رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
لعموم الفائدة أرسل لي أحد الذين يسعدني تواصلهم معي هذا المقال للكاتبة هند عامر والمنشور بتاريخ 26 /2 /2012.. فشكراً يا عيسى!
المختصر/ هي امرأة تمتلك قلما أدبيا ساحرا، ولغة آسرة، تنقلت بين المنتديات حتى قرأ لها أحدهم وبعث لها بأنه تم ترشيحها لأن يكون لها عمود في إحدى الصحف المحلية الأكثر توزيعا. وافقت صاحبتنا بعد أن سألت عن الحكم الشرعي حيث وصلتها فتوى العلامة ابن باز، التي يقول فيها: (المشاركة في الصحافة في الكتابة وإرسال المقالات النافعة — للمرأة —، لا بأس به). كانت تعرف أن كل حرف صادق وصائب من امرأة كاتبة عن قضايا المرأة، أشد أثرا من آلاف الكلمات من كاتب رجل عن قضاياها، وكانت مستعدة للتعبير عن رأيها بشجاعة، فانطلقت تكتب عن قناعاتها بنور من الله.
في بداية كتاباتها تحدثت عن العاطفة الصادقة والأحاسيس المشتركة، فكونت لها رصيدا كبيرا من المتابعين، وبعد ذلك بدأت تنوع بالحديث عن ضرورة الحفاظ على القيم الأخلاقية، فوهبها الله قبولا بين القراء وانهمرت عليها الدعوات الصادقة من كل حدب ثم بدأت تثني على تلك الأرواح النقية من المصلحين والإيجابيين، حتى أنها في إحدى المرات أفردت مقالات لتتحدث فيه عن أحد العلماء المعاصرين بلغة إجلال عذبة، لكن ذلك لم يعجب رئيس التحرير الذي لم يتنبه للمقال إلا بعد نشره!!، وبالرغم من تعجب صاحبتنا من عدم وجود سبب لغضب سعادة الرئيس.. إلا أن ذلك لم يكن كافيا ليحفزها للبحث عن السبب الرئيس.. لغضب سعادة الرئيس!!.
في أثناء تلك السنوات كانت صاحبتنا قد قطعت شوطا طويلا في قراءة المقالات التي يكتبها زميلاتها وزملاؤها، والتي تعج بالقدح في الدين ونبذ المخالفين، وتمجيد المارقين، دون أن تستطيع معرفة الرد على شبهاتهم، ورغم أنها كانت تتألم وهي تقرأها إلا أنها لم تتنبه أنها كانت كالأسفنج الذي يمتص الشبهات ببطء، وقد يفيض بها يوما.
في إحدى المرات تلقت صاحبتنا دعوة لحضور (لقاء إعلامي ثقافي رفيع المستوى)، أعقبه اتصال من إحدى زميلاتها تؤكد عليها لحضور اللقاء الذي سيتحدث فيه أحد كبار المفكرين العرب. قالت زميلتها، بحماس مفرط: إن هذا المفكر العظيم، هو ذاته مؤسس (علم الجهل)، ومكتشف (نظرية الغرق)، والمتخصص في مبحث (الشك الموصل لليقين)!!.
بدت تلك الألفاظ رنانة لامرأة تمتلك حسا أدبيا وعاطفة حالمة، (علم جهل)، و(نظرية غرق)، و(شك يهدي لليقين)، ولم تعرف ذلك الحين أن (الظلام يبقى ظلاما)، وأن للغرق (معنى واحدا) مهما تغيرت ألفاظه، وأن (دروب التيه) لا يهتدي فيها أحد.
حمست صاحبتنا وذهبت لذلك اللقاء وما أن دخلت القاعة حتى وجدت الجميع وكأن على رؤوسهم الطير، وهناك على طاولة تحتل منتصف المسرح، جلس خلفها رجل ثائر الشعر يجلس في صمت ملجم، ويمتلك غموضا عجيبا يستثير فضول من يشاهده لاستكشافه.
لم تكن تتوقع أن يكون المسرح مختلطا، فآثرت الجلوس المؤقت على مقعد قريب من الباب حيث كانت تعتزم الرحيل.
بدأ المتحدث حديثه دون أن يلقي السلام فقال: (الإنسانية في خطر)، ثم غلبته عَبرته فسكت!!
