم القطري المتميز والملم لمادته العلمية إذا لم يتقن التحدث باللغة الإنجليزية والتواصل من خلالها؟ وهل يعقل لهذا المعلم القطري في بلده وعلى أرضه في هذه المرحلة الجديدة من التعليم أن يختار بين التدريس باللغة الإنجليزية أو الخروج من الميدان التربوي لأن لغته العربية لا تصلح للتدريس في هذه المرحلة؟ فأين يذهب هذا المعلم؟ وأي باب يطرق في ظل غياب الخيارات الأخرى من نظم التعليم؟ فهذا يعني أنه لا مكان لهذا المعلم في بلده وعلى أرضه؟ وهناك حالة واقعية ماثلة أمامنا وردت عبر برنامج "وطني الحبيب صباح الخير" في أسبوعه الأخير لهذه الدورة الإذاعية، وهي حالة معلم الأحياء القطري المؤهل الذي تقدم لوظيفة مدرس في مدرسة مستقلة، ولم يقبل طلبه لأنه لا يتقن التحدث والتدريس باللغة الإنجليزية؟ فما مصير هذا المعلم "المواطن"، وغيره من المعلمين الآخرين من أمثاله؟ سؤال يبحث عن إجابة منطقية تخاطب العقل وتحترمه، ولا تغيبه وتستغفله.
وختاما، نضم صوتنا إلى صوت زميلنا في الميدان التربوي السيد راشد الفضلي، ونتفق معه في كل مقترحاته الرامية إلى تحسين الوضع التعليمي والارتقاء بالعملية التعليمية، واستقطاب الكوادر الوطنية للمساهمة في التعليم لمرحلة جديدة. (جريدة الشرق.. العدد رقم 7672.. الخميس 18 يونيو 2009).
الصمت كنز
تَأَمَّلْ صاحِ هل لاحظتَ شيئًا أحَقَّ بِطُولِ سَجنٍ من لسانِ؟! وكم ضاقت صدورٌ من حروفٍ تعجَّلَت المُضِيَّ بلا... اقرأ المزيد
138
| 01 يونيو 2026
وداعا عبدالله بن حمد العطية
رحم الله الوالد سعادة عبدالله بن حمد العطية نائب رئيس مجلس الوزراء ووزير الطاقة الأسبق الذي توفي في... اقرأ المزيد
258
| 01 يونيو 2026
قطر.. موقف ثابت دعما لسيادة واستقرار لبنان
يشكل التصعيد العسكري الخطير للكيان الاسرائيلي في جنوب لبنان، الذي تجاوز كل الخطوط رغم اتفاق وقف اطلاق النار،... اقرأ المزيد
114
| 01 يونيو 2026
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
كلية التربية – جامعة قطر
[email protected]
مساحة إعلانية



مساحة إعلانية
في زمنٍ كانت فيه قطر ترسم ملامح مستقبلها بثقة الرجال الكبار، برز اسم عبدالله بن حمد العطية كأحد أهم العقول الوطنية التي لعبت دوراً محورياً في صناعة نهضة الدولة الحديثة، وتحويل قطاع الطاقة إلى قصة نجاحٍ عالمية تُروى باحترام وإعجاب. لم يكن الراحل مجرد وزير أو مسؤول تنفيذي في قطاع النفط والغاز، بل كان رجل دولة من الطراز الرفيع، جمع بين الرؤية الإستراتيجية والحنكة السياسية والقدرة الفائقة على إدارة الملفات المعقدة في واحدة من أكثر الصناعات حساسية وتأثيراً في العالم. وعلى مدى أكثر من ثلاثين عاماً من متابعتي الصحفية لقطاع الطاقة في جريدة الشرق، عرفت عبدالله بن حمد العطية عن قرب، فوجدت فيه نموذجاً فريداً للمسؤول الذي يعمل بصمت، ويتحدث بلغة الإنجاز لا الشعارات. كان يؤمن بأن بناء قوة قطر الحقيقية يبدأ من حسن