رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
من يتابع تطورات الأحداث في الخليج منذ أزمة سحب السفراء من قطر عام 2014 سيلاحظ على الفور أن المسألة باتت أشبه بمصارعة كسر العظام، ليس لشيء سوى الرغبة في كسر شخصية قطر السياسية، التي تشكلت وتكونت خلال أكثر من عقدين كاملين من الزمن تقريبًا. تلك الشخصية المحبة للبناء والتعمير، والمساهِمة في الخير للآخرين، ورأب الصدوع وحل المشكلات هنا وهناك، وبشهادة كثيرين حول العالم.
لا شك أن الشخصية القطرية السياسية أزعجت القريب أكثر من البعيد، رغم أن المجال كان مفتوحًا وما زال، لأي جار أن يبني شخصيته المميزة، مع ما ينتج عن ذلك الكثير من الفوائد لصالح منظومة التعاون، وشعوب المنطقة بصورة أو أخرى. فأن تكون في مجلس تعاوني لا يعني أن تكون نسخة كربونية من الآخرين بالمجلس. نعم نتفق على المبادئ ولكن لا يمنع أن تكون لي شخصيتي ورأيي ورؤيتي للأمور، فهكذا حال المجالس والكيانات السياسية في كل العالم. هذه حقيقة رأيت ضرورة البدء بها.
الحملة الإعلامية اللاأخلاقية على قطر، والتي وإن بدا زخمها يخفت ويهدأ ويتوارى منذ أن بدأت قبل أسبوع، دليل جديد مؤكد على أن الرغبة ما زالت موجودة بالتعاون الخليجي، لتكون كل الدول نسخ كربونية عن شخصية واحدة هي التي ترى وتفهم وتفكر وتقرر، ومن يخرج عن تلك النسخة سيكون معرّضًا لكل أنواع التهم.. تبدأ بتهمة إزعاج السلطات وتنتهي بالتخوين! فما زال بعض المسؤولين بالتعاون الخليجي، وإن كان بشكل غير مباشر، ومن يدور في فلكهم من إعلاميين ومثقفين ومنتفعين ومستشارين عرب وغير عرب، مستمرين في تكرار الأسطوانة المشروخة نفسها عن قطر، والتي قالت قطر عنها بكل وضوح في بيان قديم متجدد لها "قل هاتوا برهانكم إن كنتم صادقين".
الإخوان، حماس، التدخل في الشؤون الداخلية، الجزيرة، التحريض!! هي مكونات الأسطوانة التي أصابها الشرخ من كثرة التكرار والاستعمال. أما الإخوان، فإن كان إيواء بعض عناصرهم التي هاجرت بعد الانقلاب، خشية الاعتقال والتعذيب أو القتل، هو في عُرف أصحاب الحملة دعم للإرهاب! فكذلك إيواء شفيق ودحلان وزين العابدين وأمثالهم، يُعد في عرف الشعوب المقهورة، وليس قطر فقط، دعما صريحا لإرهابيين ومجرمين هاربين من العدالة.
أما حماس والانزعاج من وقوف قطر معها، فهو أمر غاية في الغرابة. ألم يقف كل الخليج منذ عقود طويلة مع منظمة التحرير الفلسطينية، حين كانت حركة مقاومة مسلحة وقدمت لها كل الدعم، بل وما زالت تقدم الدعم رغم استسلامها المهين؟ فلماذا تقدم الدعم لفصيل استسلم، وتستنكر على قطر أنها لا تزال تقف مع فصيل آخر يرفض الاستسلام ويعاني القهر والحرمان من المحتل؟ لماذا يتم استنكار هذا العمل من قطر، في حين أن قطر لم تستنكر ولم تعارض دعم بعض الخليج لمحمود عباس ومن معه في الفلك يسيرون؟ هذه رؤى سياسية قابلة للنقاش وقد تتغير مع الظروف، ولكن لا يصل الأمر أن يجبر أحدٌ الآخر على رأيه.
