رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
تجاوز الشعب المصري بإرادته وحركته وإصراره ودماء الشهداء، كل ما كنا نأمل ونتوقع نحن المؤمنين بأن الشعب وحده القادر على الحركة من أجل التغيير وتحقيقه.
أيام أو هي ساعات خلال تلك الأيام، نقلت الحركة من يوم الغضب في 25 يناير، إلى جمعة الشهداء في يوم 28 يناير، وخلال خمس ساعات من بعد صلاة جمعة الشهداء، كان ملايين المصريين يزيحون نظام مستبداً، متجاهلاً لكل قيم الشعب وتاريخه، جثم على صدر مصر لمدى 30 عاما، في ثاني ثورة شعبية في الوطن العربي خلال شهر يناير، وكأن الأمة العربية في موعدها مع يقظة الشعب وثورته.
فرط نظام مبارك في حقوق الشعب وثروته، واستهان بقدرة الشعب على الثورة، واكتفى بوضع القوة الغاشمة المتمثلة في الأمن المركزي وأوامر القتل المتاحة لقياداته، وكتائب أمن الدولة بالملابس المدنية، وتشكيلات البلطجية التابعة لها، في مواجهة الشعب وكأن هذا النظام المنصرم كان يقول: "ليس للشعب لديَّ سوى القتل".
غاب النظام عن الوجود وعن استيعاب الأحداث، وعندما نطق، كان يعلن شهادة وفاته، حيث أصدر رئيس الجمهورية بصفته الحاكم العسكري قراراً بحظر التجول ونزول الجيش المصري لمواجهة "أعمال الشغب والخروج على القانون وأعمال النهب والتدمير والحرق والاعتداء على الممتلكات العامة والخاصة"، نص كان بمثابة شهادة الوفاة للنظام، وبعده يخرج مبارك على الشعب في منتصف الليل ليعلن إقالة الوزارة، وليرفض الشعب التفاف الرئيس على مطالبه، ويعلنون أن دم الشهداء ثمن لتغيير النظام وليس تغيير الحكومة، ويرتفع هتاف الجماهير "الشعب يريد إسقاط النظام"، ويكتشف الجميع أن المبادأة انتقلت إلى الجماهير المحتشدة في كل مصر.
وتتوالى الأحداث:
- قوات الأمن المركزي التي ظلت تمارس قتل المتظاهرين في كل المحافظات تنسحب من المشهد، وتغادر الساحة في كل الأماكن بعد المقاومة الرائعة التي بذلها المتظاهرون، وبعد سقوط ما يقرب من 200 شهيد وتجاوز أعداد المصابين الثلاثة آلاف مصاب.
- الجيش ينزل إلى الشارع، ويصطدم المتظاهرون ببعض طلائعه عندما وجدوا أنها من تشكيلات الحرس الجمهوري، ويتعدل المشهد، عندما تصل تعزيزات من وحدات أخرى، ويكتب عليها المتظاهرون "يسقط حسني مبارك" ويتعانق الشعب مع أفراد الجيش المصري، وتبيت الجماهير في ميدان التحرير، رافضة الرئيس مبارك وتطالب برحيل النظام.
- هجوم الجماهير في كل المدن والأحياء على مظاهر وجود الداخلية والحزب الوطني، واحتراق العديد من أقسام الشرطة، وحرق مبنى الحزب الوطني على كورنيش النيل، إعلاناً باحتراق هذا الحزب المسؤول عن كل ما أصاب مصر خلال فترة حكم مبارك. وتأكد أن الجماهير في كل المحافظات تسيطر على الموقف، وأن النظام يسقط.
وتبدأ عمليات حرق الأرض، وكأن هذا ما تعلمه النظام من درس الثورة التونسية، وتنتشر عمليات البلطجة والاعتداء على الممتلكات والأشخاص، والهجوم على المنازل الآمنة، ومهاجمة المتحف المصري ومطبعة البنك المركزي، ويتجلى الدرس التونسي في تشكيل لجان شعبية للدفاع عن مصر وفي كل المحافظات، ويصل المشهد إلى ذروته في إطلاق المساجين من السجون بنفس الأسلوب التونسي وكأنها مدرسة واحدة في حرق الأرض وتدمير الوطن.