استثمار مواردها، ولذلك كرَّس جهده وعلاقاته وخبراته لترسيخ مكانة الدولة في الأسواق العالمية للطاقة. في عهده، شهدت قطر التحول الأكبر في صناعة الغاز الطبيعي المسال، حتى أصبحت واحدة من أهم الدول المصدّرة للطاقة في العالم، وصار اسمها حاضراً بقوة في القرارات الاقتصادية الدولية. كما لعب دوراً بارزاً في تعزيز حضور قطر داخل منظمة أوبك والمحافل العالمية، حيث كان يحظى باحترام واسع بين كبار المسؤولين وصناع القرار في قطاع الطاقة الدولي. تميَّز رحمه الله بشخصية قيادية تجمع بين الحزم والهدوء، وبين الدبلوماسية والقدرة على اتخاذ القرار في الأوقات الصعبة. وكان قريباً من الجميع، يقدّر الكفاءات، ويحترم العمل المهني، ويؤمن بأن نجاح الوطن مسؤولية مشتركة. لقد كان عبدالله بن حمد العطية واحداً من رجالات مرحلة التأسيس الكبرى، والذين ساهموا بإخلاص في نقل قطر من دولةٍ ناشئة في قطاع الطاقة إلى قوة اقتصادية عالمية ذات تأثير وثقل دولي. واليوم، وبرحيله، تفقد قطر اسماً كبيراً من أسماء جيل البناء، لكن سيرته ستبقى حاضرة في ذاكرة الوطن، وفي كل إنجاز تحقق على أرض هذه البلاد. رحم الله عبدالله بن حمد العطية رحمةً واسعة، وأسكنه فسيح جناته، وجزاه عن قطر وأهلها خير الجزاء.
3024
| 30 مايو 2026
أعادت أزمة مضيق هرمز الأخيرة التذكير بحقيقة اقتصادية مهمة، وهي أن تكلفة البناء لا تتحدد فقط بأسعار المواد الخام، بل تتأثر أيضاً بأمن الممرات البحرية وكفاءة سلاسل الإمداد العالمية. فعندما يتعطل أحد أهم طرق التجارة في العالم، لا يقتصر التأثير على قطاع النقل والطاقة، بل يمتد تدريجياً إلى قطاعات اقتصادية عديدة، وفي مقدمتها قطاع البناء والتشييد. وخلال الأزمة ارتفعت تكاليف الشحن والتأمين البحري بصورة ملحوظة، وقفزت علاوات مخاطر الحرب إلى مستويات غير معتادة، كما ارتفعت أجور النقل نتيجة زيادة المخاطر وتقلص عدد السفن العاملة على بعض المسارات البحرية. ومثل هذه الزيادات لا تبقى محصورة في قطاع النقل، بل تنتقل تدريجياً إلى أسعار السلع والمواد المستوردة، بما في ذلك العديد من مواد البناء والمعدات المستخدمة في المشاريع الإنشائية. وتزداد أهمية هذه المسألة في ظل استمرار النهضة العمرانية التي تشهدها دولة قطر. فالمشاريع السكنية والتجارية ومشاريع البنية التحتية تعتمد على الكيابل الكهربائية وأنظمة التكييف والتبريد والمصاعد والمعدات الميكانيكية والكهربائية ومواد التشطيب وغيرها من المنتجات المرتبطة بسلاسل توريد عالمية. وأي ارتفاع في تكلفة هذه المنتجات ينعكس بصورة مباشرة على ميزانيات المشاريع وتكاليف التنفيذ، الأمر الذي يجعل استقرار سوق مواد البناء جزءاً أساسياً من استدامة التنمية الاقتصادية والعمرانية. وتجدر الإشارة إلى أن دولة قطر تمتلك بنية لوجستية متطورة وموانئ حديثة وشبكات نقل متقدمة، وقد أثبتت خلال السنوات الماضية قدرة عالية على التكيف مع التحديات الخارجية