رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
يدخل الأستاذ الجامعي إلى قاعة الدرس في اليوم الأول من بدء الفصل الدراسي، فإذا أغلب الأسئلة من طلابه أو طالباته حول الاختبارات وعددها وما هو الداخل بالاختبارات، وما المهم وغير المهم، إلى آخر الأسئلة التي يعرفها كثيرون منكم.. الأمر نفسه يتكرر في المدارس مع المدرسين وطلابهم، ورغبتهم الأولى في معرفة توزيع الدرجات ما بين الاختبارات والواجبات.. وهكذا كل عام أو كل فصل دراسي.
المشاهد السابقة دليل على أمر واحد مؤكد، بل يكاد يكون هو الحقيقة المستمرة منذ سنوات في كثير من مجتمعاتنا، خلاصتها أن الاختبارات هي غاية لا وسيلة. هي الغاية من حضور المدرسة أو الجامعة، وليست وسيلة للتعلم واكتساب المعرفة.
الأنظمة التعليمية تكرّس تلكم الحقيقة أو هذا المفهوم، عبر ذاك الاهتمام الكبير بمسألة الاختبارات، التي غالبها تعتمد على قوة ذاكرة الطلاب ومهارة حفظ واستظهار المعلومات، والتي يتفاوت كثيرون في تلك المهارات والقدرات، فيكون التقييم النهائي وفق ذلك. أي أن صاحب الذكاء الأكاديمي هو الفائز في تلك النوعية من الاختبارات، فيما أصحاب الذكاءات الأخرى: العاطفية، الاجتماعية، اللغوية، الجسدية وغيرها من ذكاءات، سيكون عليهم بعد الثانوية تحديداً، إثبات قدراتهم بطرق أخرى في قادم الأيام، لكن بعد أن تحتضن أنظمة العمل الرسمية أو التوظيف الفئة الأولى، أو أصحاب الذكاءات الأكاديمية، فتكون لهم الأولوية في التوظيف وتوابعها.
في اليابان وبداية من منتصف هذا العام، سيتم تغيير أسلوب تدريس أو تعليم مادة التاريخ على سبيل المثال، بحيث تهدف إلى الفهم وليس الحفظ، وذلك من خلال طرح الأسئلة والبحث عن إجابات منطقية لها. وهذا هو المنطق الذي أنادي به منذ مدة، ليشمل جل المواد، وليس التاريخ فقط، وبالتالي تكون التقييمات وفق ذلك الأسلوب؛ أي أن نختبر ونتعرف على قدرات الطلاب في فهم المادة ومهارتهم في ربطها بحقائق أخرى، وكيفية التعامل معها والاستفادة منها وغيرها، بحيث تكون المحصلة النهائية من التقييمات، هي التعرف على جميع قدرات ومهارات الطالب في تعامله مع المادة العلمية، وعلى ذلك يتم تقييمه بالدرجات، بشرط أن يكون التقييم مستمراً طوال العام، وليس عبر فرض أجواء معينة للتقييم، هي الأجواء التي يعيشها الطلاب أيام الاختبارات، وما لذلك من تأثيرات نفسية على الأداء بشكل عام.
استثمار ثورتي المعلومات والاتصالات
الحاصل الآن ومنذ عقود عدة، على رغم تطور التعليم وتقنياته ووسائله، وتطور العالم من حولنا بثورة الاتصالات والمعلومات، أن التقييم لا زال كما هو لم يتغير إلا قليلاً، دون استثمار هذا التطور الهائل والمستمر في التقنية ووفرة المعلومات، التي تجتاح العالم منذ أكثر من عقد من الزمان.
حتى تكون الصورة واضحة لما أروم إليه، خذ مثالاً مادة الاجتماعيات للمرحلة الإعدادية على سبيل المثال، لا الحصر. كمية المعلومات في تلك المادة كبيرة، وبالتالي صار من يحفظ أكثر، يحصد درجات أكبر، بغض النظر إن كان الحفظ عن فهم ودراية أم لا. الاختبارات ها هنا تقيّم قوة ذاكرة الطالب، وقدرته في حفظ أزمنة الأحداث، وحفظ أسماء الشخصيات والمدن والمواقع، وغيرها من معلومات لا تستدعي الحفظ واستحضارها وقت الامتحان، وتعبئة الذاكرة البشرية بها وهي متوفرة في أي زمان وأي مكان. بمعنى أن الحصول عليها الآن لا تستغرق ثوانيَ معدودة.
