رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

Al-sharq

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

الشرق

مساحة إعلانية

مساحة إعلانية

مساحة إعلانية

رمضان 1436

1114

البسيوني: يعجبني في قطر روح التدين والتنافس على البذل

01 يوليو 2015 , 04:55م
الشرق
هاجر بوغانمي

أي صفاء هذا الذي يملأ الكون من حولنا؟ يشعر الصائم في لحظة تجلّ وتأمّل بحالة من الرضا والهدوء لا مثيل لها. تنشط الذاكرة، وتشحذ النفس إيمانا وتقوى، ويتعاظم الإقبال على فعل الخير والسعي إليه في الغداة والعشي.. هذا قليل من كثير.. فروحانيات الشهر الفضيل لا تعد، ومزاياه لا تحصى. في مثل هذه المناسبات، عندما تجلس إلى أحدهم ممن خبروا الحياة بعد رحلة في دروبها فأصبحوا لدروبها فاعلين غير مفعولين، تصاب بنوع من التعاطي الحر مع بعض المفردات التي لها دلالتها الإيمانية والإنسانية من قبيل "البذل"، "الإطعام"، "العبادة"، "القرب من الله".. وغيرها، فتجد نفسك محاطا بهالة من الصدق تتجلى في كلمة تنطق بها، أو ابتسامة يفتر ثغرك لها، أو إشارة تعبر عن تفاعلك أو تأثرك بما أنت بصدد سماعه.. يحدث ذلك مثلا مع الشيخ عبدالسلام البسيوني الذي يقيم بيننا منذ أكثر من ثلاثين سنة، حيث قدم لـ (الشرق) باقة منوعة من القطوف الطيبة منبعها قلب عامر بمحبة الله، ومجراها غد يتمنى أن يكون أفضل مما عليه الأمة العربية اليوم.

عشقتها عشقا

يتحدث الشيخ البسيوني عن علاقته بالدوحة فيقول: جئتها شابا وأرجو أن أموت فيها إن شاء الله. عشقتها عشقا حتى أنني قلما أخرج منها إلا لعمل. فأحب أن أبقى فيها لما تتحلى به من المزايا والخصوصيات التي لم أجدها في غيرها. مضيفا: أنا فلاح النشأة، أحافظ على طبيعتي وليس من السهل أن أنسلخ منها، لكن الدوحة أيضا بمزاياها تجعل لرمضان طعما لم آلفه في بلدي. أحافظ على خصوصياتي في اللسان لكن متعة الصيام والتراويح والعبادة في رمضان في هذا البلد لا تعادلها متعة، ولم أشهدها في بلد آخر، فالمساجد عامرة، والمآذن صادحة، والأيدي باذلة، والألسن ضارعة والخير ظاهر، والأمن أعظم البركات. لذا فإنني أعشق رمضان هنا، ولم يحصل أن صمت يوما واحدا خارج الدوحة خلال اثنتين وثلاثين سنة، رغم أنني كنت من قبل رمضان بأيام في أوروبا حيث الجو أطيب، والريح أبرد، والطبيعة أجمل، لكن رمضان هنا هو الأجمل والأجمل والأجمل... وتابع: يعجبني هنا روح التدين الظاهرة، وتنافس الناس على البذل وعلى الإطعام وعلى القرب من الله رب العالمين.. ولا أنسى تسابق الأئمة في المساجد إلى الصلوات الطويلة والمتأنية، والأصوات البديعة الراقية، وجو الحرص على ختم القرآن فرادى وجماعات في البيوت والمساجد، فاللهم أدم على هذا البلد الخير والأمن والدين والعافية.

ذكريات

وعن ذكريات رمضان يقول: نحن من الريف، وأهل الريف عادة طيبون مضيافون.. فقراء لكنهم كرماء. ولا أنسى أن أهل الحارة كانوا يفترشون أمام البيوت، يفطرون في الحارة، حتى إذا مر أحد تجاذبوه، فهذا يدعوه، وهذا يرجوه، وهذا يجذبه من ثوبه. ولا أنسى أزيار الماء البارد في الشارع، المطيّبة بماء الورد لسقيا المارة، ولا أنسى أصوات الموشحين قبل الفجر بنصف ساعة وهم يترنمون في المايكروفونات بالأدعية والأذكار والابتهالات التي تحرك الحجر وتبعث النائم لحلاوتها ودلالتها حتى باتت جزءا من أشواقي وأمنياتي التي أتمنى أن أعود لها ولو ساعة من الزمن. ولا أنسى الحواري المظلمة أو التي تكاد، والأطفال يسيرون في أنحائها بالفوانيس المتواضعة، ذات الشموع الصغيرة وأهازيجهم في هذه الأيام. لا أنسى آخر جمعة من رمضان، ولا أنسى صوت المدفع الذي كان موضوعا على شاطىء النيل حيث مدينتي الصغيرة وصوته الذي به نفطر وعليه نمسك كل فجر. ذكريات كثيرة سقى الله أيامها الغيث، وختم لنا بالصالحات، وأعاد رمضان على الأمة وهي في خير وعافية وقد خرجت من خيباتها وانكساراتها، وعادت أمة رفيعة الرأس، عزيزة بالله تبارك وتعالى.