أما تدخل قطر في الشؤون الداخلية لبعض الدول الأعضاء بالتعاون الخليجي، فإنه قصة لا أريد الإسهاب فيها، لأنها زعم ووهم كبيرين، بالإضافة إلى أنه غير منطقي لاعتبارات كثيرة. فكيف يقبل المنطق والعقل أن تزعزع قطر أمن واستقرار جوارها، وهي أول من ستتأثر بعمق شديد لأي عدم استقرار وفوضى بجوارها؟ فإن للجغرافيا والديمغرافيا اعتبارهما ها هنا. ثم، أليس الضغط على الآخر لاتخاذ قرار ما مكرهًا ومجبرًا، هو قمة التدخل في الشؤون الداخلية وانتهاك للسيادة؟ لماذا يُراد لقطر إجبارها على قرارات معينة تتعارض مع مصالحها الإستراتيجية؟ أليس هذا تدخلا صريحا وسافرا في شؤونها الداخلية؟ لماذا لم تقل قطر أن ذلك تدخلًا في شؤونها وتعارضًا لمصالحها؟
النقطة الأخيرة حول مزاعم التحريض، والمقصد ها هنا قناة الجزيرة، على الرغم أنها منذ فترة طويلة تتناول أخبار الخليج بشكل خجول ومحتشم جدًا، ولكن تقوم بعملها بدرجة كبيرة من المهنية والحيادية قدر المستطاع، ولا يمكن مقارنتها بما عليه العربية وسكاي نيوز أبو ظبي مثلًا أو الشرق الأوسط وعكاظ والرياض والخليج والاتحاد ومنابر إعلامية أخرى سعودية وإماراتية ما بين مرئية ومكتوبة، والتي تقوم حاليًا بواجب التحريض والتشويه بشكل غير معهود ومسبوق في الخليج، حيث ضاعت خلالها كل مبادئ وقيم وأخلاقيات المهنة.
لكن مع كل ذلك التحريض والتشويه في الحملة، فإن قطر لا تزال تغض الطرف عنها، إلا من بعض جهود لأفراد في وسائل التواصل والصحف الخاصة، وإن كانت بشكل فيه الكثير من الأدب والاحترام للقارئ والمشاهد، على عكس ما هو حاصل في المعسكر الثاني، الذي يتخبط يمنة ويسرة منذ أن بدأ.
لا تريد قطر الاستجابة لاستدراجات الطرف الآخر والانزلاق في مهاترات وأكاذيب وفبركات، باعتبار أن هناك انفتاحا إعلاميا واسعا حاصلا وواقعا في العالم لا يمكن تجاهله، وأن سياسة تكميم الأفواه ومراقبة كل من هب ودب وحجب المواقع، إنما هي بمثابة حرث في بحر لجّي، لا يُجدي نفعًا منه مهما طال الحرث وطال الزمن، فكان من الحكمة أن تواصل قطر تجاهلها لكل هذا الهجوم الإعلامي المستمر من وسائل إعلامية سعودية وإماراتية، أو المحسوبة عليهم أو المنتفعة من دعمهم، تاركة الأمر للمتابع أو المشاهد والقارئ، حيث تراهن قطر على وعي الجمهور وقدرته على تمييز الغث من السمين.. والزمن كفيل بالأمر.
لقد بدا واضحًا لكل المتابعين والمهتمين للشأن الخليجي ومنذ البداية، أن قطر لم تأخذها الحماسة والعزة بالإثم وتواجه الحملة الإعلامية اللاأخلاقية بمثلها أو أشد، وإن كان في مقدورها أن ترد الصاع صاعين إن أرادت، ولكن ما زالت الحكمة قطرية. إذ نعتقد في قطر أن مثل هذه الخلافات في الرؤى بين الدول إن حدثت، فلا يجب أن تترك لسفهاء الإعلام وبعض المرتزقة، المحليين منهم أو غيرهم من الخارج، وإنما تُرفع إلى أهل الحكمة والرأي، من سياسيين وعلماء ومفكرين، ولا تترك لسفهاء ومرتزقة الإعلام.