لماذا يحفظ الطالب مثلاً نتائج الثورة الفرنسية ومتى كانت معركة العلمين أو وقت إنزال النورماندي أو معركة أوكيناوا وغيرها من أحداث تاريخية، ومعلومات أخرى دسمة في الجغرافيا ستكون جميعها حاضرة بكبسة زر وفي ثوان معدودة؟
لماذا لا يكون التقييم على قدرة ومهارة الطالب في الوصول إلى المعلومة، والاستفادة منها في الإجابة على الأسئلة، عبر اختبارات ما يسمى بالكتاب المفتوح مثلاً أو الاستعانة بالإنترنت في الإجابة، وأن تكون نسبة أخرى من الدرجة لتقييمه- من بعد تدريبه- على مهارة تحليل الأحداث التاريخية بحسب مستواه التعليمي، وكتابة رأيه فيها، وغير ذلك من طرق وأساليب التقييم المختلفة التي تناسب هذا الجيل، أو الجيل الرقمي؟
الأمر ليس مقتصراً على مواد الاجتماعيات، بل يشمل كذلك اللغة العربية بتفصيلاتها في قواعد اللغة والبلاغة، التي -في رأيي- ما تزيد أساليب التدريس غير مزيد ابتعاد الطلاب عن لغتهم الأم ومزيد نفور، ثم تكون المحصلة بعد الثانوية، لا مهارة قراءة ولا كتابة ولا فهم أحياناً كثيرة! وقس على ذلك تقييمات العلوم الشرعية والعلوم العامة وغيرهما من مواد.
لا أقصد إلغاء التقييمات أو الاختبارات، لكن تعديل الطرائق والأساليب، فما كان معمولاً به زمن ندرة الكتاب وندرة مصادر المعرفة، التي جعلت حفظ ما بين غلافي كتاب كل مادة من اللوازم الأساسية لاكتساب المعرفة، لم يعد كذلك الآن مع هذا الجيل. لابد من مراعاة هذا التغيير الحاصل من حولنا مع أبنائنا. زمننا هذا لم يعد زمن حفظ معلومات واستحضارها وقت الاختبار. نعم لحفظ ما لابد منه كالقرآن والأحاديث وما يلزم الإنسان في عبادته. أما غير ذلك، فنحن نعيش زمن معلومات وتقنيات، وبالتالي نحتاج إلى تعليم وتوفير أداوت البحث لطلابنا، وكيفية الوصول للمعلومة وكيفية توظيفها، ومن ثم تقييمهم على تلك المهارات وما ينتج عنها، بالإضافة إلى تعزيز ودعم وتطوير مهارات الكتابة والقراءة والتفكير والتحليل، ليس بعد دخول الطلاب إلى الجامعات فحسب، بل منذ نعومة أظفارهم في الابتدائية وما بعدها. والموضوع في هذا يطول ويتشعب.
مسألة الاختبارات، كخلاصة لهذا الحديث ولاسيما الثانوية العامة، بحاجة لإعادة نظر وتجديد وتطوير وفق مستجدات العصر، كي تواكب وتوائم ما يجري حولنا في هذا العالم من تطور طال معظم مجالات الحياة. فلماذا لا يصل هذا التطوير إلى التعليم وطرائق التقييم بالمثل؟
سؤال موجّه للسادة القائمين على نظام التعليم عندنا وما حولنا في العالم العربي.
