رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
كانت قمة استثنائية تلك التي احتضنتها الدوحة يوم الثلاثاء المنصرم، سواء من حيث الشكل أو المحتوى، فقد اتسمت بانسيابية في الترتيبات والإجراءات حتى الأمنية منها لم تكن موضع إزعاج وإن كان هناك تضييق على الإعلاميين بالتحرك للحيلولة دون وصولهم إلى قاعة القادة ورغم ذلك تمكن البعض من اختراق هذا التضييق دون أن يقابل بالعنف من رجال الأمن،
في سياق الشكل وفرت السلطات القطرية كل متطلبات نجاح القمة، فالقاعات مجهزة لكل مراحلها بداية من كبار المسؤولين إلى الوزراء إلى القادة والمركز الصحفي الذي أعد لاستقبال أكثر من 800 صحفي وإعلامي من أنحاء مختلفة في العالم كان مجهزا بالوسائل والتقنيات التي تيسر عملهم وسرعة تعاملهم مع وقائع القمة.
وإذا توقف المرء عند المحتوى فإن قمة الدوحة جاءت مغايرة لنمط القمم السابقة وفق المعطيات التالية..
أولا: فقد شارك فيها على غير المعتاد 17 رئيس دولة وملكا وغياب بعض القادة عنها كان لأسباب صحية وليست سياسية مثلما كانت تعاني منه قمم سابقة وهو ما وفر زخما قويا لقراراتها التي صدرت كلها بتوافق وبالإجماع، باستثناء القرار الخاص بمنح الائتلاف الوطني لقوى الثورة والمعارضة السورية مقعد سوريا فيها وفي الجامعة العربية ومنظماتها ومؤسساتها ورغم تحفظات كل من الجزائر والعراق على هذا القرار وإعلان لبنان النأي بنفسه فإنه لم يفجر مواقف غاضبة خلال القمة، بل بدا واضحا أن ثمة قناعة باتت راسخة بالرأي والرأي الآخر ومن حق كل دولة أن تتبنى موقفا خاصا بها دون أن يؤدي ذلك إلى تأجيج الخلافات ومن ثم الشروع في حروب إعلامية وسياسية، كما كان يتم في مراحل سابقة من العمل العربي المشترك.
ثانيا: قاربت القمة التطلعات المشروعة للشعوب العربية التي تسكنها الأشواق للتغيير والإصلاح وهو أمر لم يكن معتادا من القادة العرب الذين ينزعون إلى المحافظة على الأوضاع القائمة ولكن يبدو أن ثورات الربيع العربي دفعتهم إلى التفاعل مع متطلباتها ومحدداتها. فقد شدد إعلان الدوحة الذي أصدرته القمة في ختام أعمالها على ضرورة مواصلة الإصلاحات بالدول العربية التي تضمن توفير الاستقرار السياسي والاجتماعي، وتعزيز المشاركة الشعبية في آليات الحكم، ومؤسساته وترسيخ حقوق المواطنين وحفظ كرامتهم وإرساء قواعد الحكم الرشيد ودولة القانون، وإشاعة المساواة والإنصاف بين جميع المواطنين، وتحقيق العدالة الاجتماعية، وتجاوز الأفكار النمطية التي تواجه قضايا الغد بمناهج الأمس ومن أجل العمل على الانطلاق نحو المستقبل بمفاهيم جديدة وحلول مبدعة بما يحصن الأمن القومي العربي ويزيد منعته، ويتيح تجاوز الوضع العربي الراهن وارتياد آفاق المستقبل باقتدار يليق بمكانة الأمة العربية وبدورها وإسهامها في الحضارة الإنسانية.
ثالثا: تجاوزت القمة مستوى الشعارات إلى مرحلة اتخاذ القرارات العملية القابلة للتنفيذ فورا دون انتظار الدراسة والإحالة إلى اللجان وإن ظل هذا التوجه مستمرا فيما يتعلق ببعض الملفات ذات الطابع الاقتصادي والتي تتطلب التأني في الدراسة والتطبيق، فقد تبنت القمة اقتراح أمير قطر الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني الخاص بإنشاء صندوق لدعم القدس بقيمة مليار دولار والذي تكفل بالمساهمة بربع هذه القيمة – 250 مليون دولار- وتكليف بنك التنمية التابع لمنظمة التعاون الإسلامي بالإشراف على الصندوق.