لقد أراد "البعض" سواء كان بالداخل الخليجي أم خارجه، إحداث نوع من الفرقة بين الأشقاء في البيت الخليجي الواحد، الذي عُرف عنه منذ أن ظهر للوجود على شكل مجلس تعاون قبل ثلاثة عقود، أن مشاكله وخلافاته لا تظهر للعلن، بل يتم حسمها أو مواصلة التشاور بشأنها في هدوء وبعيدًا عن ضجيج وأضواء الإعلام.
لهذا كله، أقول بأن الحكمة مطلوبة في أوقات الأزمات والأجواء المشحونة.. وإن التعامل الهادئ مع الانفعالات غير السوية والمحسوبة، هو نهج تسير عليه دولة قطر منذ زمن، باعتبار إيجابياته الكثيرة، بل إنه النهج السليم لأن يكون أنموذجًا في كيفية تعامل الدول مع بعضها، بعيدًا عن لغة التهديد أو استخدام قوى الساعد والسلاح والإعلام وغيره، التي وبكل تأكيد ما تزيد غير تخسير.
كانوا لا يتناهون عن منكر فعلوه
لعن الله عصاة بني إسرائيل ومن وافقهم في النهج والمسلك، ليس لانغماسهم في المنكرات وتعمُّد الإتيان بها فحسب،... اقرأ المزيد
249
| 24 سبتمبر 2026
انتبه من البيت العـنكبوتي
العنكبوت في اللغة هي أنثى هذا الحيوان، والذكر يطلق عليه عنْكَب. وفي القرآن سورة كاملة مكية باسمها، لكن... اقرأ المزيد
381
| 17 سبتمبر 2026
لا تنه عن خلق وتأتي مثله
ليس سهلاً على الإنسان منا التوفيق بين القول والفعل، أي أن يجسّد ما يقوله للآخرين على أرض الواقع،... اقرأ المزيد
249
| 10 سبتمبر 2026
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
د. عـبــدالله العـمـادي
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
نهج.. وبقيمنا نلتزم. توقفت عند هذا الشعار وسألت نفسي: هل نحن فعلًا من يختار ما نراه على هواتفنا؟ نفتح التطبيق لنشاهد مقطعًا واحدًا. وبعد نصف ساعة نجد أنفسنا نشاهد مقاطع لم نبحث عنها ونقرأ آراء لم نطلبها وربما نقتنع بفكرة فقط لأنها ظهرت أمامنا مرات عديدة ثم نعتقد بكل ثقة:أنا اخترت. لكن هل اخترنا فعلًا؟ أطلقت المؤسسة القطرية للإعلام مبادرة نهج بالتعاون مع جامعة قطر وجهات أخرى، لتعزيز الوعي بالمحتوى الرقمي ومسؤولية الكلمة. وجاءت المبادرة في وقت لم تعد فيه المنصات تعرض لنا ما ينشره الآخرون بالترتيب الذي نشروا فيه. فالخوارزميات تتعلم ما يجذبنا والذكاء الاصطناعي يساعدها على فهم اهتماماتنا أكثر. وكلما توقفنا عند مقطع وصلتنا مقاطع تشبهه. ونجد أنفسنا محاطين بأفكار نحبها من دون أن ننتبه إلى ما غاب عنا. لهذا التدريب على الذكاء الاصطناعي يجب ألا يتوقف عند تعلم استخدامه في العمل والدراسة. نحتاج أيضًا أن نفهم أثره في ما نشاهده كل يوم. لماذا وصلني هذا الخبر؟ هل مصدره موثوق؟ وهل أعطيته وقتي لأنه مهم أم لأنه عرف كيف يجذب انتباهي؟. يمكن أن نبدأ التدريب بموقف نعيشه جميعًا. نأخذ خبرًا انتشر على المنصات ونسأل المشاركين كيف وصل إليهم ولماذا صدقوه، وأين وجدوا مصدره. قد نختلف في الإجابات لكننا على الأقل سنتوقف قليلًا قبل المشاركة. الذكاء الاصطناعي يتطور بسرعة. أما قدرتنا على التوقف والسؤال فتحتاج منا بعض التدريب. وهذا أجمل ما تذكرنا به نهج أن يكون لنا نهج واضح ونحن نمسك الهاتف قبل أن يختار لنا الهاتف نهجنا.