أهمية تنمية وإدارة الموارد البشرية
تُعد الموارد البشرية الركيزة الأساسية لنجاح المؤسسات وتحقيق أهدافها، إذ إن العنصر البشري هو المحرك الرئيس للإنتاج والتطوير... اقرأ المزيد
105
| 05 يونيو 2026
رمز QR.. مسح سريع وخسارة كبيرة
أصبح رمز الاستجابة السريعة (QR) جزءًا من تفاصيل يومنا؛ نمسحه لقراءة قائمة طعام، أو لدفع رسوم موقف سيارة،... اقرأ المزيد
108
| 05 يونيو 2026
كيف نردع المتنمرين ؟
إن التنمر ينتشر غالبا بين الأطفال والمراهقين، سواء في المدرسة أو بين أبناء الأقارب أو غيرهم، وذلك يرجع... اقرأ المزيد
87
| 05 يونيو 2026
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
د. عـبــدالله العـمـادي
مساحة إعلانية




مساحة إعلانية
في زمنٍ كانت فيه قطر ترسم ملامح مستقبلها بثقة الرجال الكبار، برز اسم عبدالله بن حمد العطية كأحد أهم العقول الوطنية التي لعبت دوراً محورياً في صناعة نهضة الدولة الحديثة، وتحويل قطاع الطاقة إلى قصة نجاحٍ عالمية تُروى باحترام وإعجاب. لم يكن الراحل مجرد وزير أو مسؤول تنفيذي في قطاع النفط والغاز، بل كان رجل دولة من الطراز الرفيع، جمع بين الرؤية الإستراتيجية والحنكة السياسية والقدرة الفائقة على إدارة الملفات المعقدة في واحدة من أكثر الصناعات حساسية وتأثيراً في العالم. وعلى مدى أكثر من ثلاثين عاماً من متابعتي الصحفية لقطاع الطاقة في جريدة الشرق، عرفت عبدالله بن حمد العطية عن قرب، فوجدت فيه نموذجاً فريداً للمسؤول الذي يعمل بصمت، ويتحدث بلغة الإنجاز لا الشعارات. كان يؤمن بأن بناء قوة قطر الحقيقية يبدأ من حسن استثمار مواردها، ولذلك كرَّس جهده وعلاقاته وخبراته لترسيخ مكانة الدولة في الأسواق العالمية للطاقة. في عهده، شهدت قطر التحول الأكبر في صناعة الغاز الطبيعي المسال، حتى أصبحت واحدة من أهم الدول المصدّرة للطاقة في العالم، وصار اسمها حاضراً بقوة في القرارات الاقتصادية الدولية. كما لعب دوراً بارزاً في تعزيز حضور قطر داخل منظمة أوبك والمحافل العالمية، حيث كان يحظى باحترام واسع بين كبار المسؤولين وصناع القرار في قطاع الطاقة الدولي. تميَّز رحمه الله بشخصية قيادية تجمع بين الحزم والهدوء، وبين الدبلوماسية والقدرة على اتخاذ القرار في الأوقات الصعبة. وكان قريباً من الجميع، يقدّر الكفاءات، ويحترم العمل المهني، ويؤمن بأن نجاح الوطن مسؤولية مشتركة. لقد كان عبدالله بن حمد العطية واحداً من رجالات مرحلة التأسيس الكبرى، والذين ساهموا بإخلاص في نقل قطر من دولةٍ ناشئة في قطاع الطاقة إلى قوة اقتصادية عالمية ذات تأثير وثقل دولي. واليوم، وبرحيله، تفقد قطر اسماً كبيراً من أسماء جيل البناء، لكن سيرته ستبقى حاضرة في ذاكرة الوطن، وفي كل إنجاز تحقق على أرض هذه البلاد. رحم الله عبدالله بن حمد العطية رحمةً واسعة، وأسكنه فسيح جناته، وجزاه عن قطر وأهلها خير الجزاء.
