رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

Al-sharq

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

الشرق

مساحة إعلانية

مساحة إعلانية

مساحة إعلانية

تقارير وحوارات

492

ماكرون يخترق ممنوعات فرنسا في صاعقة إنتخابية

23 فبراير 2017 , 09:19م
الشرق
باريس - خالد سعد زغلول:

أعلن أن إحتلال بلاده للجزائر جريمة ضد الإنسانية

12 مليون ناخب من أصول عربية كفيلون بحسم المعركة النهائية لصالحه

قلب المائدة على لوبان في ملعبها الإسلامي واستطلاعات الرأي تؤكد تقدمه بـ58 %

وجّه صفعة قوية، إيمانويل ماكرون المرشّح المستقل للإنتخابات الرئاسية الفرنسية وفق مراقبين، لبلاده بوصفه 132 عاما من استعمارها للجزائر بـ"الجريمة ضدّ الإنسانية". تصريح ناري وغير مسبوق من مسؤول رفيع في التاريخ المعاصر لفرنسا، كان بمثابة "الصاعقة" التي زلزت المشهد السياسي الفرنسي، وأثارت جنون اليمين وأقصى اليمين على وجه التحديد، وأحدثت ضجّة وجدلا صاخبين حول موضوع يعتبر من المحظورات "تابوهات" السياسات الفرنسية المتعاقبة، والذي يراها منافسوه أنها تشكّل أيضا "انتحارا سياسيا" في بلد يرى معظم قياداته السياسية أن اعترافا مماثلا سيحمله آليا أمام المحكمة الجنائية الدولية.

ماري لوبان

ومع أن ماكرون سبق وأن تطرّق إلى هذا الموضوع، في مقابلة سابقة له، في نوفمبر الماضي، مع صحيفة "لو بوان" الفرنسية، إلا أن تصريحه الأخير بدا أكثر حدّة وجرأة، وأسهب في وصف لم يسبقه إليه أي مسؤول فرنسي مهما بلغت درجة مناهضته للاستعمار.

ولاسيَّما مسألة، "التعذيب الذي حدث في الجزائر، ونشأة الدولة والثروات والطبقة الوسطى"، و"الواقع الإستعماري" و"عناصر التحضر والوحشية".

قال ماكرون "أعتقد أنه من غير المقبول تمجيد الاستعمار. البعض أرادوا، قبل ما يزيد على 10 سنوات، فعل هذا الأمر في فرنسا، (لكن) لن يتناهى إلى مسامعكم أبدًا أنني سأدلي بمثل هذه التصريحات". ومتابعا: "لطالما أدنت الاستعمار كفعل وحشي، فعلت ذلك في فرنسا وأفعله هنا"، بحسب وكالة "الأناضول" التركية.

ومضى ماكرون إلى أبعد من ذلك، وتجاوز جميع الخطوط الحمراء المفروضة -ضمنيا- في بلاده على موضوع بحساسية ماضيها الاستعماري، أو ما يسميه البعض بـ"الذاكرة الاستعمارية" لفرنسا، وبلغ حدّ تقديم الاعتذار للجزائريين، وهذا ما لم يكن ليجرؤ على فعله أي مرشح فرنسي، لأسباب عديدة. ولا جميع رؤساء فرنسا حيث سجل الرئيس فرانسوا أولاند اسمه في سجلات التاريخ حينما اعترف بالحقبة الاستعمارية وبارتكاب أخطاء.

وتطالب الجزائر رسمياً وشعبياً منذ الإستقلال عام 1962 بإعتذار رسمي من فرنسا عن "جرائمها" الإستعمارية فيما تقول سلطات باريس إن الأبناء لا يمكن أن يعتذروا عما ارتكبه الآباء والأجداد.

لكن أبلغ ما قال المرشح الرئاسي الفرنسي إن "الاستعمار يدخل ضمن ماضي فرنسا.. إنه جريمة بل جريمة ضد الإنسانية وعمل وحشي وهي جزء من هذا الماضي الذي يجب أن نشاهده أمامنا ونقدم اعتذاراتنا للذين ارتكبنا بحقهم هذه التصرفات".

"صاعقة" انتخابية

أظهرت إستطلاعات الرأي الفرنسية، مؤخرا، أن ماكرون وزعيمة "الجبهة الوطنية" الفرنسية، اليمينية المتطرّفة، هما فرسا رهان الانتخابات القادمة لكونهما المرشحان الأوفر حظا للمرور إلى الدور الثاني للرئاسية المقبلة (مقررة في أبريل ويونيو القادمين).

وقد أراد ماكرون من خلال "تودّده" للجزائر، واللعب على ملف بحساسية "الذاكرة"، أن يكسب تأييد الجالية الجزائرية في فرنسا المقدرة بنحو 6 ملايين نسمة مليون نسمة غالبيتهم ناخبون فرنسيون، ومعها الجالية المغاربية عموما والعربية والإفريقية والآسيوية بشكل أوسع.

وبالتالي قد ضمن أصوات نحو 16 مليون موقف قد يدفع نحو حصول ماكرون على أصوات الفرنسيين من أصول عربية، ويقدر بـ12 مليونا، ما قد يمكّنه من حسم المعركة الانتخابية النهائية لصالحه.

كما أراد، بتصريحه، تسديد ضربة قاضية إلى منافسته اليمينية المتطرفة، وهو الذي يقدّم نفسه مرشحا معتدلا يقف منتصف الطريق ما بين اليمين واليسار، بهدف استفزازها ودفعها إلى التفاعل بشكل قد يفقدها الكثير من الأصوات الداعمة لها حاليا.

