رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
لفت انتباهي تصريح لأحد معلمي الرياضيات في دولة إسكندنافية صقيعية باردة، حول برنامج دولي لتقييم طلبة المدارس، يقول: «نحضّر طلابنا ليتعلموا كيف يحصلون على المعلومات، ولا نعلمهم كيف يجتازون الاختبارات. لذا لسنا مهتمين جداً بالبرنامج الدولي لتقييم الطلبة. فهو لا يأخذ بالحسبان ما نفعله لتهيئة الطلاب».
يعلمون طلابهم كيف يحصلون على المعلومات، لا كيف يجتازون الاختبارات. هذه فلسفة التعليم بكل وضوح في جمهورية فنلندا ذات الخمس ملايين نسمة والواقعة أقصى شمال أوروبا، التي وضعت التعليم على قائمة أهم استثماراتها.
تلكم بكل اختصار، فلسفة تعليم هذه الدولة، وبالتالي لا عجب إن رأيت طلاب مدارسها في التقييمات العالمية متفوقين، ليس لأنه يتم تحضيرهم مسبقاً لتلك التقييمات، بل لأن طريقة جذبهم وتشويقهم للعلم والتعلم في مدارسهم، تجعلهم يتفوقون تلقائياً دونما حاجة للتكلف والتصنع وخلق أجواء من التوتر والقلق وغيرها من مشاعر مصاحبة لمسألة الاختبارات والتقييمات.
أظهرت نتائج البرنامج الدولي PISA لتقييم الطلبة في مسألتي إتقان الطلبة للقراءة ومهارات الرياضيات والعلوم، أن الطلاب الفنلنديين يأتون دوماً ضمن أفضل عشرة قراء كتب في العالم، بالإضافة إلى تحقيقهم نتائج بارزة في العلوم والرياضيات والمراكز العشرة الأولى ضمن 57 دولة تشارك في تلك التقييمات الدورية. هذا أمر يدعونا للتعرف على الخلطة الفنلندية في التعليم، وسر نجاحها وتفوقها على كثيرين.
المساواة سر النجاح
بنظرة سريعة لما عليه التعليم الفنلندي، الذي أثار انتباه العالم خلال العشرين سنة الفائتة، نجد أنه، بالإضافة لمفهوم التعلم وفلسفته، هناك تأكيد وحرص رسمي على أن يكون التعليم نوعياً لا كمياً، ويقدم للجميع على قدم المساواة. فلا يهم وضع الطالب الاجتماعي أو المعيشي. الطالب الفقير يحصل على ذات التعليم النوعي الجيد الذي يحصل عليه الطالب الغني، بل وصل الأمر لأن يعامل الطالب الأجنبي، بغض النظر عن دينه وعرقه ولونه، نفس معاملة الطالب الفنلندي المواطن.
بسبب تلك المساواة لا تجد مثلاً مدارس خاصة في فنلندا بالعدد الهائل الذي نراه هنا وهناك في عالمنا العربي ومنها قطر. وبسبب تلك المساواة في تقديم التعليم النوعي والإمكانيات والوسائل، جعلت المدارس كلها تتشابه في مستوياتها، فلا تحتاج الأسر مثلاً إلى استقدام مدرسين خصوصيين لأبنائهم، ولا تحتار في مسألة اختيار المدرسة. إذ ليس هناك ما يستدعي تسجيل طالب في مدرسة بعيدة عن بيته، ما يجعل غالبية الطلاب ينتقلون لمدارسهم سيراً على الأقدام، ما يعني هذا تخفيف زحمة السيارات بالشوارع، بالإضافة إلى ترسيخ قيمة مهمة في نفوس الطلاب متمثلة في اعتبار المدرسة جزءاً من الحي السكني، فلا تجد المدارس بلا أسوار عالية بل بعضها بدون أسوار، ما يجعل الطلاب يتلقون تعليمهم بأريحية وفي أجواء لا تختلف كثيراً عن أجواء منازلهم، ولا شعور بالاغتراب وهم في مدارسهم يجعلهم ينتظرون بفارغ الصبر، الحصة الأخيرة وساعة الانفكاك والعودة للبيوت، كما هو حاصل في كثير من مدارسنا. هكذا لمست الأجواء بنفسي في زيارة خاصة قبل سنوات، لعدد من المدارس في هلسنكي.