6549
| 30 مايو 2026
أعادت أزمة مضيق هرمز الأخيرة التذكير بحقيقة اقتصادية مهمة، وهي أن تكلفة البناء لا تتحدد فقط بأسعار المواد الخام، بل تتأثر أيضاً بأمن الممرات البحرية وكفاءة سلاسل الإمداد العالمية. فعندما يتعطل أحد أهم طرق التجارة في العالم، لا يقتصر التأثير على قطاع النقل والطاقة، بل يمتد تدريجياً إلى قطاعات اقتصادية عديدة، وفي مقدمتها قطاع البناء والتشييد. وخلال الأزمة ارتفعت تكاليف الشحن والتأمين البحري بصورة ملحوظة، وقفزت علاوات مخاطر الحرب إلى مستويات غير معتادة، كما ارتفعت أجور النقل نتيجة زيادة المخاطر وتقلص عدد السفن العاملة على بعض المسارات البحرية. ومثل هذه الزيادات لا تبقى محصورة في قطاع النقل، بل تنتقل تدريجياً إلى أسعار السلع والمواد المستوردة، بما في ذلك العديد من مواد البناء والمعدات المستخدمة في المشاريع الإنشائية. وتزداد أهمية هذه المسألة في ظل استمرار النهضة العمرانية التي تشهدها دولة قطر. فالمشاريع السكنية والتجارية ومشاريع البنية التحتية تعتمد على الكيابل الكهربائية وأنظمة التكييف والتبريد والمصاعد والمعدات الميكانيكية والكهربائية ومواد التشطيب وغيرها من المنتجات المرتبطة بسلاسل توريد عالمية. وأي ارتفاع في تكلفة هذه المنتجات ينعكس بصورة مباشرة على ميزانيات المشاريع وتكاليف التنفيذ، الأمر الذي يجعل استقرار سوق مواد البناء جزءاً أساسياً من استدامة التنمية الاقتصادية والعمرانية. وتجدر الإشارة إلى أن دولة قطر تمتلك بنية لوجستية متطورة وموانئ حديثة وشبكات نقل متقدمة، وقد أثبتت خلال السنوات الماضية قدرة عالية على التكيف مع التحديات الخارجية والحفاظ على انسيابية الإمدادات وتلبية احتياجات السوق المحلية. إلا أن المتغيرات العالمية المتسارعة تؤكد أهمية مواصلة تطوير أدوات إدارة المخاطر وتعزيز مرونة سلاسل التوريد استعداداً لأي مستجدات مستقبلية. ورغم الجهود الكبيرة التي تبذلها الجهات المعنية لضمان استقرار الأسواق وتأمين احتياجات المشاريع، فإن المرحلة الحالية تمثل فرصة لتعزيز عدد من الإجراءات الاستباقية التي تزيد من مرونة السوق وتحد من تأثره بالأزمات الخارجية. ويأتي في مقدمة هذه الإجراءات تعزيز المخزون الاستراتيجي لبعض مواد البناء والمستلزمات الإنشائية ذات الطلب المرتفع، بما يضمن استمرار توافرها عند حدوث اضطرابات مؤقتة في الإمدادات العالمية ويحد من التقلبات الحادة في الأسعار. كما يمكن دراسة منح مرونة مؤقتة لبعض رسوم مكافحة الإغراق المفروضة على منتجات محددة لا يتوافر لها إنتاج محلي كافٍ، وذلك خلال الظروف الاستثنائية فقط. فحماية الصناعة الوطنية هدف مهم، إلا أن الأزمات تتطلب أحياناً حلولاً متوازنة تضمن استمرار المشاريع التنموية وتخفف الضغوط السعرية على السوق. ومن أهم الدروس التي أفرزتها الأزمة أهمية التنويع الجغرافي لمصادر التوريد وبناء شراكات استراتيجية طويلة الأمد مع الشركات والمصانع الموثوقة في مختلف الأسواق العالمية. فهذه الشراكات لا تسهم فقط في تقليل مخاطر تعطل الإمدادات، بل تساعد أيضاً على المحافظة على جودة المنتجات واستقرار الأسعار من خلال عقود تضمن استمرارية التوريد وفق مواصفات واضحة وشروط تجارية مستقرة. كذلك فإن تسريع إجراءات اعتماد الموردين الجدد والمواد البديلة يمنح المقاولين والمطورين خيارات أوسع عند حدوث أي نقص أو تأخير في الإمدادات، ويعزز قدرة السوق على التكيف مع المتغيرات دون تعطيل المشاريع. ومن المبادرات الجديرة بالدراسة إنشاء منصة وطنية لأسعار مواد البناء يتم تحديثها بشكل دوري، بما يوفر معلومات دقيقة وشفافة عن أسعار المواد الرئيسية في السوق، ويساعد المستثمرين والمقاولين على اتخاذ قرارات أفضل، ويحد من المبالغات السعرية، ويوفر مؤشرات مهمة لصناع القرار لمتابعة تطورات السوق. أما على المدى البعيد، فإن مشروع السكك الحديدية الخليجية ينبغي أن يُنظر إليه باعتباره مشروع أمن اقتصادي بقدر ما هو مشروع نقل. فربط دول الخليج بموانئ تقع على بحر العرب أو البحر الأحمر عبر شبكة حديثة لنقل البضائع سيوفر مسارات بديلة للإمدادات عند تعطل الملاحة أو ارتفاع تكلفتها، ويمنح اقتصادات المنطقة مرونة أكبر في مواجهة الأزمات المستقبلية. لقد كشفت أزمة مضيق هرمز أن استقرار الأسواق لا يعتمد فقط على توافر المواد، بل على قدرة سلاسل الإمداد على التكيف مع المتغيرات. ومن هنا فإن الاستثمار في التنويع، والشراكات الاستراتيجية، والشفافية، والبنية اللوجستية المتقدمة، لم يعد خياراً إضافياً، بل ضرورة لضمان استدامة التنمية واستقرار قطاع البناء في المستقبل.
