رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

Al-sharq

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

الشرق

مساحة إعلانية

مساحة إعلانية

تقارير وحوارات الشرق
مختصون: إحصاءات الطلاق غير واقعية .. والنسبة الفعلية لا تتجاوز 20 %

الاستقلال المادي للمرأة وحنين الشباب للعزوبية.. أهم أسباب انفصال الأزواج الوسائط الإعلامية والتكنولوجيا تلعب دوراً مؤثراً في تعميق الفجوة بين الزوجين نورة المناعي: ارتفاع نسبة الطلاق يثير تخوف المجتمع والشباب من الزواج عدم تحلي الطرفين بالصبر وإيقاع الحياة السريع هما أكثر أسباب الطلاق الخياط: الاستقلال المالي للزوجة سبب ارتفاع نسب الطلاق في مجتمعنا فلامرزي: الأطفال هم الضحايا الحقيقيون لقضايا الطلاق أثارت إحصاءات حديثة صادرة عن وزارة التخطيط التنموي والإحصاء حول نسبة حالات الطلاق، صدمة كبيرة في المجتمع عبر عنها ناشطون في وسائل التواصل الاجتماعي بمداخلات وآراء عديدة تنادي بضرورة تحرك الجهات ذات الصلة، لتضع يدها على أسباب الطلاق ومحاولة وضع حلول استباقية تحافظ على البناء المجتمعي الذي تعد الأسرة أهم لبناته. وكان إحصاء وزارة التخطيط التنموي والإحصاء قد أظهر أن حالات الطلاق للذكور القطريين خلال مايو 2016 بلغت 54 %، فيما بلغت حالات الطلاق للإناث القطريات 48 %. ورأى استشاريون في مجال الأسرة أن نسبة حالات الطلاق الأخيرة، قد تكون غير واقعية، أو قد تكون حالات أو قضايا قديمة أو أن الحالات المرصودة في الإحصاء لا تأخذ في الحسبان حالات الصلح ورأب الصدع بين الأزواج التي تحدث بأعداد لا يستهان بها، لافتين إلى أنه من غير المعقول أن يكون نصف شباب وفتيات قطر منفصلين أو مطلقين، وأكدوا على ضرورة نشر بيانات من منظور إيجابي، كحالات الصلح، خاصة أن مثل هذه الأرقام تثير خوف فئة الشباب وتجعلهم يحجمون عن تجربة الزواج. "الشرق" ناقشت الموضوع مع مواطنين ومختصين في الاستشارات النفسية والعائلية، وفيما يلي حصيلة آرائهم: الاستقلال المالي للمرأة بداية، يرى المواطن جعفر الخياط أن عمل المرأة هو المسوؤل الأول عن ارتفاع نسب الطلاق في المجتمع القطري، مبررًا ذلك بأن المرأة ترى نفسها أقوى بوظيفتها، وأنها ليست بحاجة إلى الرجل نتيجة ما تتقاضاه من راتب شهري من وراء عملها، فعند وقوع أي خلاف بسيط بين الزوجين، يكون الطلاق هو أسهل السبل لحل هذا الخلاف، وأضاف الخياط أن من ضمن الأسباب هو عدم تحمل الجانبين مسؤولية حياة جديدة مشتركة، مبنية على التفاهم والتعاون والابتعاد عن الأنانية، وهذا نتيجة الرفاهية التي كان يعيشها الطرفين في منازل أبويهما، فلم يتعلموا المعنى الحقيقي لتحمل المسؤولية وبناء أسرة وحياة جديدة، ورأى الخياط أن العودة إلى تقاليدنا الأصيلة والطيبة، من شأنها أن تكون أحد الحلول الناجعة، للتغلب على هذه الظاهرة السلبية، فضلًا عن التمسك بتعاليم ديننا الحنيف، والإلمام بجميع المسائل الخاصة بالزواج، لتكوين أسر ناجحة، تستطيع أن تبني مجتمعات قوية ومتماسكة، فالدين الإسلامي لم يغفل أمرا من أمور الحياة إلا وقد تطرق إليه. الجانب التوعوي من جهته، أكد المواطن عبد الرضا فلامرزي أن عدم تحمل مسؤولية مهام بيت وأسرة جديدة، من قِبل العديد من الأزواج الشباب، أحد أهم الأسباب لفشل العلاقة الزوجية واتجاهها نحو التصدع، فالكثير من الشباب لا يتمكنون من نسيان حياتهم قبل الزواج، حيث يقضون معظم أوقات فراغهم للهو مع أصدقائهم والجلوس في المجالس، والسفر للخارج، دون أن يأبهوا إلى زوجاتهم وأبنائهم، الذين يكونون بحاجة ماسة إليهم أكثر من أي أحد آخر، ورأى فلامرزي أن عدم استقلال الزوج في بيت خاص به، يعد من أحد الأسباب التي تؤدي الى الطلاق، فالزوجة لا تستطيع أن تاخذ كامل راحتها في بيت العائلة، فضلًا عن أن الفتاة تجد نفسها تتحمل مسؤولية بيت بأكمله بشكل مفاجئ وليس بيتها وحدها، بعدما كانت مدللة في بيت أبيها، وأكد فلامرزي على الجانب التوعوي، مشيرًا إلى أن التوعية العامة من أهم السبل، لمواجهة تفاقم هذه الظاهرة الخطيرة، لكي لا تنخر في أساس المجتمع، لافتًا إلى أنه يمكن تطبيق التوعية، من خلال منظمات المجتمع المدني، من خلال ما تتضمنه من إخصائيين قادرين على حل المشكلات الزوجية، فضلًا عن دور الإعلام الكبير في التوعية، وهذا من خلال برامج التوعية الدينية والاجتماعية، اللذان يكملان بعضهما البعض، وأكد فلامرزي على أن الضحايا الحقيقيين عن قضايا الطلاق هم الأطفال. نسبة غير واقعية من جانبها، ترى الدكتورة بتول خليفة - أستاذة الصحة النفسية بجامعة قطر – أن هذه النسبة غير واقعية، فمن غير المعقول أن يكون نصف شباب وفتيات الدوحة منفصلين أو مطلقين، لافته الى أن النسبة الفعلية قد تتراوح ما بين 16 و 20 % فقط، وأوضحت الدكتورة بتول أن السبب الرئيسي في ارتفاع نسبة الطلاق يتمثل في ارتفاع الظروف المعيشية والرفاهية ومتطلبات الحياتية، والفتاه أصبحت متعلمة وتعرف حقوقها، بل وأصبحت مستقلة ماديا، لذلك فإذا تعرضت لظروف أو مشكلات في حياتها الزوجية، فإنها تأخذ قرار الطلاق بكل سهولة، فعدم اعتمادها على الرجل بصورة كاملة، أعطاها حرية أخذ قرار الطلاق، مضيفة أن الأسرة تتعرض اليوم لتحولات كبيرة في ظل الانفتاح الاقتصادي والقرية الكونية، وتلعب الوسائط الإعلامية والتكنولوجيا ومواقع التواصل الاجتماعي دوراً مؤثراً في تعميق الفجوة بين الزوجين، حيث اختلفت وجهات النظر، وأصبحت النظرة لشريك الحياة مختلفة، بل إن بعضهم رسم صورة خيالية غير واقعية للحياة الزوجية من خلال ما يشاهده وما يسمعه وما يقرأه ، ليفاجأ أن الزواج لا يلبي طموحاته. وأشارت الى أن مركز الاستشارات العائلية قد يقوم بدوره ويقدم النصيحة للطرفين، ولكنه ليس الحل لهذه الفجوة بين الزوجين، لافته إلى أهمية وجود أشخاص عاقلين من الأسرة والعائلة، مثل مجلس الحكماء داخل الأسرة، فالإنسان يجب أن تكون لديه مرجعية، مثل أخ كبير أو أخت، أو شخص مقرب، يلجأ إليه ويتحدث معه، فأحيانا تكون المشكلات بسيطة وتحتاج إلي رأي عاقل خاصة إذا ما كان الزوجين حديثي عهد بالزواج وليس لديهم خبرة، فأكثر نسبة طلاق على حسب الاحصائيات والدراسات تكون في أول 5 سنوات زواج، فالأبناء أصبحوا لا يسمحون لأهلهم بالتدخل في حياتهم الشخصية أو مساعدتهم. تغيرات العصر وتابعت د. خليفه: يجب تطوير المناهج التعليمية لتواكب تغيرات العصر، على أن تشمل تعليم الأولاد كيف يكونون أزواجا ناجحين في المستقبل ، فالمناهج بحاجة إلى أخذ المتغيرات المحيطة بنا بعين الاعتبار، لتعلم الطلاب مهارات الحياة، مشيرة إلي أن مهنة تقديم الاستشارات أو النصح للأزواج، تتطلب سمات خاصة في هذا الشخص ليستطيع ان يزاول هذه المهنة، وليس فقط كونه حاصل على شهادة جامعية، لأنها تعتمد على الخبرة والمهارة حتى يستطيع حل المشاكل بين الزوجين ومساعدتهم، وأكدت على دور الأهل في توجيه النصائح والإرشادات لأولادهم المقبلين على الزواج، وعمل مرجعية داخل الأسرة من الاشخاص المحبوبين الذي يتصفون بالعقلانية، بحيث يشعر الطرفان بأن هذا الشخص مؤهل لتقريب وجهات النظر. منظور إيجابي بدورها، أكدت السيدة نورة المناعي استشارية بمركز الاستشارات العائلية، أن هناك خطأ ما في قراءة نسبة هذه الإحصائية، وقد تكون حالات طلاق لزيجات قديمة، لافته إلى أن مثل هذه النسبة أصبحت تثير هاجس المجتمع، وخوف الشباب من ارتفاع نسبة حالات الطلاق، مؤكدة على ضرورة النظر إلي بعض الحالات من منظور إيجابي، فالكثير من الحالات شهدت نجاحات وحلول أدت إلي الغاء قرار الطلاق، وتشير إلى أن الطلاق قد يكون قرارا صائبا في بعض الحالات، التي وجدت أنه الحل الوحيد لبعض المشكلات، وتطرقت إلى جهود مركز الاستشارات العائلية، في التوعية والتثقيف الأسري إلى الجمهور القطري بصفة عامة، ومحاولتهم الجلوس مع الزوجين، والقيام بشرح الآثار المترتبة على حدوث الطلاق، والتي هي أثار نفسية واجتماعية بالغة الأثر، ولا تقتصر على الزوجين فقط، لكنها تلحق الأطفال الصغار الذين هم ضحية الطلاق، وتعنت الزوجين واصرارهما على الطلاق دون النظر إلى هؤلاء الأطفال، مما ينتج عنه إعادة التفكير بشكل إيجابي، كما نحاول مع الزوجة الحديث عن ايجابيات الزواج وأهمية الاستقرار الآسري، خاصة إذا ما كانت المشكله بسيطة، وتحتاج إلى تقريب وجهات النظر. أولويات أخرى وترى المناعي أن عدم تحلي الطرفين بالصبر، وإيقاع الحياة السريع، هما أكثر أسباب الطلاق، فالمرأة أصبحت ترى أن هناك أولويات أخرى غير الزواج، مثل السفر وأجواء العمل والاستقلالية، كما أصبح لديها الاستقلال المادي الذي له تأثير كبير عليها وعلى قراراتها، كل هذا بالإضافة إلي المقارنات بين الأهل والأصدقاء، والتأثر بالآراء المحيطة بها، فضلا عن عدم السماح للوالدين بالتدخل وإعطاء النصيحة، فالشباب أصبحت الصحبة لديهم أهم من الأب والأم ، لذلك تكثر المشكلات ويغيب النصح والإرشاد، فنرى ارتفاع نسبة الطلاق.

583

| 20 يوليو 2016

تقارير وحوارات الشرق
مغردون: من المسئول عن #أعلى_نسبة_طلاق_في_تاريخ_قطر

تفاعلا مع مانشرته جريدة "الشرق" أمس حول نسبة الطلاق والزواج في قطر ، دشن مغردون قطريون هاشتاجا بعنوان #أعلى_نسبة_طلاق_في_تاريخ_قطر عرضوا من خلاله أسباب الطلاق واحتدم النقاش حول المسئول عن ارتفاع نسبة الطلاق في قطر ،وتضاربت الأراء حول الأسباب وشهد الهاشتاج تفاعلا كبيرا حتى اللحظة ، وفي حين رأى بعض المغردين أن أهم مسببات الطلاق وارتفاعه في المجتمع يأتي بسبب الزوجة تناول آخرون عدة أسباب منها الزوج وتدخل الأهل وغياب الوعي وعدم تحمل المسئولية وأسباب أخرى كثيرة عبر الهاشتاج. وكانت "الشرق" نشرت تقريرا أظهر أحدث البيانات الصادرة عن وزارة التخطيط التنموي والإحصاء حيث أوضحت أن نسبة حالات الطلاق للذكور القطريين خلال مايو 2016 بلغت 54 % فيما بلغت حالات الطلاق للإناث القطريات 48 %. فيما اعتبره المغردين النسبة أنها أعلى نسبة طلاق في تاريخ قطر. وحول أهم اسباب الطلاق من وجهة نظره كتب المغرد راشد أحمد الهاملي "غياب الوازع الديني واهمال البنات والاعتماد على الخدم وبسبب عقلية الرجل ". أما المذيع القطري علي المسلماني فلخص أسباب الطلاق في تغريدة واحدة : "زوجوه يعقل هي سبب #أعلى_نسبة_طلاق_في_تاريخ_قطر !! فيما كتب جابر العذبة: "إذا وجد التفاهم والتكافؤ والاحترام والثقة والاهتمام والتعاون بين الزوجين فلن يحدث الطلاق بإذن الله" بينما يرى المغرد علي أحمد شهوان أن الرفاهية الزائدة عن الحد افقدت الزوجين الاحساس بالمسؤولية والاهتمام بالماديات عزز الإستقلالية، ما أدى الى ارتفاع نسب الطلاق بالمجتمع القطري. بينما عبر المغرد عيسى الحر عن صدمته من تلك النسبة قائلا "بصراحة صدمني هشتاق #أعلى_نسبة_طلاق_في_تاريخ_قطر فهذا مؤشر خطر يهز المجتمع باكمله ..." من ناحية أخرى كتبت أمنة العبيدلي أن "التوافق الفكري بين الطرفين يضمن الاستمرارية ". وكانت "الشرق" نشرت في التقرير أن حالات الطلاق فقد بلغ مجموعها خلال شهر مايو 2016 للقطريين الذكور 68 حالة (54 %) بتغير شهري وصل إلى 9.7 وتغير سنوي وصل إلى ناقص 43.3 حيث وصل مجموع حالات الطلاق في مايو 2015 إلى 120 حالة. أما الإناث فقد بلغ مجموع الحالات 60 حالة (48 %) بتغير سنوي وصل إلى ناقص 43.4 حيث بلغ مجموع حالات الطلاق في مايو العام الماضي 106 حالات. فيما شارك المذيع القطري عقيل الجناحي رأيه عبر الهاشتاج فغرد : "لأننا لم ندرك أننا كلنا خطاؤون ولم نتغافل عن الأخطاء ولم نفهم طبيعةالجنس الآخر ولم نعي أن الكمال ليس للبشر أصبح #اعلي_نسبه_طلاق_في_تاريخ_قطر أما بندر آل شافي فرأى ان الطلاق سببه عدم فهم الزوجة لحقوق الزوج و عدم فهم الزوج لحقوق الزوجة ! فيما عبر غانم الحميدي عن وجهة نظره في تغريدة كتب فيها : الطلاق ليس لحل مشكلة بل هو لحسم ارتباط ، يزداد اذ غاب العقل وعلت الأنانية وجهل بنتائجه،الطلاق أبغض الحلال .." "ضعف الوازع الديني .. تدخل الأهل .. أصدقاء الطرفين السيئين .. هم أسباب الطلاق الله يكفينا الشر .." تلك كانت أسباب أحد المغردين بن راشد آل خاطر والتي وافقه فيها مغردون كثيرون حيث كتبت عائشة جاسم الكواري : "واذا غابت المسؤولية من الطرفين او أحدهما كانت بداية النهاية" تكثيف الدورات وبعيدا عن إلقاء اللوم وتوجيه الإتهامات إلى أحد الطرفين طالبت فئة أخرى من المغردين بعمل دورات ارشادية وتكثيف الدورات وإلزام المقبلين على الزواج بحضور تلك الدورات حيث كتب المغرد سالم بوخميس : "نحتاج ان نضع برامج إلزامية لكل المقبلين على الزواج يتم اعطائهم دورات تدريبية تؤسسهم لبناء أسرة متماسكة قوية" كما أوصت المغردة لولوة أيضا بذلك فكتبت : "شي يحزن صراحه المفروض الاهل يعلمون عيالهم على تحمل المسؤولية والدولة تكثر من دورات التأهيل قبل الزواج"

