رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

Al-sharq

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

الشرق

مساحة إعلانية

مساحة إعلانية

مساحة إعلانية

محليات

98

لم يكمل دراسته لكنه أعاد الحياة لإلكترونيات عجز عنها المتخصصون !!

شلهوب الكبيسي... هاو حول بيته إلى متحفٍ نابض بالحياة

29 يناير 2026 , 06:33ص
alsharq
❖ حوار: محمد علي المهندي

- أتمتع بخبرة في لعبة الدامة بفك شفراتها وأنا أحد فرسانها

- إذاعة الجامع الكبير هي أول إذاعة انطلقت في عام 1965

- نجحت في تشغيل الراديو رغم أنني لم أدرس الفيزياء

- بالخبرة تعلمت تصليح وفتح أجزاء الدراجة النارية

- لديّ شغف كبير وحب العمل اليدوي والذهني

- كنت أعمل حارساً.. ولكن الفيزياء جذبتني بشكل كبير 

- عملت في الكهرباء قارئ عداد.. ولكن تعلمت الكثير عنها 

- خدعت الحمام وتسببت في معركة بينهم حامية الوطيس

في منزله العامر بمنطقة الدفنة، الذي حوّله بجهده وذوقه الخاص إلى ما يشبه المتحف الحي للإلكترونيات القديمة والدراجات النارية، التقينا الوالد شلهوب الكبيسي. هناك، بين الأجهزة التي أعاد إليها الحياة، وبين القطع التي تحمل ذاكرة عقود مضت، جلسنا إليه نتحاور، نستدرج منه الحكايات، ونغوص في أعماقه لنستخرج كنوز تجربته، ونكتشف عن قرب تلك المواهب الغريبة والعجيبة التي صنع بها لنفسه عالماً خاصًا، يجمع بين الشغف، والمهارة، والحنين، في سيرة تستحق أن تُروى بتفاصيلها.

في مجلس «الشرق» نلتقي سيرًا إنسانية تختزن في تفاصيلها ملامح مرحلة كاملة من تاريخ المجتمع. ومن بين هذه النماذج الفريدة، جلس أمامنا الوالد شلهوب الكبيسي، رجل يمكن أن نصفه بثقة بأنه "من الزمن الجميل"، ليس فقط لأن عمره يمتد إلى تلك السنوات الأولى من البدايات، بل لأن روحه ما زالت تحتفظ ببساطة ذلك الزمن، وصدق أهله، وعنادهم الجميل في مواجهة الحياة بالعمل لا بالكلام.

رجل لم يدخل كليات الهندسة، ولم يدرس الفيزياء أو الكيمياء في الجامعات، وتوقف تعليمه النظامي عند المرحلة الإعدادية، لكنّه شقّ لنفسه طريقًا مختلفًا، طريقًا صاغته التجربة وصقلته الممارسة. امتلك شغفًا استثنائيًا بعالم الدوائر الكهربائية والإلكترونية، فصار يفكّ الأجهزة الدقيقة قطعةً قطعة، ويغوص في أعماقها، يقرأها بعينيه ويديه معًا، ثم يعيد تركيبها نابضة بالحياة من جديد، معتمدًا على حدسه وخبرته الذاتية التي بناها على مدى سنوات طويلة من المحاولة والخطأ. ولم يقف شغفه عند حدود الإلكترونيات، بل امتد إلى عالم الميكانيكا، حيث نجح في تفكيك الدراجة النارية بكل أجزائها، والتعامل مع محركاتها وأعطالها بثقة الحِرَفي المتمرس، لا الهواة. وفي موازاة ذلك، يحتل اسمه مكانة خاصة في مجال آخر يبدو بعيدًا عن الأسلاك والمحركات، لكنه لا يقل عنه عمقًا، وهو لعبة الدامة، إذ يُعد من فرسانها المعروفين، ومن رواد مجلس الدامة في سوق واقف، وسبق أن تُوّج بعدة بطولات محلية، حتى أصبح اسمه مألوفًا في أوساط عشاق هذه اللعبة التراثية.