2790
| 31 مايو 2026
قبل سنوات، كان الادخار عادة راسخة لدى كثير من الأسر، وكان الاحتفاظ بجزء من الدخل للمستقبل أمرًا بديهيًا. أما اليوم، فقد أصبح من المألوف أن نسمع عن أحدث سيارة، أو أغلى ساعة، أو وجهة السفر القادمة، بينما يتراجع الحديث عن الادخار والاستثمار والتخطيط المالي طويل الأجل. وفي الوقت الذي ارتفعت فيه مستويات الدخل وتحسنت فيه مستويات المعيشة، برزت ظاهرة تستحق التأمل؛ فالكثير من الناس أصبحوا ينفقون أكثر مما كانوا يفعلون في السابق، ليس فقط على احتياجاتهم الأساسية، بل على المظاهر وأنماط الحياة التي يشاهدونها من حولهم يوميًا. وهنا يبرز سؤال مهم: لماذا أصبحنا ندخر أقل وننفق أكثر على المظاهر؟ وهل المشكلة في حجم الدخل أم في طريقة إدارة المال وتحديد الأولويات؟ لقد غيرت وسائل التواصل الاجتماعي كثيرًا من السلوكيات المالية. فلم يعد الإنسان يقارن نفسه بمن حوله فقط، بل أصبح يقارن نفسه يوميًا بآلاف الأشخاص الذين يشاهد تفاصيل حياتهم وسفرهم وسياراتهم ومقتنياتهم الفاخرة على مدار الساعة. ومع صعود المؤثرين وصناع المحتوى، أصبح التركيز على المظاهر والعلامات التجارية والسفر والمقتنيات باهظة الثمن أكثر حضورًا من أي وقت مضى. ولا تكمن المشكلة في وسائل التواصل الاجتماعي أو في نجاح المؤثرين، بل في غياب الوعي لدى بعض المتابعين بأن ما يُعرض على الشاشات هو جزء محدود ومنتقى من الواقع. فوسائل التواصل الاجتماعي جعلت المقارنة أسهل من أي وقت مضى، لكنها لم تجعل بناء الثروة أسهل. ومن المهم هنا التفريق بين الثروة والاستهلاك. فهناك من يمتلك ثروات كبيرة أو استثمارات ناجحة أو أصولًا متراكمة عبر سنوات طويلة من العمل والاجتهاد، ومن الطبيعي أن ينفق على ما يرغب فيه من ساعات فاخرة أو سيارات مميزة أو مقتنيات ثمينة دون أن يشكل ذلك عبئًا على أوضاعه المالية. فهذه الفئة بنت ثروتها أولًا ثم استمتعت بثمارها لاحقًا. أما القضية التي تستحق النقاش فهي سعي بعض أصحاب الدخول المتوسطة أو المحدودة إلى تقليد أنماط إنفاق لا تتناسب مع أوضاعهم المالية الحقيقية. فقد ينفق البعض جزءًا كبيرًا من دخله أو مدخراته على ساعة فاخرة أو سيارة أو حقيبة من علامة تجارية عالمية أو رحلات متكررة، بينما كان بالإمكان توجيه جزء من تلك الأموال إلى الادخار أو الاستثمار أو بناء أصل يدر دخلًا مستقبليًا. إن المشكلة ليست في اقتناء السلع الكمالية بحد ذاتها، بل في أن تتحول إلى معيار للنجاح أو المكانة الاجتماعية. ولعل من أبرز مظاهر هذا التغير ما نشاهده من سباق نحو اقتناء العلامات