1695

| 14 يوليو 2016

محليات الشرق
48 % نسبة الطلاق بين القطريات

أظهرت أحدث البيانات الصادرة عن وزارة التخطيط التنموي والإحصاء أن نسبة حالات الطلاق للذكور القطريين خلال مايو 2016 بلغت 54 % فيما بلغت حالات الطلاق للإناث القطريات 48 %. ووفقاً للمجموعة الإحصائية الصادرة عن الجهاز فقد بلغت نسبة الزواج للشباب الذكور القطريين 52 % خلال مايو العام الجاري فيما بلغت حالات الزواج للقطريات الإناث 49 %. كما أظهرت البيانات الجديدة أن مجموع حالات الزواج "بحسب الجنسية والنوع" للقطريين بلغ 189 حالة بتغير سنوي بلغ 7.4 مقارنة بـ 2015 من نفس الشهر فيما بلغ مجموع حالات الزواج لغير القطريين 171 حالة من مجموع 360 حالة زواج تمت خلال شهر مايو 2016. وبلغ مجموع حالات الزواج بحسب الجنسية والنوع للقطريات 175 حالة بتغير سنوي بلغ 2.9 مقارنة بـ2015 في نفس الشهر فيما بلغ مجموع حالات الزواج لغير القطريات 185 حالة من مجموع 360 حالة زواج تمت خلال شهر مايو 2016. وعن حالات الطلاق فقد بلغ مجموعها خلال شهر مايو 2016 للقطريين الذكور 68 حالة (54 %) بتغير شهري وصل إلى 9.7 وتغير سنوي وصل إلى ناقص 43.3 حيث وصل مجموع حالات الطلاق في مايو 2015 إلى 120 حالة. أما الإناث فقد بلغ مجموع الحالات 60 حالة (48 %) بتغير سنوي وصل إلى ناقص 43.4 حيث بلغ مجموع حالات الطلاق في مايو العام الماضي 106 حالات.

905

| 14 يوليو 2016

محليات الشرق
القرضاوي: لا يجوز للزوجة التصرف في مال زوجها إلا بإذنه

الكتاب: فقه الأسرة وقضايا المرأة المؤلف: د.يوسف القرضاوي الحلقة : التاسعة والعشرون الأسرة أساس المجتمع، وهي اللبنة الأولى من لبناته، التي إن صلحت صلح المجتمع كله، وإن فسدت فسد المجتمع كله، وعلى أساس قوة الأسرة وتماسكها، يقوم تماسك المجتمع وقوته؛ لذا فقد أولى الإسلام الأسرة رعايته وعنايته. وقد جعل القرآن تكوين الأسر هو سنة الله في الخلق، قال عز وجل: "وَاللّهُ جَعَلَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجاً وَجَعَلَ لَكُم مِّنْ أَزْوَاجِكُم بَنِينَ وَحَفَدَةً وَرَزَقَكُم مِّنَ الطَّيِّبَاتِ أَفَبِالْبَاطِلِ يُؤْمِنُونَ وَبِنِعْمَتِ اللّهِ هُمْ يَكْفُرُونَ" (سورة النحل:72). بل جعل الله نظام الأسرة، بأن يكون لكل من الرجل والمرأة زوجٌ يأنس به ويأنس إليه، ويشعر معه بالسكن النفسي والمودة والرحمة، آية من آيات الله، قال سبحانه: "وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجاً لِّتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُم مَّوَدَّةً وَرَحْمَةً، إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ"(سورة الروم:21). فالحياة الأسرية في الإسلام وعلاقة كل من الزوجين تجاه الآخر، ليست شركة مالية تقوم على المصالح المادية البحتة، بل هي حياة تعاونية يتكامل فيها الزوجان، ويتحمَّلان مسؤولية إمداد المجتمع بنسل يعيش في كنف أسرة تسودها المحبة والمودَّة، ولا يظلم أحد طرفيها الآخر، بل يدفع كل واحد منهما عن شريكه الظلم والأذى، ويحنو عليه. وفلسفة الإسلام الاجتماعية تقوم على أن الزواج بين الرجل والمرأة هو أساس الأسرة، لذا يحث الإسلام عليه، وييسر أسبابه، ويزيل العوائق الاقتصادية من طريقه، بالتربية والتشريع معا، ويرفض التقاليد الزائفة، التي تصعبه وتؤخِّره، من غلاء مهور، ومبالغة في الهدايا والولائم وأحفال الأعراس، وإسراف في التأثيث واللباس والزينة، ومكاثرة يبغضها الله ورسوله في سائر النفقات. ويحث على اختيار الدين والخلق في اختيار كلٍّ من الزوجين: "فاظفر بذات الدين تربت يداك". "إذا أتاكم من ترضون دينه وخلقه فزوِّجوه، إلا تفعلوا تكنْ فتنةٌ في الأرض وفساد عريض". وهو — إذ يُيَسِّر أسباب الحلال — يسدُّ أبواب الحرام، والمثيرات إليه، من الخلاعة والتبرُّج، والكلمة والصورة، والقصة والدراما، وغيرها، ولا سيما في أدوات الإعلام، التي تكاد تدخل كل بيت، وتصل إلى كل عين وأذن. وهو يقيم العلاقة الأسرية بين الزوجين على السكون والمودة والرحمة بينهما، وعلى تبادل الحقوق والواجبات والمعاشرة بالمعروف، "وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ فَإِنْ كَرِهْتُمُوهُنَّ فَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئاً وَيَجْعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَيْراً كَثِيراً"، (البقرة: 19). "وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ وَلِلرِّجَالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ"، (البقرة: 228). ويجيز الطلاق عند تعذُّر الوفاق، كعملية جراحية لا بد منها، بعد إخفاق وسائل الإصلاح والتحكيم، الذي أمر به الإسلام أمراً محكماً صريحاً، وإن أهمله المسلمون تطبيقاً: "وَإِنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنِهِمَا فَابْعَثُوا حَكَماً مِنْ أَهْلِهِ وَحَكَماً مِنْ أَهْلِهَا إِنْ يُرِيدَا إِصْلَاحاً يُوَفِّقِ اللَّهُ بَيْنَهُمَا إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيماً خَبِيراً"، (النساء: 35) أنواع النفقات قال في الانتصار: ومذهب الشافعي، لا تجب أجرة الحمَّام وثمن الأدوية وأجرة الطبيب؛ لأن ذلك يراد لحفظ البدن، كما لا يجب على المستأجر أجرة إصلاح ما انهدم من الدار. وقال في الغيث: الحجة أن الدواء لحفظ الروح، فأشبه النفقة. انتهى. قلت: هو الحق لدخوله تحت عموم قوله: "ما يكفيكِ". وتحت قوله: {رِزْقُهُنَّ}. فإن الصيغة الأولى عامة باعتبار لفظ (ما)، والثانية عامة، لأنها مصدر مضاف، وهي من صيغ العموم واختصاصه ببعض المستحقين للنفقة لا يمنع من الإلحاق)). انتهى كلام الإمام الشوكاني، وقد نقله السيد صديق حسن خان في (الروضة الندية). هل يدخل علاج الزوجة ضمن النفقة؟ من الفتاوى ما يحمل طابع زمانه؛ لأن الإنسان وإن كان من الفقهاء لا يستطيع أن يتحرَّر من تأثير زمانه ومكانه، إلا نادرًا، ولهذا قرر المحقِّقون من علمائنا: أن الفتوى تتغير بتغير الزمان والمكان والعرف والحال. وهو ما يلحظه كل دارس للفقه وأثر هذا التغير فيه. وهو ما جعلنا نصدر كتابنا (موجبات تغير الفتوى في عصرنا). وأوردنا فيه عشرة موجبات في عصرنا لتغير الفتوى. ومن ذلك: ما قرره الفقهاء حول دخول المداواة والعلاج في (نفقه المرأة) الواجبة على الزوج، والتي ينبغي أن تدخل ضمن المعاشرة بالمعروف، التي أمر بها القرآن في قوله تعالى: {وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ}[النساء:19]، وليس من المعروف أن يراها الزوج تتلوى أمامه من الألم، لوجع في الكلية او المثانة أو الضرس، ولا يُحضر لها الدواء اللازم لها، أو يعرضها على الطبيب الذي يشخِّص الداء ويصف الدواء. وهذا يتنافى مع ما شرعه الإسلام من الرحمة بالضعفاء، والمريض منهم: "الراحمون يرحمهم الرحمن، ارحموا من في الأرض يرحمكم من في السماء". بل هذا يتفق مع القسوة التي ذمَّ الله أصحابها، كما قال مخاطبًا بني إسرائيل: {ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُم مِّن بَعْدِ ذَلِكَ فَهِيَ كَالْحِجَارَةِ أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً}[البقرة:74]. {فَبِمَا نَقْضِهِم مِّيثَاقَهُمْ لَعنَّاهُمْ وَجَعَلْنَا قُلُوبَهُمْ قَاسِيَةً}[المائدة:13]. ثم هناك قاعدة فقهية متَّفق عليها، وهي: لا ضرر ولا ضرار. وهي قاعدة قطعية عامة، مقتبسة من نص حديث نبوي، وهي كذلك مقتبسة من جملة آيات صريحة من القرآن في منع الضرر والضرار. ومنها أخذت قواعد فرعية، مثل قاعدة: الضرر يزال بقدر الإمكان. ولا ريب أن المرض ضرر بصاحبه، وخصوصًا إذا كان مؤلِمًا لصاحبه، وإذا كان علاجه معروفًا. مال الزوج ليس للمرأة الحق في التصرف بمال زوجها إلا بإذنه، حتى الصدقة لا يجوز لها أن تتصدق إلا بإذنه، فإذا أذن لها إما بالكلام أو بدلالة الحال فيها، وإلا فليس لها أن تفعل، خاصة إذا علمت أنه يغضب لهذا، أو إذا نهاها أن تفعل، فعندئذ لا يجوز لها أن تخالف وتفعل بماله ما لم يأذن به. الحقوق الجنسية بين الزوجين إن العلاقة الجنسية بين الزوجين أمر له خطره وأثره في الحياة الزوجية، وقد يؤدي عدم الاهتمام بها، أو وضعها في غير موضعها، إلى تكدير هذه الحياة، وإصابتها بالاضطراب والتعاسة. وقد يفضي تراكم الأخطاء فيها إلى تدمير الحياة الزوجية والإتيان عليها من القواعد. وربما ظن بعض الناس أن الدين أهمل هذه الناحية برغم أهميتها، وربما توهم آخرون أن الدين أسمى وأظهر من أن يتدخل في هذه الناحية بالتربية والتوجيه، أو بالتشريع والتنظيم، بناء على نظرة بعض الأديان إلى الجنس على أنه ((قذارة وهبوط حيواني)). والواقع أن الإسلام لم يغفل هذا الجانب الحسَّاس من حياة الإنسان وحياة الأسرة، وكان له في ذلك أوامره ونواهيه، سواء منها ما كان له طبيعة الوصايا الأخلاقية، أم كان له طبيعة القوانين الإلزامية. وأول ما قرره الإسلام في هذا الجانب هو الاعتراف بفطرية الدافع الجنسي وأصالته، وإدانة الاتجاهات المتطرفة التي تميل إلى مصادرته، أو اعتباره قذرًا وتلوثًا.. كما قرَّر بعد الزواج حق كل من الزوجين في الاستجابة لهذا الدافع، ورغب في العمل الجنسي الحلال إلى حد اعتباره عبادة وقربة إلى الله ولكن الإسلام راعى أن الزوج بمقتضى الفطرة والعادة هو الطالب لهذه الناحية والمرأة هي المطلوبة. وأنه أشد شوقًا إليها، وأقل صبرًا عنها، على خلاف ما يشيع بعض الناس أن شهوة المرأة أقوى من الرجل، فقد أثبت الواقع خلاف ذلك.. وهو عين ما أثبته الشرع. ولهذا أوجب على الزوجة أن تستجيب للزوج إذا دعاها إلى فراشه، ولا تتخلف عنه كما في الحديث: "إذا دعا الرجل زوجته لحاجته، فلتأته وإن كانت على التَّنُّور" وحذرها أن ترفض طلبه بغير عذر، فيبيت وهو ساخط عليها، وقد يكون مفرِّطًا في شهوته وشبقه، فتدفعه دفعًا إلى سلوك منحرف أو التفكير فيه، أو القلق والتوتر على الأقل: "إذا دعا الرجل امرأته، فأبت أن تجيء، فبات غضبان عليها لعنتها الملائكة حتى تصبح". وهذا كله ما لم يكن لديها عذر معتبر من مرض أو إرهاق، أو مانع شرعي، أو غير ذلك. وعلى الزوج أن يُراعي ذلك، فإن الله سبحانه — وهو خالق العباد ورازقهم وهاديهم — أسقط حقوقه عليهم إلى بدل أو إلى غير بدل، عند العذر، فعلى عباده أن يقتدوا به في ذلك. وتتمة لذلك نهاها أن تتطوع بالصيام، وهو حاضر إلا بإذنه؛ لأن حقه أولى بالرعاية من ثواب صيام النافلة، وفي الحديث المتفق عليه: "لا تصوم المرأة وزوجها شاهد إلا بإذنه". والمراد صوم التطوع بالاتفاق كما جاء في ذلك حديث آخر، بخلاف صوم رمضان، فهو فرض عليها، فلا يحق له أن يلزمها بالفطر. والإسلام حين راعى قوة الشهوة عند الرجل، لم ينس جانب المرأة، وحقها الفطري في الإشباع بوصفها أنثى. ولهذا قال النبي لمن كان يصوم النهار ويقوم الليل من أصحابه مثل عبد الله بن عمرو: "إن لبدنك عليك حقًّا، وإن لأهلك (أي امرأتك) عليك حقًا" ومما لفت الإسلام إليه النظر: ألا يكون كل هم الرجل قضاء وطره هو دون أي اهتمام بأحاسيس امرأته ورغبتها. ولهذا روي في الحديث الترغيب في التمهيد للاتصال الجنسي بما يشوِّق إليه من المداعبة والقبلات ونحوها، حتى لا يكون مجرد لقاء حيواني محض، كل همه أن يفرغ ماءه فيها ويستريح. ولم يجد أئمة الإسلام وفقهاؤه العظام بأسًا أو تأثيمًا في التنبيه على هذه الناحية التي قد يغفل عنها بعض الأزواج. خلاصة القول إن الإسلام عُنِي بتنظيم الناحية الجنسية بين الزوجين، ولم يهملها حتى ان القرآن الكريم ذكرها في موضعين من سورة البقرة التي عنيت بشؤون الأسرة: أحدها: في أثناء آيات الصيام وما يتعلق به حيث يقول تعالى: {أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَائِكُمْ هُنَّ لِبَاسٌ لَكُمْ وَأَنْتُمْ لِبَاسٌ لَهُنَّ عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ كُنْتُمْ تَخْتَانُونَ أَنْفُسَكُمْ فَتَابَ عَلَيْكُمْ وَعَفَا عَنْكُمْ فَالْآنَ بَاشِرُوهُنَّ وَابْتَغُوا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ وَلَا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلَا تَقْرَبُوهَا}[البقرة:187]. وليس هناك أجمل ولا أبلغ ولا أصدق من التعبير عن الصلة بين الزوجين من قوله تعالى: {هُنَّ لِبَاسٌ لَكُمْ وَأَنْتُمْ لِبَاسٌ لَهُنَّ}[البقرة:187] بكل ما توجبه عبارة "اللباس" من معاني الستر والوقاية والدفء والملاصقة والزينة والجمال. الثاني: قوله تعالى: {وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذًى فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ وَلَا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ فَإِذَا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ * نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ وَقَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ مُلَاقُوهُ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ}[البقرة:222، 223]. وقد جاءت الأحاديث النبوية تفسِّر الاعتزال في الآية الأولى بأنه اجتناب الجماع فقط دون ما عداه من القبلة والمعانقة والمباشرة ونحوها من ألوان الاستمتاع، كما تفسِّر معنى {أَنَّى شِئْتُمْ} بأن المراد: على أي وضع أو أي كيفية اخترتموها ما دام في موضع الحرث، وهو القُبُل، كما أشارت الآية الكريمة. وليس هناك عناية بهذا الأمر أكثر من أن يذكر قصدًا في دستور الإسلام وهو القرآن الكريم.