2235
| 09 أكتوبر 2026
قد يربح استثمارك، ثم تكتشف أن من يديره اختاره لأن عمولته أعلى، رغم وجود خيار أنسب لاحتياجاتك. هل يكفي الربح لتطمئن إلى أنه أدى الأمانة؟ هذا السؤال يفتح بابًا مهمًا لفهم المسؤولية التي يتحملها كل من يُؤتمن على إدارة مصالح الآخرين. في قلب هذه المسؤولية يأتي مفهوم Fiduciary Duty، الذي يمكن تبسيطه بأنه واجب الأمانة والولاء والعناية تجاه من ائتمنك. فمن يُمنح صلاحية إدارة أموال أو مصالح، عليه أن يستخدمها لخدمتها، وأن يدرس قراراته بعناية، وأن يُفصح عن أي مصلحة شخصية قد تؤثر في اختياره. ولفهم المبدأ، يكفي طرح سؤالين: هل درس المسؤول القرار كما ينبغي؟ وهل اتخذه لخدمة المصلحة التي كُلّف بحمايتها؟ يتعلق السؤال الأول بالعناية، والثاني بالولاء. فقد يكون المدير أمينًا، لكنه يوافق على استثمار كبير دون فهم مخاطره. وقد يكون خبيرًا، لكنه يستخدم معرفته لتوجيه عقد نحو شركة ينتفع منها. ولذلك تحتاج الإدارة المسؤولة إلى الأمانة والكفاءة معًا. وتظهر أهمية هذا الواجب لأن صاحب المال لا يستطيع متابعة كل قرار. فالمساهم لا يحضر اجتماعات الإدارة اليومية، والعميل لا يعرف جميع تفاصيل المنتجات الاستثمارية، بينما يمتلك المسؤول معلومات وصلاحيات تمنحه تأثيرًا واسعًا. وكلما اتسعت هذه المسافة، ازدادت الحاجة إلى قواعد تحدد كيف تُستخدم السلطة وكيف يُساءل صاحبها. والأمانة هنا تتجاوز الامتناع عن السرقة. فقد يضر المسؤول بمن ائتمنه دون أن يأخذ مالًا من حسابه مباشرة؛ كأن يخفي مصلحته في صفقة، أو يستغل فرصة تخص المؤسسة لحسابه، أو يهمل دراسة التزامات تتحمل المؤسسة نتائجها لسنوات. لذلك ينبغي أن يمتد الاهتمام إلى أسباب القرار وطريقة اتخاذه، إلى جانب نتيجته. في الولايات المتحدة، يقدم عمل مستشاري الاستثمار مثالًا واضحًا. فالمستشارون الخاضعون لقانون مستشاري الاستثمار الاتحادي ملتزمون بواجبَي العناية والولاء تجاه عملائهم، بما يقتضي تقديم المشورة في مصلحة العميل وفهم أهدافه وظروفه. وهذا تطبيق محدد للمبدأ، إذ تختلف الالتزامات بحسب طبيعة الدور والعلاقة القانونية. لنفترض أن متقاعدًا يريد دخلًا منتظمًا، ويحتاج إلى جزء من مدخراته خلال عام. ينبغي للمستشار أن يفهم هذه الحاجة قبل أن يوصي باستثمار طويل الأجل يصعب الخروج منه. وعليه أن يدرس المخاطر والتكاليف وقدرة العميل على تحمل الخسارة. فالمنتج الذي يناسب شخصًا يستطيع الانتظار عشر سنوات قد لا يناسب من يحتاج أمواله قريبًا، مهما بدا عائده جذابًا. أما إذا كان المستشار يحصل على منفعة مرتبطة بتوصيته، فإن ذلك يثير تعارضًا محتملًا بين مصلحته ومصلحة العميل. وتوضح الإرشادات الأمريكية ضرورة إزالة