رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
نشر الكاتب الفلسطيني سائد أبو فرحة تقريرا عن "الأجهزة الأمنية الفلسطينية" في رام الله ! التقرير يحتوي أرقاما غير ممكنة التصديق لهول ما تحتويه من حقائق, لكنه الواقع بكل تفصيلاته المبكية. فمثلا: يوجد عنصر أمني واحد لكل 52 مواطنا فلسطينيا , بينما يوجد مدرس واحد لكل 72 مواطنا. لقد أنشأت السلطة الفلسطينية فور إنشائها 10 أجهزة أمنية هي : الشرطة المدنية ,الدفاع المدني ,الأمن الوقائي ,قوات الأمن الوطني ,الشرطة البحرية , الشرطة الجوية ,الارتباط العسكري ,الاستخبارات العسكرية ,الأمن الرئاسي (القوة 17 ) والمخابرات العامة.
مع نهاية العقد الماضي أنشأ الرئيس الراحل عرفات جهازين إضافيين هما : الأمن الداخلي و القوات الخاصة وبذلك أصبح عدد الأجهزة الأمنية 12 جهازا. يبلغ عدد المنتسبين للأجهزة الأمنية 70 ألف شخص وتستهلك 37% من النفقات العامة. تلقّت مؤسسات حقوق الإنسان الفلسطينية 3409 شكاوى بخصوص التعذيب والتهديد أثناء التوقيف . في الشهر الأخير من عام 2014 تلقّت 82 شكوى تتعلق بالتعذيب وسوء المعاملة أثناء الاحتجاز والتوقيف . بالنسبة للتنسيق الأمني مع الكيان يشمل 3 محاور رئيسية : دوريات مشتركة على الطرق (توقفت مع اندلاع الانتفاضة الثانية) , لجان أمنية مشتركة والتنسيق الأمني المدني.
ما نقوله وباختصار شديد : مهمة الأجهزة الأمنية مقتصرة فقط على المراقبة والتجسس واعتقال وتعذيب الفلسطينيين في الأرض المحتلة عام 1967 ( وبعد الانقسام على ما تبقى من أراضي الضفة الغربية) . المُفترض أن السلطة (المحتلة من قبل الكيان هي الأخرى) تشكل عونا للفلسطينيين في معاناتهم الشديدة من احتلال وطنهم وتقييد حريتهم وتكبيل إرادتهم ! الذي يحصل : العكس تماما وهو ما يدعونا إلى القول : بأن السلطة أصبحت عبئا على كواهل أبناء شعبنا! فهل هذا هو المطلوب أمريكيا وصهيونيا؟ ليس معقولا وجود عنصر أمني لكل 50 فلسطينيا. اتفاقيات أوسلو المشؤومة وفي أحد نصوصها الأساسية تفترض : تنسيقا أمنيا للسلطة مع أجهزة الكيان الأمنية وهو ما ينزع عن ادعاءات قادة السلطة , إمكانية وقف هذا العار المتمثل في التنسيق الأمني , الذي يسير باتجاه واحد فقط : أن تكون السلطة الحارس الأمين والمخلص والمتابع بدقة لكل ما يعكّر صفو أمن الكيان.إذ ليس معقولا أن يسمح الكيان بأي تدخل في نشاطات أجهزته الأمنية التي تمارس نشاطا تجسسيا على حليفتها الرئيسية الولايات المتحدة ( قضية الجاسوس الصهيوني جوناثان بولارد).