4664

| 03 يوليو 2016

محليات الشرق
القرضاوي: لا يحل لمسلم أن يضرب وجه زوجته لما فيه من إهانة

الكتاب: فقه الأسرة وقضايا المرأة المؤلف: د. يوسف القرضاوي الحلقة: الثامنة والعشرون الأسرة أساس المجتمع، وهي اللبنة الأولى من لبناته، التي إن صلحت صلح المجتمع كله، وإن فسدت فسد المجتمع كله، وعلى أساس قوة الأسرة وتماسكها، يقوم تماسك المجتمع وقوته؛ لذا فقد أولى الإسلام الأسرة رعايته وعنايته. وقد جعل القرآن تكوين الأسر هو سنة الله في الخلق، قال عز وجل: "وَاللّهُ جَعَلَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجاً وَجَعَلَ لَكُم مِّنْ أَزْوَاجِكُم بَنِينَ وَحَفَدَةً وَرَزَقَكُم مِّنَ الطَّيِّبَاتِ أَفَبِالْبَاطِلِ يُؤْمِنُونَ وَبِنِعْمَتِ اللّهِ هُمْ يَكْفُرُونَ" (سورة النحل:72). بل جعل الله نظام الأسرة، بأن يكون لكل من الرجل والمرأة زوجٌ يأنس به ويأنس إليه، ويشعر معه بالسكن النفسي والمودة والرحمة، آية من آيات الله، قال سبحانه: "وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجاً لِّتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُم مَّوَدَّةً وَرَحْمَةً، إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ"(سورة الروم:21). فالحياة الأسرية في الإسلام وعلاقة كل من الزوجين تجاه الآخر، ليست شركة مالية تقوم على المصالح المادية البحتة، بل هي حياة تعاونية يتكامل فيها الزوجان، ويتحمَّلان مسؤولية إمداد المجتمع بنسل يعيش في كنف أسرة تسودها المحبة والمودَّة، ولا يظلم أحد طرفيها الآخر، بل يدفع كل واحد منهما عن شريكه الظلم والأذى، ويحنو عليه. وفلسفة الإسلام الاجتماعية تقوم على أن الزواج بين الرجل والمرأة هو أساس الأسرة، لذا يحث الإسلام عليه، وييسر أسبابه، ويزيل العوائق الاقتصادية من طريقه، بالتربية والتشريع معا، ويرفض التقاليد الزائفة، التي تصعبه وتؤخِّره، من غلاء مهور، ومبالغة في الهدايا والولائم وأحفال الأعراس، وإسراف في التأثيث واللباس والزينة، ومكاثرة يبغضها الله ورسوله في سائر النفقات. ويحث على اختيار الدين والخلق في اختيار كلٍّ من الزوجين: "فاظفر بذات الدين تربت يداك". "إذا أتاكم من ترضون دينه وخلقه فزوِّجوه، إلا تفعلوا تكنْ فتنةٌ في الأرض وفساد عريض". وهو — إذ يُيَسِّر أسباب الحلال — يسدُّ أبواب الحرام، والمثيرات إليه، من الخلاعة والتبرُّج، والكلمة والصورة، والقصة والدراما، وغيرها، ولا سيما في أدوات الإعلام، التي تكاد تدخل كل بيت، وتصل إلى كل عين وأذن. وهو يقيم العلاقة الأسرية بين الزوجين على السكون والمودة والرحمة بينهما، وعلى تبادل الحقوق والواجبات والمعاشرة بالمعروف، "وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ فَإِنْ كَرِهْتُمُوهُنَّ فَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئاً وَيَجْعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَيْراً كَثِيراً"، (البقرة: 19). "وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ وَلِلرِّجَالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ"، (البقرة: 228). ويجيز الطلاق عند تعذُّر الوفاق، كعملية جراحية لا بد منها، بعد إخفاق وسائل الإصلاح والتحكيم، الذي أمر به الإسلام أمراً محكماً صريحاً، وإن أهمله المسلمون تطبيقاً: "وَإِنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنِهِمَا فَابْعَثُوا حَكَماً مِنْ أَهْلِهِ وَحَكَماً مِنْ أَهْلِهَا إِنْ يُرِيدَا إِصْلَاحاً يُوَفِّقِ اللَّهُ بَيْنَهُمَا إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيماً خَبِيراً"، (النساء: 35) حقوق عامة بين الزوجين والزواج — كما أسلفنا — عهد وثيق، ربط الله به بين رجل وامرأة، أصبح كل منهما يسمى بعده (زوجًا) بعد أن كان (فردًا)، هو في العدد فرد، وفي ميزان الحقيقة (زوج)؛ لأنه يمثل الآخر، ويحمل في حناياه آلامه وآماله معًا. وقد صوَّر القرآن الكريم مبلغ قوة هذا الرباط بين الزوجين فقال: {هُنَّ لِبَاسٌ لَكُمْ وَأَنْتُمْ لِبَاسٌ لَهُنَّ}[البقرة:187]. وهو تعبير يُوحي بمعاني الاندماج والستر، والحماية والزينة، والغطاء والدفء، يحققها كل منهما لصاحبه. ولهذا كان على كلٍّ من الزوجين حقوق لصاحبه، لا بد أن يرعاها، ولا يجوز له أن يفرِّط فيها، وهي حقوق متكافئة، إلا فيما خصت الفطرة به الرجال، كما قال تعالى: {وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ وَلِلرِّجَالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ}[البقرة:228]. وهي درجة القوامة والمسؤولية. من حقوق الزوجة على زوجها: وقد سأل رجلٌ النبيَّ فقال: يا رسول الله، ما حق زوجة أحدنا عليه؟ قال: "أن تطعمها إذا طعمت، وتكسوها إذا اكتسيت، ولا تضرب الـوجـه، ولا تُقبِّح، ولا تهجر إلا في البيت". فلا يحل للزوج المسلم أن يهمل النفقة على زوجته وكسوتها، وفي الحديث النبوي: "كفى إثمًا أن تحبس عمن تملك قوته"، وفي رواية: "كفى بالمرء إثمًا أن يضيِّع من يقوت". ولا يحل له أن يضرب وجه زوجته، لما فيه من إهانة لكرامة الإنسان، ومن خطر على هذا العضو الذي يجمع محاسن الجسم. وإذا جاز للمسلم عند الضرورة أن يؤدِّب زوجته الناشزة المتمرِّدة، فلا يجوز له أن يضربها ضربًا مُبرِّحًا، أو ضربًا يصيب وجهها أو مقاتلها. كما لا يحل للمسلم أن يُقبِّح زوجته، بأن يؤذيها بلسانه، ويُسمعها ما تكره، ويقول لها: قبحك الله، وما يشابهها من عبارات تثير النفور. من حقوق الزوج على زوجته ومن حق الزوج على الزوجة ألا تهجر له فراشًا، قال رسول الله : "إِذَا بَاتَتِ المَرْأَةُ مُهَاجِرَةً فِرَاشَ زَوْجِهَا، لَعَنَتْهَا المَلاَئِكَةُ حَتَّى تَرْجِعَ". وألا تُدخِل أحدًا بيته دون علمه وإذنه، ولهذا قال : "ولكم عليهن أن لا يوطِئْن فرشكم أحدًا تكرهونه". والظاهر من كلمة (أحدًا) في الحديث هو الرجل. وعند أحمد وغيره حديث: "إذا صلت المرأة خمسها، وصامت شهرها، وحفظت فرجها، وأطاعت زوجها، قيل لها: ادخلي الجنة من أي أبواب الجنة شئتِ". على كل من الزوجين أن يصبر على صاحبه ويجب على المسلم أن يصبر على زوجته، إذا رأى منها بعض ما لا يعجبه من تصرفها، ويعرف لها ضعفها بوصفها أنثى، فوق نقصها باعتبارها إنسانًا، ويعرف لـهـا حسناتـهـا بجانب أخطائها، ومزاياها إلـى جـوار عيوبها. وفـي الحديث: "لا يَفْرَك — أي لا يُبغض — مؤمن مؤمنة، إن كره منها خُلُقًا رضي منها آخر". وقال تعالى: {وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ فَإِنْ كَرِهْتُمُوهُنَّ فَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَيَجْعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَيْرًا كَثِيرًا}[النساء:19]. وكما أوجب الإسلام على الزوج الاحتمال والصبر على ما يكره من زوجته، أُمرت الزوجة هي الأخرى أن تعمل على استرضاء زوجها، بما عندها من قدرة وسحر، وحذَّرها أن تبيت وزوجها غاضب عليها. وفي الحديث: "ثلاثة لا ترتفع صلاتهم فوق رؤوسهم شبرًا: رجل أمَّ قومًا وهـم لـه كـارهـون، وامـرأة باتت وزوجـها عليـها سـاخـط، وأخـوان متصارمـان". أي: متخاصمان. حق الزوجة في النفقة الملائمة لحالها وحال زوجها ولم يحدِّد الشرع في النفقة على المرأة مقدارًا معينًا من الدراهم أو غيرها، بل الواجب هو تلبية حاجتها بالمعروف، والحاجة تختلف من عصر لآخر، ومن بيئة لأخرى، ومن وسط لآخر، ومن رجل لآخر، فالمدنية غير الريفية، والحضرية غير البدوية، والمثقفة غير الأمية، والناشئة في بحبوحة النعيم غير الناشئة في خشونة الشظف، وزوجة الثري غير زوجة المتوسط غير زوجة الفقير وفي متعة المطلقة نبَّه على هذا المعنى فقال: {وَمَتِّعُوهُنَّ عَلَى الْمُوسِعِ قَدَرُهُ وَعَلَى الْمُقْتِرِ قَدَرُهُ مَتَاعًا بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُحْسِنِينَ}[البقرة:236]. وقيل: كان لعلي أربع نسوة، فكان يشتري لكل واحدة في كل أربعة أيام لحمًا بدرهم. وقال ابن سيرين: يستحبُّ للرجل أن يعمل لأهله في كل جمعة فالوذجة (نوعًا من الحلوى))). قال الغزالي: ((وكأن الحلاوة وإن لم تكن من المهمات، ولكن تركها بالكلية تقتير في العادة. ولا ينبغي أن يستأثر عن أهله بمأكول طيب، فلا يطعمهم منه، فإن ذلك مما يوغر الصدور، ويبعد عن المعاشرة بالمعروف، فإن كان مزمعًا على ذلك، فليأكل بخُفية، بحيث لا يعرف أهله، ولا ينبغي أن يصف عندهم طعامًا لا يريد إطعامهم إياه. وإذا أكل فيقعد العيال كلهم على مائدته..)). نفقة المرأة بقدر كفايتها ولكن ما الذي يفرضه الشرع للزوجة من النفقة ومطالب المعيشة؟ لنسمع ما يقوله في ذلك الفقه المستند إلى الكتاب والسنة.. قال شيخ الإسلام ابن قدامة الحنبلي في كتابه (الكافي): ((يجب للمرأة من النفقة قدر كفايتها بالمعروف، لقول النبي لهند: "خذي ما يكفيك وولدك بالمعروف". ولأن الله قال: {وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ}[البقرة:233]. والمعروف: قدر الكفاية؛ لأنها واجبة لدفع الحاجة. فتقدَّرت بالكفاية كنفقة المملوك، فإذا ثبت أنها غير مقدَّرة، فإنه يرجع في تقديرها إلى الحاكم (أي القاضي) فيفرض لها قدر كفايتها من الخبز والأُدْم. ويجب لها في القوت الخبز؛ لأنه المُقتات في العادة. وقال ابن عباس في قوله تعالى: {مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ}[المائدة:89] الخبز والزيت. وعن ابن عمر: الخبز والسمن، والخبز والزيت، والخبز والتمر. ومن أفضل ما تطعمهم: الخبز واللحم. ويجب لها من الأُدْم بقدر ما تحتاج إليه من أُدْم البلد: من الزيت والسِّيرج (دهن السمسم) والسمن واللبن واللحم، وسائر ما يؤتدَم به؛ لأن ذلك من النفقة بالمعروف، وقد أمر الله تعالى ورسوله به. ويختلف ذلك بيسار الزوج وإعساره، لقوله تعالى: {لِيُنْفِقْ ذُو سَعَةٍ مِنْ سَعَتِهِ وَمَنْ قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ فَلْيُنْفِقْ مِمَّا آتَاهُ اللَّهُ لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا مَا آتَاهَا}[الطلاق:7] ويعتبر حال المرأة أيضًا، لقول النبي : "خذي ما يكفيك وولدك بالمعروف". فيجب للموسِرة تحت الموسِر من أرفع خبز البلد وأُدْمه بما جرت به عادة مثلها ومثله، وللفقيرة تحت الفقير من أدنى خبز البلد وأُدْمه على قدر عادتهما، وللمتوسطة تحت المتوسط (يعني: أوسط ذلك). وإذا كان أحدهما غنيًا والآخر فقيرًا، ما بينهما كل على حسب عادته؛ لأن إيجاب نفقة الموسرين على المعسر، وإنفاق الموسر نفقة المعسرين، ليس من المعروف، وفيه إضرار بصاحبه. وتجب الكسوة للآية والخبر، ولأنه يحتاج إليها لحفظ البدن على الدوام، فلزمته كالنفقة. ويجب للموسرة تحت الموسر من رفيع ما يُلبس في البلد من الإبريسم والخز (نوعان من الحرير) والقطن والكتان، وللفقيرة تحت الفقير من غليظ القطن والكتان، وللمتوسطة تحت المتوسط. وإذا كان أحدهما موسرًا، والآخر معسرًا، ما بينهما على حسب عوائدهم في الملبوس، كما قلنا في النفقة. ويجب لها مسكن؛ لأنها لا تستغني عنه للإيواء، والاستتار عن العيون، للتصرف والاستمتاع، ويكون ذلك على قدرهن، كما ذكرنا في النفقة. وإن كانت ممن لا يخدم نفسها، لكونها من ذوات الأقدار، أو مريضة، وجب لها خادم، لقوله تعالى {وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ}[النساء:19]. وإخدامها من العِشرة بالمعروف، ولا يجب لها أكثر من خادم؛ لأن المستحق خدمتها في نفسها، وذلك يحصل بخادم واحد، ولا يجوز أن يُخدِمها إلا امرأة، أو ذو رحم محرم، أو صغير)). وقال صاحب (الروضة الندية) في بيان ما يجب للزوجة على الزوج من النفقة: ((هذا يختلف باختلاف الأزمنة والأمكنة، والأحوال والأشخاص، فنفقة زمن الخَصْب المعروف فيها غير المعروف في زمن الجدب. نفقة أهل البوادي ونفقة أهل البوادي المعروف فيها ما هو الغالب عندهم، وهو غير المعروف من نفقة أهل المدن. وكذلك المعروف من نفقة الأغنياء على اختلاف طبقاتهم، غير المعروف من نفقة الفقراء، والمعروف من نفقة أهل الرياسات والشرف، غير المعروف من نفقة أهل الوَضَاعات. فليس المعروف المشار إليه في الحديث، هو شيء متَّحد، بل مختلف باختلاف الاعتبار))( )اهـ. وذكر الإمام الشوكاني في كتابه (الفتح الرباني) اختلاف المذاهب في تقدير النفقة بمقدار معين، وعدم التقدير، فذهب جماعة من أهل العلم، وهم الجمهور، إلى أنه لا تقدير للنفقة إلا بالكفاية، وقد اختلفت الرواية عن الفقهاء القائلين بالتقدير، فقال الشافعي: على المسكين المتكسب مُدٌّ، وعلى الموسر مُدَّان، وعلى المتوسط مُدٌّ ونصف. وقال أبو حنيفة: على الموسر سبعة دراهم إلى ثمانية في الشهر، وعلى المعسر أربعة دراهم إلى خمسة. قال بعض أصحابه: هذا التقدير في وقت رخص الطعام، وأما في غيره فيعتبر بالكفاية.

