رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
ليبيا في الإعلام العربي غيرها على أرض الواقع، حتى يبدو وكأن الأول بلد مختلف عن الثاني.. هذه محاولة لقراءة الحالة الليبية من خارج الصورة النمطية.
(1)
هي في الإعلام ساحة يتمدد فيها الإرهاب ويتوحش بدرجة أصبحت تقلق الجيران وتهدد الأمن القومي المصري ولكن الجيش الوطني يحاول جاهداً وقف ذلك التمدد وإفشال مخططاته، إلا أن جهوده لا تزال قاصرة لأنه بحاجة إلى سلاح يؤدي به واجبه ويده مغلولة في ذلك بسب الحظر الدولي.
تلك هي الصورة النمطية الرائجة في وسائل الإعلام العربية، عالية الصوت التي تعبر عن عواصم الإقليم ذات الصلة بالوضع الليبي. أحدث ما وقعت عليه في هذا الصدد خبرا أبرزته جريدة الوطن المصرية على صفحتها الأولى (في 22/8) ذكر ما يلي: عقد تنظيم داعش اجتماعا في نهاية الأسبوع الماضي حضره ممثلون عن جهاز مخابرات أجنبي بإحدى المناطق الحدودية الليبية واشترك فيه 30 عنصرا من الجانبين.. واتفق الجانبان على وضع مخطط جديد للنيل من الأمن القومي المصري من خلال تحرك داعش تجاه الحدود مع مصر، وإقامة معسكرات تدريبية لإعداد عناصر مسلحة لخلق توترات على الحدود المصرية. وقد تعهد جهاز المخابرات (المشارك) بتوفير أحدث الأسلحة والمعدات والاتصالات اللازمة لتنفيذ عمليتها.
(2)
موقف الإعلام العربي عاكس لمواقف دوله الشريكة في الصراع الدائر على الأرض. إذ لم يعد سرا أن مصر والإمارات تساندان عملية الكرامة في الشرق، . كما بات معلوماً ورائجاً أن جماعة الكرامة المتمركزين في طبرق القريبة من الحدود المصرية يعتبرون خصومهم المتحصنين في طرابلس بأنهم إرهابيون. أما جماعة فجر ليبيا فإنهم يصنفون مجموعة الكرامة بأنهم يمثلون الثورة المضادة، التي تسعى لإجهاض ثورة فبراير التي أطاحت بالرئيس السابق معمر القذافي. وكل منهما يطعن في شرعية الآخر ويعتبر نفسه ممثلا للشعب الليبي. وهذه معلومات صحيحة لكنها منقوصة- إن شئت فقل إن تلك قراءة تختزل المشهد وتتعامل معه بتبسيط شديد ومخل لأنه مسكون بقدر هائل من التفاصيل التي منها ما يلي:
• إن تنظيم داعش لا يمثل خطراً على ليبيا وأبعد من ذلك بكثير أن يهدد أمن مصر كما يقول الصحفي الليبي هشام الشلوي. هو مشكلة في ليبيا صحيح لكن يصعب تصنيفه خطرا. إذ للتنظيم وجوده في درنة التي تبعد عن مقر البرلمان في طبرق مسافة 175 كم، مع ذلك فإن عناصر المقاومة الشعبية طردتهم من هناك خلال ساعات محدودة. وأصبح لهم وجود في بؤرة محدودة على بعد 40 كم منها. لهم بؤرة ثانية في بنغازي حيث انضم إليهم بعض أعضاء جماعة أنصار الشريعة، وهذه تبعد 1200 كم عن مقر السلطة في طرابلس، ولهم بؤرة ثالثة أو قاعدة في سرت التي تمددوا فيها مؤخراً، بعد اشتباكات بولغ في حجمها كثيرا في حين أن الذين قتلوا فيها لم يتجاوزا ثلاثين شخصا. لكن هذه المدينة التي كانت أثيرة لدى القذافي، تبعد مسافة 400 كم عن طرابلس. وهي خلفية تسوغ لنا أن نقول بان وجودهم الذي لا يتجاوز المئات لا يهدد معاقل السلطة.
