رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
المدارس صداع كل بيت، قد لا يتصور كثيرون في وقت تولي فيه قطر التعليم أقصى عناية ممكنة أن هناك أطفالاً محرومين من التعليم لعدم وجود أماكن لهم مما يضطر أولياء الأمور إلى وضع أولادهم على قائمة الانتظار حتى يأتي الفرج ويتوافر مكان، وقد يطول الانتظار لأكثر من سنة لتزيد معاناة الأسر التي تدخل في دائرة اللف على المدارس التي تطالبهم بعمل اختبار مستوى برسوم تبدأ من 250 إلى 500 ريال غير قابلة للرد، وكثيراً ما تعتذر المدرسة لولي الأمر بعد تحصيل الرسوم واجتياز ابنه للاختبار بألا مكان لديها وأن الطفل وُضع على قائمة الانتظار وسنبلغكم عند توافر مكان! ولا يحدث الإبلاغ أبداً عن مقعد شاغر! السؤال ما دامت المدرسة كاملة العدد ولا مكان لملتحقين جدد فلماذا تجري اختبارات وتحصل من خلق الله رسوماً لا تردها؟ الجواب "شطارة ولم فلوس" وقد يتوافر مكان بعد (السبع دوخات) ويلتحق الطفل بمدرسة ثم يفاجأ ولي الأمر بعد عام دراسي واحد برفع الرسوم فجأة إلى 20% بلا أي مبرر، فلا المدرسة جودت فيما تقدمه للملتحقين، ولا ابتكرت طرقاً مبهرة للتعليم، ولا حولت الطفل إلى أحد الجهابذة، ولا أي جديد لافت! السؤال لماذا الزيادة؟ الجواب – شطارة ولم فلوس!
ويدفع ولي الأمر صاغراً لأن اعتراضه معناه فقدان مقعد (داخ عليه وحصله بالعافية) وكثيرون يعتبرون أن الزيادة ما هي إلا ابتزاز نظير مقعد دراسة، وغير الابتزاز بالزيادة يدور أولياء الأمور في دائرة الطلبات المرهقة لهم، مثلاً هذه الأم تقول وصلتني ورقة من المدرسة مكتوب فيها – نرجو من الآباء التكرم بعمل مشاريع مجسمة خاصة بالحج والعيد، بالإضافة إلى صنع "كعبة" بحجم كبير ستحسب عليها درجات إضافية (حاجة ترفع الضغط)، أي مشروع؟ المشاريع في الجامعة تطلب وليست (لمفاعيص)، ثم أليس معقولا ان كان المشروع ضروريا أن يشترك الفصل كله في عمل مجسم للكعبة كوسيلة إيضاح وكفاية تعذيب في أولياء الأمور؟ وهذا ولي أمر يقول: حتى الآن لم نتسلم كتب التربية الإسلامية والتاريخ القطري علما بأننا قمنا بتسديد رسوم الكتب، وعندما نسأل لماذا التأخير يكون الجواب الوزارة متأخرة، لم تسلمنا الكتب، وإذا ألح ولي الأمر في طلب الكتب المذكورة أو خلافها ترسل المدرسة أوراقاً مصورة طبعاً إلى أجل غير مسمى، السؤال متى يتسلم أولياء الأمور الكتب ليتمكنوا من المراجعة مع أولادهم؟ بعد نهاية العام؟ وإذا كانت الكتب غير مهمة وكفاية الأوراق فلماذا حصلت المدارس رسوم هذه الكتب؟ برضه شطاره ولم فلوس؟ أم طالبة تقول: تطالبنا المدرسة ومازال باقياً على انتهاء الترم الأول شهر بدفع مصاريف الترم الثاني! مستعجلين على إيه؟ ولية أمر تشكو من عدم استطاعتها التواصل مع المدرسة وصولاً للمُدرسة للاستفسار عن بعض أمور ابنتها كتأخرها في التحصيل لماذا؟ لأن الجماعة في المدرسة لا يردون على التليفونات! ولية أمر طالبة تقول: أحزمة الأمان في الباص الذي ينقل الأولاد مكسورة وهذا يعرض الأطفال للخطر عند الوقوف المفاجئ، ومشرفة الباص لا تجيد التعامل مع الأطفال علاوة على أنها لا تجيد العربية ولا الانجليزية ويتم التعامل معها بلغة الإشارة!