الطالب هو أساس العملية التعليمية
حين نقول بأن الطالب هو أساس العملية التعليمية، فلأنه كذلك قولاً وفعلاً. فهو يبدأ التعليم الأساسي من سن السابعة، ليقين الفنلنديين أن الطالب من حقه أن يعيش طفولته خلال سنواته الست الأولى، بل لا يجب الزج به في التعليم مبكراً، لإيمانهم أن تلك السنوات الأولى، إنما للعب والتعرف على الآخرين والبيئة المحيطة والإجابة عن تساؤلاته وغير ذلك من أمور يحتاجها.. ويرون تبعاً لذلك أنهم ليسوا في عجلة من أمرهم، فالأطفال يتعلمون بشكل أفضل عندما يصبحون مهيئين لذلك، فلماذا نثير قلقهم وتوترهم منذ سن مبكرة؟ هكذا هي قناعاتهم، وفي الوقت نفسه، سؤال في غاية الوجاهة.
هكذا فهمهم للمسألة دون تكلّف، حتى إذا ما بدأ الطالب في التعليم الأساسي لتسع سنوات متصلة عبر نظام المدارس الشاملة، البالغ عددها قرابة 3000 مدرسة وتستوعب نصف مليون طالب، أخذ يعيش أجواء التعلم الحقيقية والاستمتاع بها، عبر تعلم كيفية الحصول على المعلومة من أجل التعلم، لا لأجل الاختبار.. فيعيش الطالب على الأقل ست سنوات مع معلم واحد يقوم عادة بتدريس غالبية المواد لطلابه، ليتحول هذا المعلم إلى أب ثان للطالب، يعرفه ربما أكثر من والده الحقيقي. هذا أمر يجعل الطالب ذاته يعيش مستقراً نفسياً. يفهم شخصية المعلم والمعلم بالمقابل يفهم شخصيته، فلا يحتاج أن يتعامل مع ستة مدرسين كل يوم لعام دراسي كامل، والذين قد يتغيرون العام القادم، ثم يجد نفسه في رحلة سنوية ينتقل فيها من يد إلى يد.
الطالب الفنلندي يتعلم ضمن مجموعات في الفصل، بقيادة معلم يتعامل مع طلابه الذين لا يتجاوزون العشرين، ودون أي تمييز بينهم، لا في الدين ولا العرق ولا المستوى الاجتماعي أو الأكاديمي. يتعامل معهم سواسية، يفهم طلابه تدريجياً بمرور الوقت، ويتعرف على قدراتهم في القراءة والكتابة والحساب والتفكير والتعامل وغيرها من مهارات وصفات. يعزز الجيدة منها، ويصحح السلبي أو التي بحاجة للتعديل والتقويم. ثم يتجه نصف طلاب المدارس الشاملة إلى التعليم الفني والنصف الآخر يكمل الثانوية لعامين، ثم الإعداد في السنة الثالثة لاختبارات شهادة الثانوية العامة والقبول بالجامعات.
طلاب التعليم الأساسي يبدأون يومهم في الثامنة والنصف صباحاً، يحصلون على 20 حصة دراسية في الأسبوع، بمعدل 45 دقيقة للحصة الواحدة. أي خمس ساعات بالمدرسة، من ضمنها ساعة الغداء، حيث تكون كل مدرسة ملزمة بتقديم وجبة غداء ساخنة لطلابها، في حين يقضي طلاب الثانوية ست ساعات بالمدرسة.