التعارض، أو الإفصاح عنه بصورة كاملة وواضحة تتيح للعميل الموافقة عن علم، مع استمرار الالتزام بمصلحته. وإذا تعذر الإفصاح بما يسمح بموافقة واعية، وجب إزالة التعارض أو تخفيفه على نحو يتيح ذلك. وجود عمولة لا يجعل كل توصية خاطئة، لكن إخفاءها أو إخفاء أثرها يحرم العميل من معلومة قد تغير قراره. ولذلك، قبل أن تمنح أحدًا سلطة إدارة أموالك، اسأله كيف يتقاضى أجره، وما المصالح التي قد تؤثر في قراراته. واسأله أيضًا: لماذا اخترت هذا الاستثمار؟ ما تكلفته؟ وما البدائل التي درستها؟ تساعد هذه الأسئلة على جعل العلاقة أوضح منذ البداية. وفي قطر، توجد أحكام قانونية تحقق جوانب أساسية من هذا الغرض. ففي الأحكام المنظمة لمجلس إدارة شركة المساهمة بقانون الشركات التجارية رقم 11 لسنة 2015 وتعديلاته، تُلزم المادة 109 رئيس وأعضاء مجلس الإدارة وأعضاء الإدارة التنفيذية العليا بالإفصاح عن مصالحهم المباشرة وغير المباشرة في صفقات الشركة وتعاملاتها. كما تمنع صاحب المصلحة من حضور الجلسات التي تناقش الموضوع المتعلق به أو التصويت عليه. وتنظم المادة 108 عدم منافسة هؤلاء للشركة دون موافقة الجمعية العامة، بينما تقرر المادة 113 مسؤولية رئيس وأعضاء المجلس عن الأضرار الناشئة عن الغش وإساءة استعمال السلطة ومخالفة القانون أو النظام الأساسي والخطأ الجسيم في الأداء. وتختلف التفاصيل القانونية بحسب نوع الشركة وصفة المسؤول. وتمتد الحماية إلى القضاء. فالمادة 109 تتيح للمساهمين، وفق شروطها ومع مراعاة حقوق الغير حسن النية، المطالبة ببطلان صفقات والتعويض عن المخالفات، وتُلزم المخالف برد المنفعة التي حققها إلى الشركة. وتتيح المادة 115 للشركة رفع دعوى المسؤولية عن الأخطاء التي تضر بمجموع المساهمين، بقرار من الجمعية العامة العادية. كما تسمح المادة 116 للمساهم برفع الدعوى منفردًا إذا لم ترفعها الشركة وكان الخطأ يُلحق به ضرر خاص كمساهم، بشرط إخطارها. وإذا صدر حكم لصالحه، تلتزم الشركة بتعويضه عن نفقات ومصاريف التقاضي. ولتقريب الصورة، تخيّل أن شركة تريد شراء معدات، وأحد أعضاء مجلس إدارتها شريك في الشركة التي قدمت العرض. قد يكون العرض جيدًا، لكن مصلحته فيه يجب أن تكون معلومة. ووفق الأحكام المنطبقة، يفصح عنها ويتنحى عن حضور المناقشة والتصويت، وتُستكمل الموافقات المطلوبة. ثم يقيّم الآخرون العرض وفق السعر والجودة والخدمة، ويوثقون أسباب اختيارهم. فالإفصاح عن المصلحة الشخصية لا يمنح المسؤول حرية تمرير القرار، بل يتيح إخضاعه للمراجعة والموافقات المطلوبة. وهناك سؤال مفيد للمراجعة الذاتية قبل اتخاذ القرار: لو لم تكن لي منفعة شخصية، هل كنت سأتخذ القرار نفسه؟ هذا السؤال لا يغني عن الإجراءات القانونية، لكنه يساعد المسؤول على ملاحظة تأثير مصلحته في حكمه، خصوصًا حين يجد نفسه يدافع عن خيار لا يستطيع تبريره بمعايير واضحة. ولكي تصبح هذه الحماية جزءًا من العمل اليومي، تحتاج المؤسسة إلى سجل للمصالح يُحدّث عند تغيرها، وطريقة واضحة للإفصاح، ومحاضر تثبت التنحي، ومراجعة للصفقات التي تتداخل فيها المصالح. ويحتاج المسؤول إلى فهم حدود صلاحياته، كما يحتاج المساهم إلى معرفة حقوقه ووسائل المطالبة بها. فالنص القانوني يزداد أثره حين يتحول إلى إجراءات يعرفها الناس ويطبقونها. ومع ذلك، يجب التمييز بين الخسارة والإخلال بالأمانة. فقد يُدرس مشروع بعناية ثم تتغير ظروف السوق، وقد تحقق صفقة ربحًا رغم إخفاء مصلحة شخصية فيها. لذلك ينظر التقييم السليم إلى العناية التي بُذلت، والمعلومات المتاحة، والالتزامات ذات الصلة، إلى جانب النتيجة. فهذا التوازن يحمي أصحاب الأموال، ويتيح للإدارة اتخاذ قرارات مهنية مسؤولة. حين تُسلَّم أموال الناس ومصالحهم إلى مسؤول، فإنهم يمنحونه صلاحية التصرف وثقة تستحق الحماية. ولهذا يجب أن تكون الأمانة التزامًا واضحًا، تدعمه قواعد للإفصاح، ورقابة تكشف التجاوز، وحق في التقاضي يتيح المطالبة بالإنصاف. فالمؤسسة التي تحمي أصحاب الأموال تجعل المسؤول قادرًا على تفسير قراراته، وتُلزمه بتحمل تبعات إخلاله. ومن يملك سلطة القرار في أموال الآخرين، لا يملك حق تقديم مصلحته على مصالحهم.
1125
| 11 أكتوبر 2026
أشدّ ما يؤلم في الفقد أن نكتشف متأخرين أننا أضعنا وقتا طويلا في طرق أبواب لا تعرفنا، بينما كان هناك باب واحد يستحق أن نقف أمامه طويلا، وصاحب ينتظر منا التفاتة صغيرة، أو سؤالا عابرا، أو زيارة تؤكد له أنه ما زال حاضرا في قلوبنا. ثم تمضي الأيام، ويغيب صاحب الباب، ونكتشف أن الطريق إليه صار أبعد من قدرتنا، وأن بعض المواعيد التي أجلناها بحجة الانشغال قد لا تمنحنا الحياة فرصة أخرى للوفاء بها. الأسى الحقيقي أن تطرق في الدنيا بابا، فيما قد يكون صاحب القلب الذي أهملته قد سبقك إلى غياب لا تعرف متى تلتقيه بعده، ولا كيف يمكن أن تصله رسائلك المؤجلة. أن تنشغل بمن لا يراك، وتستنزف مشاعرك في استرضاء من لا يعنيه حضورك، وتبذل من وقتك وكرامتك ما يكفي لشراء لحظة رضا عابرة، فيما هناك قلب يحبك بصدق، ويكتفي منك بما تستطيع من محبة واهتمام. قد يكون ذلك القلب أما أو أبا أو أو أخا صديقا قديما، أو شخصا منحك من عمره ما لم تنتبه يوما إلى قيمته، لأنه كان قريبا بما يكفي لتطمئن إلى بقائه. نؤجل الزيارات أحيانا لأن الغد يبدو مضمونا، ونختصر المكالمات لأن لدينا ما هو أهم، ونعد أنفسنا بأننا سنعوض من نحب حين تنتهي مشاغلنا. غير