• إن داعش لا تحارب وحدها، ولكنها مؤيدة من عناصر النظام السابق ومن قبيلة القذاذفة التي ينتمي إليها معمر القذافي. ولا ينسى في هذه الصورة أن أحمد قذاف الدم، منسق العلاقات الخارجية في عهده، امتدح داعش في حوار بثته إحدى القنوات الخاصة المصرية يوم 17 يناير الماضي، وقال إنهم لم يجدوا أحدا يدافع عن كرامة الأمة فلجأوا إلى الهروب إلى الله. ونشر كلامه صحيفة القدس العربي اللندنية الصادرة في 18 يناير تحت عنوان نسب إلى أحمد قذاف الدم قوله: أنا مع داعش وهم شباب أتقياء.
• إن ما يوصف بأنه الجيش الوطني الليبي له وجوده في وسائل الإعلام أكبر من وجوده على الأرض، ذلك أن القذافي كان قد ألغى الجيش وحوله إلى مجموعة من الكتائب التي وزعها على أولاده. والعنوان الذي يجري تسويقه الآن ينصرف إلى مجموعة من العسكريين الذين يلتفون حول اللواء خليفة حفتر لأسباب قبلية أو علاقات ومصالح خاصة، ومعهم بعض الميليشيات المحلية التي لها مصالحها المشروعة وغير المشروعة. وهؤلاء لم يحققوا إنجازا عسكريا يذكر على الأرض طوال 18 شهرا، لا في بنغازي التي هي في المنطقة الشرقية ولا في المنطقة الغربية. ولولا الدعم العسكري الخارجي والدعاية الإعلامية التي تقوم بها المنابر الموالية لهم لاندثر الجيش منذ شهور.
هناك اعتبار مهم يتعذر تجاهله في هذا السياق، وهو أن قيادة اللواء حفتر «للجيش» محل خلاف بين العسكريين. وقد ظهر هذا الخلاف على السطح بعدما قرر حفتر نقل مقر مدرسة الصاعقة التي تخرج القوات الخاصة من مكانها في بنغازي إلى مدينة المرج الواقعة في الشرق من بنغازي، التي تعد معقلا لمجموعة الكرامة لكي يضمن ولاء خريجيها له.
(3)
العامل الأكثر أهمية وحسما في المشهد أن الخريطة السياسية الليبية طرأ عليها تغيير بمضي الوقت. فلم تعد الصورة مقصورة على جبهة في الشرق على رأسها اللواء حفتر وخاضعة لنفوذ مجموعة الكرامة ومجلس النواب وحكومة عبد الله الثني، وأخرى في الغرب خاضعة لنفوذ فجر ليبيا والمؤتمر الوطني وحكومة خليفة الغويل. ذلك أن الحوارات التي تمت خلال الأشهر الأخيرة خصوصا الذي جرى في الصخيرات بالمغرب أفرزت وضعا جديدا غير من معالم الاستقطاب القائم. وعلى حد تعبير أحد وثيقي الصلة بالمشهد فإن التباين والانقسام إزاء الحلول السياسية أو الحسم العسكري شمل الجميع، بحيث لم يعد هناك مكون سياسي أو بلدي أو اجتماعي في الشرق والغرب إلا وانقسم أعضاؤه وتوزعوا على المعسكرين بين فريق أحدهما يؤيد الاتفاق السياسي ويحبذ الوفاق الوطني، ويعتبر أن ذلك هو المخرج الوحيد للأزمة، والثاني لا يحدد بديلاً عن الحسم العسكري لاستئصال الإرهاب في جانب وما اعتبر ثورة في الجانب الآخر.
