رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
تمثل الرقابة على أداء الأجهزة الحكومية المحور الأساسي لتقدم الدول، حيث تقوم هذه الرقابة على تطوير معايير لقياس الأثر الاقتصادي والتنموي لكفاءة الإنفاق الحكومي للمسارات الخمسة (الإنفاق الرأس مالي، والمشتريات الحكومية، وتمكين الجهات الحكومية، والتقنية والتحول الرقمي، والخطط التنموية الاستراتيجية لرؤية قطر 2030، وفق أفضل الممارسات العالمية، لذلك بادرت الدول المتقدمة بتشكيل هيئات ودواوين ومؤسسات لتقوم بهذا الدور بشكل مستقل مع منحها كامل الصلاحيات القانونية للتفتيش والضبط لأي تجاوزات قد تؤدي الى حدوث اي خلل إداري يزيد من الانفاق الحكومي او يمهد لأي عملية فساد من ذوي النفوس الضعيفة.
هيئة الرقابة الإدارية والشفافية
تفخر دولة قطر بما تحققه من إنجازات في مجالات تعزیز النزاهة والشفافیة والوقایة من الفساد، بفضل رؤیة قیادتنا الحكیمة لإعلاء قیم النزاهة والشفافیة، وجعلها أولویة سیاسات دولة قطر الوطنیة والدولیة، وأیضا بفضل القیم الرصینة لمجتمعنا العریق، مما جعل دولة قطر تتبوأ مكانة رفیعة ضمن أفضل دول العالم في معاییر الشفافیة والنزاهة، وهو ما تؤکده المؤشرات الدولیة ذات الصلة، هذا هو المفهوم العام الذي قامت عليه هيئة الرقابة الادارية والشفافية بدولتنا الحبيبة، ونتطلع ان تقوم هذه الهيئة بتطوير أجهزتها الرقابية وخاصة ان قطر مقبلة على ممارسة سلطة تشريعية منتخبة جديدة (مجلس الشورى) سوف تقوم بمهامها الرقابية من خلال أعمال هذه الهيئة التي ستكون حاضرة على الدوام في كل ما يدخل في اختصاصات مجلس الشورى المنتخب من قبل الشعب القطري.
الرقابة المالية
تعتمد الرقابة المالية الفعالة في اعداد استراتيجية متكاملة لجميع أعمال الأجهزة الرقابية في الدولة لربط الأولويات بالأهداف الاستراتيجية، وتشتمل كذلك على تحديد الفجوات الآنية في كفاءة الإنفاق الحكومي، والشراء الموحد، ووضع مبادرات ومشاريع ومستهدفات ومؤشرات أداء تفصيلية، لسد هذه الفجوات خلال مدى زمني محدد مراقب من السلطات التشريعية والتنفيذية، وتحديد دور كل جهة على حدة خاصة الهيئة الرقابية ووزارة المالية وديوان المحاسبة للمحتوى المحلي والمشتريات الحكومية في الجانب التنفيذي.
الرقابة الإدارية
الرقابة المالية تحتل أهمية كبيرة في العملية الإدارية وتعد من أهم ركائز هذه العملية، ولا بد من تنظيم عملية الرقابة بشكل يجعل منها أداة فاعلة في تطوير وتوجيه النشاط الإداري بكياناته المختلفة. ومن المعلوم أن الأجهزة الحكومية تهدف من وراء إنشائها إلى تقديم الخدمات للمواطنين، ويأتي دور الأجهزة الرقابية لضمان تقديم هذه الخدمات بأسرع وقت وبأقل جهد وتكلفة ممكنة وبالشكل المطلوب قانوناً، كما إن وجود أنظمة ذات كفاءة وفعالة للرقابة الادارية في أية جهة يعتبر من الأمور الهامة في نجاح تلك الجهة في تحقيق أهدافها، نظرا لما تشكله أنظمة الرقابة المالية والادارية في متابعة أعمال تنفيذ الخطط والسياسات الموضوعة بقصد التعرف على الانحرافات الادارية والمالية ومعالجتها في الوقت المناسب للمحافظة على المال العام من عمليات الاختلاس أو الضياع أو سوء الاستعمال، ولا تقل عن أهمية الرقابة في الجوانب الوظيفية الأخرى داخل أي وزارة أو منشأة ولا يكتفى بالرقابة على كمية وجودة الإنتاج والشراء والتخزين وعلى الأفراد والتسويق ما لم يكن هناك أيضًا نشاط رقابي فاعل يَحكُم التصرفات المالية لضمان سير الأمور كما يجب ولغاية الوصول إلى تحقيق أهداف الجهة المعنية.