المعلم ونظام الدمج
الثورة المعلوماتية والتقنية، جعلت نظرة الفنلنديين للتعلم تختلف، بعدما أدرك العالم كله أهمية توظيف التقنية في التعليم والتعلم خلال عامي الكورونا - إن صح التعبير - فصار الهدف والمقصد الأساسي من قضاء الطلاب ساعات وأياما وسنوات بالمدارس في فنلندا، هو كيفية الوصول إلى المعلومة وتحليلها وتعلم كيفيات الاستفادة منها في الحياة بشكل عام، ضمن علوم أخرى مدمجة.
وبسبب ثورتي التقنية والمعلومات، صار النظام التعليمي الفنلندي يسعى لبناء شخصية مستقلة للطالب تساعده على التعليم الذاتي بدلاً من الاعتماد على المدرسة في ذلك الأمر، ما جعل المناهج التعليمية خالية من الحشو وكثافة المحتوى، وإنما تقدم زبدة العلوم التي تساعد على بناء قدرات الطلاب على فهم واستنباط المعلومات وتحليلها. ولعل ما يشجع الطلاب على اكتساب المعرفة بدلاً من حشو المعلومات في الأذهان حشواً، هو قلة الاختبارات. وهذه نقطة جوهرية في الفلسفة التعليمية الفنلندية.
تجد الآن في النظام المدرسي الفنلندي ما يُعرف بنظام الدمج بين المواد، ويتضمن مثلاً إلغاء تدريس مواد الفيزياء والرياضيات والأدب والتاريخ والجغرافيا، كلاً على حدة. وهي في الحقيقة، جرأة نادرة في التفكير بشأن ما هو أفضل في مجال التعليم، وبما يتناسب مع تطور العالم من حولنا.
كان المسؤولون الفنلنديون يرون أن هناك مدارس لا تزال تعلم تلاميذها بالطرق القديمة، التي كانت تعتبر جيدة في بداية التسعينيات، لكنها لم تعد تساير المتطلبات الحديثة، وبدلاً من تدريس كل مادة على حدة، بدأ تنفيذ نظام الدمج، بحيث يتم تدريس التلاميذ الظواهر والأحداث بشكل الجمع والتكامل بين المواد، حيث سيتم على سبيل المثال، دراسة الحرب العالمية الثانية من منظور التاريخ والجغرافيا والرياضيات، أو يحصل التلاميذ أثناء دراسة منهج العمل في مقهى أو مطعم أو متجر، على معرفة شاملة باللغة الإنجليزية وأسس الاقتصاد ومهارات الاتصال، وهكذا.. ويجب على التلميذ في هذا النظام، أن يختار بنفسه أي موضوع أو ظاهرة لدراستها ضمن عمل مشترك في مجموعات صغيرة، انطلاقاً من الحاجة لها في حياتهم المستقبلية. وهذا النظام معمول به في المرحلة الثانوية بشكل واضح، بعد تدريب المعلمين على هذا النوع من التعليم التكاملي.
المعلم في النظام التعليمي الفنلندي بشكل عام، له مطلق الحرية في اختيار الطريقة أو الأسلوب الذي يراه في تعليم طلابه بحسب احتياجاتهم. والأهم من كل ذلك، أن للمعلم مكانته وتقديره في النظام والمجتمع بشكل عام. إذ إنهم يحملون الماجستير في التعليم، مع التركيز على المهارات التربوية، وخاصة معلمي التعليم الأساسي، الذين عليهم اجتياز اختبارات عدة للحصول على إجازة بالتدريس، لأجل ضمان وجود حب حقيقي للمهنة، وشغف كبير واضح بها قبل تسليمهم أمانة تعليم الطلاب. ومن هنا نفهم لماذا لا يدخل كلية التربية في فنلندا إلا النوابغ من مخرجات الثانوية، وأصحاب أعلى المعدلات.