السؤال لماذا لا تكون المشرفة على قدر معقول من التعليم والقدرة على التعامل مع الأطفال؟ ولية أمر طالبة أخرى تقول إن المدرسة تخترع أنشطة لجمع المبالغ كنشاط الطبخ، مثلاً تشتري المدرسة أغراضاً بمائة ريال للصف كله وتطلب ثلاثين أو خمسين ريالاً من كل واحد في الصف، وممكن الاستغلال عند الخروج إلى رحلة لا تتكلف إلا مبلغاً رمزياً فتجمع المدرسة مبلغا محترما من جيوب الآباء دون مبرر، أيضاً عند الاحتفال بالأعياد تطلب المدرسة من أولياء الأمور إحضار أطعمة مغلفة، وسكاكر، وما شابه ذلك رغم أن المفروض ألا تحصل المدرسة أية مبالغ، أيضا هناك استغلال من نوع آخر فيما يسمى بالبروجرام وهو خاص بالأطفال الأقل استيعاباً وهؤلاء تطلب منهم المدرسة رسوماً إضافية تفوق الرسوم الأساسية مرتين نظير رعاية خاصة بمدرسة تساعده في الصف!
ولية أمر طالبة في الصف الأول تقول دهشت جداً عندما كنت أراجع لابنتي دروسها فوجدت أن مدرستها لم تنتبه لإجابات الطفلة وعلمت لها صح على إجابات خاطئة! أين تركيز المدرسة، وكيف يتم إصلاح معلومة خاطئة لطفلة أجازت مدرستها خطأها؟! الكثير الكثير من الملاحظات، والأخطاء، ومحاولات الاستغلال، تمتلئ بها المدارس، ويشكو منها أولياء الأمور، ولا أنسى مشكلة الاستخفاف بتعاميم وتعليمات المجلس الأعلى في نقطة السن المحددة للالتحاق بالروضة وما بعدها، وهنا لا أنسى الشكر والتقدير للسيد الفاضل حمد الغالي المري المدير المسؤول عن المدارس الخاصة والذي تفضل مشكوراً بصبر وسعة صدر بحل مشكلة الطفل الذي أبلغت المدرسة ذويه بضرورة نزوله صفا رغم أنه اجتاز الاختبار بنجاح وقبلته المدرسة وتجاهلت تماماً تعميم المجلس الأعلى للتعليم الذي حدد سن الالتحاق وادعت على غير الحقيقة أنها أبلغت ولي أمره منذ شهور بإنزال الطفل إلى صف أقل!
في الحقيقة مشاكل كثيرة يعاني منها أولياء الأمور، وما عرضته يعتبر جزءاً منها واقترح على السادة المسؤولين وضع صندوق للشكاوى يفتح دورياً بمعرفة المجلس الأعلى للتعليم للتعرف على المشاكل التي تعترض أولياء الأمور لحلها، وكذا لمحاسبة المدارس المقصرة لضمان سير العملية التعليمية على أفضل ما يكون.
آخر ما أود إبلاغه للسادة المسؤولين سؤال الأسر المُلح متى تصبح مصاريف المدارس إنسانية لا تعجيزية؟ وإن كنا ندفع ثلاثين، وستين ألفا لتعليم الأطفال في الروضة فكم سندفع رسوماً لهم بالجامعة؟
في كثير من المؤسسات تُصاغ الرؤية بعناية، وتُراجع كلماتها حتى تبدو طموحة وملهمة. تُعرض في بداية الخطط الاستراتيجية،... اقرأ المزيد
60
| 07 مايو 2026
السياسة حين تُربك البوصلة
كما قال نيقولا مكيافيلي: احذر ممن لا يلعب علناً ولا يُظهر نفسه، لكنه يتحكم في النتيجة. هذه العبارة... اقرأ المزيد
132
| 07 مايو 2026
الإنسانية العابرة للخوف والمخاطر!