الرقابة في الإسلام
اتجهت الدول اليوم إلى تأسيس دواوين وهيئات للرقابة المالية والإدارية على أجهزة الدولة بشكل عام لكن الإسلام سبق كل الأنظمة الحديثة في ذلك، فمفهوم الرقابة في الإسلام كان واردا في الآيات القرآنية الكريمة أو الأحاديث النبوية الشريفة أو سيرة الخلفاء الراشدين والأمراء المسلمين، فمن الناحية القانونية كان الرسول صلى الله عليه وسلم هو المشرع الأول لتعاليم الديانة الإسلامية اعتمادا على ما ينزل عليه من آيات كريمة من عند الله سبحانه وتعالى، إضافة إلى ما يحدث به من قول أو يقوم به من فعل يمثل سنة يجب على المسلمين أن يقتدوا بها ويعملوا وفقا لها، إضافة لكونه القاضي الأول الذي يحكم بأمر الله ووحيه، ومن بعده كان الخلفاء الراشدون وباقي الخلفاء المسلمين، يعتبر عهد الخليفة الثاني عمر بن الخطاب رضى الله عنه عهد التطور الإداري والمالي في الدولة الإسلامية، فقد شهدت الإدارة نقلة حضارية نوعية في عهده، فعمر رضى الله عنه أول من عرف مبدأ الفصل بين السلطات، وذلك قبل أن تنادي به المدارس الإدارية والمالية الحديثة، ويبين اهتمامه بهذا الجانب في الخطبة التي وجهها للمسلمين حيث قال: "من أراد أن يسأل عن القرآن فليأت أبي بن كعب، ومن أراد أن يسأل عن الفقه فليأت معاذ بن جبل، ومن أراد أن يسأل عن المال فليأتني، فإن الله قد جعلني خازناً وقاسماً".
ومن النواحي الاقتصادية والمحاسبية والإدارية كان الرسول صلى الله عليه وسلم هو المحتسب الذي يطوف الأسواق ليطلع على أحوالها، وكذلك كان الخلفاء الراشدون وباقي الخلفاء المسلمين من بعده فإذا ما شغلوا عنها بإدارة شؤون الأمة وتجهيز الجيوش أسندوها إلى من يثقون به من المسلمين، إضافة إلى أن الرسول صلى الله عليه وسلم ومن بعده الخلفاء الراشدين والأمراء المسلمين من بعدهم كل يقوم بنفسه باستيفاء الحساب على العمال المحصلين فيما بينهم على المستخرج من الإيرادات ونفقات جباتها، ويوضع في بيت المال صافي القيمة المحصلة لتوزيعها على المستحقين. ويلاحظ من خلال ما تقدم أن الجهاز المستقل الوارد في المفهوم الحديث الذي أوردناه للرقابة المالية والادارية كان موجودا أصلا من خلال المحتسب الذي كانت وظيفته تتمثل بـ"الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وهذا العمل يقوم به من نصبه الإمام لذلك، عملا بقوله تعالى (ولتكن منكم أمة يدعون إلى الخير ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر وأولئك هم المفلحون) حيث إن المعروف تعبير يشمل ما أمر الله به من اتجاهات سلوكية، وقد أعتبر البعض لفظ (أمه) الواردة في الآية السابقة ينطبق على أجهزة الدولة، فهي المناط بها الدعوة إلى الخير، لذلك نستطيع القول إن الدولة الاسلامية سبقت الأنظمة الحديثة في الدول العظمى اليوم، فقد أرست معاني الرقابة المالية والفصل بين السلطات والشفافية والعدل والإنصاف قبل أكثر من ألف واربعمائة عام.
