رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
قلت للصديق العتيد عقب متابعتي لحديث الأمير الشاب محمد بن سلمان لقناة "العربية" الاثنين الماضي: "اليوم أنا أكثر تفاؤلا من أي وقت مضى بمستقبلنا". ردّ مباشرة: "وما يدريك أنها ككل القرارات السابقة التي كنا نهلل لها، ودونك المدن الاقتصادية كمثال واحد من عشرات الأمثلة التي هللت لها الصحافة وتفاءل المجتمع، وعقد الوطن عليها الآمال بتحقيق طفرة، بيد أنها الآن وبعد عشر سنوات وإنفاق مئات المليارات عليها، لم تحقق الحد الأدنى من النجاح، ولم نر المستثمرين من الخارج يتزاحمون في مطاراتنا بما أوهمنا الدباغ وقتها؟!".
كان حوار ولي ولي العهد السعودي حديث المجالس الشعبية والنخبوية على حد سواء في السعودية، وكالعادة تباينت الآراء حيال الموضوعات التي طرقها سموه، بيد أن التفاؤل والأمل بالنجاح كانا السمة الغالبة، والحقيقة أن سموه بحضوره الفضائي كان شفيفا ذا كاريزمية ومقنعا في حديثه، وحقق شعبية كبيرة من هذا اللقاء، عبر إجابات لا تنقصها الصراحة، هي من كانت وراء الثقة والتفاؤل التي أقنعت الكثيرين بجدية الرؤية التي يتحدث عنها، وعزمه الأكيد على تحقيقها.
قلت للصديق إن ثمة مرتكزات في حديث سموه جعلتني متفائلا بشكل كبير، فأهم مرتكز كان انحيازه للمواطن، وكررها لمرات عديدة، فعندما تحدث عن رسوم المياه والكهرباء، وقال له الزميل الخلوق تركي الدخيل بأن هناك من سيمتنع عن أداء الرسوم كالوزراء والأمراء، أجابه مباشرة: "سأبدأ بنفسي أنا". وأعاد الدخيل الكرّة عليه بقوله: "ربما سيتهربون". فردّ سموه بقوة وثقة وتصميم: "عليهم إذن أن يواجهوا الشارع".
عندما يتساوى الجميع تحت مظلة النظام، التي لا تفرق بين أمير أو وزير أو مواطن من ذوي الدخل المحدود، ويقضى سموه على كل محاولات التحايل أو الازورار على النظام، بل وتجد يدا من حديد توقف هذا التحايل وتعاقب عليه، فثق أن فرص الرؤية ستتضاعف بإذن الله تعالى.
غدا ستفرض رسوم الأراضي، وهي الاختبار الحقيقي فعلا لهؤلاء الهوامير الذين سببوا لنا مشكلة السكن والغلاء والبطالة في بلادنا، وعندما تطبق هذه الرسوم بحسب رؤية الأمير، بألا استثناء لأحد، والكل ينسلك تحت النظام، كبيرا كان أم صغيرا، أميرا كان أم وزيرا أم خفيرا، وأن العقوبة تنتظر من يحاول التحايل أو التلاعب أو حتى التقاعس عن تسديد الرسوم، وقتها سيشعر المواطن في هذا البلد أن هناك جدية حقيقية في حل المشكلة، وسيكون هذا المواطن العضد الأول لسمو ولي ولي العهد، وسيستمد سموه –بعد الله تعالى- قوته وعزمه من صوت كل الوطن المصطف خلفه الآن، وقد عقد عليه العزم والأمل بسعودية مشرقة.
المؤشر الثاني لتفاؤلي بالنجاح، كانت تلك الشفافية العالية التي تحدث بها في الحوار. لم نعهد أبدًا هذه الشفافية ومحاسبة النفس عندما يقول –وهو وزير الدفاع- بكل تجرد: "من غير المعقول أن نكون ثالث أو رابع أكبر دولة في العالم في مجال الإنفاق العسكري، وتقييم جيشنا في العشرينيات". بل أكثر من ذلك، ينتقد البذخ والرفاهية في الجيش السعودي عندما يصرح: "بلا شك في خلل. لمّا أدخل مثلًا، قاعدة في السعودية، ألاقي الأرض مبلطة بالرخام، وألاقي الجدران مزخرفة، وألاقي التشطيب خمس نجوم. وأدخل قاعدة في أمريكا، أشوف المواسير للسقف، وأشوف الأرض، لا فيها لا سجاد ولا رخام، إسمنت محطوط وعملي" وينتهي سموه لقناعة بوجود "هدر في الإنفاق".