قضية أخرى نطرحها : تقريبا نصف ميزانية السلطة تذهب للإنفاق على هذه الأجهزة الأمنية , التي تتكاثر كالفطر على الجسد الشعبي الفلسطيني, فهل هذا معقول؟ ثم أين هي مشاريع التنمية وتطوير القرى والمدن والخدمات الصحية والتعليمية والأشكال المتقدمة من الضمان , وبخاصة الضمان في حالتي الشيخوخة والوفاة (ضمان عائلة المتوفَّى) وغيرها من مجالات خدمة المواطنين , وبخاصة تحت الاحتلال. التوظيف في الأجهزة الأمنية يُستغل للارتزاق وشراء الذمم والولاءات وفق ما يقول التقرير ,وهو مقتصر على التوظيف فقط من حركة فتح. احتكار المناصب على التنظيم التابع للسلطة يجري في كل الإدارات ! ويندر وجود سوى أفراد قلائل كموظفين من التنظيمات الموالية للسلطة وليس المعارضة لها. السلطة صادرت دَوْر منظمة التحرير, وبجهود القائمين عليها فلا دور للمنظمة بعد تشكيل السلطة !.
على صعيد آخر : يجري الحديث حالياً عن الرغبة في حل السلطة الفلسطينية باعتبارها "سلطة بلا سلطة"،هذا ما يذكره دوما محمود عباس في لقاءاته في القطاعات الرسمية والشعبية ، من جانب ثان ووفقاً لما ذكره صائب عريقات وأكدته صحيفتا "معاريف" و"هآرتس" الإسرائيليتان: أن السلطة الفلسطينية أبلغت من قبل, دولاً عديدة في العالم بما فيها إسرائيل والولايات المتحدة, نيّتها : حل نفسها في كانون الأول(يناير) المنصرم 2014, في إطار ما تسميه "نقل الصلاحيات إلى الاحتلال" ضمن خطة متدرّجة في نقلها, بحيث تبدأ بالصلاحيات المدنية : كالصحة والتعليم, وتأجيل الصلاحيات الأمنية إلى وقت لاحق.أصبحنا بعد أربعة أشهر من الموعد المحدد والسلطة لم تُحّل!.
حقيقة الأمر أن هذه السلطة ليست سلطة, بل تريدها إسرائيل وكيلة عنها في ممارسة الإشراف الحياتي على الفلسطينيين في المناطق المحتلة, دون امتلاكها لأية مظاهر سيادية, تريدها ممثلا عنها في حفظ الأمن ومنع القيام بأية عمليات ضدها، تريدها سلطة خاضعة للإملاءات الإسرائيلية, وحقيقة الأمر: أن السلطة على مدى إنشائها مثّلت هذه المهمات الثلاث، بمعنى أنها في نهاية المطاف ليست غير حكم ذاتي هزيل في المناطق المحتلة. الأمر الطبيعي والحالة هذه أن تقوم السلطة بحل نفسها لو كانت تحترم ذاتها وتحترم شعبها،ولكن للأسف ليست مرة وحيدة تحدث فيها الرئيس عباس عن حل السلطة وإنما مرات عديدة , هذا أولاً،وثانياً لا نفهم التصريحات عن حلّ السلطة في الوقت الذي يجري فيه نقل وسائل إسرائيلية للسلطة تُستعمل لتفريق المظاهرات (وذلك لأول مرة منذ إقامة السلطة الفلسطينية), نقل الوسائل جاء تلبية لطلب من الجانب الفلسطيني للاستعداد لمواجهة تظاهرات حاشدة، والوسائل تشمل:قنابل الغاز المسيل للدموع, طلقات مطاطية, قنابل صوتية, وأقنعة واقية من الغاز. كذلك لا نفهم النيّة لحل السلطة في الوقت الذي ما زال فيه التنسيق الأمني قائماً بينها وبين إسرائيل!.الأحرى بالرئيس عباس : إلغاء اتفاقيات أوسلو المدمرة ومن ثم , حلّ السلطة.
معروف أيضاً أن عدد موظفي السلطة يصل إلى 250 ألفاً إضافة إلى 70 ألفاً من عناصر الأمن في كل الأذرع،من الطبيعي والحالة هذه أن يجري التساؤل عن مصير هؤلاء؟ثم وعلى مدى السنوات منذ إنشاء السلطة:تكونت شرائح طبقية اغتنت كثيراً بوجودها, وهناك شريحة من السماسرة،وكل هؤلاء معنيون بوجود السلطة واستمرار بقائها،وهؤلاء ليسوا خارج إطار السلطة،بل هم من مؤسسيها وممن يحتلون المراكز الأولى والصفوف القيادية فيها،ومن الطبيعي أن يعمل هؤلاء على استمرار بقاء السلطة وليس حلها،هذه الشرائح شكلت مؤسسات اقتصادية وطبقة من رجال الأعمال بالضرورة, صوحبت بمواقع اجتماعية وسياسية وعسكرية أمنية متنفّذة بفعل امبراطورياتها الكمبرادورية.