في هذا الصدد ذكر الباحث الليبي إسماعيل القريتلي أنه في المنطقة الغربية اتضح تأثير حوار الصخيرات على خارطة التحالفات الجهوية والسياسية. فنشأ تيار يقوده أعيان ورجال أعمال وقادة سياسيون من مصراتة وكان محسوبا على النظام السابق في بداية الثورة ولكنهم شاركوا في دعمها بحيث أصبح لهم تأثير على تشكيلات عسكرية كبرى في المدينة. هذا التيار استطاع أن يعيد علاقة مصراتة مع المناطق التي تناهضها مجموعات في فجر ليبيا. فعقد ممثلوه مصالحات ولقاءات في ورشفانة والزنتان ومناطق أخرى في باطن الجبل. ودعم عديد من محاولات الصلح بين ورشفانة والزوالية ومناطق عدة في الجنوب الغربي. هذا التيار عارض التوقيع على مشروع الحل الذي قدمه المبعوث الدولي برناردينو ليون في مواجهة تيار آخر في المؤتمر الوطني أيده. وذلك لا يختلف كثيرا عن الحاصل في معسكر الكرامة المقابل، حيث الانقسام ظاهر في مجلس النواب بطبرق. وبالاطلاع على ما يدونه بعض أعضائه يتضح أن هناك إعادة تشكيل في تحالفاتهم فهناك انقسام داخل الكتلة المؤيدة لتحالف القوى الوطنية وخلاف واضح بين وفد الحوار (الذي شارك في مؤتمر الصخيرات) ولجنة المستشارين التي تم حلها من قبل رئيس مجلس النواب الذي أيد فكرة التوقيع على مشروع المبعوث الدولي.
على صعيد آخر فإن الفيدراليين في مجلس النواب (الذين يدعون إلى حكم ذاتي في برقة) يحاولون إعادة تنظيم صفوفهم، ويسعون لطرح رؤية يصل التصعيد إليها إلى حد تشكيل حكومة لإقليم برقه، وإعادة ترتيب موارده وقواته العسكرية والأمنية.
(4)
التباين الأخطر والأقوى تأثيرا حاصل في مواقف الخارج وليس الداخل. ذلك أن دول الإقليم المحيطة منقسمة بدورها بين طرف يدعو إلى الحل السياسي الذي تشترك فيه كل الأطراف تقوده قطر وتركيا ومعهما الجزائر والمغرب والسودان. ودول أخرى تنحاز إلى طرف واحد يتمثل في معسكر الكرامة الذي يقوده اللواء حفتر وتقوده مصر والإمارات، وكل طرف يستخدم أوراق الضغط الدبلوماسي وغير الدبلوماسي لتعزيز موقفه. فالأولون يعتبرون التوافق الوطني المتكافئ هو الحل والآخرون يشددون على أن مكافحة الإرهاب تمثل أولوية قصوى لديهم.
خبراء الشأن الليبي الذين تحدثت إليهم يلفتون النظر في هذا السياق إلى الملاحظات التالية:
• إن حالة التفكك الحاصلة في البلاد لم تمكن تنظيم داعش من التمدد على الأرض فحسب، ولكنها أتاحت الفرصة لأنصار النظام السابق لكي يرفعوا أصواتهم في عدة مناطق -طبرق وبنغازي في مقدمتها- مطالبين بإطلاق سراح نجل القذافي سيف الإسلام، وتمكينه من حكم ليبيا، كما طالبوا بإطلاق سراح رموز نظام القذافي الذين يحاكمون في غرب ليبيا بدعوى أنهم من الشخصيات الوطنية، ولم تقابل تلك الدعوات بأي اعتراض.
• إن الصراع السياسي يستأثر بالاهتمام الذي صرف الانتباه إلى العنف العرقي الحاصل في منطقة الكُفرة أو الخلاف الحاصل بين شيوخ قبائل المنطقة الشرقية حول مناطق نفوذها، أو الوقيعة بين الشرق والغرب والادعاء بأن بعض سكان الغرب من أصول تركية وليسوا مواطنين أصلاء.
• إن مشروع اللواء خليفة حفتر الأساسي يقوم على استبعاد الحل السياسي وتجميد المؤتمر الوطني. ورغم إعلانه في بداية عملية الكرامة (16 مايو 2014) أنها ليست انقلابا وأن الجيش لن يمارس السياسة، إلا أنه يسعى مع أنصاره الآن إلى تشكيل مجلس عسكري برئاسته لممارسة السلطة في ليبيا.