والحفاظ على انسيابية الإمدادات وتلبية احتياجات السوق المحلية. إلا أن المتغيرات العالمية المتسارعة تؤكد أهمية مواصلة تطوير أدوات إدارة المخاطر وتعزيز مرونة سلاسل التوريد استعداداً لأي مستجدات مستقبلية. ورغم الجهود الكبيرة التي تبذلها الجهات المعنية لضمان استقرار الأسواق وتأمين احتياجات المشاريع، فإن المرحلة الحالية تمثل فرصة لتعزيز عدد من الإجراءات الاستباقية التي تزيد من مرونة السوق وتحد من تأثره بالأزمات الخارجية. ويأتي في مقدمة هذه الإجراءات تعزيز المخزون الاستراتيجي لبعض مواد البناء والمستلزمات الإنشائية ذات الطلب المرتفع، بما يضمن استمرار توافرها عند حدوث اضطرابات مؤقتة في الإمدادات العالمية ويحد من التقلبات الحادة في الأسعار. كما يمكن دراسة منح مرونة مؤقتة لبعض رسوم مكافحة الإغراق المفروضة على منتجات محددة لا يتوافر لها إنتاج محلي كافٍ، وذلك خلال الظروف الاستثنائية فقط. فحماية الصناعة الوطنية هدف مهم، إلا أن الأزمات تتطلب أحياناً حلولاً متوازنة تضمن استمرار المشاريع التنموية وتخفف الضغوط السعرية على السوق. ومن أهم الدروس التي أفرزتها الأزمة أهمية التنويع الجغرافي لمصادر التوريد وبناء شراكات استراتيجية طويلة الأمد مع الشركات والمصانع الموثوقة في مختلف الأسواق العالمية. فهذه الشراكات لا تسهم فقط في تقليل مخاطر تعطل الإمدادات، بل تساعد أيضاً على المحافظة على جودة المنتجات واستقرار الأسعار من خلال عقود تضمن استمرارية التوريد وفق مواصفات واضحة وشروط تجارية مستقرة. كذلك فإن تسريع إجراءات اعتماد الموردين الجدد والمواد البديلة يمنح المقاولين والمطورين خيارات أوسع عند حدوث أي نقص أو تأخير في الإمدادات، ويعزز قدرة السوق على التكيف مع المتغيرات دون تعطيل المشاريع. ومن المبادرات الجديرة بالدراسة إنشاء منصة وطنية لأسعار مواد البناء يتم تحديثها بشكل دوري، بما يوفر معلومات دقيقة وشفافة عن أسعار المواد الرئيسية في السوق، ويساعد المستثمرين والمقاولين على اتخاذ قرارات أفضل، ويحد من المبالغات السعرية، ويوفر مؤشرات مهمة لصناع القرار لمتابعة تطورات السوق. أما على المدى البعيد، فإن مشروع السكك الحديدية الخليجية ينبغي أن يُنظر إليه باعتباره مشروع أمن اقتصادي بقدر ما هو مشروع نقل. فربط دول الخليج بموانئ تقع على بحر العرب أو البحر الأحمر عبر شبكة حديثة لنقل البضائع سيوفر مسارات بديلة للإمدادات عند تعطل الملاحة أو ارتفاع تكلفتها، ويمنح اقتصادات المنطقة مرونة أكبر في مواجهة الأزمات المستقبلية. لقد كشفت أزمة مضيق هرمز أن استقرار الأسواق لا يعتمد فقط على توافر المواد، بل على قدرة سلاسل الإمداد على التكيف مع المتغيرات. ومن هنا فإن الاستثمار في التنويع، والشراكات الاستراتيجية، والشفافية، والبنية اللوجستية المتقدمة، لم يعد خياراً إضافياً، بل ضرورة لضمان استدامة التنمية واستقرار قطاع البناء في المستقبل.