ما المطلوب؟
الحديث عن التعليم في فنلندا يطول ويطول، لكن المقصد في النهاية من حديثنا هو أن الفلسفة القائم عليها نظام التعليم الفنلندي (تعليم الطلاب كيف يحصلون على المعلومات، لا كيف يجتازون الاختبارات) فلسفة غائبة في معظم عالمنا العربي المعتمد على الكم لا الكيف، واستمرار نظام الحشو والحفظ والاستظهار، حتى في علوم لا حاجة للحفظ والاستظهار فيها.
إن رغبة أي مجتمع في الارتقاء ومواجهة تحديات العصر المتنوعة والمعقدة، تتطلب منه عملا جادا مستمرا لأجل اكتشاف أو صناعة حلول لتلكم التحديات، ولعل أبرزها ذلك التدفق الهائل لأنهار من المعلومات عبر تقنيات متطورة سريعة، صارت تمثل تحدياً حقيقياً تواجه أي تعليم تقليدي. فمهما كان نظام التعليم في أي مجتمع قوياً متماسكاً، فإنه بحاجة إلى تطوير وتجديد مستمرين، كي يحافظ على تماسكه ونجاحه. وكلما ارتقى المجتمع بنظامه التعليمي المتناسق والمتوافق مع دينه وثقافته وتاريخه، ومرونته في التعامل مع تحديات العصر، كلما زادت وبالضرورة، قدراته وإمكانياته على مواجهة تلكم التحديات المتنوعة المتسارعة.
لا أريد من طرح هذا الموضوع الحديث عن أنظمة تعليم الآخرين في العالم العربي تحديداً والتوسع كثيراً، بقدر التركيز على التعليم عندنا في قطر، الذي رغم الميزانيات الضخمة، ما زال منذ تسعينيات القرن الفائت، يدخل مرحلة تطوير ويخرج منها دون اكتمال، أو دون انتظار ما يكفي لنضوج ورسوخ مبادئ ومفاهيم ومتطلبات كل مرحلة تطويرية.. ولعل ذلك سبب رئيسي في استمرار التذمرات من التعليم بشكل عام وكثرة الشكاوى والانتقادات.
من هنا أقترح قيام وزارة التربية والتعليم بتشكيل فريق رسمي ومجتمعي، يتم اختيار أفراده من الوزارة والجامعة والمجتمع، لأجل دراسة النظام التعليمي الفنلندي بدقة أكبر، وإرسال فريق يعايش هذا النظام عن قرب، ويسأل القائمين عليه عن أدق تفاصيله، ومن ثم العمل على تكييفه بشكل يتناسب مع ثقافتنا وديننا ورؤانا المستقبلية، فإن ما بين الدولتين من مشتركات، كالظروف الاقتصادية والمعيشية والديمغرافية والرغبة في تطوير التعليم والتميز فيه، كلها عوامل مساعدة على استنساخ التجربة الفنلندية برؤية محلية تعايش متغيرات العصر، ولكن بشرط أن تأخذ التجربة حقها من الوقت والمتابعة، مع وجود أدوات للتقييم والتقويم، حتى تخرج تجربة مثالية نموذجية تستحق الاقتداء.. والله من وراء القصد، وهو الهادي إلى سواء السبيل.