   - بيتي هو متحفي

استقبلنا الوالد شلهوب الكبيسي بابتسامته الهادئة، وقبل أن نخطو إلى داخل بيته كانت الدهشة قد سبقتنا. في فناء البيت اصطفت دراجات نارية بأحجام وأشكال مختلفة، تقف كما لو كانت في معرض مفتوح، إلى جانب أجهزة كهربائية قديمة أعاد إليها الحياة بعد أن أنهكها العطل وطول السنين. لم يكن المشهد عشوائياً بقدر ما كان صريحاً؛ هنا يعيش رجل اختار أن يُبقي الماضي حيًّا بيديه.

قادنا إلى الداخل، فكانت الجولة أشبه بالدخول إلى ذاكرة ممتدة على شكل غرف. الطابق الأرضي، ثم الطابق العلوي، كلاهما يحتضنان أعداداً كبيرة من الأدوات والمعدات والأجهزة الكهربائية. تلفزيونات قديمة، راديوهات بمختلف الأحجام، مسجلات، أجهزة فيديو، أكوام من أشرطة الكاسيت، وقطع إلكترونية متناثرة على الأرضيات والطاولات. وفي الزوايا تقف دراجات هوائية قديمة “سياكل” أعاد ترميمها بنفسه. قد تبدو الصورة مزدحمة لعين الزائر، لكنها بالنسبة له خريطة واضحة المعالم، يعرف فيها مكان كل جهاز، وقصة كل قطعة.

اللافت للنظر أن في كل غرفة سريراً. استوقفنا الأمر، فسألناه عن السر وراء ذلك، فابتسم وقال: "أنا أشتغل بنفسي طوال اليوم، أصلّح الأجهزة والتلفزيونات والراديوهات، وهذا العمل يحتاج تركيزاً ذهنياً وبدنياً. أحياناً أتعب أو يغلبني النعاس، فأستلقي على أقرب سرير وأرتاح قليلاً، ثم أعود وأكمل شغلي".

ثم أضاف وهو يشير بيده إلى ما حوله: "بيتي كما ترى هو متحفي. هنا كل هواياتي، وهنا أقضي يومي بين الفك والتركيب والتجربة. أفتح الجهاز، أفك كل قطعة، أصلّح ما يحتاج إلى تصليح، ثم أرجعه مثل ما كان أو أحسن. أنا مستمتع جداً… لأن العمل هذا هو متعتي".

وحين انتقل الحديث إلى أسرته، تغيّرت نبرة صوته إلى مزيج من الحنان والإصرار: "عيالي وبناتي يلحّون عليّ أروح أسكن عندهم، وسوّوا لي غرفا وملحقا خاصا. لكن ما أقدر أترك بيتي. هذا المكان فيه ذكرياتي، وفيه شغلي، وفيه حياتي كلها. أزورهم وأجلس مع أحفادي وأفرح فيهم، لكن أرجع هنا… هذا عالمي".

   - ولدتُ في البيت… وكبرتُ في الفريج

انتقلنا مع الوالد شلهوب الكبيسي إلى بدايات الحكاية، إلى تلك السنوات البعيدة التي تشكّلت فيها ملامح جيله، فاستعاد ذكرياته بنبرة يغلب عليها الحنين والهدوء.

◄ حدّثنا عن طفولتك… أين وُلدت وكيف كانت تلك الأيام؟

 قال مبتسمًا: "ولدت سنة 1945 في البيت، مثل أغلب الناس في ذاك الوقت. ما كان في مستشفيات مثل الحين، وكانت الحياة بسيطة. كبرنا في الفريج، نلعب مع عيال الحي الألعاب الشعبية اللي كانت معروفة وقتها، وكانت فيها بساطة ومحبة بين الناس".توقّف لحظة وكأنه يرى المشهد أمامه، ثم أكمل: "بديت التعليم عند المطوع، نحفظ القرآن ونتعلم القراءة والكتابة. كنا صغارا لكن كان عندنا شغف بالتعلم، ونحس أن العلم له قيمة. وبعدها لما فتحت المدارس النظامية في الخمسينيات، دخلناها وكنا فرحانين بهالخطوة الجديدة".

ويشير إلى دور الأسرة قائلاً: "الأهل كانوا يشجعوننا وايد، يقولون لنا: العلم هو طريق مستقبلكم. كانوا يحرصون على ان نروح المدرسة ونلتزم، لأنهم يعرفون أن الدنيا قاعدة تتغير".