ثم تجاسر فأكمل قائلا:
(الإنسانية في خطر، والتسامح يحتضر، والناس تغرق في الجهل ولا تدري)..
وانعقد لسانه مرة أخرى!!
بدا وكأنه يحمل على كاهله حملا تنوء به الجبال، أخذ نفسا عميقا وأتم حديثه: (وأنتم معشر العاملين في الإعلام، وحدكم القادرون على إنقاذ الإنسانية، وإحياء التسامح، ونشر نور المعرفة الحرة بتعلم فلسفة المعرفة، وفلسفة الوجود، والتمكن منهما دون الاستعانة بأحد!!).
صفق الجميع وغلب الانبهار على المكان، وتلاشت الأفكار في آن، لتنصهر العقول في عقل واحد، وتندثر القناعات في بوتقة واحدة، وتشيع ثقافة (تأجير العقول)، تطبيقا لا تنظيرا.
لم يتنبه أحد أن (المفكر الموشوم) إنما كان يطبق خلطة الإقناع وغسيل الدماغ:
إثارة عاطفة الجمهور فانخفاض المحاكمة العقلية لأدنى مستوياتها، ثم غرس قناعة مشوهة بوصفها الحل الأمثل، في تحفيز لا مثيل له ولم تفهم صاحبتنا معنى (فلسفة المعرفة)، التي تخدش حرارة اليقين، ولا (فلسفة الوجود) التي تذيب العقل بمحاولة معرفة (علم الغيب) الذي استأثر به عالم الغيب والشهادة، لكنها كانت مستعدة لتتعلمها حتى تتمكن من إنقاذ الإنسانية وإحياء التسامح، ورفع الجهل.
واصل المفكر — الموشوم — حديثه الحزين ببلاغة آسرة: فتحدث عن ضرورة الانعتاق عن كل القيم التقليدية البالية، وفتح الباب للإبداع المطلق، لتعود الأمة العربية للصدارة.
وأكد على ضرورة تعلم (قيم الحرية)، ولم يؤكد على العدل، ومجَّد قيمة (احترام حرية التعبير) حتى لو خالفت بعض نصوص الشرع!!، وطالب باستثارة العقل البشري لـ (يصنع الحقائق)، وألا يكتفي بما يحاول أن تصوره كتب التراث بأن المصدر الوحيد للحقيقة اليقينية هو (القرآن)، وعدم الركون لما يقوله بعض العلماء من أن وظيفة العقل هي (تفسير الحقائق)!!.
كانت تلك المفاهيم أكبر من تلك العقول الحاضرة، وبدا أن المفكر نفسه تائه بين العديد من الأطروحات الفكرية، لكن الانبهار غلب، والتصفيق تسيَّد، وبدأ عقل صاحبتنا ينصهر وغرق في التساؤلات:
— ما هي كتب التراث التي يعنيها المفكر الحزين؟!
هي لا تعرف إلا (تراث السلف) وبلاغتها الأدبية تجعلها تستحضر أن (حرف التاء) في كلمة (تراث) إنما هي (واو مقلوبة)، وأن (الورث) هو ما يخلفه الميت لورثته، وأن السلف تركوا ميراثا جليلا من العلم تطهر به القلوب وتستقيم به الحياة، فكيف لا نأخذ به؟!، لكنها فكرت أن المفكر إياه يتحدث بحرقه، وهذا دلَّ على إنه يعني تراثا مقيتا ليس هذا!!، هو يتحدث عن شيء آخر إذا هجرناه سننقذ الإنسانية، وسنعيد النصر للأمة. — وما هي الحقائق التي يستطيع العقل أن يصنعها بدون الاستعانة بالقرآن؟!.. ما تعرفه أن القرآن يخبرنا أن العقل هو الغريزة التي جعلها الله في الإنسان ليعقل صاحبه عن المعصية وليتفكر في آيات الله، وأن إطار صلاحياته هو تفسير الحقائق لا صناعتها.
لكن المفكر الحزين يتحدث عن عقل آخر، هو بالتأكيد لا يقصد أن يخالف القرآن، بل ربما يتحدث عن معنى مختلف!!.