لا نفهم جدية الحديث عن حل السلطة, في ظل تهميش منظمة التحرير الفلسطينية وكافة مؤسساتها،فالقائمون على السلطة ارتأوا فيها ( كما قلنا ) بديلاً عن م.ت.ف،لذلك انصبّت كل جهودهم على تقوية مؤسساتها على حساب منظمة التحرير.كذلك لا نفهم جدّية الحديث عن حلّ السلطة في الوقت الذي تعاني فيه الساحة الفلسطينية من الانقسام وعدم وجود أدنى الأشكال من الوحدة الوطنية الفلسطينية, فمن يريد حلّ السلطة يبدأ بتطبيق الوحدة الوطنية الفلسطينية ويقوم بإصلاح منظمة التحرير بكافة مؤسساتها،ويقطع كل خيوط المفاوضات مع إسرائيل التي أثبتت عقمها ولا جدواها على مدى أكثر من عقدين ،ويعيد الاعتبار للمقاومة بكافة أشكالها ووسائلها وبخاصة المسلحة منها, ولا يقوم باعتقال المقاومين في السجون الفلسطينية ولا يصادر السلاح من أبناء شعبه تحت طائلة المسؤولية،ويقوم بمقاطعة إسرائيل سياسياً واقتصادياً وأمنياً ويعيد القضية إلى اعتبارها العربي معتمداً على الجماهير العربية , بدلاً من انتظار(الكرَم) الصهيوني والضغوطات الأمريكية!. من يريد جدياً حل السلطة يعيد القضية الفلسطينية إلى الشرعية الدولية وكل قرارات الأمم المتحدة الصادرة بهذا الشأن, ولا يطرح دولة على حدود 67 فقط, كما يتمسك بحق عودة اللاجئين أيضاً.
من يريد حل السلطة بشكل جدي يلتزم باستراتيجية مرسومة بدقة , ومستندة إلى عوامل عنوانها : العودة إلى الشعب وما يقرره من حيث التمسك بالحقوق الوطنية الثابتة, دون المساومة على أي حق منها،ويمارس تكتيكاً سياسياً يخدم هذه الاستراتيجية, التي يتوجب أن تستند أيضاً إلى المقاومة والمسلحة منها تحديداً.
طرح قيادات السلطة بحلها, ليس جدياً , ولا يخرج عن دائرة التلويح بتحسين شروط العودة إلى المفاوضات ليس إلاّ، وبخاصة أن حلّ السلطة يلقى معارضة شديدة من قبل الولايات المتحدة وإسرائيل والدول الغربية, وهي معنية كلها بوجود"سلطة بلا سلطة", سلطة تريح الكيان من أعباء احتلاله!.
يبقى القول:أن أداء السلطة في كافة المجالات وبخاصة فيما يتعلق بالأجهزة الأمنية ,هو بعيد كل البعد عن المصالح الشعبية الفلسطينية.