    - درست… لكن يا فرحة ما تمت

◄ إلى أي مرحلة واصلت دراستك؟

 تنهد قليلاً قبل أن يجيب: "اكملت المرحلة الإعدادية، ودخلت أول ثانوي. كنت أحب المدرسة، وأحب أكون بين زملائي. صحيح بعض المدرسين كانوا شديدين، والضرب كان موجودا، لكن مع هذا كنا نحب نتعلم ونروح المدرسة بشغف".

سكت لحظة، ثم أردف: "لكن يا فرحة ما تمت… توفى الوالد، وكان هو معيل الأسرة. فجأة لقيت نفسي مسؤولا، وما كان في مجال أكمل الدراسة. اضطررت ان أترك المدرسة غصب عني، وأدور شغل عشان أساعد أهلي وأصرف على البيت".

ويختم هذه المرحلة من حياته بالقول: "كنت أتمنى ان أكمل تعليمي، لكن نصيبي كان أتعلم من الحياة نفسها… ويمكن هذا هو اللي صنعني بعدين".

من بوابة الحراسة إلى فضاء الإلكترونيات

بعد أن غادر مقاعد الدراسة مُكرهاً، بدأ شلهوب الكبيسي رحلته في ميادين العمل، رحلة لم تكن مجرد وسيلة للرزق، بل تحوّلت مع الوقت إلى بوابة لاكتشاف شغفه الأكبر.

◄ كيف بدأت حياتك العملية؟

 يقول وهو يسترجع البدايات: "الله وفقني وحصلت على وظيفة في كلية الخليج الصناعية، كنت مسؤول أمن على المبنى. شغلي كان الحراسة، لكن المكان نفسه كان مدرسة ثانية بالنسبة لي".

وأضاف: "بعد نهاية الدوام، كنت أمر على الصفوف أتأكد أن كل شيء تمام. وأنا داخل الفصول، كنت أشوف على السبورة دوائر كهربائية ورسومات ما كنت أفهمها، لكن شدتني بشكل غريب.”

يصف تلك اللحظات بأنها بداية التحول الحقيقي: "كنت أوقف قدام السبورة وأطالع الرسومات، وأسرح بخيالي. حسّيت إن ورا هالخطوط والرموز سرا كبيرا. من يومها بديت أميل إني أعرف أكثر".

◄ وماذا فعلت لتفهم تلك الدوائر؟

"صرت كل يوم أنسخ اللي أشوفه على السبورة في دفاتر خاصة عندي. ما كنت أفهم المعاني، لكن كنت حريصا ان أحفظ الشكل. وبعدها صرت أسأل الطلبة عن معنى الرموز، وأحاول أفهم منهم".

لكن فضوله لم يكتفِ بذلك: "زاد شغفي، وقلت لازم أتعلم صح. بدأت أشتري كتبا علمية عن الدوائر الكهربائية والإلكترونيات. قعدت أقرأ وأبحث وأقلب في الكتب. من أهم اللي قرأته كتب الصمامات الإلكترونية، معادلات الصمامات، فن الترانزستور، ورموز العناصر الإلكترونية، وكتبا في الفيزياء تخص الإلكترونيات".

◄ هل كنت تفهم كل ما تقرأ؟

 يضحك قائلاً: "مو من أول مرة. كنت أقرأ وأرجع أعيد وأجرب. أي تجربة أشوفها في الكتاب أحاول أطبقها عملياً. مرات تنجح ومرات تخرب القطعة، لكن مع الوقت بديت أفهم".

ويضيف: "شوي شوي، بديت أحس إن عندي موهبة في هالمجال. التجارب اللي أسويها كانت تنجح، وصرت أعرف أتعامل مع الأجهزة وأفهم خباياها. وهنا بدأت هوايتي تكبر وتصير جزءا أساسيا من حياتي".

   - نجحتُ في فكِّ شفرة الإذاعات

تدرّج شغف شلهوب الكبيسي بالإلكترونيات من مجرد فضول تجاه مكوّنات الأجهزة إلى محاولة فهم العالم غير المرئي الذي تتحرك فيه الإشارات عبر الأثير. ومع كثرة التجارب التي كان يجريها بنفسه، وصل في أواخر الستينيات، وتحديدًا عام 1969، إلى مرحلة بات فيها قادرًا على التقاط بث إذاعات تبث على الموجات القصيرة والمتوسطة والطويلة، في زمن لم يكن هذا الأمر فيه مألوفًا للهواة.