• إن التركيبة القبلية والعرقية توفر لليبيا وضعا شديد الخصوصية، يختلف عن أي وضع آخر في دول الجوار. وينبه هؤلاء إلى صعوبة استنساخ النموذج المصري الذي يحاول البعض اقتباسه ونقل صيغته وصراعاته إلى الساحة الليبية.
• أخيراً يذكر أولئك الخبراء بأن الثورة الليبية التي انطلقت في شهر فبراير عام 2011 تمثل أحد تجليات الربيع العربي ومحاولات خنقها أو إجهاضها ليست بعيدة تماماً عن مشروع تصفية الربيع العربي وإزالة آثاره الذي حقق نجاحات مشهودة في دول عربية أخرى.
في الخوف من القانون
حين يصبح القانون مصدرا للخوف والقلق فإنه يفقد شرعيته ويجهض المراد منه. ذلك أننا نفهم أن القانون وسيلة... اقرأ المزيد
2633
| 03 يونيو 2017
عن البيئة المنتجة للإرهاب
هل أصبح التعصب مشكلة مصرية؟ ــ هذا السؤال نبهتني إليه بعض الكتابات والتعليقات التي حفلت بها الصحف ومواقع... اقرأ المزيد
1024
| 29 مايو 2017
في ضرورة المراجعة
بعد الفاجعة التي شهدتها محافظة المنيا، ما عاد هناك بديل عن إعادة التفكير والمراجعة. لا أجادل في أن... اقرأ المزيد
666
| 28 مايو 2017
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
هي ليست عربية ولا حتى مسلمة، ولا تربطها بغزة رابطة دم أو دين أو لغة، ومع ذلك استطاعت في مباراة كرة قدم واحدة أن ترسل رسالة أخلاقية دوّى صداها أبعد بكثير من حدود المستطيل الأخضر. في مباراة منتخب إيرلندا أمام دولة الكيان، لم يتعامل اللاعبون الإيرلنديون مع الأمر وكأنه تسعون دقيقة من كرة القدم تنتهي بصافرة الحكم ثم يعود الجميع إلى منازلهم. ارتدى اللاعبون الشارات السوداء تضامنًا مع الفلسطينيين، وخفضوا رؤوسهم أثناء عزف نشيد المحتل، وغابت المصافحة المعتادة قبل المباراة. وقبلها أعلن حارس المنتخب غافين بازونو انسحابه ورفض المشاركة، مؤكدًا أن قراره جاء انطلاقًا من موقف ومبدأ. حتى مدرب المنتخب الإيرلندي تحدث بوضوح عن رفض ما يجري في غزة، في وقت أصبحت فيه الكلمات الواضحة نفسها تحتاج إلى شجاعة. لم تكن القضية إذن تسجيل هدف في مرمى إسرائيل، مع أن المباراة انتهت بثلاثية إيرلندية نظيفة، وإنما كانت في كيفية استخدام الرياضة لإيصال موقف إلى العالم من دون أن يتحول الملعب إلى فوضى، ومن دون شعارات جوفاء أو استعراض مؤقت ومن غير خجل كثير من المنتخبات العربية للأسف. والشارع الإيرلندي كان حاضرًا قبل المباراة كذلك. احتجاجات وأعلام فلسطينية، ومطالبات بمقاطعة المباريات، ورسالة مفتوحة وقّعها أكثر من 160 رياضيًا إيرلنديًا تطالب لاعبي المنتخب بعدم مواجهة إسرائيل. حتى الاتحاد الإيرلندي لكرة القدم سبق أن طالب بوقف مشاركة إسرائيل دوليًا، وسط جدل واسع داخل البلاد بشأن استمرار المباريات. هؤلاء فعلوا ذلك من أجل غزة. وهنا يأتي السؤال المؤلم: ونحن ؟؟ أين نحن من غزة؟ أين الشارع العربي؟ أين الجماهير؟ أين الرياضيون؟ أين المشاهير؟ أين أصحاب الملايين من المتابعين؟ وأين ذلك الصوت الذي كان يملأ الدنيا عندما كانت القضية في بدايتها؟ أخشى أن أخطر ما يمكن أن يحدث لغزة ليس فقط استمرار القتل والدمار والتجويع، وإنما أن يصبح كل ذلك بالنسبة إلينا خبرًا عاديًا. أن نرى الصورة ثم نتجاوزها. أن نقرأ عدد الضحايا ثم ننتقل إلى خبر آخر. أن تصبح غزة فقرة ثابتة في نشرات الأخبار بعدما كانت جرحًا مفتوحًا في وجدان الأمة. لقد طال الزمن، وكثرت الصور، وتكررت المشاهد، وربما أصاب البعض شيء من الاعتياد. وهنا تكمن الكارثة. لأن المأساة عندما تطول لا تصبح أقل مأساوية، والطفل الذي يجوع اليوم ليس أقل قيمة من الطفل الذي أبكانا قبل عام أو عامين، والأم التي تفقد أبناءها اليوم لا يخفف من مصابها أن العالم شاهد آلاف القصص المشابهة قبلها. في غزة شعب يعيش تحت دمار هائل وحصار ومعاناة إنسانية ممتدة، وسط اتهامات دولية بالغة الخطورة لإسرائيل بشأن ما ارتُكب بحق المدنيين الفلسطينيين. ومع ذلك، نجد أن صوت التضامن يأتي أحيانًا من دبلن أقوى من أصوات كثيرة في عواصم أقرب إلى غزة جغرافيا ودينًا ولغةً وتاريخًا. وهذه ليست مقارنة هدفها جلد الذات، وإنما إيقاظها. الإيرلندي الذي يرفع علم فلسطين لا يقول لنا: انظروا إليّ. بل ربما يسألنا من حيث لا يدري: إذا كانت غزة حرّكت ضميري وأنا على بعد آلاف الكيلومترات، فكيف أصبحت بعيدة عن ضمائركم وأنتم أهلها وإخوتها؟ لسنا مطالبين بأن نتحول جميعًا إلى سياسيين، ولا أن تتوقف الحياة، ولا أن يصبح كل إنسان خطيبًا أو ناشطًا. لكننا مطالبون بأبسط شيء: ألا ننسى. ألا تصبح صور الأطفال أرقامًا. ألا يصبح الجوع خبرًا. ألا يصبح الموت مشهدًا مألوفًا. وألا تتحول فلسطين من قضية حاضرة في الوجدان العربي والإسلامي إلى ذكرى موسمية نستحضرها فقط عندما يقع حدث كبير. ما فعلته إيرلندا يثبت أن الموقف لا يحتاج دائمًا إلى منصة سياسية ولا إلى خطاب طويل. أحيانًا تكفي شارة سوداء. أحيانًا يكفي رأس ينحني رفضًا. أحيانًا يكفي لاعب يقول: لن أشارك. وأحيانًا يكفي جمهور يرفع علمًا ليذكّر العالم بأن هناك شعبًا لم يُنسَ. لكن السؤال الذي يجب أن يؤلمنا قليلًا بل كثيرًا: إذا كانت إيرلندا ما زالت تتذكر غزة بهذا الوضوح، فبأي عذر نسمح نحن لأنفسنا أن ننساها؟ غزة ليست خبرًا قديمًا. غزة ليست «ترندًا» انتهى. وغزة، قبل كل شيء، ليست بعيدة عنا. هي منا.. ونحن أولى الناس بألا نتركها وحدها. وإلا بذلك تكون إيرلندا هي المسلمة ونحن …..
