رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

Al-sharq

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

الشرق

مساحة إعلانية

مساحة إعلانية

مساحة إعلانية

ثقافة وفنون

2987

"استديوهات بيكاسو " من فوضى متراكمة إلى إبداعات خالدة

22 أغسطس 2020 , 06:15ص
alsharq
سمية تيشة

تأخذ متاحف قطر زوارها ومحبي الفن في رحلة تروي مسيرة الفنان بابلو بيكاسو، الذي استقر في مواقع مختلفة تنوّعت أنماطها بدءاً بعُليّة صغيرة ومروراً بشقق فارهة ووصولاً إلى قصور ومنازل فاخرة والتي تحولت من خلال الفوضى والمقتنيات المتراكمة إلى إبداعات ملهمة ظلت خالدة على مر العصور.

وعبر ثمانية عقود، من وصول بيكاسو إلى باريس في عام 1900 وحتى سنواته الأخيرة على البحر الأبيض المتوسط في السبعينيات، يرصد معرض "استوديوهات بيكاسو" في كراج جاليري مطافئ، مسيرة الفنان وتطور فنه الرائد من خلال تقديمه في ثمانية أركان مميزة، تمثل سلسلة من الاستوديوهات التي عمل بها بيكاسو طوال حياته المهنية.

ويضم المعرض، الذي يعد جزءًا من العام الثقافي قطر – فرنسا 2020، (180) عملًا فنيًا من الأعمال الاستثنائية لبابلو بيكاسو، والتي تم اختيارها من مجموعة لا مثيل لها من متحف بيكاسو الوطني في باريس، بما في ذلك لوحات ومنحوتات ورسومات ومطبوعات وأعمال خزفية.

محطة أولى

"الشرق" قامت بجولة في أورقة معرض "استوديوهات بيكاسو " بنسخته الافتراضية، والتي استقطبت عددًا كبيرًا من الزوار والمهتمين من مختلف أنحاء العالم، حيث يُقدِّم المعرض أعمال بيكاسو من مجموعة متحف بيكاسو الوطني في باريس ضمن تسلسل زمني متعاقب، ويُسلِّط الضوء على ثمانية استوديوهات بدءاً من المحطة الأولى عند وصوله إلى باريس حوالي عام 1900 وانتهاءً بمقر إقامته الأخير في شواطئ الريفييرا الفرنسية المطلة على المتوسط، وقد قامت بتقييم معرض استوديوهات بيكاسو فيرجيني بيردريسو كاسان، القيمة الفنية للوحات (1921 - 1973) والمنحوتات والقطع الخزفية في متحف بيكاسو الوطني في باريس.

تبدأ الرحلة الأولى لزوار المعرض من " استوديو باتو لافوار"، مساحة عمل بيكاسو البوهيمية في حي مونمارتر بباريس، وهو مشغل سابق لتصنيع البيانو تم تحويله إلى ورش عمل (مايو 1904 - سبتمبر 1909؛ 1912)، حيث انتقل بيكاسو مع شريكته فيرناند أوليفييه إلى باتو لافوار عام 1904، كان المبنى عبارة عن وجهة تضجّ بفنانين وصحفيين وتجار أعمال فنية، شعر بيكاسو أن ظروف الحياة المتقشِّفة هنا، دون تدفئة تقريباً خلال فصل الشتاء، مواتية للإبداع، ورغم مغادرته هذا الاستوديو عام 1912، إلا أن بيكاسو احتفظ بذكريات جميلة من هذا المكان قائلاً: "سنعود جميعاً إلى باتو لافوار، فلطالما كنا بغاية السعادة هناك"، وفيما بعد انتقل بيكاسو في إسبانيا وجنوب فرنسا، قبل العودة إلى باريس والاستقرار في استوديو جديد عام 1913، وتمثّل الفضاء الإبداعي للفنان بشقة فارهة، برجوازية في حي مونبارناس في جنوب باريس (سبتمبر 1913-1916)، حيث ابتكر بيكاسو أعمالًا مثل واحدة من أبرز القطع بالمعرض " رَجُل بجوار موقد " (1916، ألوان زيتية على قماش)، وهو ما أطلق عليه " استوديو شارع شويلكر"، وتخللت إقامة بيكاسو في استوديو شارع شويلكر اندلاع الحرب العالمية الأولى والوفاة المفاجئة لشريكته إيفا غويل نتيجة إصابتها بمرض السلّ، ولمواجهة شعور العزلة الذي انتابه، أخذ بيكاسو ينوّع أساليبه الفنية وأضاف بُعداً جديداً لأعماله ثنائية البُعد، وخلق فئة جديدة من المنحوتات أطلق عليها اسم "تراكيب"، أعدّ هذه المنحوتات من مواد غير فنية، كقطع أثاث خشبي عثر عليها في الاستوديو أو ألواح قصدير قام بطلائها ومن ثم طيّها لتشكيل أعمال طبيعة صامتة.