كان يعمل على الراديو البلوري القديم، ويطوّعه وفق ما تعلّمه من الكتب والتجربة، مستخدمًا قطعًا مثل "الرجيتور" الذي يكشف إشارات الترددات القادمة من الخارج. لم يكن الأمر بالنسبة له مجرد استماع لصوت بعيد، بل محاولة دائمة لفهم المسار الذي تسلكه الإشارة حتى تصل، وكأنه يفك شيفرة خفية بين جهاز صغير في غرفته ومحطات تبث من مسافات بعيدة. امتد اهتمامه أيضًا إلى أجهزة التلفزيون القديمة التي كانت تعمل بالصمامات الزجاجية المفرغة من الهواء BMB وIBM التي تعمل نفس وظيفة الترانزيستور. والتي كانت تؤدي وظيفة مشابهة للترانزستورات. تعرّف على أنواع الترانزستورات المختلفة، بين المعدني والمصنوع من السيليكون والجرمانيوم المستخرج من الكريستال، وصار يميّز بينها من حيث الاستخدام والأداء من خلال التجربة العملية، لا من خلال دراسة أكاديمية.

كان يتحدث بلغة المتمرس، لا الهاوي. لكنه يعترف أن الزمن تغيّر. "الأجهزة الحديثة صارت معقدة و من الصعب ان تتعامل معها بهالطريقة. وأنا مع بداية السبعينيات تقريبًا تركت هالمجال، وما عاد صار لي اهتمام مثل قبل".

ثم يضيف بابتسامة رضا: "لكن الفترة هذي كانت أجمل مراحل حياتي مع الإلكترونيات. كنت أتعلم كل يوم شيئا جديدا، وأحس إني أكتشف عالماً مخفياً وراء الأصوات والصور".

  - من مذياعٍ صنعه بيده… كان يستمع إلى إذاعة الجامع الكبير

في ستينيات القرن الماضي، حين كانت وسائل البث محدودة والإذاعات نادرة، كانت إذاعة الجامع الكبير تمثل نافذة صوتية خاصة لأهالي قطر. هذه الإذاعة غير الرسمية، التي انطلقت عام 1965، سبقت قيام إذاعة قطر الرسمية بعدة سنوات، وكانت تبث تلاوات القرآن الكريم والبرامج الدينية في أيام الجمعة والمناسبات، حتى أصبحت لاحقًا نواة لفكرة البث الإذاعي المنظم في البلاد.

كان شلهوب الكبيسي من المتابعين الأوفياء لتلك الإذاعة، لكنه لم يكن مستمعًا عاديًا. كان يلتقط بثها عبر جهاز راديو قام بتجميعه وصناعته بنفسه، مستخدمًا ما تعلّمه من تجاربه في الإلكترونيات. كان يجلس منصتًا للصوت الخارج من جهاز صنعه بيديه، يستمع إلى دروس وخطب فضيلة الشيخ ابن محمود وعدد من العلماء، في بثٍ كان يبدأ من السابعة صباحًا ويستمر حتى الثانية عشرة ظهرًا.

ويُروى أن تلك الإذاعة أسسها يوسف الدرويش، الذي يُعد من أوائل من أطلقوا محاولات البث الإذاعي المصغّر في قطر مطلع الستينيات. بالنسبة لشلهوب، لم تكن مجرد إذاعة، بل كانت تجربة حيّة يختبر من خلالها نجاح أجهزته، ويشعر بمتعة التقاط صوتٍ ديني عابرٍ للأثير، يصل إلى بيته الصغير بفضل أسلاك وصمامات ركبها بنفسه.

   - أعدت الحياة لأجهزةٍ استعصت على المتخصصين

لم تكن مهارة شلهوب الكبيسي في الإلكترونيات حبيسة التجارب الشخصية، بل تجلّت أيضًا في مواقف عملية أثبت فيها قدرة لافتة على إصلاح أجهزة عجز عنها فنيون متخصصون. ويذكر صديقه خالد أبوجسوم واقعة لافتة حين أحضر له جهاز راديو روسيا قديما، لم تعد تتوافر له قطع غيار في السوق، إضافة إلى جهاز تلفزيون قديم لا يعمل، بعدما أخفق عدد من محلات التصليح في التعامل معهما.تعامل شلهوب مع الجهازين بهدوء المتمرس. فكّك الراديو الروسي قطعةً قطعة، واستعان بأجزاء من أجهزة أخرى، وعدّل في بعض الدوائر، وأضاف تجهيزات وأريالا محسّنًا لالتقاط الذبذبات على الموجات القصيرة والمتوسطة والطويلة. وبعد الانتهاء، لم يعد الراديو يعمل فحسب، بل صار أداؤه أفضل من السابق.