— ثم لماذا لم يقل (الأمة الإسلامية)، وصدح بــ (الأمة العربية)، مع أن الرابطة الأسمى ومنبع الهوية الثقافية هي الدين الإسلامي وليس القومية العربية؟
حسنا.. لعله قد خانه التعبير وربما أنه يقصد أن العربية هي لغة القرآن، فأراد الاستدلال بها!!
وما أن هدأت حتى باغتها تساؤل أشد: — كيف ستتمكَّن من (فلسفة المعرفة)، و(فلسفة الوجود) دون الاستعانة بأحد؟، مع أن الصحابة استعانوا بنبي الرحمة، والرسول، صلى الله عليه وسلم، أثنى على معلم الناس الخير، والله أنزل القرآن لنستعين به وأوصانا بسؤال أهل الذكر؟!، لكن لعل مفكرنا أراد شيئا آخر، لا يتعارض مع هذا المفهوم لعله أراد أن نصل للحقيقة بالاعتماد على أنفسنا دون تواكل، نعم.. لعله أراد ذلك!!،
ونواصل الحديث غد اً
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
لم تعد أزمة مضيق هرمز حدثاً سياسياً أو عسكرياً بعيداً عن حياة الناس، فقد امتد أثرها إلى حركة السفن وتكاليف الشحن والتأمين وسرعة وصول البضائع إلى دول المنطقة. ومع استمرار الاضطراب، ارتفعت أسعار بعض السلع، وقد يمتد الارتفاع إلى سلع أخرى إذا طالت الأزمة. وجانب من هذا الغلاء له أسباب حقيقية، فعبور السفن في منطقة عالية المخاطر يرفع أقساط التأمين، وقد يدفع شركات الشحن إلى فرض رسوم إضافية. كما أن تأخر وصول البضائع يزيد تكاليف التخزين والتمويل، وقد يضطر المستورد إلى استخدام طريق أطول أو وسيلة نقل أكثر كلفة حتى يحافظ على توافر السلعة. لكن ارتفاع هذه التكاليف لا يعني أن تصبح أزمة هرمز مبرراً مفتوحاً لزيادة أسعار جميع السلع وبأي نسبة. فليست كل السلع تمر بالطريق نفسه، ولا تمثل كلفة الشحن النسبة ذاتها من سعر كل سلعة. كما أن بعض البضائع المعروضة حالياً وصلت إلى قطر قبل ارتفاع تكاليف النقل والتأمين. ومن هنا يظهر ما يمكن تسميته «غلاء هرمز»، أي الزيادة التي فرضتها الأزمة فعلاً. غير أن هناك فرقاً بين هذه الزيادة الحقيقية وبين استغلال الظروف لرفع الأسعار بما يتجاوز ارتفاع التكلفة. فقد يسارع بعض التجار إلى رفع الأسعار بنسب تتجاوز الزيادة الفعلية أو المتوقعة في تكلفة استبدال المخزون، أو يرفعون أسعار سلع لم تتأثر مباشرة، مستفيدين من توقع المستهلك أن كل شيء سيصبح أغلى. ولا يعني ذلك اتهام التجار والمستوردين عموماً؛ فكثير منهم يواجهون ظروفاً صعبة ويحاولون المحافظة على تدفق البضائع رغم ارتفاع المخاطر. لكن حماية التاجر الجاد لا تتعارض مع مساءلة من يستغل الأزمة لتوسيع هامش ربحه. والفاصل بين الحالتين هو قدرة التاجر على إثبات مقدار الزيادة التي تحملها فعلاً. وقد تحركت الجهات المختصة في قطر مبكراً لمواجهة آثار الأزمة. فدعت غرفة قطر، بالتعاون مع الهيئة العامة للجمارك، شركات الشحن والنقل إلى استخدام المسار البري عبر المملكة العربية السعودية ونظام النقل الدولي البري «TIR»، مع تخصيص مسار سريع وتسريع التخليص من خلال نظام