التجارية العالمية، سواء في الساعات أو الحقائب الفاخرة أو السيارات أو غيرها من السلع الكمالية. فبعض الأشخاص يقضون سنوات طويلة في ملاحقة المظاهر الاستهلاكية، بينما يقضي آخرون السنوات نفسها في بناء محافظ استثمارية أو أصول عقارية أو مشاريع منتجة. وبعد عشر أو عشرين سنة تظهر النتائج بوضوح؛ فالأول قد يمتلك ذكريات مشتريات كثيرة، بينما يمتلك الثاني أصولًا تدر عليه دخلًا وأمانًا ماليًا واستقلالًا اقتصاديًا. وفي عالم ترتفع فيه تكاليف المعيشة وتتآكل فيه قيمة الأموال بفعل التضخم، لم يعد الادخار وحده كافيًا. ولهذا أصبحت الثقافة المالية الحديثة تقوم على ركيزتين أساسيتين: الادخار والاستثمار. فالادخار هو الخطوة الأولى نحو بناء الثروة، أما الاستثمار فهو الجسر الذي ينقل المدخرات إلى أصول منتجة. ومن الوسائل الفعالة لتعزيز ثقافة الادخار والاستثمار أن يضع الإنسان لنفسه أهدافًا مالية واضحة ومحددة، مثل شراء منزل، أو تأمين تعليم الأبناء، أو تكوين محفظة استثمارية، أو تحقيق الاستقلال المالي في مرحلة لاحقة من العمر. فوجود هدف واضح يجعل الإنسان أكثر قدرة على مقاومة الإنفاق غير الضروري، ويمنح الادخار معنى وغاية. ولا يقل أهمية عن ذلك تنمية الثقافة الاستثمارية وفهم الأدوات المالية المتاحة. وليس المقصود أن يتحول كل شخص إلى خبير في الأسواق، وإنما أن يمتلك الحد الأدنى من المعرفة التي تساعده على اتخاذ قرارات مالية أكثر وعيًا. ففي عصر تتوفر فيه المعرفة بضغطة زر، لم يعد التعلم المالي رفاهية، بل أصبح ضرورة. ليس المهم كم تكسب، بل ماذا تفعل بما تكسبه. ومن الأخطاء الشائعة أيضًا تمويل الرفاهية بالديون؛ فبعض الأشخاص يلجؤون إلى الاقتراض لشراء كماليات أو لمجاراة أنماط حياة تفوق قدراتهم المالية، فيتحول ما يبدو رفاهًا مؤقتًا إلى عبء مالي طويل الأمد. إن ترسيخ ثقافة الادخار والاستثمار يمثل أحد أهم الأسس التي تقوم عليها الاستقلالية المالية والاستقرار الاقتصادي، كما يسهم في بناء أجيال أكثر قدرة على مواجهة التحديات وتحقيق أهدافها بثقة ووعي. فالرفاه الحقيقي لا يقاس بما نظهره للناس، بل بما نملكه من أمان واستقرار وقدرة على مواجهة المستقبل بثقة واطمئنان. وليس الخطأ أن نشتري ساعة فاخرة أو سيارة مميزة أو أن نستمتع بثمار نجاحنا، وإنما الخطأ أن نجعل المظاهر أولوية قبل بناء الأساس المالي الذي يضمن لنا ولأبنائنا مستقبلًا أكثر استقرارًا وأمانًا. فالثروة لا تُبنى بالراتب وحده، بل بالانضباط المالي، والادخار المنتظم، والاستثمار الواعي والصبر.
2514
| 02 يونيو 2026