رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
تستغرب فعلاً، هذا النهم واللهاث والسعي الحثيث من قبل البعض وراء زخارف الدنيا ومباهجها، وما هو سر هذه الأنانية والجشع البشري لاقتناء الفاخر والساحر والباهظ من المتاع، ولا أدري، والحال، لما يلجأ بعض الناس إلى اقتناء الأقلام المصنوعة من الذهب أو الأقلام غالية الثمن مما رصّـع بالألماس والمعادن الثمينة؟ ولماذا يلبسون الساعات الذهبية أو الماسية الغالية جداً؟ ولماذا يزيـّنون واجهات غرف الطعام بأطقم الصحون المذهـّبة أو المصنوعة من خزف ثمين جداً؟ لماذا يأكلون من حلل فاخرة جداً ويقضون الساعات بـ»المولات» بحثاً عن الأفخم والأغلى والأجود؟ ولماذا يشربون القهوة أو الشاي من فناجين مزركشة ومطلية بزخارف ذهبية و»يكرعون» الماء بكؤوس غريبة؟ ولماذا يميل آخرون لتكون حنفيات المغاسل والحمّامات في بيوتهم مصنوعة من معادن نفيسة؟
ولا بد والحال من التساؤل والبحث عن الحكمة من هذا السلوك الإنساني المريب؟ هل هو نوع من البطر وعدم التعب في كسب المال يكمن وراء هدره بهذه الطريقة أم هو نمط من التعويض حيث المثل الشعبي الساخر القائل: «عنزة الجربانة لا تشرب إلا من رأس النبع»؟ وهل؟ وهل؟ وهل؟
والأهم هل يا ترى يستطيع القلم الذهبي أن يكتب بطريقة أفضل من أقلام البلاستيك أو أقلام الرصاص؟ هل يمكن لصاحبه أن ينتج أعمالاً أدبية أو سياسية أو فكرية لا يستطيع أن ينتجها صاحب قلم الرصاص أو الأقلام الرخيصة؟ هل كتب شكسبير أعماله الخالدة بأقلام من الألماس حتى غزت العالم وأصبحت تزين مكتبات العالم من أقصاه إلى أقصاه؟ أم يا ترى كتبها بأقلام بدائية جداً أو ربما بما يشبه الأقلام؟ لماذا ينفق البعض آلاف الدولارات على شراء أقلام فاخرة يضعونها في جيوب بدلاتهم أو أثوابهم، بينما لا يستطيع بعضهم أن يكتب جملة مفيدة واحدة من دون أن يقترف أخطاء إملائية ونحوية يندى لها الجبين؟ هل القلم يصنع الكاتب أم أن الكاتب العظيم يستطيع أن يكتب بأصابعه أو بريشة الطير، وكما يقال أيضاً: «الغزّلة تغزل بالعود»، أي الإنسان الماهر يتقن عمله بأي شيء كالغزّالة الماهرة التي لا تحتاج للمغزل بعملها ويمكنها القيام بالغزل حتى بـ»عود»، عادي؟ ومن هنا يجب ألا ننسى أن العالم البريطاني الراحل ستيفن هوكنغ كان مقعداً ولا يستطيع أن يحرك أي عضو من جسمه، لكنه اكتشف أسرار الكون من على كرسي متحرك، ناهيكم عن انتفاء القيمة العملية للأقلام وباتت في طريقها إلى الانقراض شيئاً فشيئاً بعد أن أصبحت الكتابة الكترونية على أجهزة الموبايل والحواسيب في المقام الأول.