النديب الإلكتروني. وفي الوقت نفسه، كثفت وزارة التجارة والصناعة رقابتها على الأسواق، فنفذت بين 28 فبراير و22 مارس 2026 نحو 50 ألف جولة تفتيشية طارئة، وضبطت منشآت مخالفة وأغلقت منشأتين، في رسالة واضحة بأن ارتفاع التكلفة لا يمنح أحداً الحق في استغلال الأزمة. كما تمتلك قطر قاعدة بيانات للأسعار، بعد إلزام المنشآت التجارية والصناعية بتسجيل أسعار السلع والخدمات وتحديثها إلكترونياً. وهناك أيضاً سلع وخدمات لا يجوز رفع أسعارها من دون موافقة الجهة المختصة. وبذلك تتوافر أدوات لمقارنة الأسعار قبل الأزمة وبعدها، وربط أي زيادة بفواتير الاستيراد والشحن والتأمين. إلا أن استمرار الأزمة يتطلب البناء على هذه الإجراءات، والانتقال من الاستجابة العاجلة إلى خطة أطول مدى. وينبغي أن تسير هذه الخطة في اتجاهين متوازيين: منع استغلال الأزمة داخل السوق، وخفض تكلفة وصول البضائع إلى قطر عبر الطرق البديلة. ففتح الطريق البري خطوة مهمة، لكن نجاحه لا يقاس بوصول البضاعة فقط، بل بالتكلفة التي تصل بها. فإذا كانت كلفة الطريق البديل مرتفعة جداً، فسيدفع المستهلك ثمنها في النهاية. لذلك من المهم مقارنة تكاليف الاستيراد عبر المسارات المختلفة، واختيار الطريق الأنسب لكل نوع من السلع. ومن المهم أيضاً منح الأولوية في النقل والتخليص للغذاء والدواء والسلع الأساسية، وتقليل فترات انتظار الشاحنات عند المنافذ؛ لأن كل يوم إضافي يرفع تكاليف النقل والتبريد والتخزين. ويمكن دراسة تخفيف بعض الرسوم مؤقتاً، متى ثبت أن ذلك سينعكس على السعر النهائي، لا أن يتحول إلى زيادة في هامش الربح. أما داخل السوق، فينبغي أن تركز الرقابة على العلاقة بين ارتفاع التكلفة وارتفاع سعر البيع. فإذا أثبت المستورد أن تكلفة وصول سلعة معينة ارتفعت بنسبة محددة، فمن الطبيعي أن ينعكس جزء من ذلك على سعرها. أما إذا ارتفع السعر بنسبة أكبر كثيراً، فمن حق الجهة الرقابية أن تطلب تفسير الفارق. وفي المقابل، يجب الحذر من تثبيت جميع الأسعار بصورة جامدة؛ لأن إجبار المستورد على البيع بأقل من تكلفته قد يدفعه إلى تقليل الاستيراد، فتتحول مشكلة الغلاء إلى نقص في السلع. فالرقابة الناجحة تقبل الزيادة المبررة، وتكبح الزيادة التي تستغل الأزمة، وتحافظ في الوقت نفسه على استمرار الإمدادات. لقد أثبتت قطر في أزمات سابقة قدرتها على تنويع مصادر الاستيراد وبناء مخزون إستراتيجي والمحافظة على استقرار الأسواق. والمطلوب اليوم هو تطوير الإجراءات الحالية إلى خطة مستمرة لطرق استيراد بديلة ذات تكلفة مقبولة، مع رقابة تمنع استخدام اسم هرمز لفرض زيادات لا تبررها الأرقام. إن مواجهة «غلاء هرمز» تقوم على مسارين لا ينفصلان: تسهيل وصول البضائع إلى قطر بأقل تكلفة ممكنة، ومنع تضخيم هذه التكلفة عندما تنتقل إلى المستهلك. وبهذا التوازن يمكن حماية المستهلك، ومساندة التاجر الجاد، والمحافظة على استقرار السوق في وقت واحد.