الحقيقة أننا لأول مرة نستمع لمكاشفة قوية وتقييم صريح بهذا الشكل من مسؤول رفيع، وفي اتجاه الجيش، الذي يعتبر من التابوهات التي لا يمكن الاقتراب منها، أوالحديث عنه وعن صفقاته وعتاده، ومثل هذه المكاشفات والشفافية والنقد البناء، هي برأيي مرتكز مهم ومؤشر مضيء لنجاح الرؤية التي يتبناها سموه.
إن كان مهاتير محمد وراء النهضة الماليزية، واليوم أردوغان في تركيا يحقق المعجزة التركية، وبجوارنا محمد بن راشد في دبي، فأنا اليوم أكثر أملا –بإذن الله وقوته- أن يحقق محمد بن سلمان المعجزة السعودية لعصر ما بعد النفط، التي تنبثق من قيم هذه الأرض التي نعيش عليها، وهي لعمرو الله تتوافر على أسباب نجاح عدة، وقد بدأ سموه الولوج من بوابة الاقتصاد، ككل تلك النهضات في بلاد العالم، ويقينا أن الانفتاح في الشأن السياسي والاجتماعي سيعقبان ذلك.
من أهم وأبرز عوامل نجاح الرؤية برأيي، أن تنبثق من واقع خصوصينا المحافظة، ومكانتنا في قلب العالم الإسلامي، ومن يطالب بالتغيير القسري ومصادمة المجتمع في قيمه التي نشأ عليها، على أساس ألا نهضة إلا بالدهس على بعض تلك القيم؛ لهو مخطئ بالتأكيد، فمثل هذه المصادمة تشغل المجتمع في احترابات مضنية، تشتت الجهود وتفلّ العزائم وتضيع الهدف، ولو نظرنا في معظم المطالبات لوجدناها هامشية لا تقدم ولا تؤخر في صميم ما يتجه له سموه، والبعض منها يأتي بالتدرج كسنة كونية، لا داعي للمصادمة الحادة واللجج حيالها، في وقت نحن بمسيس الحاجة أن نصطف خلف هذا الأمير الشاب الذي يحمل طموح أمة وآمال وطن.
أشار سموه في أحاديث صحفية لمسألة المتابعة والمحاسبة على الإنجاز، فبدونهما ستتباطأ المسيرة، والحمد لله أنها حاضرة بشكل رئيس في هذه الرؤية، ومن المهم أيضا أن يكون لدينا إعلاما حرا صادقا، فمثل هذه الرؤية تحتاج إلى السلطة الرابعة التي تقوم بمراقبة الأداء والكتابة عنها، وإن لم توجد مساحة لحرية إعلامية مسؤولة تواكب هذه الروح المتوثبة لدى سموه؛ فسيعتور الرؤية كثير من الخلل.
كم كانت معبرة وقوية وداعمة تلك التغريدة من الأخ الأكبر محمد بن نايف ولي العهد السعودي، أبانت للوطن التناغم الفريد في العمل بين المحمدين، يترجمان رؤية سلمان بن عبدالعزيز لهذا الوطن، وأسكت سموه بتغريدته بعض اللاغطين من خارج بلادنا، الذين ولغوا بالزور والبهتان حيال الرؤية، فكانت تلك التغريدة المخرسة لأولئكم النفر، حيث قال: "أهنئ الوطن بإطلاق رؤية السعودية 2030 وأدعم عضيدي وأخي ويدي اليمنى محمد بن سلمان على هذه الرؤية الطموحة، حفظ الله ملكنا، وحفظ وطننا".
النهضة السعودية لعصر ما بعد النفط، المنطلقة من خصوصيتنا المحافظة في بلد الإسلام، الوعد معها –بمشيئة الله- ومع بانيها محمد بن سلمان في 2030م.