كسرة أخيرة
هناك الكثير من الانظمة التي تضعها الدول لمراقبة اجهزتها الحكومية وقد يفشل البعض منها لوجود خلل اداري او فني، ولكن هناك جهاز رقابي لا يعرف الفشل الا وهو الضمير الانساني ومحاسبة النفس بالنفس، ولو كل واحد منا اخلص في عمله وادى واجبه بضمير لن تحتاج الدولة الى دفع تكاليف طائلة في انشاء أجهزة الرقابة، ولنعي دايما ان الله ورسوله يرون أعمالنا فيجب ان نحسنها خوفاً من عقاب الله وطمعاً في نيل الحسنات والثواب من عنده تعالى. (وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ ۖ وَسَتُرَدُّونَ إِلَىٰ عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ فَيُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ) سورة التوبة الآية 105.
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
لا يوجد إعلام رياضي خليجي واحد، وإنما إعلام خاص بكل دولة من دول مجلس التعاون. ورغم أهمية القضية وتأثيراتها السلبية على مستقبل الرياضة في خليجنا العربي، إلا أنها لم تنل ما تستحقه من البحث والدراسة، وسأناقشها من أربع زوايا. الزاوية الأولى: إن الإعلام في دولنا خال من الروح الخليجية، فهو يُعنى بالفعاليات والإنجازات الرياضية المحلية، ويركز عليها بشكل مطلق، وإذا ورد خبر رياضي خليجي فإنه يرد ضمن الأخبار غير المحلية ودون عناية به أو تمييز له. الزاوية الثانية: إنه إعلام خبري يهتم بنقل الخبر، ويفتقر إلى المقالات التحليلية العلمية. فمعظم المقالات تدور حول موضوعات تتعلق بجوانب شخصية لكتابها، ولا تقدم رؤى وأفكاراً تساعد في نشر الوعي الرياضي، أو تسهم في تخليق قاعدة جماهيرية مثقفة رياضياً تتيح إعداد جيل يبرز فيه إعلاميون وصحفيون رياضيون مستقبلاً. الزاوية الثالثة: إنه إعلام لا يُعنى بالدور التنموي الكبير للرياضة كأداة تغيير مجتمعي فعالة. فلا نجد اهتماماً بغير الجانب التنافسي لها كنشاطات بدنية، وقلما عثرنا باهتمامات بجوانبها الاجتماعية كالتوعية بالمسؤولية الاجتماعية أو التنشئة الأخلاقية للناشئة والشباب، وتنمية المشاعر الوطنية المرتكزة إلى الإسلام الحنيف والعروبة. الزاوية الرابعة: إنه إعلامُ اللعبة الواحدة، فمعظمُ موادهِ وتغطياتِـهِ تدور حول كرةِ القدمِ، وهذا أمر يعوقُ السعي لتأسيسِ قواعد شعبية للعبات الأخرى، ويؤثِّـرُ سلباً على إنجاح الفعاليات والبطولات الدولية جماهيرياً عندما تُقامُ في إحدى دولِـنا الستِّ. نبضةٌ خليجيةٌ: خليجنا واحد، عبارة تعني أننا شعب واحد في ست دول، وأن تنمية إنساننا هي مهمة خليجية نعمل جميعاً لإنجاحها، وحبذا لو انطلقنا في ذلك من الرياضة وإعلامها.