2632

| 02 يوليو 2016

محليات الشرق
القرضاوي: زواج " التحليل" من الشروط الفاسدة التى تبطل الزواج

الكتاب: فقه الأسرة وقضايا المرأة المؤلف: د. يوسف القرضاوي الحلقة: السادسة والعشرون الأسرة أساس المجتمع، وهي اللبنة الأولى من لبناته، التي إن صلحت صلح المجتمع كله، وإن فسدت فسد المجتمع كله، وعلى أساس قوة الأسرة وتماسكها، يقوم تماسك المجتمع وقوته؛ لذا فقد أولى الإسلام الأسرة رعايته وعنايته. وقد جعل القرآن تكوين الأسر هو سنة الله في الخلق، قال عز وجل: "وَاللّهُ جَعَلَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجاً وَجَعَلَ لَكُم مِّنْ أَزْوَاجِكُم بَنِينَ وَحَفَدَةً وَرَزَقَكُم مِّنَ الطَّيِّبَاتِ أَفَبِالْبَاطِلِ يُؤْمِنُونَ وَبِنِعْمَتِ اللّهِ هُمْ يَكْفُرُونَ" (سورة النحل:72). بل جعل الله نظام الأسرة، بأن يكون لكل من الرجل والمرأة زوجٌ يأنس به ويأنس إليه، ويشعر معه بالسكن النفسي والمودة والرحمة، آية من آيات الله، قال سبحانه: "وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجاً لِّتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُم مَّوَدَّةً وَرَحْمَةً، إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ"(سورة الروم:21). فالحياة الأسرية في الإسلام وعلاقة كل من الزوجين تجاه الآخر، ليست شركة مالية تقوم على المصالح المادية البحتة، بل هي حياة تعاونية يتكامل فيها الزوجان، ويتحمَّلان مسؤولية إمداد المجتمع بنسل يعيش في كنف أسرة تسودها المحبة والمودَّة، ولا يظلم أحد طرفيها الآخر، بل يدفع كل واحد منهما عن شريكه الظلم والأذى، ويحنو عليه. وفلسفة الإسلام الاجتماعية تقوم على أن الزواج بين الرجل والمرأة هو أساس الأسرة، لذا يحث الإسلام عليه، وييسر أسبابه، ويزيل العوائق الاقتصادية من طريقه، بالتربية والتشريع معا، ويرفض التقاليد الزائفة، التي تصعبه وتؤخِّره، من غلاء مهور، ومبالغة في الهدايا والولائم وأحفال الأعراس، وإسراف في التأثيث واللباس والزينة، ومكاثرة يبغضها الله ورسوله في سائر النفقات. ويحث على اختيار الدين والخلق في اختيار كلٍّ من الزوجين: "فاظفر بذات الدين تربت يداك". "إذا أتاكم من ترضون دينه وخلقه فزوِّجوه، إلا تفعلوا تكنْ فتنةٌ في الأرض وفساد عريض". وهو — إذ يُيَسِّر أسباب الحلال — يسدُّ أبواب الحرام، والمثيرات إليه، من الخلاعة والتبرُّج، والكلمة والصورة، والقصة والدراما، وغيرها، ولا سيما في أدوات الإعلام، التي تكاد تدخل كل بيت، وتصل إلى كل عين وأذن. وهو يقيم العلاقة الأسرية بين الزوجين على السكون والمودة والرحمة بينهما، وعلى تبادل الحقوق والواجبات والمعاشرة بالمعروف، "وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ فَإِنْ كَرِهْتُمُوهُنَّ فَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئاً وَيَجْعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَيْراً كَثِيراً"، (البقرة: 19). "وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ وَلِلرِّجَالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ"، (البقرة: 228). ويجيز الطلاق عند تعذُّر الوفاق، كعملية جراحية لا بد منها، بعد إخفاق وسائل الإصلاح والتحكيم، الذي أمر به الإسلام أمراً محكماً صريحاً، وإن أهمله المسلمون تطبيقاً: "وَإِنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنِهِمَا فَابْعَثُوا حَكَماً مِنْ أَهْلِهِ وَحَكَماً مِنْ أَهْلِهَا إِنْ يُرِيدَا إِصْلَاحاً يُوَفِّقِ اللَّهُ بَيْنَهُمَا إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيماً خَبِيراً"، (النساء: 35) * الشروط الفاسدة أما الشروط الفاسدة فهي نوعان: نوع يُبطل الزواج، ونوع لا يبطله. فأما الذي يبطله فله أقسام: الشغار: الأول: ما يعرف بـ(الشِّغَار)، ومعناه: أن يزوِّج الرجل ابنته، على أن يزوِّجه الآخر ابنته، وليس بينهما صداق. وقد نهى عنه النبي، ورُوِيَ عن الصحابة أنهم فرَّقوا بين الزَّوْجين. زواج التحليل الثاني: ما يعرف بزواج (التحليل)، وهو الذي يتزوج المرأة المطلَّقة من زوجها ثلاثًا، بشرط أن يطلِّقها إذا أحلَّها للأول، فهذا ليس زوجًا وإنما هو واسطة، وقد حرمه النبي ولعن فاعله. فقال: "لعن الله المحلِّل والمحلَّل له". والسر في ذلك أن الزواج الذي شرعه الإسلام لا بد من أن تصحبه نية التأبيد، حتى يؤتي ثماره المرجوة من السكن والمودة والرحمة والنسل وغيرها. وزواج المحلَّل على غير هذه السُّنة، فإنه إنما يتزوجها ليلة أو ليلتين، أو ساعة أو ساعتين، أو أدنى من ذلك أو أكثر، لا لشيء من تلك الأغراض النبيلة، بل لمجرد أن تحلَّ للأول، وسواء اشترط ذلك باللسان أم نواه بقلبه، فهو حرام وباطل. روى نافع عن ابن عمر: أن رجلًا قال له: تزوجتها أحلُّها لزوجها، لم يأمرني، ولم يعلم! قال: لا؛ إلا نكاح رغبة، إن أعجبتك أمسكتها، وإن كرهتها فارقتها. ثم قال: وإن كنا لنعده على عهد رسول الله سفاحًا. زواج المتعة الثالث: ما يعرف بزواج (المتعة)، ومعناه: أن يتزوج الرجل امرأة لمدة يحددانها؛ نظير أجر معين. والزواج في الإسلام عقد متين، وميثاق غليظ، يقوم في الأصل على نية العِشْرة المؤبَّدة من الطرفين؛ لتتحقق ثمرته النفسية التي ذكرها القرآن — من السكن النفسي والمودة والرحمة — وغايته النوعية العمرانية، من استمرار التناسل وامتداد بقاء النوع الإنساني: {وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا وَجَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ بَنِينَ وَحَفَدَةً}[النحل:72]. أما زواج المتعة، فلا يتحقق فيه المعنى الذي أشرنا إليه. وقد أجازه الرسول قبل أن يستقر التشريع في الإسلام. أجازه في السفر والغزوات، لشدة حاجة الصحابة ومعظمهم شباب إليه، ثم نهى عنه وحرَّمه على التأبيد، وإن قال بعض الصحابة والتابعين ببقاء الإباحة في حالة الضرورة كأكل الميتة. وكان السِّر في إباحته أولا أن القوم كانوا في مرحلة يصح أن نسميها (فترة انتقال) من الجاهلية إلى الإسلام؛ وكان الزِّنى في الجاهلية ميسرًا منتشرًا. فلما كان الإسلام، واقتضاهم أن يسافروا للغزو والجهاد: شق عليهم البعد عن نسائهم مشقَّة شديدة، وكانوا بين أقوياء الإيمان وضعفائه؛ فأما الضعفاء، فخيف عليهم أن يتورَّطوا في الزِّنى، أقْبِح به فاحشة وساء سبيلًا! وأما الأقوياء فعزموا على أن يُخصوا أنفسهم أو يجُبُّوا مذاكيرهم، كما قال ابن مسعود: كنا نغزو مع رسول الله، ليس معنا نساء، قلنا: ألا نستخصي؟ فنهانا رسول الله عن ذلك، ورخص لنا أن ننكح المرأة بالثوب إلى أجل. وبهذا كانت إباحة المتعة رخصة لحل مشكلة الفريقين من الضعفاء والأقوياء، وخطوة في سير التشريع إلى الحياة الزوجية الكاملة، التي تتحقَّق فيها كل أغراض الزواج، من إحصان واستقرار وتناسل، ومودة ورحمة، واتساع دائرة العشيرة بالمصاهرة. وكما تدرَّج القرآن بهم في تحريم الخمر، وتحريم الربا — وقد كان لهما انتشار وسلطان في الجاهلية — تدرج النبي بهم كذلك في تحريم الفروج، فأجاز عند الضرورة المُتعة، ثم حرم هذا النوع من الزواج، كـمـا روى ذلك عنه عليٌّ، وجماعة من الصحابة رضي الله عنهم. ومن ذلك ما أخرجه مسلم في صحيحه عن سبرة الجهني: أنه غزا مع النبي في فتح مكة، فأذن لهم في متعة النساء، قـال: فلم يخرج حـتـى حـرَّمـهـا رسول الله، وفي لفظ من حديثه: "وإن الله حرم ذلك إلى يوم القيامة". ولكن هل هذا التحريم باتٌّ كزواج الأمهات والبنات، أو هو تحريم مثل تحريم الميتة والدم ولحم الخنزير، فَيُباح عند الضرورة وخوف العَنَت؟ الذي رآه عامة الصحابة أنه تحريم باتٌّ حاسم، لا رخصة فيه بعد استقرار التشريع. وخالفهم ابن عباس وأصحابه، فرأوا أنها تُبَاح للضرورة، فقد سأله سائل عن متعة النساء، فرخص له. فقال مولى له: إنما ذلك في الحال الشديدة، وفـي النساء قلة أو نحوه؟ قال ابن عباس: نعم. ثم لما تبيَّن لابن عباس رضي الله عنه أن الناس توسَّعوا فيها، ولم يقتصروا على موضع الضرورة، أمسك عن فتياه ورجع عنها. واستمر بعض أصحابه كعطاء وسعيد بن جبير وطاوس يفتون بجوازها. وهو ما استأنسنا به ونحن نفتي بعض الشباب المسلم الذي يعيش في بلاد الغرب في أوربا وأمريكا لدراسة الماجستير وأحيانا البكالوريوس، ولم يتمكن من الزواج قبل الذهاب أن يتزوج من بعض الفتيات مدة دراسته، ويطلقها بعد ذلك، وقد يعجبه طيب أخلاقها وحسن سلوكها، وقد تتأثر بدينه وأخلاقه، فتغير دينها إلى دينه، وتربط حياتها بحياته، فيبقيها زوجة لها، وبذلك ينقلب الزواج إلى زواج إسلامي دائم، قائم على الأهداف الشخصية والعائلية والاجتماعية. من سنن عقد النكاح ومستحباته يسن في عقد الزواج أن يكون في المسجد، ويسن إعلانه وإعلام الناس به، لحديث: "أعلنوا هذا النكاح، واجعلوه في المساجد، واضربوا عليه بالدفوف". كما يُسَنُّ أن يصحبه شيء من اللهو والغناء المباح، لما في ذلك من إشاعة السرور، وتمام الإعلان، روى البخاري عن عائشة: أنها زفَّت امرأةً إلى رجل من الأنصار، فقال نبي الله: "يا عائشة، ما كان معكم لهو؟ فهل بعثتم معها جارية تضرب بالدف وتغني؟!". أما الأغاني الخليعة والاختلاط العابث؛ فحرام بالإجماع. ومن السنن: الوليمة، وذلك أن يعد الزوج طعامًا لأحبائه وأصدقائه على قدر طاقته، {لِيُنْفِقْ ذُو سَعَةٍ مِنْ سَعَتِهِ}[الطلاق:7]. وقد قال عليه السلام لعبد الرحمن بن عوف: "أولم ولو بشاة". ولما تزوج النبي زينب بنت جحش أوْلَمَ بشاة. وأولم على بعض نسائه بمُدَّيْن من شعير. ومن دُعِي إلى هذه الوليمة، فواجب عليه أن يجيب، لحديث: "من لم يجب الدعوة فقد عصى الله ورسوله". وذلك ما لم يكن عذر، أو يعلم بوجود منكر كالخمر والتماثيل واللهو المحرم، وفي الحديث: "من كان يؤمن بالله واليوم الآخر، فلا يقعد على مائدة يدار عليها الخمر". ويستحب من الحضور الدعاء للزوجين أو لأحدهما بعد العقد بالبركة والسعة وحسن العشرة، ويندب تهنئة الزوجين وإدخال السرور على كل منهما، أو عليهما. والسنة أن يقال للزوج: بارك الله لك وبارك عليك، وجمع بينكما في خير، لما ورد عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا رفَّأ إنسانًا إذا تزوج قال: "بارك الله لك، وبارك عليك، وجمع بينكما في خير". ويستحب أن يُبدأ عقد النكاح بخطبة يبين فيها مكانة الزواج في الإسلام، وحقوق كل من الزوجين، ويوصيهما بحسن العشرة. ويستحب للعروس إذا زفت إليه زوجته أول مرة أن يأخذ بناصيتها، ويدعو أن يبارك الله لكل منهما في صاحبه، "إذا تزوج أحدكم امرأة أو اشترى خادمًا، فليقل: اللهم إني أسالك خيرها، وخير ما جبلتها عليه، وأعوذ بك من شرها، وشر ما جبلتها عليه، وإذا اشترى بعيرا فليأخذ بذروة سنامه، وليقل مثل ذلك". ويسن في الزواج تخفيف المهر، لما فيه من القصد والبعد عن الإسراف، والترغيب في الزواج، وفي الحديث: "خير الصداق أيسره". وقال عمر: "لا تغالوا في صدقات النساء". ومن يسر المؤنة: الاعتدال في الجهاز، فإن الله لا يحب المسرفين. والمغالاة في المهور إحدى المشاكل التى تواجه الشباب، وتؤخر إتمام الزواج. أيسر المهور الواقع أن هذه تعقيدات من الناس على أنفسهم، شددوا فيما يسره الله تعالى عليهم، لقد قال النبي في الزوجات: "أيسرهن مهرًا أكثرهن بركة". والنبي حينما زوج بناته زوجهن بأيسر المهور، لم يشترط لهن المئات ولا الآلاف، وإنما أخذ أيسر المهور، وكذلك السلف الصالحون، لم يكونوا يبحثون عن مال الرجل، وماذا يدفع؛ لأن البنت ليست سلعة تباع، إنما هي إنسان، فليبحث لها الأب أو الولي عن إنسان مثله، إنسان كريم، كريم الدين، كريم الخلق، كريم الطباع، ولهذا جاء في الحديث عن النبي : "إذا أتاكم من ترضون دينه وخلقه فزوجوه، إلا تفعلوه، تكن فتنة في الأرض وفساد عريض". فالمهم، والذي يجب أن يطلبه الأب أو الولي هو الدين والخلق، قبل كل شيء. فماذا يغني الفتاة أن تتزوج ويُدفع لها مهر كبير، إذا تزوَّجت من لا خُلُق له، ولا دين له؟ ولهذا قال السلف: إذا زوجت ابنتك فزوِّجها ذا دين، إن أحبها أكرمها، وإن أبغضها لم يظلمها. لأن دينه يمنعه، وخلقه يردعه، حتى في حالة الكراهية، كما قال الله تعالى: {وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ فَإِنْ كَرِهْتُمُوهُنَّ فَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَيَجْعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَيْرًا كَثِيرًا}[النساء:19].

