رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
العام الذي انصرم منتصف الليلة قبل الماضية – السبت – لم يكن عاما عاديا في تاريخ أمة العرب، كان استثنائيا ومغايرا بكل المقاييس على الأقل على مدى تبلور الدولة العربية الحديثة والتي كانت إطلالتها الأولى في مصر مع تولي الباشا محمد علي حكمها في العام 1805. فقد شهدت ثورات التحرر من نظم الاستبداد والقمع والتخلف الاقتصادي والاجتماعي ودفعت الشعوب إلى تصدر المشهد السياسي بعد أن كانت تقيم في الظل والعتمة تكابد الوجع والركون إلى الإذلال وتعاني شظف العيش وهشاشة الكرامة الإنسانية.
من كان يصدق أن يشهد هذا العام المقدس سقوط أربعة من أسوأ حكام الأمة "بن علي ومبارك والقذافي وصالح" وارتفاع رايات الحرية في تونس ومصر وليبيا واليمن واستمرار ثورة الشعب السوري التي تبدو مصرة على اللحاق بشقيقاتها انتظارا لسقوط مستبد آخر مازال قابضا على مفاصل وطن يمقته ويسعى أهله بقوة لإجباره على الرحيل.
من كان يصدق أن الشعوب أو بالأحرى الشعب العربي يمتلك كل هذه القدرة المدهشة على امتلاك ناصية فعل الثورة والمثابرة والمجاهدة وحمل السلاح في بعض الأحيان للانتصار على القبضة الأمنية والعسكرية المستشرية في مفاصل الأوطان والتي تحاصر العباد وتنهب الثروات وتبدد مقومات العزة والوطنية وتذيب الروح الأصيلة الكامنة في الشعوب.
من كان يصدق أن شبابا كان يوصم العدمية في معظم الأحيان ومجمدة طاقاته ومبعثرة إمكاناته ومعرضا لمتابعة العسس والبصاصين بكل الأصناف هو الذي يقود هذه الثورات التي أزهرت الحدائق بعد أن تيبست وأعادت المياه إلى ضفاف الأنهار بعد أن أصابها الجفاف والضمور.
سأذكر تجربتي الشخصية في مصر فقد كنت واحدا من الموقنين بوقوع الثورة إن عاجلا أو آجلا خاصة بعد عودتي إلى القاهرة في منتصف العام 2008 بعد سنوات عمل بالدوحة المحببة للقلب والروح اقتربت من العشرين.
لقد رصدت الأحوال بعيون عائد من الخارج كانت الدموع مقيمة في المآقي ونبض القلوب يكاد يكون متوقفا بعد أن بلغ الظالمون المدى فثمة مشروع للتوريث يجري تمريره بتؤدة وعبر كل المسارات وثمة سطوة شديدة وقاسية للمال والسلطة في تزاوج مريب وثمة قهر أمني وسلطوي لم يعد بوسع أحد أن يوقفه. تمدد إلى كل مفردات الواقع. والأهم من ذلك أنه لم يعد موقع قدم لفقير أو منتمي للطبقة المتوسطة المجال مفتوح للأغنياء من طبقة رجال الأعمال ونخبة حاكمة تناست أن ثمة شعبا هي في حاجة إليه لكي تمارس عليه شهوة التسلط، التعليم مهمل والثقافة قشرية والإعلام موظف للحاكم ونجله وزوجته والزمرة المحيطة والوطن مستباح للأعداء وحالة تبعية للكيان الصهيوني والولايات المتحدة غير مسبوقة
لقد كانت هناك دوائر عدة تحذر وتبعث بالرسائل من أجل إقناع السلطة بإجراء التغيير وقد أسهمت في هذه الرسائل عبر سلسلة حوارات مع أقطاب في السلطة ومفكرين وهم الدكتور علي الدين هلال مسؤول الإعلام بالحزب الوطني المنحل والرجل الذي يوصف بأنه المربي السياسي لجمال مبارك والدكتور مصطفى الفقي والذي خرج إلى يسار النظام بعد أن تمسك ببعض قناعات قومية مازال يؤمن بها فدفع ثمنها إبعادا من الدائرة الضيقة المحيطة برأس النظام ثم بالكاتب الكبير مكرم محمد أحمد لصحيفة الأهرام ومجلة الأهرام العربي الأسبوعية وكلهم أجمعوا أن ثمة حاجة إلى تغيير وإن تراوحت مستويات التغيير الذي كان يطالب به كل منهم لكنها دعت بشكل واضح إلى الإسراع بالتغيير من داخل النظام قبل أن تهدر الفرص التي كانت تتاح له بين كل وقت وآخر ولم يتردد مكرم في مطالبة مبارك بقيادة هذا التغيير بعيدا عن المجموعة المحيطة به والتي اتهمها بأنها تنافقه ولا تفعل شيئا إلا الدفاع عن مصالحها الهائلة التي تراكمت من فرط بقاء النظام دون تغيير.