يكرر الغرب وأمريكا ذات الموقف مع تونس، ولكن ثورة الشعب المصري فرضت نفسها على البيت الأبيض وعلى كافة الحكومات الغربية، وهو ما يجب أن نتحسب له، لأن معيار القبول هو الموقف من إسرائيل.
ولأن نظام مبارك كان صديقا استراتيجيا لإسرائيل، فهذا واحد من المخاطر المتوقعة على حركة الشعب.
لم يعد الأمر المطلوب مجرد حماية الممتلكات من النهب، ولكن المطلوب اليقظة والانتباه لاحتمال مواجهة أفعال إسرائيلية داخل مصر، مما قد يفرض على اللجان الشعبية أن تتحول إلى لجان مقاومة شعبية.
وينتقل الموقف من يوم للغضب إلى جمعة الشهداء، ومن غياب للدولة إلى سقوط النظام.
سقط الرئيس وسقط معه مشروع التوريث بعد أن سحب الشعب تفويضه له، ولم تعد تفلح الكلمات الشعارية الجوفاء، وعدم اتخاذ المواقف وترك القضايا دون حل ليتكفل بها الزمن، واسترد الشعب النظام الجمهوري بعد أن كان قد تحول إلى نظام الأسرة الحاكمة.
سقط الحزب الوطني وعناصر الإفك التي كانت تتخذ منه ستاراً للنهب، السياسي والمادي، وحرقت الإرادة الشعبية وجوه، كما حرقت مقاره بما فيها المقر الرئيسي له، وصارت محاكمة قياداته جميعها وفي كل المحافظات بتهمة الإفساد السياسي والتزوير أحد مطالب الحركة الشعبية.
انكشفت حقيقة المجالس المزورة وسقطت سواء على مستوى المحليات أو التشريعية، وصار الواجب حلها، والتحقيق في حقائق التزوير الذي أدى إلى وجودها، وتقديمهم إلى المحاكمة.
تجاوزت حركة الجماهير الدستور القائم، والقوانين الناتجة عنه، وصارت إرادة الجماهير هي مصدر الشرعية.
بدأت الفئران تهرب من مركب النظام الغارق، وببلاهة وكذب وجهالة يصدر عن الحزب الساقط بيان بقبول استقالة أمين تنظيمه، وبقي سؤال: أين هو هذا الحزب لكي يقبل أو يرفض؟ إن حزب سرقة الوطن، الحزب المحروق.
وتحولت حركة الشعب إلى حركة تحرير الوطن وبناء نظام جديد، واستعادة مصر الوطن لكل الشعب وليس لتحالف سلطة شاخت وثروة وطن منهوبة.
وتم تجاوز الخوف من الموت، ونزع سلاح القتل من يد الأمن، والذي لم يتوقف عن القتل حتى مساء السبت 29 يناير، حيث كان القناصة يحتلون سطح وزارة الداخلية، وكانت رمايتهم رماية قتل في الرأس والصدر.
كذلك تم تجاوز احتمالات الفوضى التي جرى التهديد بها، وظهر للمراقبين أن الفوضى بقدر ما أنها جاءت من بلطجية، فإن عناصر من الداخلية كانت تمارس الاعتداءات على الممتلكات والأفراد حتى أنه أذيع على الفضائيات خبراً عن القبض على أفراد شرطة في سيارة ينقلون عدداً من الجثث، وتكررت مشاهد سيارات الإسعاف التي يستخدمها عناصر من الأمن ويطلقون منها الرصاص.
تجاوز الخوف من القتل والقبول بالشهادة، وحصار الفوضى باللجان الشعبية جعلا الوقت معاملا لصالح حركة الثورة الشعبية، وطالما أن الحركة تملك زمام المبادأة، فإن هدوء الثقة يضيف عاملا جديدا من عوامل القوة لحركة الشعب.