3907

| 30 يونيو 2016

محليات الشرق
القرضاوي: الإسلام حرَّم على المسلمة أن تتزوَّج غير مسلم

الكتاب: فقه الأسرة وقضايا المرأة المؤلف: د. يوسف القرضاوي الحلقة: الحلقة الخامسة والعشرون الأسرة أساس المجتمع، وهي اللبنة الأولى من لبناته، التي إن صلحت صلح المجتمع كله، وإن فسدت فسد المجتمع كله، وعلى أساس قوة الأسرة وتماسكها، يقوم تماسك المجتمع وقوته؛ لذا فقد أولى الإسلام الأسرة رعايته وعنايته. وقد جعل القرآن تكوين الأسر هو سنة الله في الخلق، قال عز وجل: "وَاللّهُ جَعَلَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجاً وَجَعَلَ لَكُم مِّنْ أَزْوَاجِكُم بَنِينَ وَحَفَدَةً وَرَزَقَكُم مِّنَ الطَّيِّبَاتِ أَفَبِالْبَاطِلِ يُؤْمِنُونَ وَبِنِعْمَتِ اللّهِ هُمْ يَكْفُرُونَ" (سورة النحل:72). بل جعل الله نظام الأسرة، بأن يكون لكل من الرجل والمرأة زوجٌ يأنس به ويأنس إليه، ويشعر معه بالسكن النفسي والمودة والرحمة، آية من آيات الله، قال سبحانه: "وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجاً لِّتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُم مَّوَدَّةً وَرَحْمَةً، إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ"(سورة الروم:21). فالحياة الأسرية في الإسلام وعلاقة كل من الزوجين تجاه الآخر، ليست شركة مالية تقوم على المصالح المادية البحتة، بل هي حياة تعاونية يتكامل فيها الزوجان، ويتحمَّلان مسؤولية إمداد المجتمع بنسل يعيش في كنف أسرة تسودها المحبة والمودَّة، ولا يظلم أحد طرفيها الآخر، بل يدفع كل واحد منهما عن شريكه الظلم والأذى، ويحنو عليه. وفلسفة الإسلام الاجتماعية تقوم على أن الزواج بين الرجل والمرأة هو أساس الأسرة، لذا يحث الإسلام عليه، وييسر أسبابه، ويزيل العوائق الاقتصادية من طريقه، بالتربية والتشريع معا، ويرفض التقاليد الزائفة، التي تصعبه وتؤخِّره، من غلاء مهور، ومبالغة في الهدايا والولائم وأحفال الأعراس، وإسراف في التأثيث واللباس والزينة، ومكاثرة يبغضها الله ورسوله في سائر النفقات. ويحث على اختيار الدين والخلق في اختيار كلٍّ من الزوجين: "فاظفر بذات الدين تربت يداك". "إذا أتاكم من ترضون دينه وخلقه فزوِّجوه، إلا تفعلوا تكنْ فتنةٌ في الأرض وفساد عريض". وهو — إذ يُيَسِّر أسباب الحلال — يسدُّ أبواب الحرام، والمثيرات إليه، من الخلاعة والتبرُّج، والكلمة والصورة، والقصة والدراما، وغيرها، ولا سيما في أدوات الإعلام، التي تكاد تدخل كل بيت، وتصل إلى كل عين وأذن. وهو يقيم العلاقة الأسرية بين الزوجين على السكون والمودة والرحمة بينهما، وعلى تبادل الحقوق والواجبات والمعاشرة بالمعروف، "وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ فَإِنْ كَرِهْتُمُوهُنَّ فَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئاً وَيَجْعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَيْراً كَثِيراً"، (البقرة: 19). "وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ وَلِلرِّجَالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ"، (البقرة: 228). ويجيز الطلاق عند تعذُّر الوفاق، كعملية جراحية لا بد منها، بعد إخفاق وسائل الإصلاح والتحكيم، الذي أمر به الإسلام أمراً محكماً صريحاً، وإن أهمله المسلمون تطبيقاً: "وَإِنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنِهِمَا فَابْعَثُوا حَكَماً مِنْ أَهْلِهِ وَحَكَماً مِنْ أَهْلِهَا إِنْ يُرِيدَا إِصْلَاحاً يُوَفِّقِ اللَّهُ بَيْنَهُمَا إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيماً خَبِيراً"، (النساء: 35) لا يجوز الزواج من الكتابية في عصرنا إلا لحاجة ملحَّة، ومن هنا نعلم أن الزواج من غير المسلمات في عصرنا — وخصوصا الأجنبيات — ينبغي أن يُمنع سدًّا للذريعة إلى ألوان شتى من الضرر والفساد، ودرء المفسدة مقدَّم على جلب المصلحة، ولا يسوغ القول بجوازه إلا لضرورة قاهرة أو حاجة ملحَّة، والضرورة تقدر بقدرها، كما قعَّد الفقهاء. ولا ننسى هنا أن نذكِّر أنه مهما ترخَّص المترخِّصون في الزواج من غير المسلمة، فإن مما لا خلاف عليه أن الزواج من المسلمة أولى وأفضل من جهات عدة، فلا شك أن توافق الزوجين من الناحية الدينية أعون على الحياة السعيدة، بل كلما توافقا فكريًّا ومذهبيًّا كان أفضل. وأكثر من ذلك أن الإسلام لا يكتفي بمجرد الزواج من أية مسلمة، بل يرغب كل الترغيب في الزواج من المسلمة المتدينة، فهي أحرص على مرضاة الله، وأرعى لحق الزوج، وأقدر على حفظ نفسها وماله وولده، ولهذا قال الرسول، في الحديث الصحيح: "فاظفر بذات الدين تربت يداك". حرمة زواج المسلمة من غير المسلم: إذا كان الإسلام قد أباح للمسلم أن يتزوج من امرأة كتابية، بالقيود التي ذكرناها، فإنه حرَّم على المسلمة أن تتزوَّج غير مسلم، كتابيًّا أو غير كتابي، ولا يحل لها ذلك بحال. وقد ذكرنا قوله تعالى: {وَلَا تُنْكِحُوا الْمُشْرِكِينَ حَتَّى يُؤْمِنُوا}[البقرة:221]. وقال في شأن المؤمنات المهاجرات: {فَإِنْ عَلِمْتُمُوهُنَّ مُؤْمِنَاتٍ فَلَا تَرْجِعُوهُنَّ إِلَى الْكُفَّارِ لَا هُنَّ حِلٌّ لَهُمْ وَلَا هُمْ يَحِلُّونَ لَهُنَّ}[الممتحنة:10]. ولم يرد نص باستثناء أهل الكتاب من هذا الحكم، فالحرمة مُجمَع عليها بين المسلمين. الحكمة من تحريم زواج المسلمة من غير المسلم: وإنما أجاز الإسلام للمسلم أن يتزوج يهودية أو نصرانية، ولم يُجز للمسلمة أن تتزوَّج بأحدهما؛ لأن الرجل هو رَبُّ البيت، والقوَّام على المرأة، والمسؤول عنها. والإسلام قد ضمن للزوجة الكتابية في ظل الزوج المسلم حرية عقيدتها، وصان لها بتشريعاته وإرشاداته حقوقَها وحرمتها. ولكن دينًا آخر كالنصرانية أو اليهودية لم يضمن للزوجة المخالِفة في الدين أي حرية، ولم يَصُن لها حقها، فكيف يغامر الإسلام بمستقبل بناته، ويرمي بهن في أيدي من لا يرقبون في دينهن إلًّا ولا ذِمَّة؟! وأساس هذا: أن الزوج لا بد أن يحترم عقيدة زوجته؛ ضمانًا لحسن العشرة بينهما، والمسلم يؤمن بأصل اليهودية والنصرانية دينين سماويين — بغض النظر عما حُرِّف منهما — ويؤمن بالتوراة والإنجيل كِتَابَيْن في الأصل من عند الله، ويؤمن بموسى وعيسى رسولَيْن من عند الله من أولي العزم من الرسل. فالمرأة الكتابية تعيش في كَنَف رجل، يحترم أصل دينها وكتابها ونبيها، بل لا يتحقق إيمانه إلا بذلك. أما اليهودي أو النصراني، فلا يعترف أدنى اعتراف بالإسلام، ولا بكتاب الإسلام، ولا برسول الإسلام. فكيف يمكن أن تعيش في ظلِّه امرأة مسلمة يطالبها دينها بشعائر وعبادات، وفروض وواجبات، ويشرع لها أشياء، ويحرم عليها أشياء؟! من المستحيل أن تبقى للمسلمة حرية عقيدتها، وتتمكن مـن رعاية دينها، والرجل القوَّام عليها يجحده كل الجحود!! ولا سيما أن الإسلام يطلب من كل مسلم ومسلمة مطالب كثيرة، كالصلوات اليومية الخمس، وصيام رمضان، وزكاة المال والفطر، وحج البيت، بالإضافة إلى الواجبات الاجتماعية الكثيرة. ومن هنا كان الإسلام منطقيًّا مع نفسه، حين حرَّم على الرجل المسلم أن يتزوج وثنية مشركة؛ لأن الإسلام ينكر الشرك والوثنية كل الإنكار، فكيف يتحقق بينهما السكون والمودة والرحمة؟! بطلان زواج المسلمة من شيوعي: إذا كان الإسلام لم يُجِز للمسلمة أن تتزوج بأحد من أهل الكتاب — نصراني أو يهودي — مع أن الكتابي مؤمن بالله وكتبه ورسله واليوم الآخر في الجملة، فكيف يجيز أن تتزوج رجلًا لا يدين بألوهية ولا نبوة ولا قيامة ولا حساب؟ إن الشيوعي الذي عُرفت شيوعيته يعتبر في حكم الإسلام مارقًا مرتدًّا زنديقًا، فلا يجوز بحال أن يقبل أبٌ مسلم زواجَه من ابنته، ولا أن تقبل فتاة مسلمة زواجها منه وهي ترضى بالله ربًّا، وبالإسلام دينًا، وبمحمد رسولًا، وبالقرآن إمامًا. وإذا كان متزوجًا من مسلمة وجب أن يُفرَّق بينه وبينها، وأن يحال بينه وبين أولاده، حتى لا يُضِلَّهم، ويُفسِد عليهم دينهم. وإذا مات هذا مصرًّا على مذهبه، فليس بجائز أن يُغَسَّل، أو يصلَّى عليه، أو يدفن في مقابر المسلمين. وبالجملة يجب أن تطبق عليه في الدنيا أحكام المرتدِّين والزنادقة في شريعة الإسلام، وما ينتظره من عقاب الله في الآخرة أشد وأخزى: {وَلَا يَزَالُونَ يُقَاتِلُونَكُمْ حَتَّى يَرُدُّوكُمْ عَنْ دِينِكُمْ إِنِ اسْتَطَاعُوا وَمَنْ يَرْتَدِدْ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ فَأُولَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ}[البقرة: 217]. زواج المسلمة من البهائي وإذا كان زواج المسلم من بهائية باطلًا بلا شك، فإن زواج المسلمة من رجل بهائي باطل من باب أولى، إذ لم تجز الشريعة للمسلمة أن تتزوج الكتابي، فكيف بمن لا كتاب له؟ ولهذا لا يجوز أن تقوم حياة زوجية بين مسلم وبهائية أو بين مسلمة وبهائي، لا ابتداء ولا بقاء، وهو زواج باطل، ويجب التفريق بينهما حتمًا. وهذا ما جرت عليه المحاكم الشرعية في مصر في أكثر من واقعة، وللأستاذ المستشار علي علي منصور حكم في قضية من هذا النوع قضى فيه بالتفريق، بناء على حيثيات شرعية فقهية موثَّقة، وقد نُشر في رسالة مستقلة، فجزاه الله خيرًا. الشروط المقترنة بعقد الزواج مثلما عُني فقهاء الإسلام بتفصيل الشروط في البيوع والمعاملات المالية، ما يعتبر منها وما لا يعتبر، وما يفسد العقد وما لا يفسده، حرصًا على مصلحة المتعاقدين، ورفعًا للضرر والحرج عنهما، ورغبة في استقرار التعامل بين الناس — عُنوا كذلك بأحكام الشروط في عقد الزواج، لما له من أهمية وقدسية، ولما يترتب عليه من آثار هي أعمق وأعظم من آثار بيع دابة، أو إجارة مسكن، أو نحوهما، آثار في حياة الزوجين، وحياة أسرتيهما، وحياة المجتمع كله. ولهذا قال الرسول: "إن أحق الشروط أن يوفَّى به، ما استحللتم به الفروج". وقت اعتبار الشرط: والمعتبر من الشروط ما كان في صلب العقد، أو اتفقا عليه قبله، أما إذا وقع الشرط بعد لزوم العقد، فالوفاء به غير لازم. الشروط المقترنة بعقد الزواج قسمان ما يشترطه أحد الزوجين على الآخر مما له فيه غرض صحيح، ولا ينافي مقتضى العقد. وهو لازم للزوج لا يملك فكَّه، كما إذا اشترطت الزوجة — أو وليها — عليه ألا يخرجها من دارها أو بلدها، أو ألا يتزوج عليها، أو ألا يفرِّق بينها وبين أولادها من غيره، أو بينها وبين أبويها، أو أن ترضع ولدها من غيره.. أو نحو ذلك؛ لأن لها في هذه الشروط قصدًا صحيحًا، فوجب اعتباره؛ لأن الشارع أمر بالوفاء بالعقود والعهود والشروط أمرًا عامًّا، فيتناول كل ما ذُكِر، قال تعالى: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ}[المائدة:1]. وفي الحديث: "أحق الشروط أن توفُّوا به ما استحللتم به الفروج". وفي الحديث الآخر: "المسلمون على شروطهم". ووقع في عهد عمر رضي الله عنه: أن رجلًا تزوَّج امرأة وشرط لها دارها، ثم أراد نقلها، فخاصمه أهلها إلى عمر، فقال: لها شرطُها. فقال الرجل: إذن يُطَلِقْنَنا!! يعني: النساء. فقال عمر: مقاطع الحقوق عند الشروط. فإذا لم يفِ الزوج للزوجة بما شرط، فلها أن تفسخ العقد على التراخي؛ لأنه شرط لازم في عقد، فثبت حق الفسخ بفواته، ولا يسقط حقها في الفسخ إلا بما يدل على رضاها: من قول صريح، أو تمكين له من نفسها، مع علمها بعدم وفائه بالشرط، لما في التمكين مع العلم من الدلالة على الرضا. وباعتبار الشريعة الإسلامية لهذه الشروط التي للمرأة قصد صحيح فيها، يكون الإسلام قد وقف إلى جانب المرأة، ومكَّنها أن تأخذ لنفسها من الضمانات ما تراه في مصلحتها، وألزم الرجل بالوفاء، وإلا كان لها الخيار في الفسخ.