كما تبنت القمة مقترحا ثانيا للشيخ حمد بعقد قمة عربية مصغرة لحسم ملف الانقسام الفلسطيني وإنجاز المصالحة الوطنية في القاهرة برئاسة مصر وعضوية قطر وفلسطين وخلال الأيام القليلة القادمة سيتم الإعلان عن الترتيبات الخاصة بهذه القمة والتي تؤشر إلى أن القادة العرب أصابهم الضجر من البطء الذي تتم به خطوات المصالحة رغم سلسلة من الاتفاقيات بين أهم فصيلين فلسطينيين، وهما فتح وحماس، وينطوي القرار أيضاً على الاعتراف العربي بمحورية الدور المصري على صعيد هذا الملف
بيد أن القرار العملي الأهم لقمة الدوحة تمثل في منح الائتلاف الوطني لقوى الثورة والمعارضة مقعد سوريا في الجامعة العربية ومنظماتها ومؤسساتها والذي طبق في مستهل أعمالها بعد أن أقره وزراء الخارجية عندما دعا الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني أمير قطر بعد تسلمه رئاسة القمة من العراق كلا من معاذ الخطيب رئيس الائتلاف وغسان هيتو رئيس الحكومة المؤقتة للجلوس في المقعد الذي كان مخصصا على مدى العقد الأخير لبشار الأسد وتحت علم الثورة بدلا من علم النظام الذي صار ممقوتا بعد العدوانية والهمجية التي يرتكبها بشار وزمرته الحاكمة ضد شعبه، وبهذه الخطوة فقد كرست قمة الدوحة شرعية المعارضة السورية وهي خطوة أولى لاكتساب الشرعية على الصعيد الدولي، بل إن ثمة قرارا عربيا بالسعي لحصول الائتلاف على مقعد النظام في الأمم المتحدة وهو ما أكد عليه أحمد داوود أوغلو وزير الخارجية التركي الذي كان حاضرا الجلسة الافتتاحية للقمة بدعوة من قطر تقديرا لجهود بلاده في الأزمة السورية وغيرها من القضايا العربية.
ورغم تأكيد القادة العرب في القمة على أهمية الجهود الرامية للتوصل إلى حل سياسي كأولوية للأزمة السورية، إلا أنهم أكدوا في الوقت نفسه على حق كل دولة وفق رغبتها في تقديم وسائل الدفاع عن النفس بما في ذلك العسكرية، لدعم صمود الشعب السوري والجيش الحر وهو ما ينطوي على تطور شديد الأهمية على صعيد الدعم اللوجستي للثوار بما يمكنهم من المضي قدما في تحقيق اختراقات نوعية ضد قوات النظام مثلما حدث في الأشهر القليلة المنصرمة والتي اقترب فيها الثوار من المناطق الحساسة في قلب دمشق وفي مقدمتها القصر الجمهوري. ووفقا لتأكيدات الدكتور نبيل العربي الأمين العام للجامعة العربية فإن هذا القرار لا يقوض جهود الحل السياسي ولكنه يحقق توازنا على الصعيد العسكري يدفع باتجاهه.
رابعا: لم تغب عن القمة القرارات التي تصب في اتجاه تفعيل التكامل الاقتصادي على الصعيد القومي وهو حلم يسكن جميع العرب ولعل في مقدمتها القرار الخاص بإزالة الصعوبات المتبقية في طريق استكمال منطقة التجارة الحرة العربية الكبرى التي من المقرر الانتهاء منها بنهاية العام الحالي وفي صدارة هذه الصعوبات ما يتصل بقواعد المنشأ وهي مسألة معقدة تقنيا لكنها ضرورية لاستكمال هذه المنطقة التي ستكون بوابة العبور إلى الاتحاد الجمركي ثم الاتحاد النقدي العربي وصولا إلى السوق العربية المشتركة والتي تمهد لمرحلة التكامل وبالطبع سوف يتطلب ذلك متسعا من الوقت قد يمتد إلى سنوات لكن يمكن القول إن الخطوة الأولى والمهمة قد فعلتها قمة الدوحة.