3423
| 02 أكتوبر 2026
كنا نخاف على أبنائنا من الغريب والبعيد فأتين لهم بالغريب والبعيد داخل منزلهم وغرف نومهم.. في بعض بيوتنا الخادمة تعرف أبناءنا أكثر منا والسائق يقضي معهم وقتا أكثر من آبائهم، والخادمة تعرف متى يستيقظ الطفل وماذا يحب أن يأكل ومتى يغضب وكيف يرضى وماذا يخيفه وأين ملابسه وماذا يريد …. ويعرف السائق مدرسته وأصدقاءه ومواعيده وأحاديثه ومزاجه ومشكلاته والأخطر أسراره التي يخفيها عن الجميع وربما يعينه عليها الخدم، أما الأب والأم فقد يحصلان في نهاية اليوم على تقرير مختصر مضمونه: أكل؟ نعم رجع من المدرسة؟ نعم نام؟ نعم وبكل بساطة تتحول الأبوة والأمومة من معايشة وتربية إلى مجرد متابعة وتمويل، وهذه ليست مبالغة عاطفية هذا واقع يعيشه المجتمع وإليكم بعض الأرقام اللي تنبه على خطورة هالشي ومنها: معهد البحوث الاجتماعية والاقتصادية المسحية بجامعة قطر اجرى مسحا وشمل 607 أسر قطرية كان نحو ثلثي الأسر التي شملها المسح لديها عاملان منزليان أو أكثر !!! وفي تقرير منفصل ذُكر فيه أن العمالة المنزلية في قطر بلغ 170 ألف تقريبا وأغلبهم من العنصر النسائي … إذن الموضوع ليس حالات فردية، الموضوع متغلغل في كل المجتمع نحن أمام ظاهرة اجتماعية تستحق أن نتحدث عنها بصراحة. وسؤال صريح: ما حجم المساحة التي أعطيناها للخدم داخل حياة أبنائنا وبيوتنا؟ فالخادمة ليست المشكلة، والسائق ليس المشكلة.. المشكلة تبدأ عندما نطلب منهما من حيث ندري أو لا ندري أن يؤديا وظائفنا بدلاً عنا.. الخادمة جاءت لتساعد الأسرة لا لتصنع شخصية الطفل وتكون المسؤولة عن اكل ولبس وغرفة الزوج، والسائق جاء ليقود السيارة لا ليصبح الرفيق اليومي للابن والعائلة وسأقف هنا ولن أتعمق اكثر لانني خصصت هذا المقال عن الابناء. دعونا نرتبها بشكل أبسط: الخادمة توقظه الخادمة تطعمه الخادمة تلبسه السائق يوصله السائق يعيده الخادمة تستقبله الهاتف يسليه الألعاب الإلكترونية تبعده ثم يأتي الأب والأم في آخر المساء ويسألان: ليش عيالنا ما يجلسون معنا؟ والسؤال الحقيقي ربما يجب أن يكون: متى جلسنا نحن معهم أصلًا؟ نحن أمام جيل يتوفر له كل شيء ماديًا، لكنه يعاني فقرًا في الاحتكاك الأسري والاجتماعي غرفة مستقلة هاتف حديث ألعاب مدارس ممتازة خادمة سائق ملابس مصروف كل شيء موجود إلا شيء واحد: الأب والأم في التفاصيل اليومية وهنا لا أتحدث فقط عن العاطفة، بل عن الهوية فالطفل القطري أو الخليجي أو العربي لا يولد وهو يعرف تلقائيًا كيف يسلم على الكبير، وكيف يستقبل الضيف، وكيف يجلس في المجلس، وكيف يحترم كبار السن، وكيف يصل رحمه، وكيف يعرف أبناء عمه وخاله، وكيف يتحدث مع الناس، وكيف يؤدي واجبه في الأفراح والأتراح. هذه ليست معلومات تُحمّل في رأسه كما نحمل تطبيقًا على الهاتف. هذه ثقافة تُعاش يرى أباه فيقلد يرى أمه فيتعلم منها يجلس مع جده يسمع حديث أقربائه يستقبل الضيوف يسلم يسمع يخطئ فيُصحح له وهكذا تتشكل الشخصية لكن إذا أخرجنا الطفل من هذه الدائرة، ثم وضعناه سنوات طويلة بين غرفة مغلقة وهاتف وخادمة وسائق، فلا ينبغي أن نتفاجأ عندما يصبح غريبًا عن التفاصيل التي صنعت مجتمعنا نحن ربما لا نخسر بعض العادات فقط، بل نخسر طريقة انتقالها من جيل إلى جيل البحوث