الأمر ذاته تكرر مع التلفزيون الأسود والأبيض. قام بتفكيكه، وفحص مكوناته، وأعاد ترتيب أجزائه حتى عاد للعمل من جديد، بصورة مستقرة وواضحة. لم تكن شهادات أكاديمية تقف خلف هذا النجاح، بل سنوات طويلة من الشغف والتجربة والمعرفة التي اكتسبها بنفسه.

كان واضحًا أن ما يفعله لم يكن مجرد تصليح تقني، بل علاقة خاصة مع الأجهزة القديمة، يفهم لغتها ويصبر عليها حتى تستجيب. وهكذا فعل شلهوب الكبيسي ما عجز عنه آخرون من أصحاب التخصص، مثبتًا أن الموهبة حين تقترن بالإصرار يمكنها أن تتجاوز حدود الشهادات.

وعن هذه الواقعة، قال خالد بوجسوم- أحد أصدقاء شلهوب الكبيسي- أنه أحضر له منذ فترة راديو روسي قديم، لم تكن له قطع غيار في السوق، وعلى الرغم من ذلك قام بتصليحه، باستخدام قطع غيار من أجهزة أخرى كانت لديه، وهو ما يؤكد شغفه وعبقريته الفطرية في هذا التخصص.

   - الصورة مقلوبة… والدهشة حاضرة

لم تقتصر مهارة شلهوب الكبيسي على إصلاح الأجهزة وإعادتها إلى العمل، بل تجاوزت ذلك إلى محاولات ابتكارية بدت لنا أقرب إلى الخيال حين شاهدناها بأعيننا. ففي منزله، وأمام فريق «الشرق»، عرض علينا تلفزيوناً قديماً كان قد حوّله إلى جهاز ملون، ثم أضاف إليه أزراراً غير مألوفة تؤدي وظائف غير تقليدية. بضغطة زر، تنقلب الصورة رأساً على عقب، فتتحول المشاهد من الأعلى إلى الأسفل، وبزرٍ آخر تنتقل الصورة من اليمين إلى اليسار. بدا الأمر أقرب إلى خدعة بصرية، لكن ما رأيناه كان نتيجة تعديل حقيقي في داخل الجهاز. تابعنا التجربة بدهشة واضحة، فيما كان هو يشرح بهدوء الواثق: "الأزرار شريتها من السوق المحلي، والفكرة من بنات أفكاري. حبيت أجرب… ونجحت إني أتحكم باتجاه الصورة".

   - سنوات طويلة في خدمة الكهرباء

بعيداً عن ورشته المنزلية، قضى شلهوب الكبيسي جزءاً كبيراً من عمره في ميدان العمل الحكومي، وتحديداً في وزارة الكهرباء والماء، في مرحلة مهمة من تاريخ البنية التحتية في الدولة. التحق بالوزارة في الرابع من مايو عام 1978 بوظيفة مفتش، قبل أن ينتقل لاحقاً إلى العمل قارئاً للعدادات، وهي وظيفة أتاحت له احتكاكاً مباشراً بالأجهزة والمعدات والمواقع المختلفة.

يتحدث عن تلك المرحلة باعتزاز واضح، إذ تزامنت مع سنوات شهدت مشاريع كبرى في قطاع الكهرباء والمياه، من بينها محطة رأس أبو فنطاس لتوليد الطاقة، ومشروعات تحلية المياه. وبين المواقع والمعدات، اكتسب خبرة عملية واسعة، وتعرّف على تفاصيل العمل الميداني، وتعلّم الكثير من الفنيين المتخصصين الذين احتك بهم يومياً. "تعلمت أشياء كثيرة في الوزارة، خصوصاً من الفنيين. صرت أفهم خبايا الكهرباء أكثر، وحبيت الشغل اليدوي فيها".