ويحاول النظام المنهار أن يلتف من جديد، بتعيين نائب رئيس ويختار رئيس وزراء، وكأنه يملك مقومات البقاء، وكأنه لم يخرج بضعة ملايين من شعب مصر في كل المحافظات ترفض هذا النظام وتعلن سقوطه، وهنا ليس المطلوب القياس أساسا على ما يقوم به النظام، ولكن ما الذي نملك أن نفعل؟
ونلاحظ أن الكيانات الحزبية والجماعات تحاول أيضا أن تكون مصدرا للقرار، وهو أمر غير مرفوض، ولكنه يبين أن هناك احتياجا من قوى الحركة الشعبية والشبابية من غير الأحزاب، أن تعبر عن إرادتها وتصورها لمشروع التغيير، ومن بين المطروح من رجال يمكن اعتماد أن الدكتور البرادعي أقرب الأشخاص إلى التعبير عن هذه الحركة الشعبية، وتبدو الأحزاب وجماعة الاخوان في حديثها ومحاولاتها في الانقضاض على الحركة، أنها لا تدرك معنى الدم الذي بذله الشعب، وأعتقد مع كامل الرغبة في توحيد جبهة القوى السياسية، أن الأحزاب وجماعة الاخوان قد سقطت جميعها مع النظام ذاته، وتجاوزتهم حركة الشعب من أجل التغيير، وادراكهم لمعنى الجديد الذي يحدث سيغير من سلوكياتهم وقد يبرر وجودهم.
تتمثل مصادر القوة لدى النظام الساقط في الجيش المصري والشرطة.
الجيش المصري والصراع بين الشعب والنظام على انتماء الجيش لمن؟ هل هو للشعب أم لشخص الحاكم، وحتى اللحظة يمثل الجيش ضمانة الأمن والحماية لحركة الجماهير من أجل التغيير، وهو ما يمكن الاعتماد عليه لتحقيق التغيير السلمي.
والشرطة وبالتبعية وزارة الداخلية تتعرض لاتهامات شديدة من جراء ممارساتها بين الثلاثاء إلى الجمعة الساعة السادسة.
قامت قوات الشرطة بالقتل العمد للمتظاهرين العزل
وقامت بمخالفة أمر الحاكم العسكري بمعاونة قوات الجيش لحفظ الأمن وانسحابها غير الشريف وترك الأقسام والسجون دون تسليمها إلى الشرطة العسكرية والتحقيقات العسكرية.
كما خالف الوزير ومعاونوه وضباط الداخلية القسم بالحفاظ على أمن الوطن والمواطنين، وهروبهم وخروجهم من الشارع مهزومين، هو الخيانة العظمى وإلا فما معنى الخيانة العظمى.
ويبقى سؤال ما هي معادلة عودة قوات الشرطة إلى العمل في ظل ظروف عدم الاستقرار، ومن سيقود هذه المؤسسة؟ هل هو الوزير المتهم بجرائم القتل والخيانة العظمى.
تعود الشرطة للعمل في إطار معادلة أصابها الخلل مع أفراد الشعب الذين قاموا بدورها أثناء هروبها في حفظ الأمن، هذا غير أنها تعود غير مميزة عن مجرمين وبلطجية سرقوا سياراتها وزيها الرسمي وأسلحتها، كل ذلك ليمارسوا النهب والقتل، فمن منهم الشرطي ومن منهم المجرم؟
لقد خرجت الشرطة من الشارع مهزومة وها هي تعود للشارع مهزومة بتحديد سلطاتها في عدم الاقتراب من ميدان التحرير وعدم التعرض للتجمعات والتظاهرات.