4668
| 29 سبتمبر 2026
لا يوجد إعلام رياضي خليجي واحد، وإنما إعلام خاص بكل دولة من دول مجلس التعاون. ورغم أهمية القضية وتأثيراتها السلبية على مستقبل الرياضة في خليجنا العربي، إلا أنها لم تنل ما تستحقه من البحث والدراسة، وسأناقشها من أربع زوايا. الزاوية الأولى: إن الإعلام في دولنا خال من الروح الخليجية، فهو يُعنى بالفعاليات والإنجازات الرياضية المحلية، ويركز عليها بشكل مطلق، وإذا ورد خبر رياضي خليجي فإنه يرد ضمن الأخبار غير المحلية ودون عناية به أو تمييز له. الزاوية الثانية: إنه إعلام خبري يهتم بنقل الخبر، ويفتقر إلى المقالات التحليلية العلمية. فمعظم المقالات تدور حول موضوعات تتعلق بجوانب شخصية لكتابها، ولا تقدم رؤى وأفكاراً تساعد في نشر الوعي الرياضي، أو تسهم في تخليق قاعدة جماهيرية مثقفة رياضياً تتيح إعداد جيل يبرز فيه إعلاميون وصحفيون رياضيون مستقبلاً. الزاوية الثالثة: إنه إعلام لا يُعنى بالدور التنموي الكبير للرياضة كأداة تغيير مجتمعي فعالة. فلا نجد اهتماماً بغير الجانب التنافسي لها كنشاطات بدنية، وقلما عثرنا باهتمامات بجوانبها الاجتماعية كالتوعية بالمسؤولية الاجتماعية أو التنشئة الأخلاقية للناشئة والشباب، وتنمية المشاعر الوطنية المرتكزة إلى الإسلام الحنيف والعروبة. الزاوية الرابعة: إنه إعلامُ اللعبة الواحدة، فمعظمُ موادهِ وتغطياتِـهِ تدور حول كرةِ القدمِ، وهذا أمر يعوقُ السعي لتأسيسِ قواعد شعبية للعبات الأخرى، ويؤثِّـرُ سلباً على إنجاح الفعاليات والبطولات الدولية جماهيرياً عندما تُقامُ في إحدى دولِـنا الستِّ. نبضةٌ خليجيةٌ: خليجنا واحد، عبارة تعني أننا شعب واحد في ست دول، وأن تنمية إنساننا هي مهمة خليجية نعمل جميعاً لإنجاحها، وحبذا لو انطلقنا في ذلك من الرياضة وإعلامها.
3318
| 02 أكتوبر 2026
التوظيف بين وزارات الدولة وشركات الوساطة بات اليوم سؤالًا مشروعًا يحتاج إلى إجابة واضحة. فدولة صغيرة بعدد سكانها مثل قطر لا يمكن أن تكتفي بالكوادر الوطنية وحدها لتغطية كل التخصصات والمهن، ومن الطبيعي أن تستعين بالمقيمين والوافدين لسد النقص، خصوصًا في الوظائف التي قد لا يقبل عليها المواطن لاعتبارات مهنية أو ثقافية. لكن ما يحدث في الواقع أن بعض الوزارات والجهات الحكومية، بحكم القوانين والإجراءات التنظيمية، لا تستطيع التعاقد المباشر مع المقيمين رغم وجود حاجة فعلية لهم، فتضطر إلى اللجوء لشركات توظيف خاصة تقوم بدور الوسيط؛ فتوقّع العقود مع الموظفين ثم تعيرهم للوزارات، لكنها تقتطع من رواتبهم أحيانًا ما يقارب النصف تحت مسمى “عمولة” أو “رسوم إدارية”. وهنا يبرز الخلل: الوزارة تدفع ميزانيتها كاملة، والشركة تستحوذ على النصيب الأكبر، والموظف، الذي يقوم بالعمل فعليًا، لا يحصل إلا على النصف أو أقل، في بلد ترتفع فيه تكاليف المعيشة. فيبقى السؤال: كيف يعيش؟ وكيف يعيل أسرته؟ وكيف يدرّس أبناءه؟ والمفارقة أن كل جهاز حكومي لديه أصلًا إدارة متكاملة للتوظيف والموارد البشرية، تضم موظفين مختصين ومؤهلين للقيام بمهام الاستقطاب والاختيار والتعيين. فما الحكمة إذن من وضع التحكم في يد طرف ثالث، بينما الجهة الحكومية مؤهلة وقادرة على القيام بمهامها؟ ولماذا يُترك الموظف والمجتمع ليتحملا الكلفة، بينما المستفيد الأكبر هم أصحاب هذه الشركات؟ والأكثر إثارة للتساؤل أن شركات التوظيف التي تدور في هذا المجال محدودة ومعروفة، وهنا يحق للناس أن يسألوا: من أصحاب هذه الشركات؟ ومن المستفيد من بقاء هذا الباب مفتوحًا؟ وهل نحن أمام تنظيم إداري يخدم المصلحة العامة، أم أمام منفذ ربحي يستفيد منه قلة على حساب حاجة الدولة وجهد الموظف؟ وهذه العقود لا تظلم الموظف في الراتب فقط، بل تمتد إلى حقوقه الأساسية؛ فقد يُخصم من راتبه إذا مرض رغم تقديم شهادة طبية معتمدة، لأنه لا يتمتع بإجازات مرضية أو سنوية مدفوعة، ولا بضمانات وظيفية واضحة، ولا زيادات سنوية، ولا مكافأة نهاية خدمة، بل قد يتأخر راتبه أحيانًا إلى ما بعد بداية الشهر. والأخطر أن بعض الجهات الحكومية تستفيد من خبرات وكفاءات تعمل داخل مؤسساتها وتتحمل مسؤوليات كبيرة، لكنها تتركها تحت رحمة مكاتب وشركات وسيطة، تحقق أرباحًا عالية من جهد الموظف وخبرته، بينما يتحمل هو وحده مخاطر الخصم وعدم الاستقرار والاستبدال. ومن الناحية الشرعية والأخلاقية، فإن هذا النوع من العقود يثير تساؤلات جدية؛ فالوسيط من حقه أن يأخذ أجرًا معلومًا ومحددًا مقابل خدمته، لكن أن يتحول الأمر إلى اقتطاع مستمر من راتب الموظف طوال سنوات خدمته، فهذا يقترب من شبهة أكل أموال الناس بغير وجه حق، ويفتح بابًا واسعًا للاستغلال. والمسؤولية هنا لا تقع على الشركة وحدها، بل تشمل أيضًا الجهة الرسمية التي سمحت بهذا النموذج أو تغاضت عنه. أما من ناحية التخطيط، فالمنطق يقول إن الهدف من هذه الإجراءات هو إعطاء الأولوية للمواطن، وهذا هدف مفهوم ومشروع، لكن لا يجوز أن يتحول الأمر إلى التفاف إداري يرهق المقيم، ويضر بصورة العدالة، ويكلف الدولة أحيانًا أكثر مما لو تم التعاقد المباشر بشفافية ووضوح. نحن لسنا ضد التعاقدات، ولا ضد القطاع الخاص، ولا ضد ربح الشركات، لكننا ضد أن يكون الربح على حساب كرامة الإنسان وحقوقه الأساسية. فالكفاءة والخبرة ليست سلعة في مناقصة، والإنسان ليس رقمًا في فاتورة شهرية، يتم الاستغناء عنه أو استبداله متى انتهت الحاجة إليه. الحل ليس معقدًا: التعاقد المباشر مع المقيمين في الوظائف التي لا يتوافر لها مواطنون، ضمن عقود واضحة تحفظ الحقوق، مع تقييد دور شركات الوساطة بحيث تكتفي بأجر مقطوع ومعلوم لمرة واحدة، بدلًا من الاقتطاع الدائم من رواتب الناس. وهذا المقال موجّه إلى وزارة العمل، وديوان الخدمة المدنية والتطوير الحكومي، ووزارة المالية، وديوان المحاسبة، ومجلس الشورى، وكل جهة معنية بمراجعة عقود التوظيف، وحماية المال العام، وصون حقوق العاملين. فالمسألة في جوهرها تحتاج إلى مراجعة قانونية وشرعية وإدارية، حتى يكون التوظيف في قطر قائمًا على العدل لا على الالتفاف، وعلى الاستقرار لا على الاستغلال، وبما يحفظ حق الدولة، وحق الشركة، وحق الموظف، لأن الاستثمار الحقيقي لأي مؤسسة يبدأ من احترام الإنسان وخبرته واستقراره.
1182
| 01 أكتوبر 2026