خبرة قطر في مونديال 2026
تنتظر جماهير الساحرة المستديرة مباريات منتخباتها في كأس العالم 2026، وفي ذاكرتها فعاليات أفضل نسخة مونديالية في التاريخ،... اقرأ المزيد
18
| 09 يونيو 2026
دعم مساعي تحقيق السلام الشامل
تعكس المواجهة العسكرية التي جرت بين إسرائيل وإيران خلال الساعات الماضية، مدى هشاشة الوضع في المنطقة، حيث تستمر... اقرأ المزيد
36
| 09 يونيو 2026
انقض غزلك!
ليس بالضرورة أن تكون الخطوب الجسام، أو عاديات الأيام، هي ما يستنزف روح المرء أو ما يقضم من... اقرأ المزيد
51
| 09 يونيو 2026
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية




مساحة إعلانية
في حياتنا اليومية نمرّ بمواقف كثيرة تجعلنا نقف بين صوتين داخلنا؛ صوت القلب وصوت العقل. أحيانًا يميل الإنسان إلى مشاعره فيتخذ قرارات سريعة بدافع الحب أو الغضب أو الحزن، ثم يكتشف بعد فترة أنه أخطأ التقدير. لذلك قيل دائمًا: “فكّروا بعقولكم وليس فقط بقلوبكم”، لأن العقل هو النور الذي يرشد الإنسان عندما تتشابك المشاعر وتختلط الحقائق. القلب جميل، وبدونه تصبح الحياة جافة وخالية من الإحساس، فهو مصدر الرحمة والحنان والمحبة. لكن المشكلة تبدأ عندما يصبح القلب وحده هو القائد لكل قراراتنا. فكم من إنسان سامح كثيرًا حتى كُسر، وكم من شخص وثق بمن لا يستحق فقط لأنه استمع لعاطفته، وكم من قرار اتُّخذ في لحظة انفعال فترك أثرًا طويلًا من الندم. المشاعر وحدها لا تكفي لنعيش بأمان، لأن العاطفة قد تعمينا أحيانًا عن رؤية الحقيقة. أما العقل فهو القادر على الموازنة، وعلى رؤية الأمور من جميع الزوايا. العقل لا يعني القسوة كما يعتقد البعض، بل يعني الحكمة والوعي والتفكير قبل اتخاذ أي خطوة. الإنسان العاقل لا يندفع خلف كل كلمة يسمعها، ولا يصدق كل مشاعر يعيشها، بل يتوقف قليلًا، يفكر، يحلل، ثم يقرر. وهذا ما يجعل قراراته أكثر استقرارًا وأقل ألمًا. وكثيرًا ما تظهر أهمية العقل في الأوقات الصعبة، خاصة عند مرض شخص قريب وعزيز على قلوبنا. ففي لحظات الخوف والقلق قد نتخذ قرارات بدافع المشاعر فقط، دون تفكير هادئ أو استشارة صحيحة، ثم نندم لاحقًا عندما تظهر نتائج تلك القرارات. أحيانًا يحكمنا الخوف فنرفض علاجًا، أو نوافق على أمر دون دراسة، أو ننهار نفسيًا فنفقد القدرة على التفكير السليم. لذلك في أوقات الألم نحن بحاجة لأن نتمسك بالعقل أكثر، لا لأننا بلا مشاعر، بل لأن الموقف يحتاج حكمة حتى لا تكون نتائج القرار وخيمة علينا وعلى من نحب. كثير من المشاكل الأسرية أو الاجتماعية بدأت بسبب لحظة غضب لم يتحكم فيها العقل. كلمة قيلت دون تفكير قد تهدم علاقة سنوات، وقرار متسرع قد يغيّر حياة كاملة. لذلك نحن بحاجة لأن نعطي لعقولنا فرصة قبل أن نتصرف. ليس ضعفًا أن نتأنى، وليس برودًا أن نفكر، بل هو نضج يحمي الإنسان من أخطاء كثيرة. وفي المقابل، لا يعني استخدام العقل أن نتخلى عن مشاعرنا أو نصبح بلا قلب. الإنسان المتوازن هو من يجعل العقل قائدًا، والقلب داعمًا. فالعقل يحدد الطريق الصحيح، والقلب يمنح هذا الطريق إنسانية ورحمة. عندما يتعاون الاثنان، يعيش الإنسان بسلام داخلي ويصبح أكثر قدرة على مواجهة الحياة بثبات. في النهاية، القلب قد يقودنا للحب، لكن العقل يحمينا من الألم. والقلب قد يدفعنا للتسامح، لكن العقل يعلّمنا متى نتوقف. لذلك اجعلوا مشاعركم جميلة، لكن لا تسمحوا لها أن تعميكم عن الحقيقة. فالحياة تحتاج قلبًا يشعر… وعقلًا يفكر.