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
د. عـبــدالله العـمـادي
مساحة إعلانية




مساحة إعلانية
في زمنٍ كانت فيه قطر ترسم ملامح مستقبلها بثقة الرجال الكبار، برز اسم عبدالله بن حمد العطية كأحد أهم العقول الوطنية التي لعبت دوراً محورياً في صناعة نهضة الدولة الحديثة، وتحويل قطاع الطاقة إلى قصة نجاحٍ عالمية تُروى باحترام وإعجاب. لم يكن الراحل مجرد وزير أو مسؤول تنفيذي في قطاع النفط والغاز، بل كان رجل دولة من الطراز الرفيع، جمع بين الرؤية الإستراتيجية والحنكة السياسية والقدرة الفائقة على إدارة الملفات المعقدة في واحدة من أكثر الصناعات حساسية وتأثيراً في العالم. وعلى مدى أكثر من ثلاثين عاماً من متابعتي الصحفية لقطاع الطاقة في جريدة الشرق، عرفت عبدالله بن حمد العطية عن قرب، فوجدت فيه نموذجاً فريداً للمسؤول الذي يعمل بصمت، ويتحدث بلغة الإنجاز لا الشعارات. كان يؤمن بأن بناء قوة قطر الحقيقية يبدأ من حسن استثمار مواردها، ولذلك كرَّس جهده وعلاقاته وخبراته لترسيخ مكانة الدولة في الأسواق العالمية للطاقة. في عهده، شهدت قطر التحول الأكبر في صناعة الغاز الطبيعي المسال، حتى أصبحت واحدة من أهم الدول المصدّرة للطاقة في العالم، وصار اسمها حاضراً بقوة في القرارات الاقتصادية الدولية. كما لعب دوراً بارزاً في تعزيز حضور قطر داخل منظمة أوبك والمحافل العالمية، حيث كان يحظى باحترام واسع بين كبار المسؤولين وصناع القرار في قطاع الطاقة الدولي. تميَّز رحمه الله بشخصية قيادية تجمع بين الحزم والهدوء، وبين الدبلوماسية والقدرة على اتخاذ القرار في الأوقات الصعبة. وكان قريباً من الجميع، يقدّر الكفاءات، ويحترم العمل المهني، ويؤمن بأن نجاح الوطن مسؤولية مشتركة. لقد كان عبدالله بن حمد العطية واحداً من رجالات مرحلة التأسيس الكبرى، والذين ساهموا بإخلاص في نقل قطر من دولةٍ ناشئة في قطاع الطاقة إلى قوة اقتصادية عالمية ذات تأثير وثقل دولي. واليوم، وبرحيله، تفقد قطر اسماً كبيراً من أسماء جيل البناء، لكن سيرته ستبقى حاضرة في ذاكرة الوطن، وفي كل إنجاز تحقق على أرض هذه البلاد. رحم الله عبدالله بن حمد العطية رحمةً واسعة، وأسكنه فسيح جناته، وجزاه عن قطر وأهلها خير الجزاء.
6024
| 30 مايو 2026
أعادت أزمة مضيق هرمز الأخيرة التذكير بحقيقة اقتصادية مهمة، وهي أن تكلفة البناء لا تتحدد فقط بأسعار المواد الخام، بل تتأثر أيضاً بأمن الممرات البحرية وكفاءة سلاسل الإمداد العالمية. فعندما يتعطل أحد أهم طرق التجارة في العالم، لا يقتصر التأثير على قطاع النقل والطاقة، بل يمتد تدريجياً إلى قطاعات اقتصادية عديدة، وفي مقدمتها قطاع البناء والتشييد. وخلال الأزمة ارتفعت تكاليف الشحن والتأمين البحري بصورة ملحوظة، وقفزت علاوات مخاطر الحرب إلى مستويات غير معتادة، كما ارتفعت أجور النقل نتيجة زيادة المخاطر وتقلص عدد السفن العاملة على بعض المسارات البحرية. ومثل هذه الزيادات لا تبقى محصورة في قطاع النقل، بل تنتقل تدريجياً إلى أسعار السلع والمواد المستوردة، بما في ذلك العديد من مواد البناء والمعدات المستخدمة في المشاريع الإنشائية. وتزداد أهمية هذه المسألة في ظل استمرار النهضة العمرانية التي تشهدها دولة قطر. فالمشاريع السكنية والتجارية ومشاريع البنية التحتية تعتمد على الكيابل الكهربائية وأنظمة التكييف والتبريد والمصاعد والمعدات الميكانيكية والكهربائية