السطر الأخير:
سر بهجتي في المدينة أنت
أيا راسمة الفرح بحدائقها
ومن تبث البهاء بخرائطها
أقيليني من عثرة الغياب
امزجيني بالحضور
عطريني دوما بعينيك
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
هي ليست عربية ولا حتى مسلمة، ولا تربطها بغزة رابطة دم أو دين أو لغة، ومع ذلك استطاعت في مباراة كرة قدم واحدة أن ترسل رسالة أخلاقية دوّى صداها أبعد بكثير من حدود المستطيل الأخضر. في مباراة منتخب إيرلندا أمام دولة الكيان، لم يتعامل اللاعبون الإيرلنديون مع الأمر وكأنه تسعون دقيقة من كرة القدم تنتهي بصافرة الحكم ثم يعود الجميع إلى منازلهم. ارتدى اللاعبون الشارات السوداء تضامنًا مع الفلسطينيين، وخفضوا رؤوسهم أثناء عزف نشيد المحتل، وغابت المصافحة المعتادة قبل المباراة. وقبلها أعلن حارس المنتخب غافين بازونو انسحابه ورفض المشاركة، مؤكدًا أن قراره جاء انطلاقًا من موقف ومبدأ. حتى مدرب المنتخب الإيرلندي تحدث بوضوح عن رفض ما يجري في غزة، في وقت أصبحت فيه الكلمات الواضحة نفسها تحتاج إلى شجاعة. لم تكن القضية إذن تسجيل هدف في مرمى إسرائيل، مع أن المباراة انتهت بثلاثية إيرلندية نظيفة، وإنما كانت في كيفية استخدام الرياضة لإيصال موقف إلى العالم من دون أن يتحول الملعب إلى فوضى، ومن دون شعارات جوفاء أو استعراض مؤقت ومن غير خجل كثير من المنتخبات العربية للأسف. والشارع الإيرلندي كان حاضرًا قبل المباراة كذلك. احتجاجات وأعلام فلسطينية، ومطالبات بمقاطعة المباريات، ورسالة مفتوحة وقّعها أكثر من 160 رياضيًا إيرلنديًا تطالب لاعبي المنتخب بعدم مواجهة إسرائيل. حتى الاتحاد الإيرلندي لكرة القدم سبق أن طالب بوقف مشاركة إسرائيل دوليًا، وسط جدل واسع داخل البلاد بشأن استمرار المباريات. هؤلاء فعلوا ذلك من أجل غزة. وهنا يأتي السؤال المؤلم: ونحن ؟؟ أين نحن من غزة؟ أين الشارع العربي؟ أين الجماهير؟ أين الرياضيون؟ أين المشاهير؟ أين أصحاب الملايين من المتابعين؟ وأين ذلك الصوت الذي كان يملأ الدنيا عندما كانت القضية في بدايتها؟ أخشى أن أخطر ما يمكن أن يحدث لغزة ليس فقط استمرار القتل والدمار والتجويع، وإنما أن يصبح كل ذلك بالنسبة إلينا خبرًا عاديًا. أن نرى الصورة ثم نتجاوزها. أن نقرأ عدد الضحايا ثم ننتقل إلى خبر آخر. أن تصبح غزة فقرة ثابتة في نشرات الأخبار بعدما كانت جرحًا مفتوحًا في وجدان الأمة. لقد طال الزمن، وكثرت الصور، وتكررت المشاهد، وربما أصاب البعض شيء من الاعتياد. وهنا تكمن الكارثة. لأن المأساة عندما تطول لا تصبح أقل مأساوية، والطفل الذي يجوع اليوم ليس أقل قيمة من الطفل الذي أبكانا قبل عام أو عامين، والأم التي تفقد أبناءها اليوم لا يخفف من مصابها أن العالم شاهد آلاف القصص المشابهة قبلها. في غزة شعب يعيش تحت دمار هائل وحصار ومعاناة إنسانية ممتدة، وسط اتهامات دولية بالغة الخطورة لإسرائيل بشأن ما ارتُكب بحق المدنيين الفلسطينيين. ومع ذلك، نجد أن صوت التضامن يأتي أحيانًا من دبلن أقوى من أصوات كثيرة في عواصم أقرب إلى غزة جغرافيا ودينًا ولغةً وتاريخًا. وهذه ليست مقارنة هدفها جلد الذات، وإنما إيقاظها. الإيرلندي الذي يرفع علم فلسطين لا يقول لنا: انظروا إليّ. بل ربما يسألنا من حيث لا يدري: إذا كانت غزة حرّكت ضميري وأنا على بعد آلاف الكيلومترات، فكيف أصبحت بعيدة عن ضمائركم وأنتم أهلها وإخوتها؟ لسنا مطالبين بأن نتحول جميعًا إلى سياسيين، ولا أن تتوقف الحياة، ولا أن يصبح كل إنسان خطيبًا أو ناشطًا. لكننا مطالبون بأبسط شيء: ألا ننسى. ألا تصبح صور الأطفال أرقامًا. ألا يصبح الجوع خبرًا. ألا يصبح الموت مشهدًا مألوفًا. وألا تتحول فلسطين من قضية حاضرة في الوجدان العربي والإسلامي إلى ذكرى موسمية نستحضرها فقط عندما يقع حدث كبير. ما فعلته إيرلندا يثبت أن الموقف لا يحتاج دائمًا إلى منصة سياسية ولا إلى خطاب طويل. أحيانًا تكفي شارة سوداء. أحيانًا يكفي رأس ينحني رفضًا. أحيانًا يكفي لاعب يقول: لن أشارك. وأحيانًا يكفي جمهور يرفع علمًا ليذكّر العالم بأن هناك شعبًا لم يُنسَ. لكن السؤال الذي يجب أن يؤلمنا قليلًا بل كثيرًا: إذا كانت إيرلندا ما زالت تتذكر غزة بهذا الوضوح، فبأي عذر نسمح نحن لأنفسنا أن ننساها؟ غزة ليست خبرًا قديمًا. غزة ليست «ترندًا» انتهى. وغزة، قبل كل شيء، ليست بعيدة عنا. هي منا.. ونحن أولى الناس بألا نتركها وحدها. وإلا بذلك تكون إيرلندا هي المسلمة ونحن …..
4314
| 29 سبتمبر 2026
لا يوجد إعلام رياضي خليجي واحد، وإنما إعلام خاص بكل دولة من دول مجلس التعاون. ورغم أهمية القضية وتأثيراتها السلبية على مستقبل الرياضة في خليجنا العربي، إلا أنها لم تنل ما تستحقه من البحث والدراسة، وسأناقشها من أربع زوايا. الزاوية الأولى: إن الإعلام في دولنا خال من الروح الخليجية، فهو يُعنى بالفعاليات والإنجازات الرياضية المحلية، ويركز عليها بشكل مطلق، وإذا ورد خبر رياضي خليجي فإنه يرد ضمن الأخبار غير المحلية ودون عناية به أو تمييز له. الزاوية الثانية: إنه إعلام خبري يهتم بنقل الخبر، ويفتقر إلى المقالات التحليلية العلمية. فمعظم المقالات تدور حول موضوعات تتعلق بجوانب شخصية لكتابها، ولا تقدم رؤى وأفكاراً تساعد في نشر الوعي الرياضي، أو تسهم في تخليق قاعدة جماهيرية مثقفة رياضياً تتيح إعداد جيل يبرز فيه إعلاميون وصحفيون رياضيون مستقبلاً. الزاوية الثالثة: إنه إعلام لا يُعنى بالدور التنموي الكبير للرياضة كأداة تغيير مجتمعي فعالة. فلا نجد اهتماماً بغير الجانب التنافسي لها كنشاطات بدنية، وقلما عثرنا باهتمامات بجوانبها الاجتماعية كالتوعية بالمسؤولية الاجتماعية أو التنشئة الأخلاقية للناشئة والشباب، وتنمية المشاعر الوطنية المرتكزة إلى الإسلام الحنيف والعروبة. الزاوية الرابعة: إنه إعلامُ اللعبة الواحدة، فمعظمُ موادهِ وتغطياتِـهِ تدور حول كرةِ القدمِ، وهذا أمر يعوقُ السعي لتأسيسِ قواعد شعبية للعبات الأخرى، ويؤثِّـرُ سلباً على إنجاح الفعاليات والبطولات الدولية جماهيرياً عندما تُقامُ في إحدى دولِـنا الستِّ. نبضةٌ خليجيةٌ: خليجنا واحد، عبارة تعني أننا شعب واحد في ست دول، وأن تنمية إنساننا هي مهمة خليجية نعمل جميعاً لإنجاحها، وحبذا لو انطلقنا في ذلك من الرياضة وإعلامها.