هذا ما تواجهه ثورة الشعب المصري، ومازالت المهام أمامها، ومازالت في بداية خطواتها الأولى إلا أنها حققت إنجاز إسقاط النظام وكشف عوار أسلوب مواجهته للأزمات، ونجح هذا الشعب أن يؤكد حقيقة قدرة الشعب على الثورة، ونجح الشباب في الوجود رغم هزيمة وتكلس كل الأحزاب والجماعات ويبقى أن مطالب التغيير ليست نوعا من الكهنوت، الكل تحدث عنها والجميع عرض لها، ولكن البحث كان كيف يمكن التحرك؟ ونجح الشباب العظيم في إتمام التحرك بداية، وقبل الشعب بدفع ثمن الحرية ويدفعه، كلنا نريد أن ندفعه.
ليت كل المتكلمة أن يشاركوا الشباب والشعب الثائر الحركة علهم ينجزون شيئاً في حياتهم.
المعادلة الآن هي الشباب كرأس رمح لثورة الشعب، وقد اختار الشباب البرادعي شريكاً له، في مواجهة النظام والمعارضة والجماعة.
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية



مساحة إعلانية
في عالم الأعمال والإدارة، كثيرًا ما تُعزى نجاحات المؤسسات إلى استراتيجياتها الطموحة، أو مواردها المالية، أو قدرتها على مواكبة التطورات التقنية. غير أن التجارب الإدارية المتراكمة تؤكد أن العامل الأكثر تأثيرًا في نجاح المؤسسات أو تعثرها لا يكمن في الأنظمة والإجراءات وحدها، بل في نوعية القيادة التي توجهها. فالقادة لا يديرون الموارد فقط، بل يصنعون الثقافة التنظيمية، ويحددون طبيعة العلاقات داخل المؤسسة، ويرسمون الحدود بين بيئة عمل تُطلق الطاقات البشرية وأخرى تُقيدها. ومن هنا تبرز أهمية الحديث عن ظاهرة باتت تحظى باهتمام متزايد في الأدبيات الإدارية الحديثة، وهي ظاهرة “المدير السام”. فهذه الظاهرة لا تقتصر آثارها على الأداء المؤسسي فحسب، بل تمتد إلى ثقافة المنظمة، وصحة العاملين النفسية، وقدرتها على الاحتفاظ بأفضل الكفاءات. عندما تصبح الكفاءة مصدر قلق المدير السام ليس بالضرورة شخصًا محدود الخبرة أو ضعيف الكفاءة. بل قد يكون ناجحًا في إدارة الملفات التشغيلية، ومتمكنًا من عرض الإنجازات أمام الإدارة العليا، وقادرًا على بناء صورة إيجابية لنفسه في المحافل الرسمية والإعلامية. إلا أن مشكلته الحقيقية تكمن في نظرته إلى الآخرين. فبينما يرى القائد الواثق في الموظف المتميز فرصة لتعزيز قوة المؤسسة، قد يرى المدير السام في الشخص الموهوب أو واسع الحضور المهني منافسًا محتملًا لمكانته. وقد كانت Jean Lipman-Blumen من أوائل الباحثين الذين تناولوا مفهوم القيادة السامة بصورة منهجية، موضحة أن بعض القادة ينجحون في الوصول إلى مواقع السلطة رغم السلوكيات المدمرة التي يمارسونها، مستفيدين من قدرتهم على التأثير وصناعة صورة إيجابية لأنفسهم، بينما تبقى الآثار الحقيقية لممارساتهم خفية داخل أروقة المؤسسة. وحين يشعر المدير السام بأن أحد العاملين تحت إدارته يمتلك خبرة أعمق، أو قدرة تحليلية أعلى، أو تأثيرًا اجتماعيًا ومهنيًا أوسع، يبدأ التوجس بالتسلل إلى قراراته. وهنا تتحول الكفاءة من قيمة مضافة إلى مصدر تهديد. ثمن الغيرة المهنية في بعض الحالات لا يتوقف الأمر عند حدود التهميش أو التجاهل، بل يمتد إلى التأثير في المسار الوظيفي للكفاءات المتميزة. فتُحجب فرص الترقية، وتُستبعد بعض الكفاءات من المشاريع المهمة، وقد تصل الأمور