   - حارس الجامعة في المساء

لم يكتفِ شلهوب بوظيفته الأساسية، بل بحث عن مصدر دخل إضافي يساعده على مواجهة متطلبات الحياة. وخلال عمله في وزارة الكهرباء والماء، التحق بوظيفة مسائية حارساً على بوابة جامعة قطر، من الساعة الثانية ظهراً حتى الحادية عشرة ليلاً.

كان يسكن آنذاك في بيت بالإيجار، وكان يسعى لتأمين قيمة الإيجار الشهري، وفي الوقت نفسه يدّخر لبناء منزله الخاص. لم يرَ في العمل الإضافي عبئاً، بل فرصة. "كنت أشتغل عشان أوفر وأبني بيتي. الشغل مو عيب، بالعكس، أي عمل بالحلال شرف".

   - فكّ شفرات لعبة الدامة

وكما فكّ شلهوب الكبيسي شفرات الدوائر الإلكترونية، كان له شغف آخر من نوع مختلف، لكنه لا يقل عمقًا في نظره: لعبة الدامة. فمنذ منتصف ستينيات القرن الماضي، لم يكن يكتفي بالمرور العابر على مجالس اللعبة، بل كان يقف طويلًا يتأمل تحركات اللاعبين، يراقب بصمت، ويتتبع الخطط كما يتتبع المهندس مسار التيار في دائرة معقّدة.مع كثرة الحضور والمشاهدة، بدأ يقترب أكثر من رقعة اللعب، يسأل عن القوانين، ويستفسر عن تفاصيل كان يراها غامضة. شيئًا فشيئًا تحوّل من متفرّج إلى لاعب، ومن هاوٍ إلى صاحب خبرة، يتعلّم الخطط، ويفهم أساليب الهجوم والدفاع، ويدرك أن الدامة ليست مجرد نقل حجارة، بل معركة عقول تحتاج صبرًا وتركيزًا وبعد نظر.

كان أينما ذهب يبحث عن مجلس تُقام فيه الدامة، وخصوصًا في منطقة “شرق”، حيث اعتاد الجلوس ومتابعة اللاعبين، ثم مشاركتهم. ومع مرور الوقت، أصبح اسمًا معروفًا في أوساط اللعبة، وشارك في بطولات عديدة على المستوى المحلي، وتمكن من تحقيق مراكز متقدمة والفوز بعدة بطولات. بعض مباريات التحدي التي خاضها كانت تمتد لساعتين أو ساعة أو حتى نصف ساعة، تبعًا لقوة الخصم وتشابك الخطط.

لم يتوقف حضوره عند المجالس الشعبية، بل شارك بدعوات رسمية في البطولات والمهرجانات، مثل الفعاليات التي تُقام في درب الساعي، ومهرجانات الحي الثقافي “كتارا”، وبطولات مجلس الدامة الرمضانية، وبطولة كتارا الرمضانية. هناك لم يكن لاعبًا فقط، بل ناقلًا للخبرة، يشرح، ويعلّم، ويشجع على التمسك بهذا الموروث الشعبي.

  - خدع الحمام وأشعل معركة حامية الوطيس 

 يشتهر شلهوب الكبيسي بحبه للطيور والحيوانات الأليفة ويعطف عليها، بل يطعمها بنفسه، وله قصص عجيبة معها، وقد ذكر لنا سالفته مع الحمام الذي يضع له الطعام خارج نافذة الغرفة يومياً وتأتي له الطيور يومياً، وهو يراقبها من بعيد بدقة، وأراد أن يعمل مقلبا لهم فبعد ان وضع الطعام كالمعتاد جاءت إحدى الحمامات فوجدت الأكل، وقامت بالذهاب للمجموعة وأخبرتهم بذلك.

وفي هذه اللحظات قام شلهوب بإخفاء الطعام، وعندما جاءت الحمامات لم تجد الطعام، وفجأة هاجم الحمام على الحمامة التي أخبرتهم، وحدثت معركة حامية الوطيس بينهم واشتباكات لأنهم اعتبروها كذابة وخدعتهم، وبعد انتهاء المعركة وضع لهم الطعام، واكتشف أن المقلب الذي عمله نجح وخدع الحمام، وكانت إحدى قفشاته.

مساحة إعلانية