4296
| 02 يونيو 2026
قبل سنوات، كان الادخار عادة راسخة لدى كثير من الأسر، وكان الاحتفاظ بجزء من الدخل للمستقبل أمرًا بديهيًا. أما اليوم، فقد أصبح من المألوف أن نسمع عن أحدث سيارة، أو أغلى ساعة، أو وجهة السفر القادمة، بينما يتراجع الحديث عن الادخار والاستثمار والتخطيط المالي طويل الأجل. وفي الوقت الذي ارتفعت فيه مستويات الدخل وتحسنت فيه مستويات المعيشة، برزت ظاهرة تستحق التأمل؛ فالكثير من الناس أصبحوا ينفقون أكثر مما كانوا يفعلون في السابق، ليس فقط على احتياجاتهم الأساسية، بل على المظاهر وأنماط الحياة التي يشاهدونها من حولهم يوميًا. وهنا يبرز سؤال مهم: لماذا أصبحنا ندخر أقل وننفق أكثر على المظاهر؟ وهل المشكلة في حجم الدخل أم في طريقة إدارة المال وتحديد الأولويات؟ لقد غيرت وسائل التواصل الاجتماعي كثيرًا من السلوكيات المالية. فلم يعد الإنسان يقارن نفسه بمن حوله فقط، بل أصبح يقارن نفسه يوميًا بآلاف الأشخاص الذين يشاهد تفاصيل حياتهم وسفرهم وسياراتهم ومقتنياتهم الفاخرة على مدار الساعة. ومع صعود المؤثرين وصناع المحتوى، أصبح التركيز على المظاهر والعلامات التجارية والسفر والمقتنيات باهظة الثمن أكثر حضورًا من أي وقت مضى. ولا تكمن المشكلة في وسائل التواصل الاجتماعي أو في نجاح المؤثرين، بل في غياب الوعي لدى بعض المتابعين بأن ما يُعرض على الشاشات هو جزء محدود ومنتقى من الواقع. فوسائل التواصل الاجتماعي جعلت المقارنة أسهل من أي وقت مضى، لكنها لم تجعل بناء الثروة أسهل. ومن المهم هنا التفريق بين الثروة والاستهلاك. فهناك من يمتلك ثروات كبيرة أو استثمارات ناجحة أو أصولًا متراكمة عبر سنوات طويلة من العمل والاجتهاد، ومن الطبيعي أن ينفق على ما يرغب فيه من ساعات فاخرة أو سيارات مميزة أو مقتنيات ثمينة دون أن يشكل ذلك عبئًا على أوضاعه المالية. فهذه الفئة بنت ثروتها أولًا ثم استمتعت بثمارها لاحقًا. أما القضية التي تستحق النقاش فهي سعي بعض أصحاب الدخول المتوسطة أو المحدودة إلى تقليد أنماط إنفاق لا تتناسب مع أوضاعهم المالية الحقيقية. فقد ينفق البعض جزءًا كبيرًا من دخله أو مدخراته على ساعة فاخرة أو سيارة أو حقيبة من علامة تجارية عالمية أو رحلات متكررة، بينما كان بالإمكان توجيه جزء من تلك الأموال إلى الادخار أو الاستثمار أو بناء أصل يدر دخلًا مستقبليًا. إن المشكلة ليست في اقتناء السلع الكمالية بحد ذاتها، بل في أن تتحول إلى معيار للنجاح أو المكانة الاجتماعية. ولعل من أبرز مظاهر هذا التغير ما نشاهده من سباق نحو اقتناء