أحيانًا إلى إنهاء خدمات أفراد لم يكن ذنبهم سوى أنهم كانوا أكثر نجاحًا أو تأثيرًا أو قدرة على الإنجاز. والمفارقة المؤلمة أن المؤسسة تخسر في هذه الحالات أفضل عقولها، لا بسبب ضعف الأداء، بل بسبب قوة الأداء. وقد أشار الباحثان Robert Hogan وRobert B. Kaiser إلى أن بعض السمات الشخصية مثل النرجسية المفرطة، والحاجة المستمرة إلى السيطرة، والحساسية تجاه المنافسة، قد تساعد بعض الأفراد على الوصول إلى المناصب العليا، لكنها تصبح لاحقًا سببًا في تعثرهم القيادي وإضعاف المؤسسات التي يقودونها. ثقافة الخوف من أبرز سمات المدير السام أيضًا اعتماده على الشك بدل الثقة. فهو يفسر الرأي المختلف باعتباره تحديًا لسلطته، والنقد المهني باعتباره استهدافًا شخصيًا، والاستقلالية الفكرية باعتبارها تمردًا على السلطة. ومع مرور الوقت يسود الصمت داخل المؤسسة. لا يعود الموظفون يسألون: ما القرار الصحيح؟ بل يسألون: ما القرار الذي لن يزعج المدير؟ وهنا تبدأ المؤسسة بفقدان أهم مصادر قوتها: الأفكار الجديدة. وقد وصف المفكر الإداري Warren Bennis القيادة بأنها القدرة على تحويل الرؤية إلى واقع من خلال كسب ثقة الآخرين لا من خلال فرض السيطرة عليهم. فالثقة هي العملة الأساسية للقيادة الفعالة، وعندما يفقد العاملون ثقتهم بقائدهم يبدأ التراجع التنظيمي حتى وإن ظلت المؤشرات التشغيلية تبدو مستقرة لبعض الوقت. ولا يقتصر أثر هذا المناخ على تراجع الروح المعنوية فحسب، بل يمتد إلى جودة القرارات نفسها. فكلما ازداد الخوف داخل المؤسسة، تراجعت احتمالات ظهور الأفكار الجديدة أو الاعتراضات المهنية التي قد تمنع وقوع الأخطاء. ولهذا تؤكد أبحاث Amy Edmondson أن المؤسسات الأكثر نجاحًا ليست تلك التي تخلو من الأخطاء، بل تلك التي يشعر فيها العاملون بالأمان النفسي الكافي للتعبير عن آرائهم ومناقشة الأخطاء والتعلم منها دون خشية العقاب أو الإقصاء. كما يشير Patrick Lencioni إلى أن غياب الثقة يمثل الخلل الأول الذي يقود إلى سلسلة من المشكلات التنظيمية تبدأ بالخوف من إبداء الرأي، ثم ضعف الالتزام، وانخفاض المساءلة، وانتهاءً بتراجع النتائج. عندما يصبح المظهر أهم من الحقيقة ومن السمات المتكررة لدى بعض المديرين السامين اهتمامهم المبالغ فيه بالمظهر على حساب الجوهر. فالجوائز، والألقاب، والتغطيات الإعلامية، والعروض التقديمية اللامعة قد تصبح أولوية تتقدم على معالجة المشكلات الحقيقية أو تطوير الكفاءات البشرية أو بناء ثقافة مؤسسية صحية. ويصبح السؤال الذي يحكم كثيرًا من قراراته: كيف نبدو أمام الآخرين؟ بدلاً من كيف نصبح أفضل فعليًا؟ ونتيجة لذلك تتسع الفجوة بين الصورة الخارجية للمؤسسة وواقعها الداخلي، فتبدو ناجحة في التقارير والعروض الرسمية بينما يعاني العاملون فيها من مشكلات لم تجد من يتعامل معها بجدية وشفافية. وتشير العديد من الدراسات والمقالات المنشورة في Harvard Business Review إلى أن أحد أخطر مؤشرات ضعف القيادة هو اتساع الفجوة بين الصورة التي تعرضها المؤسسة للعالم الخارجي والواقع الذي يعيشه موظفوها في الداخل. فالمؤسسات القوية تبني سمعتها من خلال ثقافتها وأدائها، لا من خلال حملات العلاقات العامة