ومواد التشطيب وغيرها من المنتجات المرتبطة بسلاسل توريد عالمية. وأي ارتفاع في تكلفة هذه المنتجات ينعكس بصورة مباشرة على ميزانيات المشاريع وتكاليف التنفيذ، الأمر الذي يجعل استقرار سوق مواد البناء جزءاً أساسياً من استدامة التنمية الاقتصادية والعمرانية. وتجدر الإشارة إلى أن دولة قطر تمتلك بنية لوجستية متطورة وموانئ حديثة وشبكات نقل متقدمة، وقد أثبتت خلال السنوات الماضية قدرة عالية على التكيف مع التحديات الخارجية والحفاظ على انسيابية الإمدادات وتلبية احتياجات السوق المحلية. إلا أن المتغيرات العالمية المتسارعة تؤكد أهمية مواصلة تطوير أدوات إدارة المخاطر وتعزيز مرونة سلاسل التوريد استعداداً لأي مستجدات مستقبلية. ورغم الجهود الكبيرة التي تبذلها الجهات المعنية لضمان استقرار الأسواق وتأمين احتياجات المشاريع، فإن المرحلة الحالية تمثل فرصة لتعزيز عدد من الإجراءات الاستباقية التي تزيد من مرونة السوق وتحد من تأثره بالأزمات الخارجية. ويأتي في مقدمة هذه الإجراءات تعزيز المخزون الاستراتيجي لبعض مواد البناء والمستلزمات الإنشائية ذات الطلب المرتفع، بما يضمن استمرار توافرها عند حدوث اضطرابات مؤقتة في الإمدادات العالمية ويحد من التقلبات الحادة في الأسعار. كما يمكن دراسة منح مرونة مؤقتة لبعض رسوم مكافحة الإغراق المفروضة على منتجات محددة لا يتوافر لها إنتاج محلي كافٍ، وذلك خلال الظروف الاستثنائية فقط. فحماية الصناعة الوطنية هدف مهم، إلا أن الأزمات تتطلب أحياناً حلولاً متوازنة تضمن استمرار المشاريع التنموية وتخفف الضغوط السعرية على السوق. ومن أهم الدروس التي أفرزتها الأزمة أهمية التنويع الجغرافي لمصادر التوريد وبناء شراكات استراتيجية طويلة الأمد مع الشركات والمصانع الموثوقة في مختلف الأسواق العالمية. فهذه الشراكات لا تسهم فقط في تقليل مخاطر تعطل الإمدادات، بل تساعد أيضاً على المحافظة على جودة المنتجات واستقرار الأسعار من خلال عقود تضمن استمرارية التوريد وفق مواصفات واضحة وشروط تجارية مستقرة. كذلك فإن تسريع إجراءات اعتماد الموردين الجدد والمواد البديلة يمنح المقاولين والمطورين خيارات أوسع عند حدوث أي نقص أو تأخير في الإمدادات، ويعزز قدرة السوق على التكيف مع المتغيرات دون تعطيل المشاريع. ومن المبادرات الجديرة بالدراسة إنشاء منصة وطنية لأسعار مواد البناء يتم تحديثها بشكل دوري، بما يوفر معلومات دقيقة وشفافة عن أسعار المواد الرئيسية في السوق، ويساعد المستثمرين والمقاولين على اتخاذ قرارات أفضل، ويحد من المبالغات السعرية، ويوفر مؤشرات مهمة لصناع القرار لمتابعة تطورات السوق. أما على المدى البعيد، فإن مشروع السكك الحديدية الخليجية ينبغي أن يُنظر إليه باعتباره مشروع أمن اقتصادي بقدر ما هو مشروع نقل. فربط دول الخليج بموانئ تقع على بحر العرب أو البحر الأحمر عبر شبكة حديثة لنقل البضائع سيوفر مسارات بديلة للإمدادات عند تعطل الملاحة أو ارتفاع تكلفتها، ويمنح اقتصادات المنطقة مرونة أكبر في مواجهة الأزمات المستقبلية. لقد كشفت أزمة مضيق هرمز أن استقرار الأسواق لا يعتمد فقط على توافر المواد، بل على قدرة سلاسل الإمداد على التكيف مع المتغيرات. ومن هنا فإن الاستثمار في التنويع، والشراكات الاستراتيجية، والشفافية، والبنية اللوجستية المتقدمة، لم يعد خياراً إضافياً، بل ضرورة لضمان استدامة التنمية واستقرار قطاع البناء في المستقبل.
2772
| 31 مايو 2026
قبل سنوات، كان الادخار عادة راسخة لدى كثير من الأسر، وكان الاحتفاظ بجزء من الدخل للمستقبل أمرًا بديهيًا. أما اليوم، فقد أصبح من المألوف أن نسمع عن أحدث سيارة، أو أغلى ساعة، أو وجهة السفر القادمة، بينما يتراجع الحديث عن الادخار والاستثمار والتخطيط المالي طويل الأجل. وفي الوقت الذي ارتفعت فيه مستويات الدخل وتحسنت فيه مستويات المعيشة، برزت ظاهرة تستحق التأمل؛ فالكثير من الناس أصبحوا ينفقون أكثر مما كانوا يفعلون في السابق، ليس فقط على احتياجاتهم الأساسية، بل على المظاهر وأنماط الحياة التي يشاهدونها من حولهم يوميًا. وهنا يبرز سؤال مهم: لماذا أصبحنا ندخر أقل وننفق أكثر على المظاهر؟ وهل المشكلة في حجم الدخل أم في طريقة إدارة المال وتحديد الأولويات؟ لقد غيرت وسائل التواصل الاجتماعي كثيرًا من السلوكيات المالية. فلم يعد الإنسان يقارن نفسه بمن حوله فقط، بل أصبح يقارن نفسه يوميًا بآلاف الأشخاص الذين يشاهد تفاصيل حياتهم وسفرهم وسياراتهم ومقتنياتهم الفاخرة على مدار الساعة. ومع صعود المؤثرين وصناع المحتوى، أصبح التركيز على المظاهر والعلامات التجارية والسفر والمقتنيات باهظة الثمن أكثر حضورًا من أي وقت مضى. ولا تكمن المشكلة في وسائل التواصل الاجتماعي أو في نجاح المؤثرين، بل في غياب الوعي لدى بعض المتابعين بأن ما يُعرض على الشاشات هو جزء محدود ومنتقى من الواقع. فوسائل التواصل الاجتماعي جعلت المقارنة أسهل من أي وقت مضى، لكنها لم تجعل بناء الثروة أسهل. ومن المهم هنا التفريق بين الثروة والاستهلاك. فهناك من يمتلك ثروات كبيرة أو استثمارات ناجحة أو أصولًا متراكمة عبر سنوات طويلة من العمل والاجتهاد، ومن الطبيعي أن ينفق على ما يرغب فيه من ساعات فاخرة أو سيارات مميزة أو مقتنيات ثمينة دون أن يشكل ذلك عبئًا على أوضاعه المالية. فهذه الفئة بنت ثروتها أولًا ثم استمتعت بثمارها لاحقًا. أما القضية التي تستحق النقاش فهي سعي بعض أصحاب الدخول المتوسطة أو المحدودة إلى تقليد أنماط إنفاق لا تتناسب مع أوضاعهم المالية الحقيقية. فقد ينفق البعض جزءًا كبيرًا من دخله أو مدخراته على ساعة فاخرة أو سيارة أو حقيبة من علامة تجارية عالمية أو رحلات متكررة، بينما كان بالإمكان توجيه جزء من تلك الأموال إلى الادخار أو الاستثمار أو بناء أصل يدر دخلًا مستقبليًا. إن المشكلة ليست في اقتناء السلع الكمالية بحد ذاتها، بل في أن تتحول إلى معيار للنجاح أو المكانة الاجتماعية. ولعل من أبرز مظاهر هذا التغير ما نشاهده من سباق نحو اقتناء العلامات