11663

| 29 يونيو 2016

محليات الشرق
القرضاوي: الأصل هو إباحة زواج المسلم من الكتابية ترغيبًا لها في الإسلام

الكتاب: فقه الأسرة وقضايا المرأة المؤلف : د. يوسف القرضاوي الحلقة : الثالثة والعشرون الأسرة أساس المجتمع، وهي اللبنة الأولى من لبناته، التي إن صلحت صلح المجتمع كله، وإن فسدت فسد المجتمع كله، وعلى أساس قوة الأسرة وتماسكها، يقوم تماسك المجتمع وقوته؛ لذا فقد أولى الإسلام الأسرة رعايته وعنايته. وقد جعل القرآن تكوين الأسر هو سنة الله في الخلق، قال عز وجل: "وَاللّهُ جَعَلَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجاً وَجَعَلَ لَكُم مِّنْ أَزْوَاجِكُم بَنِينَ وَحَفَدَةً وَرَزَقَكُم مِّنَ الطَّيِّبَاتِ أَفَبِالْبَاطِلِ يُؤْمِنُونَ وَبِنِعْمَتِ اللّهِ هُمْ يَكْفُرُونَ" (سورة النحل:72). بل جعل الله نظام الأسرة، بأن يكون لكل من الرجل والمرأة زوجٌ يأنس به ويأنس إليه، ويشعر معه بالسكن النفسي والمودة والرحمة، آية من آيات الله، قال سبحانه: "وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجاً لِّتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُم مَّوَدَّةً وَرَحْمَةً، إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ"(سورة الروم:21). فالحياة الأسرية في الإسلام وعلاقة كل من الزوجين تجاه الآخر، ليست شركة مالية تقوم على المصالح المادية البحتة، بل هي حياة تعاونية يتكامل فيها الزوجان، ويتحمَّلان مسؤولية إمداد المجتمع بنسل يعيش في كنف أسرة تسودها المحبة والمودَّة، ولا يظلم أحد طرفيها الآخر، بل يدفع كل واحد منهما عن شريكه الظلم والأذى، ويحنو عليه. وفلسفة الإسلام الاجتماعية تقوم على أن الزواج بين الرجل والمرأة هو أساس الأسرة، لذا يحث الإسلام عليه، وييسر أسبابه، ويزيل العوائق الاقتصادية من طريقه، بالتربية والتشريع معا، ويرفض التقاليد الزائفة، التي تصعبه وتؤخِّره، من غلاء مهور، ومبالغة في الهدايا والولائم وأحفال الأعراس، وإسراف في التأثيث واللباس والزينة، ومكاثرة يبغضها الله ورسوله في سائر النفقات. ويحث على اختيار الدين والخلق في اختيار كلٍّ من الزوجين: "فاظفر بذات الدين تربت يداك". "إذا أتاكم من ترضون دينه وخلقه فزوِّجوه، إلا تفعلوا تكنْ فتنةٌ في الأرض وفساد عريض". وهو — إذ يُيَسِّر أسباب الحلال — يسدُّ أبواب الحرام، والمثيرات إليه، من الخلاعة والتبرُّج، والكلمة والصورة، والقصة والدراما، وغيرها، ولا سيما في أدوات الإعلام، التي تكاد تدخل كل بيت، وتصل إلى كل عين وأذن. وهو يقيم العلاقة الأسرية بين الزوجين على السكون والمودة والرحمة بينهما، وعلى تبادل الحقوق والواجبات والمعاشرة بالمعروف، "وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ فَإِنْ كَرِهْتُمُوهُنَّ فَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئاً وَيَجْعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَيْراً كَثِيراً"، (البقرة: 19). "وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ وَلِلرِّجَالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ"، (البقرة: 228). ويجيز الطلاق عند تعذُّر الوفاق، كعملية جراحية لا بد منها، بعد إخفاق وسائل الإصلاح والتحكيم، الذي أمر به الإسلام أمراً محكماً صريحاً، وإن أهمله المسلمون تطبيقاً: "وَإِنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنِهِمَا فَابْعَثُوا حَكَماً مِنْ أَهْلِهِ وَحَكَماً مِنْ أَهْلِهَا إِنْ يُرِيدَا إِصْلَاحاً يُوَفِّقِ اللَّهُ بَيْنَهُمَا إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيماً خَبِيراً"، (النساء: 35) إباحة الزواج من الكتابية الأصل في الزواج من نساء أهل الكتاب عند جمهور المسلمين( ) هو الإباحة. فقد أحل الله لأهل الإسلام مؤاكلة أهل الكتاب ومصاهرتهم في آية واحدة من سورة المائدة، وهي من أواخر ما نزل من القرآن الكريم. قال تعالى: {وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ وَطَعَامُكُمْ حِلٌّ لَهُمْ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الْمُؤْمِنَاتِ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ إِذَا آتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ مُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسَافِحِينَ وَلَا مُتَّخِذِي أَخْدَانٍ}[المائدة:5]. رأي ابن عمر وبعض المجتهدين: وخالف في ذلك من الصحابة عبدالله بن عمر رضى الله عنهما، فلم ير الزواج من الكتابية مباحًا، فقد روى عنه البخاري: أنه كان إذا سُئل عن نكاح النصرانية واليهودية قال: إن الله حرم المشركات على المؤمنين- يعني قوله تعالى: {لَا تَنْكِحُوا الْمُشْرِكَاتِ حَتَّى يُؤْمِنَّ}[البقرة:221]- ولا أعلم من الإشراك شيئًا أكبر من أن تقول: ربُّها عيسى. وهو عبد من عباد الله( )! ومن العلماء من يحمل قول ابن عمر على كراهية الزواج من الكتابية لا التحريم، ولكن العبارات المرويَّة عنه تدل على ما هو أكثر من الكراهية. وقد أخذ جماعة من الشيعة الإمامية( ) بما ذهب إليه ابن عمر استدلالًا بعموم قوله تعالى في سورة البقرة: {وَلَا تَنْكِحُوا الْمُشْرِكَاتِ..}[البقرة:221]. وبقوله في سورة الممتحنة: {وَلَا تُمْسِكُوا بِعِصَمِ الْكَوَافِرِ..}[الممتحنة:10]. ترجيح رأي الجمهور: والحق أن رأي الجمهور هو الصحيح، لوضوح آية المائدة في الدلالة على الزواج من الكتابيات، وهي من أواخر ما نزل. وأما قوله تعالى: {وَلَا تَنْكِحُوا الْمُشْرِكَاتِ..}[البقرة:221]. وقوله: {وَلَا تُمْسِكُوا بِعِصَمِ الْكَوَافِرِ}[الممتحنة:10]. فإما أن يقال: هذا عام خصَّصته سورة المائدة. أو يقال: إن كلمة (المشركات) لا تتناول أهل الكتاب أصلًا في لغة القرآن، ولهذا يعطف أحدهما على الآخر كما في سورة البينة: {لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَالْمُشْرِكِينَ مُنْفَكِّينَ..}[البينة:1]. {إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَالْمُشْرِكِينَ فِي نَارِ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا..} [البينة:6]. وفي سورة الحج يقول تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالصَّابِئِينَ وَالنَّصَارَى وَالْمَجُوسَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا إِنَّ اللَّهَ يَفْصِلُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ.. }[الحج:17]. فجعل الذين أشركوا صنفًا متميزًا عن باقي الأصناف، ويعني بهم الوثنيين. والمراد بـ(الكوافر) في آية الممتحنة: المشركات، كما يدل على ذلك سياق السورة. قيود تجب مراعاتها عند الزواج من الكتابية: وإذن يكون الراجح ما بيَّناه من أن الأصل هو إباحة زواج المسلم من الكتابية، ترغيبًا لها في الإسلام، وتقريبًا بين المسلمين وأهل الكتاب، وتوسيعًا لدائرة التسامح والألفة وحُسْن العشرة بين الفريقَيْن. ولكن هذا الأصل معتبر بعدة قيود، يجب ألَّا نغفلها: القيد الأول: الاستيثاق من كونها (كتابية) بمعنى أنها تؤمن بدين سماوي الأصل كاليهودية والنصرانية، فهي مؤمنة في الجملة بالله ورسالاته والدار الآخرة. وليست ملحدة أو مرتدة عن دينها، ولا مؤمنة بدين ليس له نسب معروف إلى السماء. ومن المعلوم في الغرب الآن أن ليست كل فتاة تولد من أبوين مسيحيَّيْن تكون مسيحية. ولا كل من نشأت في بيئة مسيحية تكون مسيحية بالضرورة، فقد تكون شيوعية مادية، وقد تكون على نحلة مرفوضة أساسًا في نظر الإسلام كالبهائية ونحوها. القيد الثاني: أن تكون عفيفة مُحصَنة، فإن الله لم يُبِحْ كل كتابية، بل قيَّد في آياته الإباحة نفسها بالإحصان، حيث قال: {وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ}[المائدة:5]. قال ابن كثير: والظاهر أن المراد بالمحصنات العفيفات عن الزنى، كما في الآية الأخرى: {مُحْصَنَاتٍ غَيْرَ مُسَافِحَاتٍ وَلَا مُتَّخِذَاتِ أَخْدَانٍ}[النساء:25]. وهذا ما أختاره. فلا يجوز للمسلم بحال أن يتزوَّج من فتاةٍ تُسلم زمامها لأي رجل، بل يجب أن تكون مستقيمة نظيفة بعيدة عن الشبهات. وهذا ما اختاره ابن كثير، وذكر أنه رأى الجمهور، وقال: ((وهو الأشبه، لئلَّا يجتمع فيها أن تكون ذِمِّية، وهي مع ذلك غير عفيفة، فيفسد حالها بالكلية، ويتحصَّل زوجها على ما قيل في المثل: حَشَفًا وسوء كِيلَة!))( ). وقد جاء عن الإمام الحسن البصري أن رجلًا سأله: أيتزوج الرجل المرأة من أهل الكتاب؟ فقال: ((ما له ولأهل الكتاب، وقد أكثر الله المسلمات؟! فإن كان ولا بد فاعلًا. فليعمد إليها حَصَانًا (أي محصنة) غير مسافِحة. قال الرجل: وما المسافِحة!؟ قال: هي التي إذا لمح الرجل إليها بعينه اتَّبعته))( ). ولا ريب أن هذا الصنف من النساء في المجتمعات الغربية في عصرنا يعتبر شيئًا نادرًا بل شاذًّا، كما تدل عليه كتابات الغربيِّين وتقاريرهم وإحصاءاتهم أنفسهم، وما نسميه نحن البكارة والعفة والإحصان والشرف.. ونحو ذلك، ليس له أية قيمة اجتماعية عندهم، والفتاة التي لا صديق لها تُعيَّر من ترائبها، بل من أهلها وأقرب الناس إليها. القيد الثالث: ألَّا تكون من قوم يعادون المسلمين ويحاربونهم. ولهذا فرَّق جماعة من الفقهاء بين الذميَّة والحربيَّة. فأباحوا الزواج من الأولى، ومنعوا الثانية. وقد جاء هذا عن ابن عباس، فقال: من نساء أهل الكتاب من يحل لنا، ومنهم من لا يحل لنا. ثم قرأ: {قَاتِلُوا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلَا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَلَا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ..}[التوبة:29]. فمن أعطى الجزية حل لنا نساؤه، ومن لم يُعْطِ الجزية لم يحلَّ لنا نساؤه( ). وقد ذُكر هذا القول لإبراهيم النخعي- أحد فقهاء الكوفة وأئمتها- فأعجبه( ). وفي مصنف عبد الرزاق عن قتادة قال: لا تنكح امرأة من أهل الكتاب إلا في عهد( ). وعن علي رضي الله عنه بنحوه( ). وعن ابن جريج قال: بلغني ألا تنكح امرأة من أهل الكتاب إلا في عهد( ). وفي مجموع الإمام زيد عن علي: أنه كره نكاح أهل الحرب، قال الشارح في (الروض النضير): ((والمراد بالكراهة: التحريم؛ لأنهم ليسوا من أهل ذمة المسلمين. قال: وقال قوم بكراهته ولم يحرِّموه، لعموم قوله تعالى: {وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ}[المائدة:5]. فغلَّبوا الكتاب على الدار))( ). يعني: دار الإسلام. والذي من أهل دار الإسلام بخلاف غيره من أهل الكتاب. ولا ريب أن لرأي ابن عباس وجاهته ورجحانه لمن يتأمل، فقد جعل الله المصاهرة من أقوى الروابط بين البشر، وهي تلي رابطة النسب والدم، ولهذا قال سبحانه: {وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ مِنَ الْمَاءِ بَشَرًا فَجَعَلَهُ نَسَبًا وَصِهْرًا}[الفرقان:54]. فكيف تتحقق هذه الرابطة بين المسلمين وبين قومٍ يحادُّونهم ويحاربونهم، وكيف يسوغ للمسلم أن يُصهر إليهم، فيصبح منهم أجداد أولاده وجداتهم وأخوالهم وخالاتهم؟ فضلًا عن أن تكون زوجه وربة داره وأم أولاد منهم؟ وكيف يؤمن أن تطَّلِع على عورات المسلمين وتخبر بها قومها؟ ولا غرو أن رأينا العلامة أبا بكر الرازي الحنفي يميل إلى تأييد رأي ابن عباس، محتجًّا له بقوله تعالى: {لَا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ}[المجادلة:22]. والزواج يوجب المودَّة، يقول تعالى: {وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً}[الروم:21]. قال: فينبغي أن يكون نكاح الحربيات محظورًا؛ لأن قوله تعالى: { يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ}[المجادلة:22] إنما يقع على أهل الحرب؛ لأنهم في حدٍّ غير حدِّنا( ). يؤيد ذلك قوله تعالى: {إِنَّمَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ قَاتَلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَأَخْرَجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ وَظَاهَرُوا عَلَى إِخْرَاجِكُمْ أَنْ تَوَلَّوْهُمْ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ}[الممتحنة:9]. وهل هناك تولٍّ لهؤلاء أكثر من أن يزوِّج إليهم، وتصبح الواحدة من نسائهم جزءًا من أسرته، بل العمود الفقري في الأسرة؟ استعمال المباحات كلها مقيَّد بعدم الضرر لا يجوز لمسلم في عصرنا أن يتزوَّج يهودية، ما دامت الحرب قائمة بيننا وبين إسرائيل، ولا قيمة لما يقال من التفرقة بين اليهودية والصهيونية، فالواقع أن كل يهودي صهيوني؛ لأن المكونات العقلية والنفسية للصهيونية إنما مصدرها التوراة وملحقاتها وشروحها والتلمود. وكل امرأة يهودية إنما هي جندية بروحها في جيش إسرائيل، إلا من كان منهم معاديا بوضوح لإسرائيل، ويرى أنها خطر على اليهود في العالم، ويصدرون النشرات والصحف المعلنة عن ذلك، كما رأينا بعضهم في لندن وفي قطر وفي عدد من البلاد، ويظهرون معلنين عن شخصيتهم في البرامج التليفزيونية المعروضة، كما في جماعة (حراس المدينة) أو (ناطوري كارتا). القيد الرابع: ألا يكون من وراء الزواج من الكتابية فتنة ولا ضرر، محقَّق أو مرجَّح، فإن استعمال المباحات كلها مقيَّد بعدم الضرر، فإذا تبين أن في إطلاق استعمالها ضررًا عامًّا مُنعت منعًا عامًّا، أو ضررًا خاصًّا منعت منعًا خاصًّا، وكلما عظُم الضرر تأكَّد المنع والتحريم، وقد قال r: "لا ضرر ولا ضرار"( ). وهذا الحديث يمثِّل قاعدة شرعية قطعية من قواعد الشرع؛ لأنه وإن كان بلفظه حديث آحاد، إلا أنه مأخوذ من حيث المعنى من نصوص وأحكام جزئية جمَّة من القرآن والسنة، تفيد اليقين والقطع. ومن هنا كانت سلطة ولي الأمر الشرعي في تقييد بعض المباحات إذا خشي من إطلاق استخدامها أو تناولها ضررًا معينًا.