وحدها. الضغوط النفسية تبدأ من هنا كثير من الضغوط النفسية التي يعاني منها العاملون لا تنشأ من طبيعة العمل نفسها، بل من طبيعة العلاقة مع المدير المباشر. فالموظف يستطيع تحمل ساعات عمل طويلة عندما يشعر بالاحترام والإنصاف والتقدير. لكنه يجد صعوبة كبيرة في العمل داخل بيئة يسودها الخوف أو التحيز أو التشكيك المستمر. ويؤكد Daniel Goleman أن الذكاء العاطفي يمثل أحد أهم عناصر القيادة الفعالة. فالقائد الذي يتمتع بالوعي الذاتي والقدرة على إدارة مشاعره والتعامل باحترام مع الآخرين يخلق بيئة أكثر استقرارًا وإنتاجية. أما عندما تغيب هذه المهارات، فإن السلطة الإدارية قد تتحول إلى مصدر دائم للتوتر والصراعات والاستنزاف النفسي. وقد أظهرت أبحاث Gallup أن المدير المباشر يمثل أحد أهم العوامل المؤثرة في اندماج الموظفين وإنتاجيتهم واستمرارهم في العمل. ومن هنا جاءت العبارة الشهيرة في أدبيات الإدارة: الناس لا يتركون المؤسسات، بل يتركون المديرين. ما الذي تحتاجه المؤسسات؟ المؤسسات الحديثة لا تحتاج إلى مزيد من السيطرة، بل إلى مزيد من القيادة. تحتاج إلى قادة يمتلكون الثقة بالنفس الكافية للاحتفاء بالكفاءات لا محاربتها، ويعتبرون نجاح الآخرين نجاحًا لهم لا تهديدًا لمكانتهم. فالقائد الحقيقي لا يقاس بعدد الأشخاص الذين يخضعون لسلطته، بل بعدد الأشخاص الذين ساعدهم على النجاح. وقد أشار Jim Collins في دراسته الشهيرة Good to Great إلى أن المؤسسات العظيمة يقودها أشخاص يجمعون بين التواضع الشخصي والإرادة المهنية الصلبة. فهم لا يجعلون المؤسسة امتدادًا لذواتهم، ولا يرون في نجاح الآخرين تهديدًا لمكانتهم، بل يعتبرون بناء القيادات والكفاءات جزءًا من مسؤوليتهم الأساسية. كما يؤكد Peter Drucker أن المهمة الجوهرية للقيادة ليست إدارة الأشخاص بقدر ما هي تمكينهم من تحقيق أفضل ما لديهم. فالمؤسسة القوية لا تُقاس بعدد التعليمات التي تصدرها الإدارة، بل بقدرتها على تحويل المعرفة والخبرة والموهبة إلى نتائج مستدامة. بعد الرحيل من المفارقات التي تتكرر في كثير من المؤسسات أن الأثر الحقيقي للمدير السام يظهر بعد مغادرته المنصب أكثر مما يظهر أثناء وجوده فيه. فبمجرد رحيله تبدأ الاجتماعات باستعادة روح الحوار، وتتحسن العلاقات بين الإدارات، وتظهر مبادرات كانت مؤجلة، ويزداد استعداد الموظفين للمشاركة والتعبير عن آرائهم. وقد لا تُذكر هذه الحقيقة في التقارير الرسمية، إلا أن حالة الارتياح التي تسود المؤسسة بعد رحيل بعض القيادات تمثل أحيانًا أصدق مؤشر على حجم العبء الذي كانت تشكله تلك القيادة. الخلاصة المؤسسات العظيمة لا تُبنى بالخوف، ولا تنمو بالشك، ولا تزدهر بإقصاء الكفاءات أو محاربة أصحاب المواهب. إنها تُبنى بالثقة، والعدالة، واحترام الإنسان، وإطلاق الطاقات الكامنة في الأفراد. فالقائد الحقيقي لا يخشى أن يكون من حوله أكثر معرفة أو خبرة في بعض المجالات، لأنه يدرك أن نجاحهم هو نجاح المؤسسة بأكملها. أما المدير السام فيرى في كل موهبة تهديدًا، وفي كل رأي مستقل تحديًا، وفي كل نجاح لغيره انتقاصًا من مكانته. الخوف قد يفرض الطاعة مؤقتًا، لكنه لا يصنع ولاءً، ولا يطلق إبداعًا، ولا يبني مؤسسة عظيمة.