2544
| 31 مايو 2026
لم يكن مجرد مسؤول تولّى حقيبة الطاقة والصناعة في مرحلة مفصلية وحرجة من تاريخ بلدنا الغالي، بل يُعدّ أحد أبرز الشخصيات التي أسهمت في إعادة تشكيل قطاع الطاقة والصناعة؛ من خلال دوره في بناء منظومة إدارية ومؤسسية متكاملة عززت مفاهيم الانضباط الإداري، والكفاءة التشغيلية، وحوكمة القرار، بما انعكس إيجاباً على الأداء الإداري والتشغيلي للمؤسسة، ورسّخ أسس العمل المؤسسي القائم على المسؤولية والشفافية، وكان له أثر واضح على أسلوب الإدارة لدى كثير من القيادات القطرية. ارتبط اسمه بمرحلة التحول الكبرى في صناعة الغاز الطبيعي المسال والصناعات الأخرى كالبتروكيماويات والكيماويات والألومنيوم، حين بدأت قطر تشق طريقها بثبات نحو موقع الريادة العالمية في أسواق الطاقة، مستفيدة من رؤى إستراتيجية بعيدة المدى، ومن إدارة اتسمت بالحزم والانضباط والقدرة على اتخاذ القرار. في الثمانينيات، وفي بداية رحلتي المهنية كمهندس في مدينة مسيعيد الصناعية، ما زلت أتذكر يوم تعيينه وزيراً للطاقة والصناعة. في البداية، بدا الأمر خبراً اعتيادياً، كحال التغييرات الروتينية التي تشهدها المؤسسات عادةً، وظننا أن المسألة لا تتعدى دورة إدارية طبيعية لتولي المهام والمسؤولية. لكن ما إن تسلّم مهامه حتى بدأت ملامح التغيير تظهر بصورة واضحة وسريعة داخل المؤسسة العامة للبترول (QGPC) آنذاك والشركات التابعة لها؛ حيث شعرنا نحن المهندسين والعاملين في الميدان الصناعي بأننا أمام مرحلة حاسمة واستثنائية، أعادت صياغة الفكر الإداري، ورسخت الانضباط المؤسسي، وعززت ثقافة تحمل المسؤولية والمحاسبة. ولعلّ أبرز ما ميّز شخصيته وحقبته، يمكن تلخيصه بإيجاز في النقاط التالية: * أولاً: تميز بشغف استثنائي بالعمل، فكان بحق (Workaholic)؛ من حضور دائم ومتابعة دقيقة لا تعرف التراخي أو الملل. ورافقت هذا الشغف شخصية قيادية حاسمة، تمتلك جرأة اتخاذ القرار دون تردد كلما تعلّق الأمر بمصلحة العمل والمؤسسة، بعيداً عن حسابات المجاملة الضيقة. * ثانياً: كان حزمه مقترناً بالنزاهة والشفافية، حتى مع المقربين منه. ويُذكر في هذا السياق توجيهه الصارم للشركات التابعة ومديري "قطر للبترول" بعدم التعامل مع الشركة المملوكة لأحد أقاربه، في رسالة عملية مفادها أن القانون فوق الجميع، وأن "الواسطة" تنتهي تماماً عندما تتعارض مع هيبة المؤسسة. وبفضل هذا النهج، غدا مكتبه ملاذاً للإنصاف؛ فكان الموظف المظلوم، مهما صغرت درجته، يدرك أن حقه سيعود، وأن المسؤول المتجاوز سيُحاسب دون مواربة، مما رسّخ مقولة شهيرة بين الموظفين: «إذا لك حق عند أبو حمد.. لا تبوق ولا تخاف». * ثالثاً: الأمانة والنزاهة عنده لم تكونَا مجرد شعارات تُرفع، بل عقيدة عمل صارمة تُطبَّق على الجميع دون استثناء. فلم يكن أحدٌ يجرؤ على تخطي القوانين أو الالتفاف على السياسات المعتمدة، سواء كان مسؤولاً تنفيذياً، أو مديراً، أو حتى من كبرى الشركات العالمية والشركاء الدوليين (الشركات الخمس الكبرى). وقد كلّف التجاوز عدداً من القياديين والمديرين مناصبهم - مهما علت رتبهم أو اتسع نفوذهم - بمجرد ثبوت حيدهم عن الأنظمة ولو في صغائر الأمور؛ في رسالة حازمة بأن هيبة المؤسسة وسلطان القانون فوق الجميع. ولم يكن للمحسوبية، أو صلات القرابة، أو أي