63453

| 27 يونيو 2016

محليات الشرق
القرضاوي: من تزوَّج مرتدة فنكاحه باطل

الكتاب: فقه الأسرة وقضايا المرأة المؤلف: د.يوسف القرضاوي الحلقة: الواحدة والعشرون الأسرة أساس المجتمع، وهي اللبنة الأولى من لبناته، التي إن صلحت صلح المجتمع كله، وإن فسدت فسد المجتمع كله، وعلى أساس قوة الأسرة وتماسكها، يقوم تماسك المجتمع وقوته؛ لذا فقد أولى الإسلام الأسرة رعايته وعنايته. وقد جعل القرآن تكوين الأسر هو سنة الله في الخلق، قال عز وجل: "وَاللّهُ جَعَلَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجاً وَجَعَلَ لَكُم مِّنْ أَزْوَاجِكُم بَنِينَ وَحَفَدَةً وَرَزَقَكُم مِّنَ الطَّيِّبَاتِ أَفَبِالْبَاطِلِ يُؤْمِنُونَ وَبِنِعْمَتِ اللّهِ هُمْ يَكْفُرُونَ" (سورة النحل:72). بل جعل الله نظام الأسرة، بأن يكون لكل من الرجل والمرأة زوجٌ يأنس به ويأنس إليه، ويشعر معه بالسكن النفسي والمودة والرحمة، آية من آيات الله، قال سبحانه: "وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجاً لِّتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُم مَّوَدَّةً وَرَحْمَةً إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ"(سورة الروم:21). فالحياة الأسرية في الإسلام وعلاقة كل من الزوجين تجاه الآخر، ليست شركة مالية تقوم على المصالح المادية البحتة، بل هي حياة تعاونية يتكامل فيها الزوجان، ويتحمَّلان مسؤولية إمداد المجتمع بنسل يعيش في كنف أسرة تسودها المحبة والمودَّة، ولا يظلم أحد طرفيها الآخر، بل يدفع كل واحد منهما عن شريكه الظلم والأذى، ويحنو عليه. وفلسفة الإسلام الاجتماعية تقوم على أن الزواج بين الرجل والمرأة هو أساس الأسرة، لذا يحث الإسلام عليه، وييسر أسبابه، ويزيل العوائق الاقتصادية من طريقه، بالتربية والتشريع معا، ويرفض التقاليد الزائفة، التي تصعبه وتؤخِّره، من غلاء مهور، ومبالغة في الهدايا والولائم وأحفال الأعراس، وإسراف في التأثيث واللباس والزينة، ومكاثرة يبغضها الله ورسوله في سائر النفقات. ويحث على اختيار الدين والخلق في اختيار كلٍّ من الزوجين: "فاظفر بذات الدين تربت يداك". "إذا أتاكم من ترضون دينه وخلقه فزوِّجوه، إلا تفعلوا تكنْ فتنةٌ في الأرض وفساد عريض". وهو — إذ يُيَسِّر أسباب الحلال — يسدُّ أبواب الحرام، والمثيرات إليه، من الخلاعة والتبرُّج، والكلمة والصورة، والقصة والدراما، وغيرها، ولا سيما في أدوات الإعلام، التي تكاد تدخل كل بيت، وتصل إلى كل عين وأذن. وهو يقيم العلاقة الأسرية بين الزوجين على السكون والمودة والرحمة بينهما، وعلى تبادل الحقوق والواجبات والمعاشرة بالمعروف، "وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ فَإِنْ كَرِهْتُمُوهُنَّ فَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئاً وَيَجْعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَيْراً كَثِيراً"، (البقرة: 19). "وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ وَلِلرِّجَالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ"، (البقرة: 228). ويجيز الطلاق عند تعذُّر الوفاق، كعملية جراحية لا بد منها، بعد إخفاق وسائل الإصلاح والتحكيم، الذي أمر به الإسلام أمراً محكماً صريحاً، وإن أهمله المسلمون تطبيقاً: "وَإِنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنِهِمَا فَابْعَثُوا حَكَماً مِنْ أَهْلِهِ وَحَكَماً مِنْ أَهْلِهَا إِنْ يُرِيدَا إِصْلَاحاً يُوَفِّقِ اللَّهُ بَيْنَهُمَا إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيماً خَبِيراً"، (النساء: 35). * المحرمات تحريما مؤقَّتًا بعد هذا الاستطراد في الرضاع، وما يحرِّم منه وما لا يحرِّم، نعود إلى موضوعنا الأصلي وهو (المحرمات من النساء)، ونفصل القول في المحرمات من النساء تحريما مؤقتا: أ‌ — زوجة الغير ودليلُ ذلك قوله تعالى بعد ذكر المحرمات من النساء: {وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ النِّسَاءِ إِلَّا مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ كِتَابَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ}[النساء:24]، فالمرأة المتزوِّجة ما دامت في عصمة زوجها لا يحل لها الزواج بآخر. ولكي تحل لزوج آخر لا بد من شرطين: أن تزول يد الزوج عنها بموت أو طلاق أو فسخ أو خلع، وأن تستوفي العدة التي أمر الله بها وجعلها وفاء للزوجية السابقة وسياجا لها، وقد فصلنا ذلك في أثناء حديثنا عن الخطبة المحرمة. ب‌ — الجمع بين الأختين، وبين المرأة وعمتها والمرأة وخالتها وقد حرم الإسلام على المسلم، وكان مشروعا في الجاهلية: أن يجمع بين الأختين، فإن الرابطة بين الأختين التي يحرص الإسلام على دوامها، ينافيها أن تكون إحداهما ضَرَّة للأخرى. وقد صرح القرآن بتحريم الجمع بين الأُختين، وأضاف الرسول إلى ذلك قوله: "لا يُجمع بين المرأة وعمَّتِها، ولا بين المرأة وخالتها". كما في الصحيحين وغيرهما. وقال: "إنكم إن فعلتم ذلك قطعتم أرحامكم". والإسلام يؤكِّد صلة الأرحام، فكيف يشرع ما يؤدي لتقطيعها؟! وإذا زال سبب التحريم، وهو الزواج من الأخت أو بنتها أو بنت الأخ أو العمَّة أو الخالة، بموت أو طلاق، فهنا يجوز للرجل أن يتقدم لخطبة أخت مطلقته أو زوجته المتوفاة أو عمتها أو خالتها أو بنت أختها أو بنت أخيها. ج — المشركات غير الكتابيات حتى يؤمن ومن المحرَّمات المؤقَّتات: المشرِكة، وهي التي تعبد الأوثان، كمشركات العرب ومن شابههن من الهندوسيات والبوذيات وغيرهن من ذوات الأديان الوثنية، قال تعالى: {وَلَا تَنْكِحُوا الْمُشْرِكَاتِ حَتَّى يُؤْمِنَّ وَلَأَمَةٌ مُؤْمِنَةٌ خَيْرٌ مِنْ مُشْرِكَةٍ وَلَوْ أَعْجَبَتْكُمْ}[البقرة: 221]، فالزواج منها حرام بنص القرآن الكريم. وقال تعالى: {وَلَا تُمْسِكُوا بِعِصَمِ الْكَوَافِرِ}[الممتحنة:10] وسياق الآية والسورة كلها — سورة الممتحنة — وسبب نزولها يدل على أن المراد بالكوافر: المشركات، أعني: الوثنيات. والحكمة في هذا التحريم ظاهرة، وهي عدم إمكان التلاقي بين الإسلام والوثنية، فعقيدة التوحيد الخالص، تناقض عقيدة الشرك المحض، ثم إن الوثنية ليس لها كتاب سماوي معتبر، ولا نبي معترف به، فهي والإسلام على طرفي نقيض. ولهذا علَّل القرآن النهي عن نكاح المشركات وإنكاح المشركين بقوله: {أُولَئِكَ يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ وَاللَّهُ يَدْعُو إِلَى الْجَنَّةِ وَالْمَغْفِرَةِ بِإِذْنِهِ}[البقرة: 221]، ولا تلاقي بين مَن يدعو إلى النار ومن يدعو إلى الجنة. أَيُّها المنكِحُ الثُرَيّا سُهَيلًا عَمرَكَ اللَهَ كَيفَ يَلتَقِيانِ هي شامية إذا ما استقلَّت وسهيل إذا استقلَّ يمانِ( ) وهذا الحكم — منع الزواج من المشركات الوثنيات — ثابت بالنص، وبالإجماع أيضًا، فقد اتفق علماء الأمة على هذا التحريم، كما ذكر ابن رشد في (بداية المجتهد) وغيره( ). ويلحق بالمشركة الملحدة والمرتدة والبهائية. بطلان الزواج من الملحدة وأعني بالملحدة: التي لا تؤمن بدين، ولا تقر بألوهية، ولا نبوة ولا كتاب ولا آخرة، فهي أولى من المشركة بالتحريم؛ لأن المشركة تؤمن بوجود الله، وإن أشركت معه أندادًا أو آلهة أخرى اتخذتهم شفعاء يقربونها إلى الله زلفى فيما زعموا. وقد حكى القرآن عن المشركين هذا في آيات كثيرة مثل: {وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ}[لقمان:25]. {وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى}[الزمر:3]. فإذا كانت هذه الوثنية المعترفة بالله في الجملة قد حُرِّمَ نكاحها تحريمًا باتًّا، فكيف بإنسانة مادية جاحدة، تنكر كل ما وراء المادة المتحيِّزة، وما بعد الطبيعة المحسوسة، ولا تؤمن بالله ولا باليوم الآخر ولا بالملائكة ولا الكتاب ولا النبيين؟ إن الزواج من هذه حرام بل باطل يقينًا. وأبرز مثل لها: الشيوعية المصرة على شيوعيتها، التي تؤمن بالفلسفة المادية، وتزعم أن الدين أفيون الشعوب، وتفسر ظهور الأديان تفسيرًا ماديًّا على أنها إفراز المجتمع، ومن آثار ما يسوده من أحوال الاقتصاد وعلاقات الإنتاج. وإنما قلت: الشيوعية المصرَّة على شيوعيتها؛ لأن بعض المسلمين والمسلمات قد يعتنق هذا المذهب المادي، دون أن يسبر غوره، ويعرفه على حقيقته، وقد يُخدع به حين يعرضه بعضُ دعاته على أنه إصلاح اقتصادي لا علاقة له بالعقائد والأديان.. إلخ. فمثل هؤلاء يجب أن يزال عنهم اللبس، وتزاح الشبه، وتقام الحجج، ويوضح الطريق، حتى يتبين الفرق بين الإيمان والكفر، والظلمات والنور، فمن أصر بعد ذلك على شيوعيته؛ فهذا كافر مارق ولا كرامة، ويجب أن تجري عليه أحكام الكفار في الحياة وبعد الممات. والحق أن الشيوعية مذهب مادي، لا يعترف إلا بكل ما هو مادي مُحَسٌّ، ويجحد كل ما وراء المادة، فلا يؤمن بالله، ولا يؤمن بالرُّوح، ولا يؤمن بالوحي، ولا يؤمن بالآخرة، ولا يؤمن بأي نوع من أنواع الغيب، وبهذا ينكر الأديان جملة وتفصيلًا، ويعتبرها خرافة من بقايا الجهل والانحطاط والاستغلال، وفي هذا قال مؤسس الشيوعية كارل ماركس كلمته المعروفة: الدين أفيون الشعوب. وأنكر مع الماديين على الذين قالوا: إن الله خلق الكون والإنسان. فقال متهكمًا مع الذين قالوا: إن الله لم يخلق الإنسان، بل العكس هو الصواب، فإن الإنسان هو الذي خلق الله. أي اخترعه بوهمه وخياله. وقال لينين: إن حزبنا الثوري لا يمكن أن يقف موقفًا سلبيًّا من الدين، فالدين خرافة وجهل. وقال ستالين: نحن ملحدون، ونحن نؤمن أن فكرة (الله) خرافة، ونحن نؤمن بأن الإيمان بالدين يعرقل تقدمنا، ونحن لا نريد أن نجعل الدين مسيطرًا علينا؛ لأننا لا نريد أن نكون سكارى. هذا هو رأي الشيوعية وزعمائها في الدين، ولهذا لم يكن غريبًا أن نرى دستور الحزب الشيوعي ودستور الشيوعية الدولية يفرضان على كل عضو في الحركة الشيوعية أن يكون ملحدًا، وأن يقوم بدعاية ضد الدين. ويطرد الحزب من عضويته كل فرد يمارس شعائر الدين، وكذلك تنهي الدولة الشيوعية خدمات كل موظف يتجه هذا الاتجاه. ولو صحَّ جدلًا أن شيوعيًّا أخذ من الشيوعية جانبها الاجتماعي والاقتصادي فقط، دون أساسها الفكري العقائدي — كما خيل للبعض، وهو غير واقع ولا معقول — لكان هذا كافيًا في المروق من الإسلام والارتداد عنه، لأن للإسلام تعاليم محكمة واضحة في تنظيم الحياة الاجتماعية والاقتصادية ينكرها النظام الشيوعي إنكارًا، كالملكية الفردية والميراث والزكاة، وعلاقة الرجل بالمرأة.. إلخ. وهذه الأحكام مما علم بالضرورة أنه من دين الإسلام، وإنكارها كفر بإجماع المسلمين. هذا إلى أن الشيوعية مذهب مترابط، لا يمكن الفصل بين نظامه العملي وأساسه العقائدي والفلسفي بحال. يحرم الزواج بالمرتدة ابتداء ويبطل إذا ارتدت بعد الزواج: مثل الملحدة: المرتدة عن الإسلام والعياذ بالله. ونعني بالمرتدة والمرتد: كل من كفر بعد إيمانه كفرًا مُخرجًا من الملة، سواء أدخل في دين آخر، أم لم يدخل في دين قط، وسواء أكان الدين الذي انتقل إليه كتابيًّا أم كان غير كتابي، فيدخل في معنى المرتدين ترك الإسلام إلى الشيوعية، أو الوجودية، أو المسيحية، أو اليهودية، أو البوذية، أو البهائية، أو غيرها من الأديان والفلسفات. والإسلام لا يُكره أحدًا على الدخول فيه، حتى إنه لا يعتبر إيمان المُكْرَه ولا يقبله، ولكن من دخل فيه بإرادته الحرة لم يجُزْ له الخروج عنه. وللردة أحكام بعضها يتعلق بالآخرة، وبعضها بالدنيا. فممَّا يتعلَّق بالآخرة: أن من مات على الردة فقد حبط كل ما قدَّمه من عمل صالح، واستحقَّ الخلود في النار، قال تعالى: {وَمَنْ يَرْتَدِدْ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ فَأُولَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ}[البقرة:217]. من تزوَّج مرتدة فنكاحه باطل من أحكام الدنيا أن المرتد لا يستحق معونة المجتمع الإسلامي ونصرته بوجه من الوجوه، ولا يجوز أن تقوم حياة زوجية بين مسلم ومرتدة، أو بين مرتد ومسلمة، لا ابتداء ولا بقاءً، فمن تزوَّج مرتدة فنكاحه باطل، وإذا ارتدَّت بعد الزواج فُرِّق بينهما حتمًا، وهذا حكم متفق عليه بين الفقهاء، سواء من قال منهم بقتل المرتد رجلًا كان أو امرأة وهم الجمهور، أم من جعل عقوبة المرأة المرتدة الحبس لا القتل، وهم الحنفية. ومن قال: إن المرتد يحبس ويظل يستتاب ولو طال. ومما ينبغي التنبيه عليه هنا: أن الحكم بالرِّدَّة والكفر على مسلم هو غاية العقوبة. لهذا وجب التحرِّي والاحتياط فيه، ما وُجد إليه سبيل، حملًا لحال المسلم على الصلاح، وتحسينًا للظن به، والأصل هو الإسلام، فلا يخرج منه إلا بأمر قطعي، واليقين لا يزُول بالشك.