تؤكد موسوعة "بيرز" البريطانية (Pears' Cyclopaedia)، أن "احترام الإنسان لأخيه الإنسان - بغض النظر عن الطبقة، أو العرق،... اقرأ المزيد
66
| 07 مايو 2026
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية



مساحة إعلانية
تمر قطر بمرحلة استثنائية تتشابك فيها التوترات الإقليمية مع ضغوط على أسواق الطاقة والنقل الجوي وحركة التبادل التجاري. غير أن التحليل الاقتصادي المتأني يكشف صورة أكثر توازناً مما توحي به حالة القلق السائدة: فالموارد السيادية وافرة، والإطار المالي راسخ، والقيادة أثبتت مراراً قدرتها على اجتياز محطات أشد وطأة والخروج منها باقتصاد أعمق تنوعاً وأكثر متانة. يمكن قراءة المشهد عبر ثلاثة ضغوط متمايزة: ضغط في جانب العرض لسوق الغاز الطبيعي المسال وتأثيره على الإيرادات السيادية، وتزايد المنافسة في تلبية الطلب الخارجي، وضغط الاستجابة المالية أي خيارات الحكومة في ضبط إنفاقها في ظل تراجع الإيرادات المالية في الربع الأول والثاني من 2026. الضغطان الأول والثاني خارجيان لا سبيل إلى درئهما، أما الثالث فخيار سياسي داخلي قابل للمراجعة، وفيه يكمن هامش المناورة الذي تنفرد فيه السياسة المالية القطرية بفعل حقيقي. وتشير التقديرات في ضوء ثلاثة سيناريوهات لمدة الأزمة إلى أن الفارق بين أكثر الخيارات تشدداً وأكثرها توسعاً قد يبلغ قرابة 2.5 نقطة مئوية من الناتج المحلي الإجمالي1، أي نحو 5.8 مليار دولار. وأمام صانع القرار ثلاثة مسارات: التوسع في الإنفاق مع تدخل معاكس للدورة الاقتصادية، وترشيد الإنفاق على نحو ما أوصت به مشاورات المادة الرابعة لصندوق النقد الدولي في فبراير 2026، ومسار توفيقي يجمع توسعاً معتدلاً في 2026 يعقبه ترشيد مالي موثوق بين 2027 و2029. والتجربة الخليجية تُرجح أن المسارات التوفيقية هي الأنجح. وتقوم قطر على هامش مناورة مالية واسعة تراكم عبر عقود من الإدارة الرشيدة: احتياطيات مصرف قطر المركزي نحو 71 مليار دولار تغطي أكثر من ثمانية أشهر من الواردات، وأصول جهاز قطر للاستثمار نحو 557 مليار دولار. وما قد تحتاج إليه قطر لا يتجاوز قرابة 1% من أصول الجهاز في أعلى التقديرات، ونصف ذلك في المسار التوفيقي- نسبة تقل عن العائد السنوي المعتاد لمحفظة بهذا الحجم، فلن يتأثر الجهاز في قدرته على خدمة الأجيال القادمة. وتدل السوابق الإقليمية على نمط متكرر: الكويت بعد 1990–1991، والسعودية بعد 2014، وعُمان بين 2020 و2024- ضغط حاد، فاستجابة متوازنة، فتعافٍ أمتن. وقطر تدخل المرحلة من موضع أمتن. والمنظومة المؤسسية - وزارة المالية ومصرف قطر المركزي وجهاز قطر للاستثمار- أثبتت كفاءتها خلال حصار 2017 وجائحة 2020 دون أن تحيد عن مسار التنمية. فالموارد متاحة، وهامش المناورة واسع، وصنع القرار في أيدٍ راسخة. قطر ستخرج من هذه المرحلة أقوى وأكثر تنوعاً وأعمق استعداداً لما يأتي بعدها، لأن القيادة تملك من الوعي والبصيرة ما يكفيها، وسجل الإنجاز القطري شاهد على ذلك أكثر من مرة.