في الخليج ناقشت بالفعل تأثير الاعتماد على الخادمات بوصفهن مقدمات رعاية للأطفال. دراسة منشورة في Journal of Early Childhood Research تناولت هذا النمط في الخليج وأشارت إلى مخاوف وآثار على النمو الاجتماعي والعاطفي عندما تحل الخادمة محل مقدم الرعاية المؤهل أو الأسرة لفترات واسعة. ودراسات أحدث في الإمارات تبحث اليوم حتى أثر وجود الخادمات والمربيات في البيئة اللغوية المبكرة للطفل، لأن من يقضي مع الطفل ساعات طويلة يصبح، طبيعيًا، جزءًا من البيئة التي يكتسب منها لغته وسلوكه وثقافته وهنا يجب أن نكون منصفين ليس كل طفل لديه خادمة سيعاني مشكلة وليس وجود السائق سببًا في فساد التربية وليس كل رعاية غير أبوية سيئة المشكلة في الإفراط في التفويض أن يتحول المساعد إلى بديل نشتكي: عيالنا ما يعرفون الناس ولا الناس تعرفهم طيب هل أخذناهم معنا؟ أبناؤنا انعزاليون ولكن من الذي صنع لهم حياة يستطيعون فيها قضاء يوم كامل داخل غرفة دون حاجة إلى أحد؟ نحن السبب وهناك سؤال أكثر إحراجًا: هل أصبحنا نستخدم الخادمة والسائق أحيانًا كي نتخلص من مشقة الأبوة والأمومة، ثم نشتكي لاحقًا من نتائج غيابنا؟ الأبوة ليست دفع الفواتير والأمومة ليست متابعة كاميرا المنزل عن بُعد لا توجد خادمة، مهما بلغت أمانتها وحبها للأطفال، تستطيع أن تؤدي الدور الثقافي والعاطفي والاجتماعي للأم فلا نظلم الخادمة ونحمّلها مسؤولية تربية لم نمارسها نحن ولا نلوم السائق لأنه أصبح قريبًا من أبنائنا، إذا كنا نحن الذين منحناه ساعات لم نمنحها لهم الحل أن نعيدهما إلى مكانهما الطبيعي في المنزل: مساعدين للأسرة، لا بديلين عنها الطفل الذي لا نعطيه هويته في البيت، سيبحث عن هوية في مكان آخر والطفل الذي لا نعطه وقتنا، سيعطي وقته لمن يمنحه الاهتمام والطفل الذي لا نملأ ذاكرته بنا، سيملؤها غيرنا وربما بعد سنوات نجلس في مجلس ونشتكي: (( عيال اليوم تغيّروا )) الحقيقة الأكثر إيلامًا قد تكون: ليسوا هم فقط الذين تغيّروا.. نحن أيضًا تغيّرنا في طريقة تربيتهم. شكراً ميري.. شكراً كومار
3156
| 06 أكتوبر 2026
التوظيف بين وزارات الدولة وشركات الوساطة بات اليوم سؤالًا مشروعًا يحتاج إلى إجابة واضحة. فدولة صغيرة بعدد سكانها مثل قطر لا يمكن أن تكتفي بالكوادر الوطنية وحدها لتغطية كل التخصصات والمهن، ومن الطبيعي أن تستعين بالمقيمين والوافدين لسد النقص، خصوصًا في الوظائف التي قد لا يقبل عليها المواطن لاعتبارات مهنية أو ثقافية. لكن ما يحدث في الواقع أن بعض الوزارات والجهات الحكومية، بحكم القوانين والإجراءات التنظيمية، لا تستطيع التعاقد المباشر مع المقيمين رغم وجود حاجة فعلية لهم، فتضطر إلى اللجوء لشركات توظيف خاصة تقوم بدور الوسيط؛ فتوقّع العقود مع الموظفين ثم تعيرهم للوزارات، لكنها تقتطع من رواتبهم أحيانًا ما يقارب النصف تحت مسمى “عمولة” أو “رسوم إدارية”. وهنا يبرز الخلل: الوزارة تدفع ميزانيتها كاملة، والشركة تستحوذ على النصيب الأكبر، والموظف، الذي يقوم بالعمل فعليًا، لا يحصل إلا على النصف أو أقل، في بلد ترتفع فيه تكاليف المعيشة. فيبقى السؤال: كيف يعيش؟ وكيف يعيل أسرته؟ وكيف يدرّس أبناءه؟ والمفارقة أن كل جهاز حكومي لديه أصلًا إدارة متكاملة للتوظيف والموارد البشرية، تضم موظفين مختصين ومؤهلين للقيام بمهام الاستقطاب والاختيار والتعيين. فما الحكمة إذن من وضع التحكم في يد طرف ثالث، بينما الجهة الحكومية مؤهلة وقادرة على القيام بمهامها؟ ولماذا يُترك الموظف والمجتمع ليتحملا الكلفة، بينما المستفيد الأكبر هم أصحاب هذه الشركات؟ والأكثر إثارة للتساؤل أن شركات التوظيف التي تدور في هذا المجال محدودة ومعروفة، وهنا يحق للناس أن يسألوا: من أصحاب هذه الشركات؟ ومن المستفيد من بقاء هذا الباب مفتوحًا؟ وهل نحن أمام تنظيم إداري يخدم المصلحة العامة، أم أمام منفذ ربحي يستفيد منه قلة على حساب حاجة الدولة وجهد الموظف؟ وهذه العقود لا تظلم الموظف في الراتب فقط، بل تمتد إلى حقوقه الأساسية؛ فقد يُخصم من راتبه إذا مرض رغم تقديم شهادة طبية معتمدة، لأنه لا يتمتع بإجازات مرضية أو سنوية مدفوعة، ولا بضمانات وظيفية واضحة، ولا زيادات سنوية، ولا مكافأة نهاية خدمة، بل قد يتأخر راتبه أحيانًا إلى ما بعد بداية الشهر. والأخطر أن بعض الجهات الحكومية تستفيد من خبرات وكفاءات تعمل داخل مؤسساتها وتتحمل مسؤوليات كبيرة، لكنها تتركها تحت رحمة مكاتب وشركات وسيطة، تحقق أرباحًا عالية من جهد الموظف وخبرته، بينما يتحمل هو وحده مخاطر الخصم وعدم الاستقرار والاستبدال. ومن الناحية الشرعية والأخلاقية، فإن هذا النوع من العقود يثير تساؤلات جدية؛ فالوسيط من حقه أن يأخذ أجرًا معلومًا ومحددًا مقابل خدمته، لكن أن يتحول الأمر إلى اقتطاع مستمر من راتب الموظف طوال سنوات خدمته، فهذا يقترب من شبهة أكل أموال الناس بغير وجه حق، ويفتح بابًا واسعًا للاستغلال. والمسؤولية هنا لا تقع على الشركة وحدها، بل تشمل أيضًا الجهة الرسمية التي سمحت بهذا النموذج أو تغاضت عنه. أما من ناحية التخطيط، فالمنطق يقول إن الهدف من هذه الإجراءات هو إعطاء الأولوية للمواطن، وهذا هدف مفهوم ومشروع، لكن لا يجوز أن يتحول الأمر إلى التفاف إداري يرهق المقيم، ويضر بصورة العدالة، ويكلف الدولة أحيانًا أكثر مما لو تم التعاقد المباشر بشفافية ووضوح. نحن لسنا ضد التعاقدات، ولا ضد القطاع الخاص، ولا ضد ربح الشركات، لكننا ضد أن يكون الربح على حساب كرامة الإنسان وحقوقه الأساسية. فالكفاءة والخبرة ليست سلعة في مناقصة، والإنسان ليس رقمًا في فاتورة شهرية، يتم الاستغناء عنه أو استبداله متى انتهت الحاجة إليه. الحل ليس معقدًا: التعاقد المباشر مع المقيمين في الوظائف التي لا يتوافر لها مواطنون، ضمن عقود واضحة تحفظ الحقوق، مع تقييد دور شركات الوساطة بحيث تكتفي بأجر مقطوع ومعلوم لمرة واحدة، بدلًا من الاقتطاع الدائم من رواتب الناس. وهذا المقال موجّه إلى وزارة العمل، وديوان الخدمة المدنية والتطوير الحكومي، ووزارة المالية، وديوان المحاسبة، ومجلس الشورى، وكل جهة معنية بمراجعة عقود التوظيف، وحماية المال العام، وصون حقوق العاملين. فالمسألة في جوهرها تحتاج إلى مراجعة قانونية وشرعية وإدارية، حتى يكون التوظيف في قطر قائمًا على العدل لا على الالتفاف، وعلى الاستقرار لا على الاستغلال، وبما يحفظ حق الدولة، وحق الشركة، وحق الموظف، لأن الاستثمار الحقيقي لأي مؤسسة يبدأ من احترام الإنسان وخبرته واستقراره.
1218
| 01 أكتوبر 2026