التجارية العالمية، سواء في الساعات أو الحقائب الفاخرة أو السيارات أو غيرها من السلع الكمالية. فبعض الأشخاص يقضون سنوات طويلة في ملاحقة المظاهر الاستهلاكية، بينما يقضي آخرون السنوات نفسها في بناء محافظ استثمارية أو أصول عقارية أو مشاريع منتجة. وبعد عشر أو عشرين سنة تظهر النتائج بوضوح؛ فالأول قد يمتلك ذكريات مشتريات كثيرة، بينما يمتلك الثاني أصولًا تدر عليه دخلًا وأمانًا ماليًا واستقلالًا اقتصاديًا. وفي عالم ترتفع فيه تكاليف المعيشة وتتآكل فيه قيمة الأموال بفعل التضخم، لم يعد الادخار وحده كافيًا. ولهذا أصبحت الثقافة المالية الحديثة تقوم على ركيزتين أساسيتين: الادخار والاستثمار. فالادخار هو الخطوة الأولى نحو بناء الثروة، أما الاستثمار فهو الجسر الذي ينقل المدخرات إلى أصول منتجة. ومن الوسائل الفعالة لتعزيز ثقافة الادخار والاستثمار أن يضع الإنسان لنفسه أهدافًا مالية واضحة ومحددة، مثل شراء منزل، أو تأمين تعليم الأبناء، أو تكوين محفظة استثمارية، أو تحقيق الاستقلال المالي في مرحلة لاحقة من العمر. فوجود هدف واضح يجعل الإنسان أكثر قدرة على مقاومة الإنفاق غير الضروري، ويمنح الادخار معنى وغاية. ولا يقل أهمية عن ذلك تنمية الثقافة الاستثمارية وفهم الأدوات المالية المتاحة. وليس المقصود أن يتحول كل شخص إلى خبير في الأسواق، وإنما أن يمتلك الحد الأدنى من المعرفة التي تساعده على اتخاذ قرارات مالية أكثر وعيًا. ففي عصر تتوفر فيه المعرفة بضغطة زر، لم يعد التعلم المالي رفاهية، بل أصبح ضرورة. ليس المهم كم تكسب، بل ماذا تفعل بما تكسبه. ومن الأخطاء الشائعة أيضًا تمويل الرفاهية بالديون؛ فبعض الأشخاص يلجؤون إلى الاقتراض لشراء كماليات أو لمجاراة أنماط حياة تفوق قدراتهم المالية، فيتحول ما يبدو رفاهًا مؤقتًا إلى عبء مالي طويل الأمد. إن ترسيخ ثقافة الادخار والاستثمار يمثل أحد أهم الأسس التي تقوم عليها الاستقلالية المالية والاستقرار الاقتصادي، كما يسهم في بناء أجيال أكثر قدرة على مواجهة التحديات وتحقيق أهدافها بثقة ووعي. فالرفاه الحقيقي لا يقاس بما نظهره للناس، بل بما نملكه من أمان واستقرار وقدرة على مواجهة المستقبل بثقة واطمئنان. وليس الخطأ أن نشتري ساعة فاخرة أو سيارة مميزة أو أن نستمتع بثمار نجاحنا، وإنما الخطأ أن نجعل المظاهر أولوية قبل بناء الأساس المالي الذي يضمن لنا ولأبنائنا مستقبلًا أكثر استقرارًا وأمانًا. فالثروة لا تُبنى بالراتب وحده، بل بالانضباط المالي، والادخار المنتظم، والاستثمار الواعي والصبر.
2484
| 02 يونيو 2026