3153
| 04 مايو 2026
بعد أن نظرنا إلى دور الأسرة، ثم وسَّعنا الدائرة لتشمل المجتمع بكل مكوناته، يبقى طرفٌ ثالث لا يمكن تجاوزه، بل ربما هو الأكثر قدرة على توجيه البوصلة إن أحسن أداء دوره: المؤسسات الرسمية وصنّاع القرار. ليس المقصود هنا جهة بعينها، بل منظومة كاملة تبدأ بالتعليم ولا تنتهي بالإعلام والثقافة والتشريعات والسياسات العامة. هذه الجهات لا تربي بشكل مباشر كما تفعل الأسرة، ولا تؤثر بشكل غير منظم كما يفعل المجتمع، بل تمتلك أدوات منظمة ومقصودة قادرة على صناعة الاتجاه العام. حين نتحدث عن طالب لا يقرأ، أو شاب لا يهتم بالشأن العام، أو جيل لا يمتلك أدوات التحليل، فإننا نتحدث أيضًا عن منظومة تعليمية قدّمت له المعرفة بشكل مجتزأ، أو بطريقة لا تُحفّز الفضول ولا تبني التساؤل. فالمناهج التي تُقدَّم كمواد للحفظ فقط، والاختبارات التي تكافئ الاسترجاع لا الفهم، تخرّج أفرادًا يجيدون الإجابة، لكنهم لا يجيدون التفكير. التعليم ليس كتابًا يُدرّس، بل تجربة تُبنى. وحين يُختزل في سباق درجات، فإنه يفقد جوهره. الطالب لا يحتاج فقط إلى معلومة، بل إلى سياق يفهمها فيه، وإلى مساحة يناقشها خلالها، وإلى بيئة تشجعه على أن يخطئ ويتعلم. أما حين يُربّى على أن الخطأ مرفوض، وأن الإجابة النموذجية هي الطريق الوحيد، فإنه يتوقف عن المحاولة أصلًا. ولا يتوقف الأمر عند التعليم، فالمؤسسات الثقافية، إن وُجدت، يجب أن تكون حاضرة في حياة الناس لا على هامشها. المكتبات، المراكز الثقافية، الفعاليات الفكرية… هذه ليست كماليات، بل أدوات لبناء الوعي. وحين تغيب، أو تصبح نخبوية لا يصل إليها إلا قلة، فإنها تفقد دورها الحقيقي. أما الإعلام الرسمي، فهو أمام اختبار دائم. هل يكتفي بأن يكون صوتًا ناقلًا، أم يتحول إلى منصة توجيه وبناء؟ هل يطرح القضايا بعمق، أم يكتفي بالعناوين؟ هل يُقدّم القدوات الحقيقية، أم يلاحق ما يطلبه الجمهور فقط؟ هنا تتحدد القيمة. لأن الإعلام حين يقرر أن يرتقي بالذائقة، فإنه يساهم في صناعة جيل، وحين يقرر أن يسايرها فقط، فإنه يعيد إنتاج المشكلة. ثم تأتي السياسات العامة، التي قد تبدو بعيدة عن هذا النقاش، لكنها في الحقيقة في قلبه. حين تُتاح فرص حقيقية للشباب للمشاركة، حين يشعر أنه مسموع، وأن له دورًا في صناعة القرار، فإنه يتفاعل. أما حين يُقصى، أو يُختزل دوره في التلقي فقط، فإنه ينسحب تدريجيًا من الاهتمام. الدولة لا تصنع الوعي وحدها، لكنها ترسم الإطار الذي يتحرك فيه الجميع. هي التي تضع الأولويات، وتحدد ما يُدعم وما يُهمّش، وما يُكافأ وما يُترك. وحين تكون الأولوية للعمق والمعرفة، فإن الرسالة تصل. وحين تكون للسطحية أو تُترك دون توجيه، فإن الفراغ يتمدد. المشكلة إذًا ليست في غياب جهة واحدة، بل في غياب التنسيق بين الجهات. أسرة تُحاول، ومجتمع يضغط في اتجاه آخر، ومؤسسات لا تكمل الصورة. النتيجة جيل يعيش التناقض، فلا يعرف أي طريق يسلك. إصلاح هذا الخلل لا يحتاج إلى معجزة، بل إلى وضوح. أن تدرك كل جهة دورها، وأن تعمل ضمن رؤية مشتركة، لا جهود متفرقة. فالتربية تبدأ في البيت، وتتشكل في المجتمع، وتُصقل عبر المؤسسات. وإذا اختل أحد هذه الأضلاع، اختل البناء كله. الجيل القادم لا ينتظر من يُلقي عليه اللوم… بل من يُعيد ترتيب المشهد أمامه.