أن المشاغل تعرف كيف تتكاثر، والأيام تمضي من غير أن تستأذننا، حتى يأتي خبر صغير يغيّر ترتيب الأشياء في أعيننا إلى الأبد. عندها نستعيد وجوها لم نمنحها حقها من التأمل، وأصواتا كنا نستعجل انتهاء أحاديثها، وعتبا بسيطا تمنينا لو سمعناه مرة أخرى. ما أغرب قدرتنا على منح الغرباء من وقتنا أكثر مما نمنح أهلنا، وعلى الوقوف طويلا أمام أبواب مغلقة نرجو منها قبولا أو اعترافا، فيما نمر سريعا على الأبواب التي تفتح لنا بمحبة. نركض وراء مكانة قد لا تضيف إلى أرواحنا شيئا، ونحزن لأن شخصا لم يلتفت إلينا، وننسى من كان يفرح لمجرد سماع أصواتنا. وحين نراجع حساباتنا بعد الفقد، ندرك أن بعض ما أرهقنا كان يستحق التجاهل، وأن بعض من أهملناهم كانوا يستحقون أعمارا إضافية من قربنا. ولعل أقسى ما في الرحيل أنه يكشف لنا حقيقة علاقاتنا بأنفسنا أيضا. كم مرة خذلنا مشاعرنا الصادقة كي نرضي آخرين، وكم مرة اعتذرنا عن زيارة حبيب بحجة التعب، ثم احتملنا مشقة الطريق إلى شخص لا يبادلنا الود. كم مرة عرفنا أن أحدهم يحتاج إلينا، وقلنا إن الوقت لم يحن بعد، حتى صار الوقت كله ملكا للندم. لا أظن أن أحدا يستطيع استعادة الماضي، أو إصلاح ما انكسر في لحظة غياب، لكننا نستطيع أن نتعلم كيف نوزع محبتنا بعدالة أكبر، وأن نعيد النظر في أولوياتنا قبل أن يفرضها علينا الفقد. فالعلاقات الحقيقية تحتاج إلى رعاية يومية، وإلى حضور يشعر به الآخر، وإلى كلمات تقال في وقتها، واعتذارات لا تتأخر حتى تفقد معناها. وقد تكون زيارة قصيرة أثمن من هدية باهظة، ومكالمة صادقة أعمق أثرا من وعود طويلة نرددها كلما ضاق بنا تأنيب الضمير. أما الذين رحلوا، فلهم في القلب مكان لا تبلغه الأقدام، وتبقى ذكراهم امتحانا لمحبتنا ووفائنا. نرجو أن تصلهم دعواتنا، ونحفظ ما أحبوه، ونصل من كانوا يحبونهم، ونجعل من غيابهم سببا لمزيد من الرحمة في حياتنا. وربما كان أجمل الوفاء لهم أن ننتبه إلى الأحياء الذين ما زالوا ينتظرون منا التفاتة، قبل أن تتحول أسماؤهم إلى ذكريات نستدعيها كلما أوجعنا الحنين. فلنخفف من طرق الأبواب التي تستنزف أرواحنا، ولنلتفت إلى الذين يفتحون لنا قلوبهم بمحبة. فما أقسى أن نقضي أعمارنا في انتظار من لا يأتي، ثم نكتشف أن الذين كانوا يستحقون انتظارنا قد رحلوا إلى حيث لا نعرف من أمر اللقاء إلا ما نرجوه ونؤمن بإمكانه. عندها لن يعيد الاعتذار المتأخر صوتا غاب، ولن تعود يد امتدت إلينا ذات يوم لتمنحنا الأمان. وربما كان علينا أن نفهم باكرا أن بعض الأبواب ينبغي أن نغادرها، وأن بعض الأبواب تستحق أن نبقى عندها أكثر، لأن أصحابها كانوا يمنحوننا الحب الذي بحثنا عنه طويلا في الأماكن الخطأ.
645
| 12 أكتوبر 2026