لكن النظام كان قد بلغ حالة مفرطة من الجمود والترهل والثقة الزائدة بالذات بل لم يلتفت إلى تقارير لأجهزة تابعة له ومن بينها أجهزة الأمن القومي التي حذرت ووضعت خيارات التحرك للقيام بالتغيير المنشود أو على الأقل تطبيق جزء منه بالرغم مما يبدو على السطح من مؤشرات كانت تحتم ضرورة القيام بخطوات تتفاعل مع متطلبات مشروعة. لكنه كان مصمما على أنه يمضي في الاتجاه الصحيح وأن غيره في الجهة الخاطئة.
وعندما تلقى النظام إشارات الثورة في تونس وهروب بن علي سارع زبانيته إلى القول إن مصر غير تونس وهي نفس المقولة التي كررها القذافي فيما ومازال يرددها بشار الأسد وقد استمعت في هذا السياق إلى المهندس رشيد محمد رشيد وزير الصناعة والتجارة الخارجية المصرية إبان ترؤسه للاجتماعات التمهيدية للقمة العربية الاقتصادية التي عقدت بشرم الشيخ في يناير المنصرم عندما سئل من الصحفيين بخصوص تكرار النموذج التونسي في مصر وهو يقول " إن الحكومة المصرية تقدم دعما لـ60 مليون مواطن عبر البطاقات التموينية" وهو ما يمثل لها صمام أمان من الثورة الشعبية. كان يظن أن الثورة في تونس اندلعت لأسباب اجتماعية فقط بعد أن حرق الشاب البوعزيزي نفسه احتجاجا على ظروف فقره وقمع الشرطة له وهو يبحث عما يسد جوعه لكن رشيد أو غيره من رموز نظام مبارك لم يعر أهمية للأسباب الأخرى الكامنة في طبيعة النظام ذاته والتي من فرط تراكمها وتجذرها باتت سافرة للعيان.
لم يفكر النظام في التعامل السريع مع معطيات الثورة الظاهرة أمامه، تجاهلها دفعها للتبلور أكثر للبروز بشكل واضح فواصل القمع وأعمى الله بصيرته لتتهيأ له أسباب السقوط.
وفي الخامس والعشرين من يناير المنصرم تحركت طليعة الشباب هادرة في شعاراتها مطالبة بكبح جماح القبضة الأمنية ومكافحة الفساد لكن جهاز الأمن الفاسد تعامل معهم بقسوة مفرطة غير أنه بعد ثلاثة أيام انهار على الفور بعد أن صمد الشباب الذين لحقت بهم جحافل الشعب المصري. خرجوا من كل صوب وحدب من الحارات بالمدن والنجوع بالقرى البعيدة وبات مطلب إسقاط النظام هو العنوان الوحيد حتى تحقق في الحادي عشر من فبراير بتنحي مبارك عن الحكم فسقط معه للأبد مشروع التوريث ومعادلة السلطة والمال الفاسد ومشروع القهر وغياب العدالة الاجتماعية.