وعلى الرغم من أن صناعة الساعات في العالم تراجعت كثيراً لأن ملايين الناس استعاضوا عنها بساعات الموبايلات ولم يعد الكثيرون يلبسون الساعات، إلا أن البعض ما زال مغرماً بشراء الساعات الثمينة جداً التي يصل ثمن بعضها إلى مئات آلاف الدولارات؟ هل يا ترى تقيس الساعات الفاخرة الزمن بطريقة أفضل من الساعات البلاستيكية التي يمكن شراؤها بخمسة دولارات؟ ثم ما فائدة أن تلبس ساعة ثمينة جداً لكنك لا تحترم قيمة الوقت ولا المواعيد؟
هل يا ترى شرب القهوة من فنجان مذهب أطيب مذاقاً وطعماً من شربها بفنجان صيني بسيط؟ ماذا يضيف الفنجان الغالي الثمن والمرصع بالذهب للقهوة أو الشاي؟ هل يبدو شرب الماء ألذ طعماً من كأس الكريستال أو الفضة من شربه بالكأس البسيط أو الفخار مع العلم أن الطب ينصح باستخدام الفخار لشرب الماء لأنه صحي أكثر ويقوم بتنقية المياه من الشوائب. وفنجان قهوة بسيط في أحضان الطبيعة أطيب وألذ بمائة مرة من تناوله بفنجان فاخر في أرقى الفنادق في العالم. الذي يعطي لفنجان القهوة طعمه اللذيذ ليس الفنجان بل الروح والنفس والطبيعة وراحة البال. إن كأساً من الشاي مصنوعاً في إبريق قديم مطلي بالسواد من كثرة الاستخدام على موقدة حطب في أحضان الطبيعة له طعم لا يضاهيه كل كؤوس الذهب في العالم.
هل كان الطبخ بالأواني الثمينة ينتج طعاماً طيباً؟ لماذا يتباهى البعض بالطهي بأوان غالية الثمن؟ هل هذا يا ترى نوع من التحضر أم من الإسراف والـ»بهورة» و»الفنجرة» والفشخرة» التي لا طائل ولا فائدة منها؟ أليست الخرفان المطهية بالأفران الطبيعية تحت الأرض أطيب من كل أدوات الشواء الحديثة بالغاز أو الكهرباء؟ وفي كتابه الشهير بعنوان «خرافة التخلف والتقدم» للراحل جلال أمين يتساءل: «ماذا استفدنا من صناعة الملاعق والسكاكين والشوك غير استنزاف المعادن؟ هل الأكل بالملاعق أفضل وألذ من الأكل باليدين».
ماذا تستفيد عندما تغسل يديك بماء نازل من نافورة مصنوعة من الذهب الخالص؟ هل الكرسي الذهبي مريح أكثر من الجلوس على التراب يا ترى؟
هل السيارات الفارهة التي يبلغ ثمن الواحدة مئات الآلاف من الدولارات مريحة أكثر بكثير من السيارات الاقتصادية؟ هل توصلك إلى المكان الذي تريد بسرعة أكبر؟
هل يا ترى الفراش المصنوع من ريش النعام والخشب المذهب مريح أكثر من النوم على الأرض أو العشب؟ ما فائدة أن تنام في غرف نوم بعشرات الألوف من الدولارات إذا كنت غير قادر على النوم أصلاً بسبب القلق أو المرض لا سمح الله؟ هل السرير الذي يبلغ طوله خمسة أمتار وعرضه ثلاثة أمتار أفضل من السرير العادي؟ فلا السرير الذي يجعلك تنام مرتاح الضمير ولا حتى الدواء بل العقل الباطن، فإذا كان عقلك الباطن مطمئناً ستنام قرير العين وإذا كان مضطرباً فلن تستطيع النوم على سرير من ذهب بطول مائة متر وعرض عشرين.
هل يحقق الإنسان ذاته يا ترى باقتناء الأغلى من الأقلام والسيارات والساعات؟ هؤلاء لا يدركون أنه لو امتلكت ألف قصر فلن تنام إلا في غرفة نوم وعلى سرير متر بمترين بأحسن الأحوال؟ ولو كان عندك آلاف الدونمات والهكتارات من الأراضي فلن تحصد بالنهاية أكثر من مساحة متر بمتر في باطن الأرض.
استودعكم الله... ذاهب إلى السوق...وصدق من قال إن بني آدم لا تـُشبع عينه إلا حبة التراب.