3120
| 02 أكتوبر 2026
تُولي دولة قطر اهتمامًا بالعنصر البشري القطري، وتحرص على تأهيله وتمكينه وتطوير قدراته، غير أن بعض الجهات الحكومية لا تزال لا تستفيد بالصورة المطلوبة من أصحاب الخبرات الطويلة. فعندما يصل الموظف القطري إلى مسمى «خبير» أو «استشاري»، بعد سنوات من العمل والتدرج وتحمل المسؤوليات، يفاجأ أحيانًا بأنه أصبح بلا عمل واضح، ولا تُسند إليه مهام تتناسب مع خبراته ومسماه الوظيفي. وهنا يبرز السؤال: لماذا يتحول هذا المسمى في بعض الجهات إلى محطة انتظار بدلًا من أن يكون مرحلة جديدة للعطاء؟ ولماذا يُركن موظفون كانوا بالأمس القريب مديرين ورؤساء أقسام وأصحاب قرار، ثم يُتركون بعد ترقيتهم إلى مرتبة خبير أو استشاري بلا ملفات محددة، ولا مشاركة حقيقية في اللجان والدراسات وصناعة القرار؟ إن مسمى «خبير» أو «استشاري» ليس درجة شرفية تُمنح للموظف في نهاية مساره الوظيفي، بل وظيفة تخصصية لها غاية محددة. فالخبير يفترض أن يقدم الرأي الفني المبني على التجربة والمعرفة، وأن يراجع المشروعات والسياسات، ويحلل المشكلات، وينقل خبرته إلى الموظفين الجدد. أما الاستشاري، فينبغي أن يُسهم في إعداد الدراسات، وتقديم البدائل، وتقويم الأداء، ودعم القيادات في اتخاذ القرار وتطوير أساليب العمل. والمفارقة المؤلمة أن الخبير أو الاستشاري غير القطري غالبًا ما يُستفاد منه بصورة أفضل؛ فيشارك في إعداد الدراسات، ويسهم في صياغة التوصيات والقرارات، ويكون قريبًا من أصحاب القرار، بينما قد يُبعد الخبير القطري، وهو الأعرف ببيئة العمل وتاريخ المؤسسة واحتياجات المجتمع. وهذه ليست مطالبة بإقصاء الخبرات الوافدة التي نقدر دورها، بل دعوة إلى تحقيق التوازن وإعطاء الخبرة الوطنية المكانة والدور اللذين تستحقهما. وهذا الوضع لا يضر الموظف وحده، بل يضر الجهة والدولة؛ لأنه يهدر خبرة تراكمت على مدى عشرات السنين، ويضعف نقل المعرفة بين الأجيال، ثم يدفع بعض المؤسسات إلى الاستعانة بخبراء من الخارج للقيام بأعمال يستطيع أبناء الوطن إنجازها بكفاءة. فالخبرة الوطنية ليست عبئًا إداريًا، وإنما رأس مال مؤسسي يجب المحافظة عليه وحسن توظيفه. ولنضرب مثلاً في الولايات المتحدة وعدد من الدول الأوروبية، لا تتوقف الاستفادة من أصحاب الخبرات عند عمر معين أو مغادرة المنصب القيادي؛ فنراهم في البرلمانات ومجالس الإدارات والمؤسسات والشركات ومراكز الأبحاث والجامعات والمعاهد. أما في دولنا، فكثيرًا ما يغادر المسؤول منصبه فتُطوى معه خبرته، ثم نعود إلى استقدام الخبرة من الخارج بتكاليف مرتفعة. لذلك، نأمل من الوزارات والمؤسسات الحكومية التي يسري عليها قانون الموارد البشرية تفعيل ما قرره هذا القانون من ارتباط الوظيفة بواجبات ومسؤوليات محددة، وإلزام كل جهة بإعداد بطاقة وصف وظيفي واضحة للخبير والاستشاري، ووضع خطة سنوية لمهامهما، وإشراكهما في اللجان والدراسات وبرامج التدريب ونقل المعرفة، وتقييم أدائهما على أساس مخرجات قابلة للقياس، مثل إعداد دراسة، أو مراجعة سياسة، أو تدريب مجموعة من الموظفين. فالتكريم الحقيقي للموظف القطري صاحب الخبرة أن يمنح دورًا يليق بعطائه، ويضمن استمرار خبرته في خدمة الدولة والأجيال القادمة.
1185
| 28 سبتمبر 2026