العلامات التجارية العالمية، سواء في الساعات أو الحقائب الفاخرة أو السيارات أو غيرها من السلع الكمالية. فبعض الأشخاص يقضون سنوات طويلة في ملاحقة المظاهر الاستهلاكية، بينما يقضي آخرون السنوات نفسها في بناء محافظ استثمارية أو أصول عقارية أو مشاريع منتجة. وبعد عشر أو عشرين سنة تظهر النتائج بوضوح؛ فالأول قد يمتلك ذكريات مشتريات كثيرة، بينما يمتلك الثاني أصولًا تدر عليه دخلًا وأمانًا ماليًا واستقلالًا اقتصاديًا. وفي عالم ترتفع فيه تكاليف المعيشة وتتآكل فيه قيمة الأموال بفعل التضخم، لم يعد الادخار وحده كافيًا. ولهذا أصبحت الثقافة المالية الحديثة تقوم على ركيزتين أساسيتين: الادخار والاستثمار. فالادخار هو الخطوة الأولى نحو بناء الثروة، أما الاستثمار فهو الجسر الذي ينقل المدخرات إلى أصول منتجة. ومن الوسائل الفعالة لتعزيز ثقافة الادخار والاستثمار أن يضع الإنسان لنفسه أهدافًا مالية واضحة ومحددة، مثل شراء منزل، أو تأمين تعليم الأبناء، أو تكوين محفظة استثمارية، أو تحقيق الاستقلال المالي في مرحلة لاحقة من العمر. فوجود هدف واضح يجعل الإنسان أكثر قدرة على مقاومة الإنفاق غير الضروري، ويمنح الادخار معنى وغاية. ولا يقل أهمية عن ذلك تنمية الثقافة الاستثمارية وفهم الأدوات المالية المتاحة. وليس المقصود أن يتحول كل شخص إلى خبير في الأسواق، وإنما أن يمتلك الحد الأدنى من المعرفة التي تساعده على اتخاذ قرارات مالية أكثر وعيًا. ففي عصر تتوفر فيه المعرفة بضغطة زر، لم يعد التعلم المالي رفاهية، بل أصبح ضرورة. ليس المهم كم تكسب، بل ماذا تفعل بما تكسبه. ومن الأخطاء الشائعة أيضًا تمويل الرفاهية بالديون؛ فبعض الأشخاص يلجؤون إلى الاقتراض لشراء كماليات أو لمجاراة أنماط حياة تفوق قدراتهم المالية، فيتحول ما يبدو رفاهًا مؤقتًا إلى عبء مالي طويل الأمد. إن ترسيخ ثقافة الادخار والاستثمار يمثل أحد أهم الأسس التي تقوم عليها الاستقلالية المالية والاستقرار الاقتصادي، كما يسهم في بناء أجيال أكثر قدرة على مواجهة التحديات وتحقيق أهدافها بثقة ووعي. فالرفاه الحقيقي لا يقاس بما نظهره للناس، بل بما نملكه من أمان واستقرار وقدرة على مواجهة المستقبل بثقة واطمئنان. وليس الخطأ أن نشتري ساعة فاخرة أو سيارة مميزة أو أن نستمتع بثمار نجاحنا، وإنما الخطأ أن نجعل المظاهر أولوية قبل بناء الأساس المالي الذي يضمن لنا ولأبنائنا مستقبلًا أكثر استقرارًا وأمانًا. فالثروة لا تُبنى بالراتب وحده، بل بالانضباط المالي، والادخار المنتظم، والاستثمار الواعي والصبر.