وعلى مدى شهور العام الفائت دخلت الثورة المصرية منحنيات حادة وتكالبت عليها قوى الثورة المضادة وكادت أن تسقط تحت سنابك جحافلها التي لم تتوقف عن توجيه الضربات إليها بين كل فترة وأخرى تطارد ثوارها وتحاصرهم وتدفعهم إلى الاستشهاد دفاعا عنها في الميادين والشوارع والطرقات وتقدم حرائر مصر الثمن من شرفها جراء تمسكهن بجوهرها والإصرار على بقائها نقية بهية عفية.
إن الثورة المصرية ولدت لتبقى. لتظل إِشعاعا لمحيطها القومي والإقليمي ولتعيد صياغة ملامح الوطن بعيدا عن الخنوع والتبعية والسقوط في مستنقع البلادة السياسية مثلما كان الحال عليه في زمن مبارك.
هي لم تكتمل بعد لكن مشروعها مازال قويا صامدا قادرا على الفعل المؤثر ولعل الإشارات التي تجلت بنهاية العام المنصرم متمثلة في إجراء أول عملية انتخابات وفق المحددات الديمقراطية الصحيحة وقواعد الشفافية والنقاء التي غابت عنا طولا تبعث على الاطمئنان على زمنها الآتي المفعم بالحرية والزاخر بالعدالة الاجتماعية واستقلالية القرار الوطني
وللحديث بقية.
السطر الأخير:
في المدينة الزرقاء
أهيم بالطرقات
أبحث عن صبية عفية
تدفع عنها الخوذات
وركض الجند المبهورين
بأحذيتهم الثقيلة
وعلاماتهم الحمراء
قلت لها: أيتها القيامة
الأيقونة القادمة
امنحينا رائحة عطرك
الطالع من فرط الضربات
اسكني فينا
علمينا وقع الموسيقى
تنبع من دموعك السافرات
كوني وقودا لزمن الثورات
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
يفترض أن يشعر الموظف بالاطمئنان عندما يدخل المدقق الداخلي إلى إدارته؛ فهو لا يأتي لإدانة أحد، بل للتأكد من سلامة الإجراءات، وحماية المؤسسة من المخاطر، ومساعدة المسؤولين على اكتشاف الخلل وتصحيحه قبل أن يتحول إلى أزمة. لكن هذا الاطمئنان يتبدل إلى خوف عندما يفقد التدقيق استقلاله، ويتحول من عين تحمي المؤسسة إلى عصا غليظة في يد الرئيس التنفيذي، يلوّح بها في وجه مَن لا يرتاح إليهم. لا يحدث ذلك عادة بقرار معلن، بل يبدأ بهدوء؛ إدارة تخضع لعمليات تدقيق متكررة، بينما تبقى إدارات أخرى بعيدة عن خططه، وملاحظة بسيطة تُضخّم هنا، في حين تمر ملاحظات أكبر هناك، وملفات قديمة تُفتح فجأة، وأسئلة توحي بأن الحكم قد صدر قبل بدء التدقيق. عندها لا تعود المشكلة في وجوده، بل في اختيار مَن يُدقَّق عليه، ومتى، ولماذا، وكيف تُفسر الوقائع وتُعرض النتائج. يحتاج الرئيس التنفيذي إلى تدقيق داخلي قوي؛ لأنه يساعده على رؤية ما قد لا يصل إليه عبر التقارير الإدارية. لكنه لا ينبغي أن يمتلك سلطة توجيهه نحو أشخاص بعينهم، أو إبعاده عن آخرين، أو التأثير في صياغة ملاحظاته. فعندما يختار مَن يخضع للتدقيق، ويتابع تفاصيله، ثم يستخدم نتائجه في قراراته تجاه الموظفين، تختلط الإدارة