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية




مساحة إعلانية
تهاوي هياكل الظلم والظلام واللاإنسانية أرثت عوالق ما زالت تتساقط في فضاء واقع ما زالت فيه ترسبات أحداث الإبادة في غزة حاضرة في الذهنية الإنسانية وجاءت إفصاحات ابستين لتتعالق معها وتخلق علاقات كانت خافية على المراقبين ومغلفة في عالم المصالح والمنافع، هذا التهاوي وترسباته يعطي دلالات على عالم يباد وعالم ينشأ من خلال الأحداث وتداعياتها ليتكوّن على ارض واقع جديد، فما حدث لأطفال أمريكا لا يختلف عما حدث لأطفال غزة تشويها وقتلا من قبل عقلية ترى انهم غير بشر وسترى البشرية أن عقلية وذهنية ما قام به ابستين وشركاؤه مماثل لما يحدث في فلسطين وأطفال ونساء غزة من إجرام وقتل وإبادة وفي الكثير من الأحيان في احتفالات تبرز نفسيات عدمت الإنسانية. تساقط فتات الإفصاحات والفيديوهات كما يتساقط فتات الأحياء المائية في وسط المياه ليتراكم ويخلق شعابا في الطبيعة هي مأوى للكائنات الحية المائية ولكن فتات إفصاحات ابستين والكيان يكوّنان حطاما لشعاب سامة شيطانية مظلمة لا يعيش فيها إلا الشياطين. أين سيتموضع العالم وإلى أي مدى سيعاد تشكيل الضمير العالمي وكيف ستتشكل المفاهيم وتتحول العداءات من الإسلاموفوبيا إلى محبة، كيف ستتمحور مفاهيم الإسلاموفوبيا والهولوكوست ومعاداة السامية وغيرها وفلسطين والفلسطينيين وكيف سيرى الناس معاناة فلسطين وغزة والضفة، من سيسقط ومن سيحاكم، وكيف سيتعامل الناس مع الدين والمبادئ، ولتقع ترسبات فظائع ابستين والنخبة أينما تقع فبعد أن تبددت هالة الظلام والهيمنة ستكون تداعياتها هي المحرك للتغيير في ذهنية العالم لتنشئ وعيا أمميا جديدا ينهي زمن الظلام. تزامن هذا التكاثف مع حشد عظيم في منطقة الخليج وجهود إبراز عظيم القوة حتى تتمكن الإدارة الأمريكية من الحصول على أفضل صفقة مع إيران. جمعت الإدارة الأمريكية كل ما لدى أمريكا من قدرات وإمكانات وبعثتها للخليج في موجات الموجة الأولى مع التهديد والوعيد إلى الغزو والنفير، وبعد ذلك التهديد والوعيد اصبح طريق التفاوض ممهدا بعد ان كان بعيد المنال، فكانت المرحلة الأولى في تحديد الموقع والمكان ووضع إطار للمفاوضات يبدو أن الإيرانيين قادرون على تحديد المكان مثل عمان، ففي الإطار التفاوضي ما زالت إيران تقول إن التفاوض والحديث عن النووي فقط كإطار عام وما زالت الخارجية الأمريكية تتحدث عن أربعة مطالب النووي وبرنامج الصواريخ البالستية واحترام سيادة الدول وعدم دعم الميليشيات. وان كانت الإدارة الأمريكية قد استفادت من رفع الضغوط على الإيرانيين وعلى نتنياهو وعلى كل من في المنطقة وصرفت الأنظار عن ملفات ابستين ففي ذهن الإدارة الأمريكية تكون قد حققت ما تصبو اليه من العودة للتفاوض وتجاوز ابستين ومن ثم أيضا سحب القوات الأمريكية إلى الولايات المتحدة فتكون مناطق النفوذ والجغرافيا قد حددت ما بين الولايات المتحدة وجغرافيا أمريكا الشمالية والجنوبية والصين وتايوان وروسيا والدونباس فإعادة رسم الخرائط قد يكون أساس التفاهمات والمواجهة الأمريكية الإيرانية لتحديد الخط الأهم خط الردع في منطقة الشرق الأوسط منطقة النفوذ ونكون على أبواب إعادة تشكيل النظام العالمي ليكون متعدد الأقطاب وقد نرى ضغطا من قبل الصين وروسيا على الولايات المتحدة للعودة للالتزام بالقانون الدولي ومنظمات الأمم المتحدة وتطبيق القانون الدولي مع تحملهم التداعيات المالية وهذا يعني الضربة النهائية في كفن الكيان.