2613
| 02 يونيو 2026
لماذا نشعر بالقرب من الله أكثر في العشر من ذي الحجة والحج؟ ولماذا تتغيَّر مشاعرنا وسلوكنا في أيام رمضان؟ ولماذا نستطيع في تلك الأيام أن نترك عادات سيئة، ونلتزم بالصلاة، ونقرأ القرآن براحة وطمأنينة… ثم بعد انتهاء الموسم نعود أحيانًا كما كنَّا؟ هذه المواسم ليست عبثًا، بل جعلها الله محطات متكررة لإعادة ترتيب حياتنا من الداخل. رمضان كان ثلاثين يومًا من التدريب الحقيقي على الصبر والانضباط وتزكية النفس، ثم جاءت العشر المباركة والحج بعده بفترة قصيرة لتعيد شحن القلب من جديد وكأن الله يمنحنا فرصة أخرى حتى لا تبهت أرواحنا وسط زحمة الحياة. لكن السؤال الأهم: كيف نستفيد فعلًا مما مضى؟ وكيف نجعل أثر رمضان والحج يستمر معنا؟ وكيف نحافظ على أنفسنا من العودة للعادات والسلوكيات السيئة التي حاولنا تركها؟ رمضان لم يكن مجرد امتناع عن الطعام والشراب، بل كان تدريبًا عمليًا على التحكم بالنفس. خلال ثلاثين يومًا تعلّمنا أن الإنسان قادر على تغيير عاداته إذا امتلك الإرادة. استطعنا أن نبتعد عن أشياء اعتدناها سنوات، وأن نقترب من القرآن والصلاة والدعاء والهدوء الداخلي. ثم جاءت أيام الحج والعشر المباركة لتذكّرنا بمعنى الطهارة الحقيقية، والتجرد لله، والشعور بأن الدنيا أصغر من أن تستحق كل هذا التعلق والانشغال، لبسنا الإحرام ومشينا ورمينا واستعدنا ذكريات جدنا إبراهيم الخليل صلوات ربي وسلامه عليه وعلى نبينا محمد. هذه المواسم ليست لحظات مؤقتة فقط، الدين يهتم بالسلوك بالعادات والتعامل بعلاقتك مع الآخر، الدين ليس ركوعا وسجودا فقط، الدين معاملة ونهج حياة. ولذلك فإن أهم محطة يجب أن نتوقف عندها بعد رمضان والحج هي "المراجعة". ماذا تغيّر فينا؟ ما العادة التي استطعنا كسرها؟ ما العبادة التي قرَّبتنا من الله؟ ما الشيء الذي شعرنا معه براحة وطمأنينة حقيقية؟ كثير من الناس يظنون أن التغيير يعني أن يصبح الإنسان كاملًا، بينما الحقيقة أن الاستمرار أهم من الكمال. فالله يحب العمل الدائم وإن كان قليلًا. ليس المطلوب أن تعيش بنفس قوة رمضان طوال السنة، لكن المطلوب ألا تنقطع تمامًا بعده هذا شي مهم جداً. ولكي نحافظ على الأثر الجميل لهذه المواسم، نحتاج إلى بناء عادات صغيرة وثابتة، فمثلاً صفحة قرآن يوميًا، ركعتا قيام ولو لدقائق، أذكار الصباح والمساء، صدقة بسيطة، أو حتى المحافظة على الصلاة في وقتها. هذه الأعمال الصغيرة تشبه القطرات التي تحافظ على حياة القلب مهما كانت الحياة مزدحمة. ومن الأمور المهمة أيضًا أن ننتبه للبيئة التي حولنا. فالإنسان يتأثر بمن يجلس معهم وبما يراه ويسمعه يوميًا. لذلك فإن الصحبة الصالحة، والمجالس الطيبة، والابتعاد عن كل ما يعيدنا للعادات السيئة… كلها أسباب تساعد على الثبات والاستمرار. كما يجب أن نفهم أن العودة لبعض الأخطاء لا تعني الفشل. كل إنسان يضعف ويتعثر، لكن الفرق الحقيقي بين الناس هو سرعة العودة إلى الله وعدم الاستسلام. الطريق إلى الله ليس طريقًا بلا أخطاء، بل طريق مليء بالمحاولات والرجوع والتوبة والاستمرار. لقد خلق الله لنا رمضان كفلتر ينظف القلب خلال ثلاثين يومًا، ثم أتبع ذلك بالعشر المباركة والحج بعد شهرين تقريبًا حتى تبقى الروح متصلة بالله وحتى لا نغرق طويلًا في انشغالات الدنيا. وكأن هذه المواسم محطات صيانة للقلب يعود فيها الإنسان إلى نفسه، ويعيد ترتيب أولوياته ويتذكر لماذا خُلق وإلى أين يسير. فالسعيد حقًّا ليس من تأثر في رمضان فقط، أو بكى في عرفات فقط، بل من حمل أثر تلك الأيام معه بعد انتهائها. من أصبحت عبادته سلوكًا وأخلاقه نهج حياة وقلبه أهدأ وعلاقته بالله أقرب وأصدق. نسأل الله أن يجعل أثر رمضان والحج باقيًا في قلوبنا وأن يرزقنا الثبات بعد الطاعة والاستمرار بعد المواسم لأن الفرص لها عدد فلا تضيعها لكنك لن تجد ما تقوله لربك إذا وقفت بين يديه.
2289
| 02 يونيو 2026