بالرقابة، وتضيع المسافة التي تمنح التدقيق صدقيته. وقد لا يحتاج الرئيس التنفيذي إلى إصدار توجيه صريح؛ فمدير التدقيق قد يقرأ ميوله، ويدرك مَن ينسجم معهم ومَن لا يرتاح إلى آرائهم، ثم يوجه التدقيق نحو الطرف غير المرغوب فيه، وينتقي من الوقائع ما ينسجم مع توجه الرئيس، أملاً في كسب ثقته وتعزيز موقعه. وهنا لا يعود مدير التدقيق خاضعاً للتأثير فحسب، بل يصبح شريكاً في صناعة الصورة التي يرغب الرئيس التنفيذي في رؤيتها. وكلما قدّم تقريراً يضعف شخصاً لا يرتاح إليه الرئيس، ازداد قرباً ونفوذاً، حتى تصبح قوته مستمدة من رضا الرئيس، لا من استقلاله المهني أو ثقة لجنة التدقيق. وقد يبدأ بقياس أهميته بقدرته على العثور على الملاحظات التي يريدها الرئيس التنفيذي، لا بقدرته على تقديم الحقيقة المتوازنة، فتختلط المصلحة الشخصية بالمسؤولية المهنية، ويصبح التدقيق وسيلة يستخدمها مدير التدقيق لتعزيز موقعه وإثبات ولائه. فأخطر مدير للتدقيق ليس مَن يستجيب للضغط فقط، بل مَن يسبقه، ويتوقع رغبة صاحب السلطة، ثم يستخدم صلاحياته لتحقيقها. ويكفي أن يعرف الموظف أن اختلافه مع الرئيس التنفيذي قد يعقبه تدقيق مفاجئ، أو فتح ملفات قديمة، أو تضخيم هفوة صغيرة، حتى يفهم الرسالة من دون أن ينطق بها أحد: الصمت أكثر أماناً من إبداء الرأي، والموافقة أقل كلفة من الاعتراض. ولا يتوقف الخطر عند اختيار مَن يخضع للتدقيق، بل يمتد إلى قراءة الوقائع وعرضها. فالمعلومة الواحدة قد تُكتب بوصفها ملاحظة إجرائية قابلة للتصحيح، وقد تظهر، إذا أُخرجت من سياقها، كمخالفة جسيمة. وربما يُهمَل ما يبرر القرار، أو تُقتطع مراسلة من سياقها، أو تُستخدم عبارات لا تتناسب مع حجم الملاحظة، فيبدو الخطأ البسيط كأنه تقصير متعمد. وهنا يصبح التقرير أداة لصناعة الانطباع، لا لكشف الحقيقة. فليس ضرورياً أن يتضمن معلومة كاذبة حتى يكون ظالماً؛ قد تكون وقائعه صحيحة، لكن ترتيبها، وانتقاء بعضها وإهمال الآخر، والمبالغة في تفسيرها، قد تصنع صورة مختلفة عن الواقع. فالحقيقة لا تُشوَّه بالكذب وحده، بل عندما يُقال جزء منها ويُحجب ما يفسرها. ومن أخطر صور ذلك استخدام لغة غير متوازنة؛ فيُوصف الخطأ غير المقصود بأنه «تجاوز»، والاجتهاد الإداري بأنه «مخالفة»، والاختلاف في التقدير بأنه «عدم تعاون». ثم تتحول الملاحظة الصغيرة إلى قضية تمس كفاءة الموظف ونزاهته وسمعته المهنية. ولا يقع الضرر على الموظف المستهدف وحده، بل يمتد إلى المؤسسة. فعندما يرى الموظفون زميلاً كفؤاً تُفتح ملفاته لأنه اختلف مع الرئيس التنفيذي، يتعلمون أن السلامة ليست في الالتزام بالنظام، بل في تجنب الاختلاف. ويصبح الولاء للشخص أهم من الولاء للمؤسسة، وتختفي المبادرة، وتصمت أصوات كان يمكن أن تنبه إلى أخطاء حقيقية. وهنا تظهر مسؤولية المدقق الداخلي. فالمهنية لا تعني تنفيذ كل ما يُطلب منه بلا سؤال. عليه أن يسأل: هل تستند المهمة إلى تقييم موضوعي للمخاطر؟ هل تُطبق المعايير نفسها على الجميع؟ هل نحاول اكتشاف الحقيقة، أم نبحث عن أدلة تؤيد حكماً اتُّخذ مسبقاً؟ إن استقلال المدقق يُختبر عندما يستطيع القول إن الوقائع لا تبرر الاستهداف، أو إن الخلل مؤسسي ولا يتحمله شخص واحد. والتدقيق العادل لا يبحث عما يدين الموظف، بل عما يفسر الواقعة كاملة. يستمع إلى جميع الأطراف، ويفرق بين الخطأ الفردي والخلل المؤسسي، وبين سوء النية وضعف الإجراء، ويوازن بين الملاحظة وأثرها. فالتقرير المهني لا يضخّم ليرضي مَن طلب التدقيق، ولا يخفف لحماية صاحب النفوذ؛ بل يضع الحقيقة كما هي، لا أكبر ولا أصغر. لكن مطالبة المدقق بالشجاعة لا تكفي؛ فالشجاعة الفردية تحتاج إلى نظام يحميها. ومن الصعب أن يكون المدقق مستقلاً إذا كان الرئيس التنفيذي يستطيع التأثير في تعيينه وتقييمه ومكافآته وميزانيته ومستقبله. ولهذا لا تكون الاستقلالية شعاراً، بل ترتيبات واضحة تجعل الارتباط الوظيفي لمدير التدقيق الداخلي بلجنة التدقيق المنبثقة عن مجلس الإدارة. فهي التي تعتمد ميثاقه وخطته وموارده، وتتابع أداءه، وتحمي وصوله إلى المجلس، وتلتقي به بعيداً عن الإدارة التنفيذية. ولا يعني ذلك عزل التدقيق عن الرئيس التنفيذي؛ فالتعاون بينهما ضروري، لكن التعاون شيء والتبعية شيء آخر. للرئيس التنفيذي أن يطلب فحص خطر أو ملاحظة، لكن لا ينبغي له تحديد النتيجة، أو تقييد نطاق التدقيق، أو منع وصول التقرير إلى لجنة التدقيق، أو تحويله إلى أداة لمعاقبة مَن يختلفون معه. كما يجب ألا تبدأ خطط التدقيق بالأسماء، بل بالمخاطر، وأن تكون هناك معايير واضحة لاختيار مهامه، وحق عادل للجهة الخاضعة له في تقديم ردها وأدلتها، ومراجعة مستقلة لجودة عمله. فمَن يراجع الآخرين يجب أن يكون مستعداً لأن تُراجع منهجيته وأحكامه أيضاً. إن التدقيق القوي قد يكشف أخطاء مؤلمة، لكنه يفعل ذلك بعدالة. أما استخدامه لتخويف الموظفين، فقد ينجح في إسكات الأصوات، لكنه يفشل في حماية المؤسسة. وربما يمنح الرئيس التنفيذي شعوراً مؤقتاً بالسيطرة، ومدير التدقيق نفوذاً مؤقتاً، لكنه يترك ثقافة خائفة وموظفين يتجنبون قول الحقيقة. التدقيق الداخلي لم يُنشأ ليكون سيفاً في يد الإدارة، ولا سلماً يصعد به مديره نحو مزيد من النفوذ، بل ضميراً مهنياً للمؤسسة. والضمير لا يختار مَن يحاسبه بناءً على القرب أو الخصومة، ولا يغيّر صوته بحسب قوة الأشخاص. فأخطر ما يصيب التدقيق ليس أن يفشل في اكتشاف الأخطاء، بل أن يتحول إلى أداة لتخويف الموظفين، ولَيِّ الحقائق، وتضخيم الهفوات، وإسكات الحقيقة.