13839
| 23 فبراير 2026
الواقع يفرض على أنديتنا الرياضية أن تمارس أنشطة اقتصادية تعود بمدخولات مالية تساعدها في تمويل أنشطتها، وتخرجها من حالة التقيد بالموازنة السنوية المحددة لها من قبل الدولة، وتجعل من دعم الممولين فائضًا يتيح لها تفعيل خططها لتطوير فرقها الرياضية والوصول بها إلى مستوى عالٍ من الاحتراف. والحديث هنا عن استثمارات في المنشآت كبداية، بحيث تتجه الأندية للاستثمار في القطاع الإسكاني أو في المجمعات التجارية ذات المردود الثابت والمتزايد بمرور الزمن، ثم الانتقال تدريجيًا للانخراط في مشروعات الصناعة الرياضية التي ننتظر أن ترى النور خلال عقدين. وهو استثمار بعيد المدى يهدف إلى تخليق موارد مالية مستقبلًا، تجعل من الممكن وضع خطط على مراحل زمنية للنهوض باللعبات وتأمين موازنات تؤمن استقطاب لاعبين محترفين ذوي كفاءات ومهارات فنية عالية. بالطبع سيقال إن هذا الطرح نظري لأنه يتحدث عن مشاركة في أنشطة اقتصادية دون أن يتطرق إلى كيفية توفير رؤوس الأموال اللازمة لذلك. وهنا نؤكد أنه عملي وواقعي لعدة أسباب، أهمها أن القيادة الحكيمة حريصة على تذليل كل المعوقات التي تعترض سبيل النهضة الرياضية، وتسخر وزارات الدولة لخدمة أي توجه تنموي، ولن تألو جهدًا في الإيعاز إلى توفير دعم مالي لأي نشاط اقتصادي مدعوم بمخططات تفصيلية ودراسات جدوى محكمة. وقد يكون الدعم في هذه الحالة دينًا طويل الأجل يسدد للدولة من الريع المنتظر للأنشطة. وبالإضافة إلى ذلك يمكننا الحديث عن تمويل الأنشطة عبر إقامة صناديق مساهمة يشترك فيها المواطنون، بحيث تعود الفائدة منها على الأندية والإنسان القطري والمجتمع كله. ولأن الحديث في الاقتصاد، فإن من واجب إدارات الأندية أن يكون فيها خبراء في الاقتصاد والتسويق يستطيعون استجلاب دعم الشركات للأنشطة الاقتصادية، بحيث تستفيد الأندية والقطاع الخاص، وتكون العلاقات بين الطرفين علاقات مصلحية بناءة لا تتأثر بالمستوى الفني المتذبذب صعودًا أو هبوطًا للأندية، وخاصة في اللعبة الجماهيرية الأولى. كلمة أخيرة: عصر الاحتراف تقوم مبادئه على روح المبادرة الخلاقة، والذين يصرون على البقاء في نفس المربع ويتعذرون بالواقعية هم أول الخاسرين الذين سيجلسون على قارعة الطريق يخفيهم غبار قافلة النهضة التي تسير قدمًا بخطى واثقة ثابتة.