المؤامرة الكبرى لم تستثن أحداً في سوريا
كي لا يأخذنا الحقد واليأس والتضليل بعيداً عن الحقيقة، لابد أن نضع النقاط على الحروف، ليس تبرئة لطرف... اقرأ المزيد
2391
| 15 ديسمبر 2019
التنين الصيني يكشِّر عن أنيابه
ليس هناك استعمار جيد واستعمار سيء على مدى التاريخ، فالمستعمر مستعمر سواء أكان أمريكياً أو أوروبياً أو روسياً... اقرأ المزيد
2111
| 08 ديسمبر 2019
ماذا تفعل عصابات المرتزقة الروسية في ليبيا؟
مهمة الروس في ليبيا لا تختلف مطلقاً عن مهمتهم في سوريا الرهان الروسي على حفتر فاشل لأن الرجل... اقرأ المزيد
1435
| 01 ديسمبر 2019
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
خطاب ليس ككل الخِطابات، بل كان مصارحة وطنية صريحة من حضرة صاحب السمو الشيخ تميم بن حمد آل ثاني، أمير البلاد المفدى ورسالة حازمة تستوجب من كل مواطن ومقيم أن يتوقف عندها طويلًا، وأن يدرك أن المرحلة التي نعيشها ليست كسابقاتها، وأن ما ينتظر العالم من تحديات وتقلبات لا يترك مجالًا للاستهانة أو التراخي أو الاتكال على المكتسبات. لقد خاطب سموه شعبه بوضوح القائد الذي لا يجامل في الحقائق، ولا يخفي التحديات، بل يراهن على وعي شعبه ونضجه وحسه بالمسؤولية. وهذا ما عهدناه من قيادتنا، صراحة في الخطاب، وشفافية في الموقف، ومصارحة مباشرة للمواطن، إيمانًا بأن الشعوب الواعية شريكة في حماية أوطانها. إننا أمام عالم مضطرب، تتبدل فيه الموازين، وتتصاعد فيه الأزمات، وتضيق معه مساحة المنطق والعقل. ولم يعد أحد يستطيع الجزم بمآلات الأحداث، أو كيف ستأتي الأزمات وتنتهي. وحتى الدول التي عاشت عقودًا من الرخاء والاستقرار لم تعد بعيدة عن هذه التحولات. وقطر، رغم ما تنعم به من أمن وازدهار، ليست جزيرة معزولة عن العالم، ولا استقرارها مبررًا للغفلة عما يدور حولها. والحقيقة أن الدولة منذ سنوات لم تتوقف عن التنبيه إلى التحديات والاستعداد للمستقبل، والتأكيد على أن قطر تستحق الأفضل من أبنائها. فقد استثمرت في الإنسان القطري، ووفرت له من الأمن والتعليم والصحة والرفاه والخدمات ما وضعه في مصاف أكثر شعوب العالم رفاهية في وقت قصير جداً. ولم يكن ذلك امتيازًا بلا مسؤولية، بل رهانًا على مواطن يكون عند الشدائد بحجم وطنه، وعند المسؤولية بمستوى ما أُودع فيه من ثقة وإمكانات. وهنا يجب أن نواجه أنفسنا بسؤال لا يحتمل المجاملة: ماذا قدمنا نحن لقطر مقابل كل ما قدمته لنا؟ وهل أدينا واجباتنا بالقدر نفسه الذي نطالب فيه بحقوقنا؟ وهل نحن مستعدون حقاً لكل ما يجري حولنا؟ انتهت مرحلة مواطن يكتفي بالانتفاع من مكتسبات وطنه دون صيانته، ولا بموظف يرى في وظيفته راتبًا وساعات حضور وانصراف، ولا بمسؤول يؤجل القرارات ويتنصل من المسؤوليات. فالتقصير اليوم ليس مجرد خلل إداري، بل ثغرة في جدار امن الوطن وامانه. ولا تقتصر المسؤولية على المواطن وحده، بل تشمل كل مقيم يعيش على أرض قطر وينعم بأمنها واستقرارها. فالمقيم شريك في البناء والإنتاج، والإخلاص في العمل واحترام القانون وصيانة الممتلكات العامة واجبات لا تستثني أحدًا. وإذا كان المواطن يحمل مسؤولية الانتماء والمصير، فإن المقيم يحمل أمانة تجاه بلد فتح له أبواب العيش والعمل والاستقرار. فنهضة قطر مسؤولية كل يد تعمل على أرضها. وليعلم الجميع أن الدفاع عن الوطن لا يكون بالبندقية وحدها؛ فكل موقع عمل ثغر، وكل أمانة مسؤولية، وكل تقصير خسارة. المعلم يدافع بعلمه، والطبيب بإخلاصه، والموظف بإتقانه، والمسؤول بنزاهته، والإعلامي بكلمته. فالكلمة الصادقة سلاح، والموقف المسؤول سلاح، وحماية المال العام سلاح، والإنتاج والانضباط والإخلاص أسلحة تحمي مستقبل الوطن. لقد مرت على الأمم عصور رخاء وشدة، وهذه سنة الحياة، لكن التاريخ لا يخلد من استمتعوا بالنعم فحسب، بل يسجل من حافظوا عليها حين اشتدت الظروف، ومن سهروا وتعبوا وضحوا براحتهم ليبقى وطنهم قويًا عزيزًا. إن قطر اليوم لا تحتاج منا مزيدًا من عبارات الحب والولاء بقدر ما تحتاج ترجمتها إلى وقفة صادقة وعمل وإنجاز ومسؤولية. فالولاء الذي لا يظهر في إتقان العمل، والانتماء الذي لا يترجم إلى عطاء، كلمات لا تحمي المكتسبات. لقد أعطتنا قطر الكثير، وحان الوقت الذي لا نسأل فيه ماذا نريد منها، بل ماذا تستحق منا. فالأوطان لا تضعف حين تقل مواردها فقط، بل حين يتراجع شعور أبنائها بالمسؤولية. والمرحلة لا تحتمل متفرجين، والتاريخ لن ينتظر المتقاعسين.
12105
| 20 أكتوبر 2026
هناك قضية أراها مهمة جدًا، ولا ينبغي غضّ الطرف عنها، تتعلق بالتعليم الجامعي لأبناء المقيمين في دولة قطر، وما تتحمله أسرهم من أعباء مالية قد تحول بين هؤلاء الشباب وبين استكمال دراستهم وبناء مستقبلهم. المقيمون جزء أساسي من مجتمعنا، ويشكّلون النسبة الأكبر من سكان دولة قطر، ويشاركوننا العمل والبناء، ويسهمون في تسيير شؤون الحياة في مختلف المجالات الإدارية والمهنية والخدمية، في القطاعين العام والخاص. وما داموا يعيشون بين ظهرانينا، ويشاركوننا مسيرة التنمية، فإن معاناتهم تستحق أن تجد آذانًا صاغية، خصوصًا حين تتعلق بتعليم أبنائهم ومستقبلهم. كثير من هؤلاء الأبناء وُلدوا وترعرعوا في قطر، وتلقّوا تعليمهم في مدارسها، حتى وصلوا إلى أبواب الجامعة. وهنا تبدأ المعاناة؛ فالقبول في الجامعات الوطنية تحكمه شروط ومنافسة، وقد لا تتاح الفرصة لكل طالب، فتتجه الأسرة إلى خيارات جامعية أخرى، لتجد نفسها أمام رسوم تفوق قدرتها المالية. وحتى حين يتاح القبول، قد تبقى تكلفة الدراسة عائقًا أمام استكمالها. ولنتصور أسرة يبلغ دخلها الشهري خمسة عشر أو ثمانية عشر ألف ريال، تدفع منه إيجار السكن، وتغطي مصاريف المعيشة وتعليم الأبناء والتزامات الحياة اليومية. كيف تستطيع تحمّل رسوم جامعية مرتفعة، خصوصًا إذا وصل اثنان أو ثلاثة من أبنائها وبناتها إلى الجامعة في وقت واحد؟ هنا يجد الأب نفسه أمام معادلة صعبة بين تأمين احتياجات أسرته وتمويل دراسة أبنائه. والتقسيط، وإن كان يخفف العبء، يحتاج هو الآخر إلى مراجعة؛ فتوزيع الرسوم على دفعتين خلال الفصل الدراسي قد لا يحل المشكلة. المطلوب ترتيبات أكثر مرونة، تراعي الدخل الشهري والالتزامات الفعلية، وتمنح الأسرة قدرة واقعية على الوفاء. أقول ذلك لأنني أرى هذه المعاناة لدى أسر قريبة مني، وأسمع ما يؤلم القلب من آباء وأمهات يشغلهم مستقبل أبنائهم. شباب لديهم الرغبة والاستعداد والاجتهاد، لكن الإمكانات المالية تقف أمام طموحاتهم. ومن المؤلم أن يتوقف مسار شاب أو شابة عند الثانوية لعجز الأسرة عن تحمّل تكلفة الجامعة. ومن هنا، أرفع هذه الرسالة إلى وزارة التربية والتعليم والتعليم العالي، وإلى الجامعات والجهات المعنية، نحتاج إلى خطة واضحة توسّع فرص التعليم الجامعي الميسّر لأبناء المقيمين في القطاعين العام والخاص، من خلال مراجعة الرسوم، وتوفير منح جزئية تراعي دخل الأسرة وعدد أبنائها الملتحقين بالجامعة، وتقديم خصومات للأشقاء، واعتماد أقساط شهرية مريحة. كما يستحق الأمر دراسة تسهيل إنشاء مؤسسات جامعية وطنية تقدم تعليمًا جيدًا لأبناء المقيمين برسوم معقولة، وتشجيع الشراكات التي تسهم في تمويل دراسة الطلبة المستحقين، وتمنح الأسر خيارات تتناسب مع إمكاناتها. قطر التي جعلت التعليم ركيزة أساسية في نهضتها، قادرة على إيجاد حلول تحفظ جودته وتوسّع فرص الوصول إليه. وتعليم هؤلاء الشباب يفتح أمامهم أبواب العمل والعطاء، ويعزز إسهامهم في المجتمع الذي نشأوا فيه. معاناة هذه الأسر تستحق الالتفات والعمل؛ فلا ينبغي أن يبقى الوالدان قلقين كلما اقترب أبناؤهما من إتمام المرحلة الثانوية، ولا أن تتحول فرحة النجاح إلى سؤال موجع: كيف سندفع رسوم الجامعة؟ إنه ملف جدير بالاهتمام، ويستحق التعامل معه بجدية.
8235
| 22 أكتوبر 2026
تصلك الدعوة رسمية الصياغة، تحمل عبارة "مؤتمر صحفي"، وتصل إلى المدربين رسائل تبشّرهم بـ"التكريم" و"الاعتماد"، فيحضر الجميع متوقعين أن يعرفوا ماذا سيُعلن، ومن سيُكرَّم، وعلى أي أساس، ثم يخرجون دون أن يعرفوا شيئًا من ذلك. والمشكلة ليست في ضعف التنظيم وحده، بل في غموض يحيط بالمنصة نفسها، فلا تعرف إن كنت أمام إطلاق مبادرة، أم إعلان سياسة، أم احتفال بروتوكولي لالتقاط الصور. في القاعة طاولة وكرسيان، المشهد المألوف لأي مؤتمر صحفي. لكن الكرسيين بقيا فارغين، فلم يجلس عليهما أحد، ولم يُفتح باب للأسئلة، ولم تكن في القاعة صحافة أصلًا. والمؤتمر الصحفي ليس ديكورًا، بل عقد ضمني تقول فيه المؤسسة: هذا ما نفعله، واسألونا عنه. فإذا غاب السؤال غابت المساءلة، وصار "المؤتمر الصحفي" مجرد اسم على بطاقة دعوة. أما المدربون، فقد دُعوا إلى ما قيل إنه حفل تكريمهم. ترك كثير منهم أعمالهم وحضروا، ثم جلسوا على الكراسي طوال الفعالية دون أن تُنادى أسماؤهم، وفي النهاية وُجّهوا إلى مبانٍ مختلفة ليستلموا شهاداتهم بأنفسهم. والتكريم رسالة اعتراف قيمتها في علنيتها، ومن يُستدعى من عمله ليُكرَّم ثم يُصرف إلى مكتب آخر، لا يشعر بالتقدير، بل يشعر بأنه رقم في قائمة الحضور. والمفارقة أن من عوملوا بهذه الطريقة هم المدربون أنفسهم، أي من يُفترض أن تقوم عليهم السياسة المعلنة كلها. والأغرب من طريقة التسليم هو مضمونه. فقد حصل المدربون على تصنيفات دون أن يُعلَن على أي أساس صُنِّفوا، وكثير منهم يتساءلون: لماذا وُضعنا في هذا التصنيف؟ وما الفائدة التي ستعود علينا منه؟ فالتصنيف بلا معايير معلنة يشبه أن يتسلم طالب درجته النهائية دون أن يعرف كيف وُزّعت الدرجات ولا ماذا تعني لمستقبله؛ قد تكون عادلة، لكنه لن يثق بها ولن يعرف كيف يتحسن. والتصنيف العادل يجيب قبل تطبيقه لا بعده عن ثلاثة أسئلة: 1. ما المعايير: الخبرة، أم الساعات التدريبية، أم المؤهلات، أم التقييم الميداني؟ 2. ما المستويات، وما الفرق بينها؟ 3. ما الأثر: فرص تدريبية، أم أولوية في التكليف، أم مسار للترقي؟ ثم عُرضت سياسة للتعليم المستمر والتعلم مدى الحياة (Lifelong Learning) كأنها توجه حديث. والحقيقة أن اليونسكو جعلت هذا المفهوم حجر الأساس في السياسات التعليمية منذ تقرير "تعلّم لتكون" (Learning to Be) عام 1972، ثم نصّ عليه الهدف الرابع من أهداف التنمية المستدامة عام 2015. أي أننا أمام مفهوم عمره أكثر من خمسين عامًا، فأين كانت الجهة المعنية بالتعليم والتدريب طوال هذه العقود؟ لا عيب في أن تتبنى مؤسسة سياسة متأخرة، فالتأخر خير من الغياب. العيب أن تُقدَّم المتأخرة على أنها سابقة، وأن يُغلَّف اللحاق بالركب بلغة الريادة. الحوكمة أولًا ما جرى ليس أخطاء تنظيمية منفصلة، بل عَرَض لخلل في الحوكمة، وهي في أبسط معانيها: أن يعرف الناس ما الذي يُقرَّر، وعلى أي أساس، ومن المسؤول عنه. وحين يغيب السؤال عن المؤتمر، والمعايير عن التصنيف، وتتوزع المسؤولية بين مبانٍ وإدارات لا يجمعها أحد، فنحن أمام غياب لهذه الأسس الثلاثة معًا. وقد يكون وراء ذلك خوف من السؤال، أو تقديم للصورة على المضمون، أو ضعف في التنسيق الداخلي، ولا شيء من ذلك يبرر النتيجة. والمؤسسة التي تطالب المدربين بالجودة والمعايير، أولى بأن تطبّقها على نفسها أولًا. والمطلوب ليس كثيرًا: • سَمِّ الحدث باسمه، فالمؤتمر الصحفي تحضره الصحافة ويُفتح فيه السؤال. • أعلن بوضوح: مبادرة أم سياسة أم إطار عمل، بجدول زمني ومؤشرات قياس. • كرّم المدعوين على المنصة، لا في ممرات المباني. • انشر معايير التصنيف وآثاره وآلية التظلم قبل التطبيق. • اعترف بالمرجعية الدولية، فهي تمنح السياسة مصداقية ولا تنتقص منها. الوضوح ليس ترفًا إداريًا، بل احترام للجمهور وأساس للثقة. والمدرب الذي لا يعرف لماذا دُعي، ولا لماذا صُنِّف، ولا ماذا يُنتظر منه، لن يكون شريكًا في أي سياسة، مهما كان عنوانها لامعًا.
2967
| 22 أكتوبر 2026