4869
| 13 سبتمبر 2026
ليس المطلوب أن نضع الحكم الوطني في منطقةٍ محرَّمة لا يجوز الاقتراب منها بالنقد، كما أن المطلوب، في المقابل، ألا يتحول الخطأ في قرارٍ تحكيمي إلى مبررٍ للنيل من الحكم أو التشكيك في قدراته ومكانته. وبين الموقفين مساحةٌ واسعة من الإنصاف، هي التي نحتاج إليها حين نتحدث عن حكامنا الوطنيين. الحكم جزءٌ من منظومة كرة القدم، يخطئ ويصيب، ويخضع قراره للتقييم كما يخضع اللاعب والمدرب والإداري. لكن الفارق أن تقييم القرار ينبغي ألا يتحول إلى محاكمة للشخص، خصوصًا حين يكون الحديث عن حكامٍ وصلوا إلى مستويات متقدمة، وأثبتوا حضورهم في البطولات الخليجية والقارية والدولية. وجود تقنية الـVAR منح المنظومة التحكيمية أدواتٍ أكثر دقة للمراجعة والتدقيق، لكنه لم يُلغِ الاجتهاد البشري، ولم يجعل القرار التحكيمي آليًا. فما زالت هناك قراءة للواقعة، وتقدير للحالة، وفهمٌ للقانون، ثم قرارٌ يتحمل الحكم مسؤوليته. ولذلك فإن حماية الحكم نفسيًا لا تعني إعفاءه من المسؤولية، وإنما تعني أن نختلف معه دون أن نهدم ثقته بنفسه. وهنا تأتي مسؤولية الإعلام والأندية والإداريين. من حق النادي أن يحتج، ومن حق الإعلام أن ينتقد، لكن من واجب الجميع أن يضعوا النقد في إطاره الصحيح، وأن تكون القنوات الرسمية هي الطريق الطبيعي للاعتراض، لا التصريحات التي تُقال تحت تأثير الانفعال. وفي تقديري، فإن النقد المقبول هو الذي يناقش القرار التحكيمي ويبيّن الخطأ وأسبابه، أما حين يتجاوز النقد القرار إلى التشكيك في الحكم وقدراته ومكانته، فإنه يفقد قيمته ويتحول من نقدٍ للقرار إلى إساءةٍ للشخص. وأرى أن مشروع الحكم الوطني لا يمكن أن يتطور من دون بيئة تمنحه الثقة، وفي الوقت نفسه لا تعفيه من النقد والمساءلة. فهو يحتاج إلى دعمٍ مستمر، وإلى نقدٍ يطوّر ولا يهدم، وإلى لجنة حكامٍ تؤكد ثقتها في حكامها وتدافع عن حقهم في الاحترام. نحن لا نطالب بأن يكون الحكم فوق النقد، بل نطالب بأن يكون النقد بحجم الخطأ، وأن تبقى كرامة الحكم محفوظة. فحكامنا الوطنيون ليسوا خصومًا لأنديتنا، بل شركاء في نجاح كرتنا، والاختلاف معهم لا ينبغي أن يجرّدهم من حقهم في الاعتزاز بما حققوه، ولا نحن من حقنا أن نتخلى عن الاعتزاز بهم.
3771
| 10 سبتمبر 2026
اجتماعٌ لا يحتاج إلى رسائل تذكير، ولا دعوات رسمية، ولا بصمة حضور، ولا إذن انصراف. يأتي إليه المسلم مقبلًا بإرادته، يغتسل ويتطيب ويأتي ثم يجلس منصتًا لا يتحدث لأنه جاء ليستمع فقط. إنها صلاة الجمعة، ذلك الاجتماع الإيماني والاجتماعي والإنساني العظيم، وأحد أكبر التجمعات الأسبوعية المنتظمة في العالم. ولكن ماذا نقدم للمسلم في هذه الدقائق الثمينة؟ المسلم يأتي إلى الجمعة ليُذكَّر بدينه، ولكن أيضًا ليجد من ينير بصيرته، ويفهم واقعه، ويلامس همومه، ويحدثه عن أسرته وأبنائه ومجتمعه، وعن المتغيرات التي تحيط به، ثم يربط كل ذلك بالقرآن والسنة وقيم الإسلام. ولهذا فإن خطيب الجمعة ليس مجرد شخص يتحدث من فوق المنبر ويلقي خطابًا. نحن بحاجة إلى خطيب فصيح، متمكن، حاضر الذهن، حسن الإلقاء، سليم اللغة، يعرف كيف ينطق العربية ويستخدم مفرداتها، ويعرف المجتمع الذي يخاطبه وقضاياه وتحدياته. ومن هنا أقولها بكل وضوح: من غير المقبول أن نجد في بعض مساجدنا خطباء لا يتقنون اللغة العربية إتقانًا يليق بمنبر الجمعة، وتظهر في ألسنتهم أخطاء لغوية واضحة، أو تكون لغتهم وإلقاؤهم ضعيفين إلى درجة يفقد معها المنبر جانبًا كبيرًا من هيبته وتأثيره. وهنا يقع السؤال مباشرة على وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية: كيف يُكلف خطيب للجمعة وهو غير متمكن من اللغة التي سيخاطب بها الناس أو لسانه أعجمي؟ المسألة هنا لا علاقة لها بجنسية الخطيب أو أصله، فالعلم والفضل والكفاءة لا تحمل جواز سفر، وكم من عالم غير عربي خدم العربية والإسلام خدمة عظيمة. ولكن عندما تكون المهمة خطابة، والأداة الأولى للخطيب هي اللغة فلا يمكن أن تصبح سلامة العربية وفصاحة اللسان أمرًا ثانويًا في الاختيار. نحن نتحدث عن جمهور عربي يستمع وينتظر كلمة واضحة مؤثرة. فكيف نقبل بخطيب يتعثر في العربية أو يخطئ فيها، بينما لدينا في قطر شباب قطريون متخصصون في الشريعة والعلوم الإسلامية واللغة العربية والجامعات تخرج كل سنة أعدادًا كبيرة!! ومنهم من حقق مراكز متقدمة في مسابقات القرآن والعلوم الشرعية والخطابة؟ هذه مفارقة تستحق من وزارة الأوقاف وقفة حقيقية. ومن حقنا أن نسأل: ما معايير اختيار خطباء الجمعة؟ أم أن امتلاك المعرفة الشرعية وحده يكفي للصعود إلى المنبر؟ فليس كل صاحب علم خطيبًا، كما أن حفظ النص أو قراءته لا يصنع خطيبًا. الخطيب يحتاج إلى العلم نعم، ولكنه يحتاج كذلك إلى لغة سليمة، وصوت حاضر، وقدرة على الإقناع، وفهم للمجتمع، ومعرفة بما يشغل الناس. لأن الخطبة ليست امتحانًا في الحفظ، وإنما رسالة يراد لها أن تصل. ووزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية تبذل جهودًا كبيرة ومقدرة في خدمة المساجد والدعوة، وهذا لا يمنع من نقد موضع الخلل، بل إن الحرص على هذه الجهود هو ما يدفعنا إلى السؤال: لماذا لا يكون هناك مشروع وطني واضح لاكتشاف وتأهيل الخطيب القطري وتحفيزه؟ لماذا لا نرى خريجي الشريعة والدراسات الإسلامية من شبابنا على جميع المنابر، ونؤهل أصحاب الأصوات واللغة والحضور منهم، ونفتح أمامهم المنابر، ونصنع جيلًا من الخطباء القطريين القادرين على مخاطبة مجتمعهم؟ ابن البلد يعرف مجتمعه، ويعيش تحولاته، ويفهم لغة شبابه، ويعرف القضايا التي تدخل بيوتنا وتؤثر في أسرنا، وإذا اجتمع لديه العلم الشرعي مع الفصاحة والموهبة والتأهيل، فإنه قادر على أن يجعل المنبر أقرب إلى الناس وأكثر تأثيرًا فيهم. لدينا كل يوم جمعة فرصة استثنائية لا تملكها كثير من المؤسسات: آلاف الناس يجلسون بإرادتهم ليستمعوا وفيهم المسؤول والمدير والوزير والمؤثر والقاضي والمعلم والعسكري والرياضي … إلخ. فلا يجوز أن نهدر هذه الفرصة بخطبة ضعيفة أو لغة مكسرة أو أداء لا يصل إلى القلوب. إن منبر الجمعة أكبر من أن يكون مجرد وظيفة تُسد بها حاجة مسجد، والخطابة أكبر من أن تكون قراءة ورقة لمدة دقائق. فإذا كنا نختار بعناية من يتحدث باسم مؤسسة أمام عشرات الأشخاص، أفلا يستحق أن نختار من يتحدث من فوق منبر الجمعة أمام آلاف المسلمين كل أسبوع أن يكون اختياره أكثر دقة؟ هذه مسؤولية، وهذه أمانة، والمنبر يستحق الأفضل.
2619
| 08 سبتمبر 2026