2529
| 27 فبراير 2026
رمضان في الوعي الإسلامي ليس مجرد شهر عبادة فردية معزولة عن حركة الحياة، بل زمن تاريخي متخم بالدلالات، تداخلت فيه الروح مع الفعل، والإيمان مع الحركة، حتى أصبح عبر القرون موسماً تتجدد فيه طاقة الأمة وتتعاظم قدرتها على الإنجازات والفتوح والتوسع. ومن يتأمل مسار التاريخ يدرك أن ارتباط رمضان بالتحولات الكبرى لم يكن مصادفة زمنية، بل نتيجة طبيعية لحالة نفسية وروحية خاصة يولدها الصيام من انضباط داخلي، وصبر طويل، وشعور وفهم عميق بالغاية والمعنى. لقد كانت غزوة بدر في 17 رمضان سنة 2 هـ بقيادة النبي محمد صلى الله عليه وسلم النموذج الأول لهذا المعنى، قلة العدد وضعف الإمكانات لم يمنعا تحقق النصر، لأن العامل الحاسم لم يكن مادياً خالصاً، بل معنوياً أيضاً. ثم جاء فتح مكة في 20 رمضان سنة 8 هـ بقيادة النبي صلى الله عليه وسلم ليؤكد أن النصر قد يتحقق بأقل قدر من القتال عندما تبلغ القوة الأخلاقية والسياسية ذروتها. وفي العهد الراشد استمر هذا النسق، فشهد رمضان معركة البويب سنة 13 هـ بقيادة المثنى بن حارثة الشيباني ضد الفرس، وفتح مصر الذي اكتمل في رمضان سنة 20 هـ بقيادة عمرو بن العاص، وهي أحداث رسخت التوسع الإسلامي ووسعت آفاق الدولة. ويبرز رمضان سنة 92 هـ بوصفه عاماً استثنائياً، إذ تزامن فيه التوسع الإسلامي شرقاً وغرباً معاً. فتح السند بقيادة محمد بن القاسم الثقفي، وفتح الأندلس عبر معركة وادي لكة بقيادة طارق بن زياد تحت ولاية موسى بن نصير. هنا يتجلى البعد الحضاري لرمضان بوضوح، فالأمر لم يكن مجرد انتصارات عسكرية عابرة، بل بدايات لتشكل عوالم ثقافية جديدة امتدت قروناً. حتى الأحداث التي لم تقع معاركها الحاسمة في رمضان مباشرة، مثل القادسية بقيادة سعد بن أبي وقاص أو اليرموك بقيادة خالد بن الوليد، ارتبطت به من حيث التعبئة والاستعداد والسياق العام، مما يعكس أن الشهر كان موسماً طبيعياً للحشد النفسي والمعنوي. وفي أوروبا ارتبطت الحملات الإسلامية التي بلغت جنوب فرنسا في زمن بلاط الشهداء بقيادة عبد الرحمن الغافقي بروح التوسع التي غذّاها هذا المناخ الإيماني. وفي العصر العباسي ظهر المعنى نفسه في فتح عمورية سنة 223 هـ بقيادة الخليفة المعتصم بالله، حيث تحولت الاستجابة لصرخة امرأة مسلمة إلى حملة عسكرية كبرى أعادت هيبة الدولة. ثم بلغ الارتباط بين رمضان والمصير ذروته في عين جالوت سنة 658 هـ بقيادة السلطان المملوكي سيف الدين قطز ومعه القائد الظاهر بيبرس، حين أوقف المسلمون المدّ المغولي بقيادة كتبغا. وتكرر المشهد في شقحب سنة 702 هـ بقيادة السلطان الناصر محمد بن قلاوون بمشاركة القائد بيبرس الجاشنكير ضد المغول بقيادة قتلغ شاه. ولم ينقطع هذا الخيط في التاريخ الحديث، فقد جاءت حرب العاشر من رمضان سنة 1393 هـ بقيادة الرئيس المصري محمد أنور السادات عسكرياً عبر قيادة الفريق سعد الدين الشاذلي والقيادات الميدانية، لتؤكد أن الصيام لا يعوق الفعل بل قد يضاعف القدرة عليه عندما تقترن الإرادة بالتخطيط والعلم. إن الجامع بين هذه الوقائع ليس الشهر ذاته بقدر ما هو الإنسان الذي يصنع فيه نفسه من جديد. فالصوم مدرسة ضبط، والقيام مدرسة صبر، والقرآن مدرسة وعي، وعندما تجتمع هذه العناصر تتولد طاقة حضارية قادرة على التغيير. لذلك ظل رمضان في الذاكرة الإسلامية شهراً للعبادة والعمل معاً، لا زمن انسحاب من الحياة، بل موسم إعادة شحن للقوة الكامنة في الإنسان، وتذكيراً بأن أعظم الانتصارات تبدأ من الداخل ثم تمتد لتصنع التاريخ.
2064
| 25 فبراير 2026