إبداع وإلهام

ثم ينتقل الزائر إلى "استديو شارع لا بويتي" بباريس (1918-1940)، وهو ثالث استديوهات بيكاسو فعند انتقال بيكاسو إلى هذا الاستوديو جديد في حيّ لا بويتي الراقي في باريس، كان قد أصبح فناناً عالمياً ذائع الصيت، وعقب زواجه من راقصة الباليه الروسية أولغا خوخلوفا، أسس مُحترَفه في الطابق الثاني من شقة العائلة، حيث بدأ العمل مجدداً على التكعيبية، وأعاد اكتشاف الأسلوب الكلاسيكي في رسم اللوحات، وقد تميّزت سنوات استوديو لا بويتي بالشهرة العالمية والثراء والتواصل مع فناني الصفّ الأول في عشرينات القرن العشرين، إذ شهدت الثلاثينيات توترات عائلية وهواجس شخصية بالنسبة لبيكاسو، كما اتجه إلى السريالية، تلك الحركة الفنية التي تطوّرت عقب الحرب العالمية الأولى، وتشتهر بصور وأعمال الكولاج الحالِمة. فمثلاً لوحة "دراسات لأعمال" الذي يحتضنه المعرض، تجمع مجمل الأبحاث الفنية التي انخرط فيها بيكاسو داخل استوديو شارع لا بويتي وهي التراكيب التكعيبية والأنماط الكلاسيكية ومصادر الإلهام السريالية، يُظهِر هذا العمل شغف الفنان بالتشظيّ وأعمال البورتريه والطبيعة الصامتة.

ويعد "قصر بواجولو في" رابع استوديوهات بيكاسو وهو قصر من القرن السابع عشر اشتراه الفنان لإنشاء ورشة كبيرة بما يكفي للنحت (يونيو 1930 - خريف 1936)، حيث أبدع بيكاسو أعمال "رأس امرأة من الجانب - ماري تيريز" (1931، برونزية ) أصبح وجهها بطابعه المنحوت مصدر إلهام لتنويعات متعددة في لوحات ومنحوتات أعاد فيها الفنان تركيب معالِمه وتقاسيمه مثل عمل "طبيعة صامتة: تمثال نصفي وطبق فواكه ولوح ألوان".

وفي عام 1937 انتقال بيكاسو إلى "استوديو شارع غراند أوغستان" داخل نفس المبنى الذي تدور فيه أحداث رواية بلزاك التي يُقال إنها راقت لبيكاسو، وقد رسم بيكاسو إحدى أشهر لوحاته "غرنيكا" المناهضة للحرب والتي تظهر فيها شخوص وحيوانات متعددة وتحوّلت مع الزمن إلى رمز عالميّ للسلام، بالإضافة إلى واحدة من أبرز القطع الفنية والتي تعرض بالمعرض حاليا "المطبخ" (نوفمبر 1948، ألوان زيتية على قماش)، كما ستحضر أعماله من تلك الفترة ما عاشه، حيث أعدّ بيكاسو منحوتة من البرونز المطليّ في هذا الاستوديو وتُمثّل رأس امرأة ركّبه بيكاسو على مجسّم عرض لسيدة ترتدي ثوباً طويلاً، وكما هو الحال في كثير من لوحات البورتريه لسيدات من فترة الحرب، يحمل هذا العمل طابع حقبة اتّسمت بالمعاناة والصراعات العنيفة.

نمط فني جديد

بالانتقال إلى الاستديو السادس "فورنا في فالوريس" الذي يقع في جنوب فرنسا (1948 - 1955)، يستكشف الزائر إبدعات من نوع آخر تتمثل في العمل على الفخار، حيث أبدع الفنان خلال هذه الفترة أكثر من ( 4000 ) قطعة خزفية، ويقال بأن زيارته لورشة خزف في قرية فالوريس عام 1948 أثارت اهتمام بيكاسو بتقنيات العمل على الفخار، حيث أعد الكثير من الأعمال الخزفية مُستلهِماً من حياة المتوسط والعصور القديمة، فيما يرى الزائر في الاستديو السابع "استوديو كاليفورنيا " نمطا فنيا جديدا يبدعه بيكاسو، بالتركيز على منحوتات مما أصبحت فيلا كاليفورنيا أشبه بالمسرح، وفي هذه الفترة يطلق بيكاسو العنان لإبداعاته من خلال الديكورات الداخلية لهذا الفضاء الإبداعي، امتاز المكان الجديد بنوافذه المرتفعة المطلّة على منحوتاته البرونزية الضخمة في الحديقة، وابتكر بيكاسو هنا نمطاً جديداً لمنحوتات مكوّنة من صفائح معدنية مطوية ومطلية. كان يستهلّ هذه المنحوتات بإعداد نماذج ورقية، ثم يتحوّل إلى استخدام صفائح معدنية، وعقب هذه الفيلا انتقل بيكاسو في قصر فوفنارغ إلى المنزل الريفي في نوتردام دو فيه (1958-1973)، وهو آخر استديوهات بيكاسو، حيث بني القصر أمام جبل سانت فيكتوار الشهير الذي رسمه بول سيزان حيث أعدّ بيكاسو واحدة من أبرز القطع الفنية بالمعرض "رأس امرأة" أواخر عام 1962)، وحسب الدراسات بأن إسبانيا آنذاك تحولت إلى مصدر إلهام لوحات كثيرة أعاد فيها بيكاسو كتابة تاريخ الفن مثل عمليه "رَجُل جالس" و"مصارع الثيران"، حيث تُعتَبر هذه الأخيرة بمثابة نموذج مثالي للعصر الذهبي الإسباني، إلا أن بيكاسو بدأ يشعر بالوحدة مما انتقل إلى فيلا نوتردام دو فيهفي منطقة موجان، وذهب بيكاسو بمغامراته الإبداعية إلى اللامحدود، اشتغل هنا على أعمال حفر فني تبنّى فيها تقنيات مختلفة وتراكمت فيها تفاصيل مذهلة، قدّم أيضاً لوحات عديدة ظهر فيها الاستوديو، بالإضافة إلى لوحات بورتريه بألوان نابضة بالحياة شكّلت شهادة شخصية عن مفهومه لفن رسمّ اللوحات، إلى أن انتهت هذه المرحلة والتي تعد الرحلة الأخيرة من المشوار الإبداعي لبيكاسو بوفاته عام 1973، أثر نوبته قلبية.

مساحة إعلانية