اعتبارات شخصية موطئ قدم في قاموس "أبو حمد"، إذ ظل معيار الكفاءة المطلقة والانضباط الميداني هو الفيصل في التقييم واتخاذ القرار. * رابعاً: شهدت حقبته قراراً حاسماً بدمج العمليات البرية والبحرية والمقر الرئيسي تحت مظلة واحدة، بهدف توحيد الرؤية وخلق كيان مرن ومتكامل ينافس عالمياً، وهو التوجه الذي أثمر خفضاً ملموساً للنفقات التشغيلية ورفع كفاءة الأداء في خطوة وصفها الخبراء بأنها "سبقت زمنها". وتزامن ذلك مع إعادة الهيبة والصلابة لإدارة التدقيق الداخلي، ومنحها صلاحيات واسعة لضمان تطبيق الأنظمة بدقة وحزم. * خامساً: آمن إيماناً عميقاً بالثروة البشرية الوطنية؛ فمنح القيادات القطرية الفرصة الكاملة لإدارة الشركات التابعة لـ "قطر للبترول" رافضاً حصرهم في الأدوار الثانوية. وصاغ مفهوم "التقطير والتوطين" كسياسة إستراتيجية بعيدة المدى، دعمها بمنظومة مبتكرة للابتعاث والتأهيل الأكاديمي الخارجي لبناء جيل ينافس بالمعايير العالمية. ولم تغب المرأة القطرية عن هذه الرؤية، إذ فتح أمامها أبواب قطاع الطاقة والصناعة بفاعلية، في وقت لم يكن فيه هذا التمكين مألوفاً أو يسيراً كما هو اليوم. * سادساً: امتاز بشخصية متواضعة وقريبة جداً من الناس، تسندها ذاكرة استثنائية ومخزون معرفي هائل؛ فإذا تحدّث في التاريخ، أو الرياضة، أو النفط، أجبر الحضور على الإنصات والاستفادة، ليرسّخ عملياً مقولة "المكان لمن حضر" بحضوره الفذ لا بمنصبه فقط. وحتى أولئك الذين اختلفوا مع قراراته، كانوا يقابلونها باحترام جمّ، ليقينهم بأنها تنبع من اعتبارات العدالة والمصلحة العامة لا من المزاجية أو المحاباة والظلم. * سابعاً: تمتع بسرعة بديهة في المواقف الطارئة؛ ويُروى أنه في إحدى المناسبات الرسمية الكبرى، تأخرت الكلمة المكتوبة والمعدة له، فارتجل الخطاب كاملاً بأسلوب مترابط، بليغ، ومقنع، أذهل الحضور وأثبت سعة اطلاعه وثقته العالية بأدواته القيادية تحت الضغط. ولم تنعكس هذه السمات على الداخل الإداري فحسب، بل امتدت لبناء شراكات واستثمارات إستراتيجية طويلة الأجل مع أضخم الشركات العالمية، مما أمّن لقطر تدفقات مالية مستدامة ساندت مشاريع البنية التحتية والنهضة التنموية، ورسّخت مكانة الدولة كمورد طاقة موثوق به عالمياً. وسيبقى - رحمه الله - في وجدان من عاصروا تلك الحقبة، كبير مهندسي النهضة الطاقوية القطرية، والشخصية المحورية التي نقلت قطر من مجرد دولة منتجة للطاقة إلى لاعب دولي مؤثر يملك ثقلاً يتجاوز حدود الجغرافيا. وستظل تجربته حكاية ملهمة تُروى للأجيال عن العمل الجاد وبناء المؤسسات. فإن ما تحقق من تحولات وإنجازات في تلك المرحلة الحرجة يُحسب، في المقام الأول، لنظرة وسداد رؤية وحُسن اختيار صاحب السمو الأمير الوالد الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني، حفظه الله ورعاه، باني نهضة قطر الحديثة، لشخصية سعادة عبد الله بن حمد العطية. فاللهم ارحم "عبدالله بن حمد" برحمتك الواسعة، وأكرم نزله، واجعل ما قدّمه لوطنه في ميزان حسناته، واجزه عنّا خير الجزاء وأسكنه فسيح جناتك مع الأبرار والصالحين؛ فقد كان بحق: الرجل المناسب، في المكان المناسب، وفي الوقت المناسب، ورجل المهام الاستثنائية الذي ترجل عن دنيانا وبقي أثره خالداً في وجدان الوطن.
1617
| 29 مايو 2026