فلم تخف المرشحة الرئاسية عداءها للجزائر بشكل خاص سيما وأن والدها مؤسس الحزب جون مارين لوبان قد فقد عينه اليسرى في حرب تحرير الجزائر، كما تعلن عداءها للمسلمين بشكل عام، داعية، في تصريحات استفزازية، إلى التعامل مع الجزائر وبقية الدول الإسلامية كما يتعامل الرئيس الأمريكي دونالد ترامب مع المكسيك، في إشارة إلى الأمر التنفيذي الذي أصدره الأخير، نهاية يناير الماضي، ببناء جدار على الحدود الأمريكية - المكسيكية.

مقدسات اليسار و"محرّمات" اليمين

يتحاشى اليسار الفرنسي، كمعظم التيارات الأخرى، الخوض في مسائل يدرك جيدا قدرتها على بعثرة جميع المقاربات، خصوصا حين يتعلق الأمر باستحقاق مصيري كالذي تتهيأ البلاد لخوضه. وتبعا لذلك، فإن الحقبة الاستعمارية عموما، والممارسات الاستعمارية في الجزائر على وجه الخصوص، التي تعتبر الأطول والأكثر شراسة ودموية، وهي من الملفات التي يخشى اليساريون الخوض فيها، وإن حدث فبشكل مخفّف دون بلوغ درجة جرأة ماكرون الانتحارية.

ومن جانبه أعلن بنوا آمون مرشح اليسار الفرنسي لانتخابات الرئاسة الفرنسية المقبلة، وصديق العرب والمسلمين، استعداده لفتح ملف "الذاكرة الاستعمارية" لبلاده في بلدان شمال إفريقيا، حال انتخابه رئيسًا للبلاد، بعدما رأى المكتسبات الانتخابية على الساحة الفرنسية لجرأة منافسه المستقل. ولكن تجنَّب بنوا وصف الاستعمار الفرنسي لشمال إفريقيا بـ"الجرائم ضد الإنسانية"، مكتفيًا بالتأسف عن "المظالم التي حدثت هناك"، ومتعهدًا بالنظر فيها، حال وصوله إلى قصر الإليزيه لخلافة الرئيس الحالي فرانسوا أولاند.

أما في معسكر اليمين واليمين المتطرف، فقد زلزل التصريح رموز هذه التيارات، وعلى رأسهم فرانسوا فيون معتبرين أنه من "العار" أن يذهب أحدهم إلى الخارج ليتهم بلاده بارتكاب جرائم ضد الإنسانية. كما رأوا، في ردود فعل عبر مواقع التواصل الاجتماعي ووسائل الإعلام المحلية، أن "الجرم" الحقيقي يكمن فيما فعله ماكرون ضد بلده، وفي تطرّقه إلى مسائل ذات تداعيات وخيمة على أكثر من صعيد، خصوصا في صفوف اليمين المتطرف المناهض للمهاجرين.

ماكرون يقلب المائدة على لوبان في ملعبها الإسلامي

وعلى ما يبدو، فإن ماكرون نجح بالفعل في الإطاحة بـ"لوبان" التي تلعب على محاربة الإسلام والمسلمين تحت ذريعة مواجهة التطرف والإرهاب مستمدة من كوارث التنظيم الإرهابي داعش قوتها وصعود أسهمها لكن توجهات ماكرون بعثرت أوراقها وقلصت مكتسباتها، حيث أظهرت استطلاعات الرأي الصادرة، الأخيرة أن ماكرون سيفوز على منافسته بـ58% من الأصوات مقابل 42% في الدور الثاني وبخصوص التفاعل مع تصريحات ماكرون، أظهر استطلاع للرأي، نشر السبت الماضي، أجرته شركة فرنسية متخصصة، أن 51% من الفرنسيين يؤيدون آراء المرشح فيما يتعلّق باستعمار بلادهم للجزائر، مما يعني أن تصريحات ماكرون لن تقلّص من شعبيته، وإنما قد تحسم المسار الانتخابي برمّته، وتكبح صعود اليمين المتطرّف في البلاد.

ماكرون كسب اصوات 12 مليون فرنسي من اصول عربية

بيّنت هذه الأرقام أن تصريحاته حول الجزائر لم تمسّ شعبيته لدى ناخبي بلاده، وإنما تشكّل عكس التوقعات- نقطة ارتكاز مفصلية في تحديد نوايا التصويت حتى لدى أنصار منافسيه. أما بالنسبة لمن توقّع "انتحارا سياسيا" لا مناص منه، وأفول نجم ماكرون بل جاءت بنتائج عكسية؛ فقد استطاع بجرأته في التطرق إلى ملف الاستعمار، وطمأنة الفرنسيين بقدرته على التعامل مع جميع الملفات الشائكة بشفافية عجز عن تبنيها جميع الساسة الفرنسيين من دون استثناء.

والواقع، أن جرأة هذا الحصان الجامح في سياق الانتخابات الفرنسية تثير إعجاب طيف واسع من الفرنسيين، فهذا الشاب (39 عاما) لطالما بعثر التوقعات، وخرج عن قانون "الأرقام" الصارم الذي ينتمي إليه أكاديميًا، لتخصصه في المالية.

ففي أبريل 2016، أسس حركته السياسية "إلى الأمام"، قبل أن يستقيل في أغسطس من العام نفسه من منصبه وزيرا للاقتصاد (في حكومة مانويل فالس الثانية)، ليعلن في 16 نوفمبر ترشحه للرئاسة بصفة مستقل، رافضا المرور بالانتخابات التمهيدية للحزب الاشتراكي (يسار) الذي ينتمي إليه.

مساحة إعلانية