1617
| 23 مايو 2026
لا يُعدّ معرض الدوحة الدولي للكتاب مجرد حدثٍ ثقافي موسمي يتكرر في أجندة الفعاليات القطرية كل عام، بل هو مساحة حيوية تلتقي فيها الأفكار ويتحرر فيها الخيال، ليصبح تظاهرة حضارية تتقاطع عندها كافة أطياف المعرفة وثقافات الشعوب. لقد تجدد المشهد في هذه النسخة بثوبٍ أنيق يتسم بالاحترافية، في معرض الدوحة للكتاب تزاحمت دور النشر بالإصدارات المتنوعة، وهو ما يحمل في طياته رسائل عميقة؛ فالتنظيم المتقن والأنشطة المتعددة ليست سوى انعكاس لأهداف سامية تستهدف بناء الإنسان، كباراً وصغاراً، وتغرس في نفوسهم شغف القراءة كنهج حياة. إننا حينما نطالع الكتب، لا نكتفي برؤية العالم من خلالها فحسب، بل إننا نرى أنفسنا أيضاً؛ نرى ذاتنا وأحلامنا وتاريخنا في تلك الحروف التي يخطها كتابنا ومثقفونا وشعراؤنا. فالكتاب بصفة عامة هو حيزٌ إنساني رحب، يخاطب الإنسان حيثما كان وبأي لغةٍ نطق، وعندما يخطو الكتاب نحو العالمية، فإنه يُقرأ بعيون مختلفة وثقافات متباينة، مما يعزز قيم التواصل الإنساني. ولا ننسى في هذا المقام أن نشير الى إن العرب كانوا من أوائل صنّاع خريطة العلوم والأدب العالمي، ولنا في تراثنا أمثلةٌ شاخصة؛ منها مؤلفات ابن حيان التي وضعت لبنات العلوم، وصولاً إلى الحكايات العربية التي عبرت الحدود، كقصة "الفارس الملثم" مثلاً التي انتقلت من الأدب العربي لتترجم وتُصاغ عالمياً في شخصيات مثل "روبن هود" و"زورو"، في دلالة واضحة على تأثير الإبداع العربي الممتد عبر العصور. ختاماً، تبقى الثقافة خط الدفاع الأول في وجه مسببات الفرقة والفتنة والشرور؛ فهي الملاذ الآمن لفهم الإنسان، وكما قيل: "إذا أردت أن تفهم إنساناً، فاقرأ أدبه". ومعرض الدوحة للكتاب يظلُّ، في كل عام، منارةً تؤكد أنَّ درب الثقافة هو الطريق الأمثل لمد جسور المحبة بين البشر، وبناء إنسانٍ واعٍ قادر على التغيير والارتقاء بوطنه وأمته.