3006
| 06 مايو 2026
كم مرة تغيّرت نظرتك لنفسك لأن أحدهم لم يمنحك القبول الذي تنتظره؟ وكم مرة شعرت أنَّ قيمتك ترتفع أو تنخفض تبعا لنظرة الآخرين؟ في زمن أصبحت فيه المعايير خارجية، ينسى كثيرون أن القيمة الحقيقية لا تستأجر من الآخرين، ولا تُمنح بقرارٍ من أحد، بل تُبنى من الداخل وتبقى رغم كل التقلبات. ولو سألنا عن ماهية القيمة المستأجرة، فسنجدها في أن يربط الإنسان قيمته برضا الآخرين، فيعيش أسير تقييماتهم، يعلو حين يُقبل، وينهار حين يُرفض، وهنا تحديداً يبدأ الصراع القاهر مع الذات، حيث تصبح الحياة سلسلة محاولات لإرضاء الخارج، بدل فهم الداخل. ولتوضيح الأمر ليبدو المشهد أكثر وضوحاً، هو أنَّ كثيرين يتأرجحون على سلّم تقييم الآخرين، دون وعي كافٍ بذواتهم، ما يجعلهم في حالة استنزاف دائم، رغم أنَّ كثيراً من تجارب الحياة لا يمكن السيطرة عليها، لذلك، فإن استعادة القيمة من الداخل ليست رفاهية فكرية، بل ضرورة نفسية، تعيد للإنسان توازنه، وتحرره من عبء تقييم الآخرين. ولا تقف هذه الفكرة عند حدود التأمل النظري، بل تمتد إلى ما تؤكده الدراسات النفسية الحديثة، إذ تشير أبحاث إلى أن ربط تقدير الذات بعوامل خارجية—كالمظهر أو القبول الاجتماعي أو الإنجاز—يجعل الإنسان أكثر عرضة للقلق والاكتئاب، مقارنةً بمن يستندون إلى ما يُعرف بـ تقدير الذات الداخلي القائم على القيم الشخصية والمعنى، والتي لا تتأثر وفق نظرة الآخرين التي يصدرونها إلينا وفق الموقف أو وفق أمزجتهم. هذا التفريق ليس جديداً، فقد ميّز كارل روجرز أحد مؤسسي المدرسة الإنسانية في علم النفس بين "الذات الحقيقية" و"الذات المشروطة"، موضحاً أن الإنسان كلما عاش وفق شروط الآخرين طلبا للقبول، ابتعد عن ذاته الأصلية، ودخل في حالة اغتراب نفسي قد لا تبدو واضحة للعيان، لكنها تُستنزف شيئاً فشيئاً. وفي السياق ذاته يذهب نثانيل براندين الذي تحدث عن الأركان الستة لتقدير الذات، أن الذات لا تبنى من خلال ما نحصل عليه من اعتراف خارجي، بل من خلال شعور داخلي بالكفاءة والاستحقاق، يتشكل عبر ممارسات عملية يومية تهدف إلى تعزيز الثقة والقيمة الذاتية، كالعيش بوعي، تقبل الذات، تحمل المسؤولية الذاتية، توكيد الذات، العيش بهدف، والنزاهة الشخصية، وأنَّ إيمان الإنسان بقدرته على التأثير في مجريات حياته هو أحد أهم مصادر التوازن النفسي، هذا الإيمان لا يُمنح من الخارج، بل يتشكل عبر التجربة، والتكرار، وتحمل المسؤولية، بمعنى آخر، القيمة لا تُستورد من الخارج بل الشخص هو مصدرها. وهنا يتضح جوهر المسألة ويكشف أنَّ المشكلة ليست في المحيطين بنا، بل في المكان الذي نضع فيه أنفسنا بالنسبة لهم، حين تصبح نظرة الآخر مرآتنا الوحيدة، نفقد القدرة على رؤية أنفسنا بوضوح، وحين نُعلّق قيمتنا على قبول متقلب، نُدخل أنفسنا في معادلة خاسرة؛ لأن هذا القبول الخارجي أو المعتمد على الآخرين بطبيعته غير ثابت، ولا يمكن التحكم فيه. فالسؤال من نحن بدون القيمة الممنوحة لنا من الخارج!؟، وماذا يبقى منَّا عندما يغيب تصفيق الآخرين؟، فالإجابة الصادقة على هذا السؤال هي بداية التحرر من القيمة المستأجرة، لأن الإنسان الذي يعرف نفسه، لا ينتظر تعريفا من أحد، ولن يعتمد على نظرة الآخرين له. هُنا عليك أن تُذكّر نفسك، باستمرار، أنَّ قيمتك لا تُقاس بحجم الإعجاب الذي تحصده، ولا بعدد الألقاب التي تحملها، بل بمدى صدقك مع ذاتك، وبالدور الذي تؤديه في محيطك مهما بدا هذا الدور صغيراً، فالأثر الحقيقي لا يُقاس بضجيج الفعل، بل بما يتركه من معنى. ختاماً.. قد لا تستطيع التحكم في كيف يراك الآخرون، لكنك تملك بيدك أن تختار كيف ترى نفسك، وهذه في حقيقة الأمر الأكثر صعوبة، لكنها الحقيقة التي تستقر في عمق الوعي متوسدة عقولنا وتمتد إلى جنبات حياتنا.
1119
| 05 مايو 2026