نكهة رمضان

ويؤكد الشيخ عبدالسلام البسيوني أن نكهة رمضان لا تزال موجودة لكنه القلق الذي يملأ القلوب. ربما لو كنا في سوريا أو العراق أو ليبيا أو تونس أو فلسطين لقلنا ذلك ولكننا في الدوحة بلد الأمن والأمان نسأل الله أن يصبغ عليها العفو والعافية. مضيفا: لن يحدث شيء إلا إذا تغيرت الأمة، فلا يغير الله ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم. لن يتغير حال الأمة ولن تشفى من الوجع المزمن الذي يراد لها أن تشفى منه ما لم يغيروا من واقعهم التعس. إنهم بخنوعهم وتقاعسهم وتخاذلهم سينتقلون من وضعهم هذا إلى وضع أسوأ. نحن ندير الكون بالحركة والعمل الصحيح المدروس الذي يسير وفق مرضاة الله.

حياة كريمة

ويقول الشيخ البسيوني: مع طول المكث في الدوحة صار الأهل هنا، والأصدقاء هنا، وصار الهوى هنا، فلم يعد ثمة إحساس بالغربة، وما عاقل في بلده بغريب. لم يعد هناك أي نوع من الحرج أو الإحساس بالنقص، والأمن النفسي متوفر والحمد لله. فالمغترب داخل وطنه كملايين المهجرين في سوريا والعراق وفلسطين.. لكننا في الدوحة نحيا حياة كريمة.. آمنة.. فقد أعطتنا الكثير وأعطيناها الكثير.. إنه العطاء المتبادل، والعشق المتبادل.

وحول طقوسه اليومية يقول: أنام بعد الفجر، وأكون في عملي منذ الثامنة صباحا حيث أعمل في المركز الثقافي الإسلامي، وفي بعض الجوانب الإعلامية، إضافة إلى روحانيات الشهر الفضيل، وهذه نعمة أسأل الله أن يديمها.

ووصف الشيخ عبدالسلام شهر رمضان بأنه إعادة شحن البطارية لسائر العام، وهو شهر لمراجعة الذات ومحاسبة النفس، وهو شهر أيضا للقرب من رب العالمين بعد الانغماس في ملاهي الحياة وشواغلها، ومحطة للوقوف لمراجعة الذات، وذكر الله، وإعادة ترتيب العلاقة مع الله رب العالمين، بجانب كونه اقترابا من الأسرة والأبناء الذين يجتمعون بالضرورة في هذه الأيام، كما أنه اقتراب بشكل أوسع من كتاب الله تبارك وتعالى، ومن النوافل التي تجلب محبة الله عز وجل.

مضيفا: ينبغي على المسلم أن يكون كائنا ذا أخلاق في رمضان وفي غير رمضان، وأن يحسن تعامله مع الناس، وأن يتقن فن الابتسامة، وفن الكلمة الطيبة، وفن الدفع بالتي هي أحسن، وفن الإيجابية في المعاملة والإحسان إلى الناس كي يرضى عنه الناس ورب الناس تبارك وتعالى.

إن رمضان شهر التصالح مع الله، ومع الذات والبيئة، إضافة إلى أنه يتيح لنا الوقوف أمام الذات ورؤية تقصيرها وعجزها، فيصبح هناك نوع من الانسجام سبحان الله! بمعنى أن الانسان يكون منسجما مع نفسه ومع من حوله.. وقد أظهرت دراسة حديثة أن الجريمة تقل في هذا الشهر المبارك وهذا أمر لفت إليه الانتباه.

وفي ختام لقائه توجه الشيخ البسيوني بالتحية لجميع القراء قائلا: اغنموا رمضان وصوموه صوم مودّع، فقد يكون آخر رمضان في حياتك.. فالذي كتب له أن يعيش رمضان فإن الله فتح له بابا لا ينبغي له أن يغلقه بنفسه، ولنصم صيام مودعين فما تدري نفس ماذا تكتسب غدا.

مساحة إعلانية