1119
| 21 مايو 2026
كثيرة هي الكتب الفلسفية التي كتبت عن اليوتوبيا أو المدينة الفاضلة منذ جمهورية أفلاطون. قبل أفلاطون عرف المصريون القدماء والأشوريون والبابليون، أن المدينة الفاضلة لا تتحقق على الأرض بل في السماء. من هنا جاءت كثير من آثارهم، مثل المسلات المصرية والأهرامات، التي ترتفع مثلثة النهاية، دليلا على الانطلاق إلى السماء. في الوقت نفسه وضعوا كثيرا من القوانين، مثل قوانين حمورابي البابلي من أجل الحياة الأفضل. هل حققت القوانين اليوتوبيا؟ لم تحققها كاملة، ومن ثم يظل اجتهاد الإنسان في البحث عن عالم أفضل. رغم كثرة ما كُتب عن اليوتوبيا، أو تأليفه عن جزر أو بلاد خيالية، فإن الأدب والرواية في المقدمة، ترى في الديستوبيا أو المدينة الفاسدة مجالا أكثر. الجانب الخفي في هذا أن الأدب يُعنى بما هو جانح، أكثر مما هو سويّ. في الكتابة عن الجانح قد يرى البعض، أنه حافز للبحث عن الأجمل، لكن في رأيي أن القارئ العادي وهو يقرأ ذلك، يشعر بالإزاحة عن نفسه، ثم ينطلق يمارس حياته، وتبقى معه متعة القراءة. دائما أقول إن الأدب لا يغير العالم. الأدب يصنع إنسانا سويا. تغيير العالم يتم بالفكر والعلم والحروب للأسف. حين تنظر إلى اكتشاف أمريكا وما فعله المستعمرون الجدد، من إقامة مدن أو أماكن لهم، باعتبارها أرض الميعاد، التي تسربت فكرتها من اليهودية إلى بعض المذاهب المسيحية ذلك الوقت، تدرك ما فعلوه من إبادة للهنود الحمر السكان الأصليين، أو ما ظلوا يفعلونه عبر الزمان بالزنوج الذين كان يتم جلبهم من أفريقيا، في رحلات شهدت عليها الكتب فيما بعد والأفلام، وهكذا فما تصوروا أنهم يفعلونه من يوتوبيا، رآه الإبداع بأنه ديستوبيا وقام بتخليده في الروايات والأفلام فلم تضع الحقيقة. وهكذا سيكون مصير ما تفعله أمريكا والدولة الصهيونية بالشرق الأوسط الآن. رغم أن اليوتوبيا حلم لا يتحقق، وأن الطريق إليه يحقق جمالا كثيرا لكن غير نهائي، فهناك أنظمة سياسية عرفها العالم اعتبرت ما تفعله هو اليوتوبيا، وتم حرق الكتب والكتاب المعارضين، أو سجنهم أو نفيهم من البلاد، وهرب الكثيرون من دول مثل المانيا النازية وإيطاليا الفاشية والاتحاد السوفييتي بعد الثورة البلشفية والصين بعد الثورة الشيوعية. وحدث ذلك في دول عربية رفعت شعار الجمهورية مثل مصر أو سوريا أو العراق أو ليبيا. طبيعة الإبداع التي لا يفهمها كثيرون ممن بيدهم الأمر، من أنه يُعنى بما هو جانح، ومن هنا تأتي الدراما والحركة في العمل، والمتعة من قراءته أو رؤيته فيلما أو مسرحية، جاء القصور في فهمها سببا رئيسيا في عذاب المبدعين. وصل القصور إلى درجة أن الكثيرين يتصورون أن ما تقوله شخصيات الرواية، هو رأي المؤلف، وليس السبب فيه هو الصدق الفني في تصوير الشخصية، بين أحلامها وكوابيسها وقدرتها على التعبير. وزاد الأمر تعقيدا الآن مع الثورة الرقمية. مئات المنصات تقدم ما تراه نهائيا في تقدير الأمور، والإقبال عليها أكثر مئات المرات من الإقبال على الكتب، خاصة حين تستخدم ألفاظا غير مألوفة في الفضاء العام أو حركات مثيرة. وصارت المنصات الرقمية مجالا واسعا لحرب جديدة. يظل بينها الإبداع محاصرا، وقد تصيب الكآبة أصحابه، وقد تدفع البعض إلى محاولة استخدام هذه المنصات بنفس الطريقة الجذابة، لكن المبدع الحقيقي يعرف أن ساعات وأيام الخلوة مع ما يبدع من أحداث وشخصيات، هي العالم الحقيقي. هي اليوتوبيا الضائعة يشعر بها وحده مع الله، وإن جاء الإبداع ديستوبيا، وليس دعاية لأحد أو هجوما عليه.
1101
| 21 مايو 2026