10455
| 06 سبتمبر 2026
ليس المطلوب أن نضع الحكم الوطني في منطقةٍ محرَّمة لا يجوز الاقتراب منها بالنقد، كما أن المطلوب، في المقابل، ألا يتحول الخطأ في قرارٍ تحكيمي إلى مبررٍ للنيل من الحكم أو التشكيك في قدراته ومكانته. وبين الموقفين مساحةٌ واسعة من الإنصاف، هي التي نحتاج إليها حين نتحدث عن حكامنا الوطنيين. الحكم جزءٌ من منظومة كرة القدم، يخطئ ويصيب، ويخضع قراره للتقييم كما يخضع اللاعب والمدرب والإداري. لكن الفارق أن تقييم القرار ينبغي ألا يتحول إلى محاكمة للشخص، خصوصًا حين يكون الحديث عن حكامٍ وصلوا إلى مستويات متقدمة، وأثبتوا حضورهم في البطولات الخليجية والقارية والدولية. وجود تقنية الـVAR منح المنظومة التحكيمية أدواتٍ أكثر دقة للمراجعة والتدقيق، لكنه لم يُلغِ الاجتهاد البشري، ولم يجعل القرار التحكيمي آليًا. فما زالت هناك قراءة للواقعة، وتقدير للحالة، وفهمٌ للقانون، ثم قرارٌ يتحمل الحكم مسؤوليته. ولذلك فإن حماية الحكم نفسيًا لا تعني إعفاءه من المسؤولية، وإنما تعني أن نختلف معه دون أن نهدم ثقته بنفسه. وهنا تأتي مسؤولية الإعلام والأندية والإداريين. من حق النادي أن يحتج، ومن حق الإعلام أن ينتقد، لكن من واجب الجميع أن يضعوا النقد في إطاره الصحيح، وأن تكون القنوات الرسمية هي الطريق الطبيعي للاعتراض، لا التصريحات التي تُقال تحت تأثير الانفعال. وفي تقديري، فإن النقد المقبول هو الذي يناقش القرار التحكيمي ويبيّن الخطأ وأسبابه، أما حين يتجاوز النقد القرار إلى التشكيك في الحكم وقدراته ومكانته، فإنه يفقد قيمته ويتحول من نقدٍ للقرار إلى إساءةٍ للشخص. وأرى أن مشروع الحكم الوطني لا يمكن أن يتطور من دون بيئة تمنحه الثقة، وفي الوقت نفسه لا تعفيه من النقد والمساءلة. فهو يحتاج إلى دعمٍ مستمر، وإلى نقدٍ يطوّر ولا يهدم، وإلى لجنة حكامٍ تؤكد ثقتها في حكامها وتدافع عن حقهم في الاحترام. نحن لا نطالب بأن يكون الحكم فوق النقد، بل نطالب بأن يكون النقد بحجم الخطأ، وأن تبقى كرامة الحكم محفوظة. فحكامنا الوطنيون ليسوا خصومًا لأنديتنا، بل شركاء في نجاح كرتنا، والاختلاف معهم لا ينبغي أن يجرّدهم من حقهم في الاعتزاز بما حققوه، ولا نحن من حقنا أن نتخلى عن الاعتزاز بهم.
3480
| 10 سبتمبر 2026
اجتماعٌ لا يحتاج إلى رسائل تذكير، ولا دعوات رسمية، ولا بصمة حضور، ولا إذن انصراف. يأتي إليه المسلم مقبلًا بإرادته، يغتسل ويتطيب ويأتي ثم يجلس منصتًا لا يتحدث لأنه جاء ليستمع فقط. إنها صلاة الجمعة، ذلك الاجتماع الإيماني والاجتماعي والإنساني العظيم، وأحد أكبر التجمعات الأسبوعية المنتظمة في العالم. ولكن ماذا نقدم للمسلم في هذه الدقائق الثمينة؟ المسلم يأتي إلى الجمعة ليُذكَّر بدينه، ولكن أيضًا ليجد من ينير بصيرته، ويفهم واقعه، ويلامس همومه، ويحدثه عن أسرته وأبنائه ومجتمعه، وعن المتغيرات التي تحيط به، ثم يربط كل ذلك بالقرآن والسنة وقيم الإسلام. ولهذا فإن خطيب الجمعة ليس مجرد شخص يتحدث من فوق المنبر ويلقي خطابًا. نحن بحاجة إلى خطيب فصيح، متمكن، حاضر الذهن، حسن الإلقاء، سليم اللغة، يعرف كيف ينطق العربية ويستخدم مفرداتها، ويعرف المجتمع الذي يخاطبه وقضاياه وتحدياته. ومن هنا أقولها بكل وضوح: من غير المقبول أن نجد في بعض مساجدنا خطباء لا يتقنون اللغة العربية إتقانًا يليق بمنبر الجمعة، وتظهر في ألسنتهم أخطاء لغوية واضحة، أو تكون لغتهم وإلقاؤهم ضعيفين إلى درجة يفقد معها المنبر جانبًا كبيرًا من هيبته وتأثيره. وهنا يقع السؤال مباشرة على وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية: كيف يُكلف خطيب للجمعة وهو غير متمكن من اللغة التي سيخاطب بها الناس أو لسانه أعجمي؟ المسألة هنا لا علاقة لها بجنسية الخطيب أو أصله، فالعلم والفضل والكفاءة لا تحمل جواز سفر، وكم من عالم غير عربي خدم العربية والإسلام خدمة عظيمة. ولكن عندما تكون المهمة خطابة، والأداة الأولى للخطيب هي اللغة فلا يمكن أن تصبح سلامة العربية وفصاحة اللسان أمرًا ثانويًا في الاختيار. نحن نتحدث عن جمهور عربي يستمع وينتظر كلمة واضحة مؤثرة. فكيف نقبل بخطيب يتعثر في العربية أو يخطئ فيها، بينما لدينا في قطر شباب قطريون متخصصون في الشريعة والعلوم الإسلامية واللغة العربية والجامعات تخرج كل سنة أعدادًا كبيرة!! ومنهم من حقق مراكز متقدمة في مسابقات القرآن والعلوم الشرعية والخطابة؟ هذه مفارقة تستحق من وزارة الأوقاف وقفة حقيقية. ومن حقنا أن نسأل: ما معايير اختيار خطباء الجمعة؟ أم أن امتلاك المعرفة الشرعية وحده يكفي للصعود إلى المنبر؟ فليس كل صاحب علم خطيبًا، كما أن حفظ النص أو قراءته لا يصنع خطيبًا. الخطيب يحتاج إلى العلم نعم، ولكنه يحتاج كذلك إلى لغة سليمة، وصوت حاضر، وقدرة على الإقناع، وفهم للمجتمع، ومعرفة بما يشغل الناس. لأن الخطبة ليست امتحانًا في الحفظ، وإنما رسالة يراد لها أن تصل. ووزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية تبذل جهودًا كبيرة ومقدرة في خدمة المساجد والدعوة، وهذا لا يمنع من نقد موضع الخلل، بل إن الحرص على هذه الجهود هو ما يدفعنا إلى السؤال: لماذا لا يكون هناك مشروع وطني واضح لاكتشاف وتأهيل الخطيب القطري وتحفيزه؟ لماذا لا نرى خريجي الشريعة والدراسات الإسلامية من شبابنا على جميع المنابر، ونؤهل أصحاب الأصوات واللغة والحضور منهم، ونفتح أمامهم المنابر، ونصنع جيلًا من الخطباء القطريين القادرين على مخاطبة مجتمعهم؟ ابن البلد يعرف مجتمعه، ويعيش تحولاته، ويفهم لغة شبابه، ويعرف القضايا التي تدخل بيوتنا وتؤثر في أسرنا، وإذا اجتمع لديه العلم الشرعي مع الفصاحة والموهبة والتأهيل، فإنه قادر على أن يجعل المنبر أقرب إلى الناس وأكثر تأثيرًا فيهم. لدينا كل يوم جمعة فرصة استثنائية لا تملكها كثير من المؤسسات: آلاف الناس يجلسون بإرادتهم ليستمعوا وفيهم المسؤول والمدير والوزير والمؤثر والقاضي والمعلم والعسكري والرياضي … إلخ. فلا يجوز أن نهدر هذه الفرصة بخطبة ضعيفة أو لغة مكسرة أو أداء لا يصل إلى القلوب. إن منبر الجمعة أكبر من أن يكون مجرد وظيفة تُسد بها حاجة مسجد، والخطابة أكبر من أن تكون قراءة ورقة لمدة دقائق. فإذا كنا نختار بعناية من يتحدث باسم مؤسسة أمام عشرات الأشخاص، أفلا يستحق أن نختار من يتحدث من فوق منبر الجمعة أمام آلاف المسلمين كل أسبوع أن يكون اختياره أكثر دقة؟ هذه مسؤولية، وهذه أمانة، والمنبر يستحق الأفضل.
2505
| 08 سبتمبر 2026