8067

| 25 يونيو 2016

منوعات الشرق
لماذا يعزف الشباب الياباني عن الزواج؟

أظهر مسح اجتماعي جديد انخفاض نسبة اليابانيين في العقد الثالث من العمر، الذين يرغبون في الزواج، إذ قال كثيرون إنهم يخشون ألا يرقى دخلهم السنوي إلى متطلبات النساء. وفي ظل تراجع نسبة الشابات الراغبات في الزواج أيضا والندرة النسبية لميلاد أطفال خارج إطار الزواج في اليابان، فإن النسب تشير إلى عقبة محتملة أمام سياسة رئيس الوزراء شينزو آبي الرامية إلى رفع معدل المواليد المتدني في البلاد، حسبما ذكر موقع "روسيا اليوم". وأظهر المسح أن 38.7% فقط من العزاب اليابانيين من أعمار العشرينيات، الذين تم استطلاع آرائهم، قالوا إنهم يريدون الزواج في أسرع وقت ممكن، أو يريدون الزواج في نهاية الأمر، مما يمثل انخفاضا عن نسبتهم قبل 3 سنوات البالغة آنذاك 67.1%. وأشار التقرير، الذي أجرته شركة "ميجي ياسودا" للتأمين على الحياة إلى أن "أكثر من نصف العازبات يرغبن في أن يكسب أزواجهن 4 ملايين ين في العام على الأقل "38 ألف دولار"، في حين يجني 15.2% فقط من العزاب من أعمار العشرينيات 4 ملايين ين أو أكثر. وأضاف: "يبدو أن هذه الفجوة أحد أسباب العزوف عن الزواج تماما أو تأخره". وتريد حكومة آبي رفع معدل المواليد إلى 1.8 بين النساء من 1.4، ولا يزال المعدل المنشود أقل من معدل 2.1 اللازم للحيلولة دون الانكماش السكاني. وأظهر التقرير أيضا أن معدلات الراغبين والراغبات في الزواج بين أعمار الثلاثينيات في اليابان تراجعت أيضا أكثر من عشر نقاط مئوية ووصلت إلى 40.3% و45.7% على الترتيب.

2442

| 22 يونيو 2016

محليات الشرق
القرضاوي: الرضاع المحرِّم ما كان في الصِّغَر

الكتاب: فقه الأسرة وقضايا المرأة المؤلف: د.يوسف القرضاوي الحلقة: السابعة عشر الأسرة أساس المجتمع، وهي اللبنة الأولى من لبناته، التي إن صلحت صلح المجتمع كله، وإن فسدت فسد المجتمع كله، وعلى أساس قوة الأسرة وتماسكها، يقوم تماسك المجتمع وقوته؛ لذا فقد أَولى الإسلام الأسرة رعايته وعنايته. وقد جعل القرآن تكوين الأسر سنة الله في الخلق، قال عز وجل: "وَاللّهُ جَعَلَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجاً وَجَعَلَ لَكُم مِّنْ أَزْوَاجِكُم بَنِينَ وَحَفَدَةً وَرَزَقَكُم مِّنَ الطَّيِّبَاتِ أَفَبِالْبَاطِلِ يُؤْمِنُونَ وَبِنِعْمَتِ اللّهِ هُمْ يَكْفُرُونَ" (سورة النحل:72). بل جعل الله نظام الأسرة، بأن يكون لكل من الرجل والمرأة زوجٌ يأنس به، ويأنس إليه، ويشعر معه بالسكن النفسي والمودة والرحمة، آية من آيات الله، قال سبحانه: "وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجاً لِّتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُم مَّوَدَّةً وَرَحْمَةً إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ"(سورة الروم:21).. فالحياة الأسرية في الإسلام وعلاقة كل من الزوجين تجاه الآخر، ليست شركة مالية تقوم على المصالح المادية البحتة، بل هي حياة تعاونية يتكامل فيها الزوجان، ويتحمَّلان مسؤولية إمداد المجتمع بنسل؛ يعيش في كنف أسرة تسودها المحبة والمودَّة، ولا يظلم أحد طرفيها الآخر، بل يدفع كل واحد منهما عن شريكه الظلم والأذى، ويحنو عليه. وفلسفة الإسلام الاجتماعية تقوم على أن الزواج بين الرجل والمرأة هو أساس الأسرة، لذا يحث الإسلام عليه، وييسر أسبابه، ويزيل العوائق الاقتصادية من طريقه، بالتربية والتشريع معاً، ويرفض التقاليد الزائفة، التي تصعِّبه وتؤخِّره، من غلاء مهور، ومبالغة في الهدايا والولائم واحتفالات الأعراس، وإسراف في التأثيث واللباس والزينة، ومكاثرة يبغضها الله ورسوله في سائر النفقات.. ويحث على اختيار الدين والخلق في اختيار كلٍّ من الزوجين: "فاظفر بذات الدين تربت يداك".. "إذا أتاكم من ترضون دينه وخلقه فزوِّجوه، إلا تفعلوا تكنْ فتنةٌ في الأرض وفساد عريض". والزواج إذ يُيَسِّر أسباب الحلال يسدُّ أبواب الحرام، والمثيرات إليه، من الخلاعة والتبرُّج، والكلمة والصورة، والقصة والدراما، وغيرها، ولا سيما في أدوات الإعلام، التي تكاد تدخل كل بيت، وتصل إلى كل عين وأذن. وهو يقيم العلاقة الأسرية بين الزوجين على السكون والمودة والرحمة بينهما، وعلى تبادل الحقوق والواجبات والمعاشرة بالمعروف، "وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ فَإِنْ كَرِهْتُمُوهُنَّ فَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئاً وَيَجْعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَيْراً كَثِيراً"، (البقرة: 19). "وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ وَلِلرِّجَالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ"، (البقرة: 228). ويجيز الطلاق عند تعذُّر الوفاق، كعملية جراحية لا بد منها، بعد إخفاق وسائل الإصلاح والتحكيم، الذي أمر به الإسلام أمراً محكماً صريحاً، وإن أهمله المسلمون تطبيقاً: "وَإِنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنِهِمَا فَابْعَثُوا حَكَماً مِنْ أَهْلِهِ وَحَكَماً مِنْ أَهْلِهَا إِنْ يُرِيدَا إِصْلَاحاً يُوَفِّقِ اللَّهُ بَيْنَهُمَا إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيماً خَبِيراً"، (النساء: 35). فتوى للشيخ شلتوت: وقد عرض شيخنا العلامة الشيخ محمود شلتوت شيخ الأزهر الأسبق رحمه الله في كتابه (الفتاوى) لمذاهب العلماء في قدر الرضاع الذي يحرِّم الزواج بين الرضيعَيْن، وكثرة اختلافهم في ذلك، تبعًا لاختلاف النظر في الآية مع الأحاديث الواردة في الموضوع، والمتعارضة في ظواهرها، وتحكيم كل فريق ما صحَّ عنده منها. ثم قال: ((ولكن لم نرَ منهم من عرَّج نحوَ دلالةِ كلمة: "وَأُمَّهَاتُكُمُ اللَّاتِي أَرْضَعْنَكُمْ" على قدر الرضاع المحرم، ولا شكَّ أنَّ عنوان (الأمهات) يعطي أن مدة الرضاعة امتدت، حتى شعرت معه المرضعة بمعنى الأمومة للرضيع، ولا شك أن هذا الوقت الذي يتحقَّق به معنى العطف والحُنُوِّ والشوق من المرضعة للرضيع، ليس هو وقت (القطرة)، ولا هو وقت (الثلاث رضعات)، ولا هو وقت الخمس رضعات. وخاصة إذا قدرنا أن الرضاع المحرِّم هو ما يكون في حولَيْن أو أكثر، كما يذهب إليه بعض العلماء. فالخمس رضعات، أو الرضعات المعدودات، لا يمكن أن تُحدِثَ معنى الأمومة عند المرضِعة، متى لوحظ تفرُّقها على الحولين، أو أكثر منهما. وهذه ناحية أعرضها للبحث الذي يستعان فيه برأي الأطباء الواقفين على المدار الذي ينبت فيه اللحم وينشز العظم. ونرجو أن يصل العلماء إلى ما يرفع اختلاف المفتين في هذه المسألة التي كثيرًا ما رأيت بنفسي ما تُحدث عقدًا نفسية بين الزوجين، حين يجدان أن فلانة أرضعتهما. وإذا كان جمهور العلماء يفتون برأي الشافعية ـ نظرًا إلى أنه المتوسط بين الآراء ـ فإن كثيرًا من المفتين يزعجون الأسر الهادئة، بأن قليل الرضاع وكثيره سواء في التحريم. والواقع أن مسألة التحريم بالرضاع على الوجه المذكور به في كتب الفقه، في حاجة إلى التمحيص، لاختيار الأوفق والأيسر، والأبعد عما يثير في نفوس الأسر الزعزعة والاضطراب)). وقفات أمام فتوى الشيخ شلتوت وهنا لا بد لنا أن نقف وقفات أمام فتوى شيخنا رحمه الله: أولًا: لا يزال ما أنكره الشيخ منذ عدد غير قليل من السنين قائمًا، وهو اختلاف المفتين الذين يُسألون في هذه القضية، اختلافًا يدعُ السائلين من جماهير المسلمين في حيرة لا يدرون معها أي مذهب يختارون، ولم تبذل محاولة من الهيئات العلمية المرموقة، أن ترجِّح في ذلك رأيًا؛ يريح الناس من البلبلة والشك والاضطراب. ثانيًا: لا يزال الكثيرون يتبنَّون أشد الآراء في هذه المسألة، ويفتون بأن المصة الواحدة تثبت التحريم إلى الأبد، مدَّعين أن هذا رأي جمهور الأئمة، وأن ثلاثة من الأئمة الأربعة يقولون به، يعنون: أبا حنيفة ومالكًا وأحمد، هذا مع أن ظاهر مذهب أحمد عدم التحريم إلا بالخمس، كما هو مذهب الشافعي، وكمَّا نصت على ذلك كتب الحنابلة. ثالثًا: ذكر الشيخ أنه لم يَرَ من السابقين من عرَّج على دلالة كلمة "وأمهاتكم" على قدر الرضاع المحرِّم، وقد ذكرنا نقل النووي عن الشافعية اعتراضهم على مخالفيهم بدلالة ذكر (الأمومة) في الآية.. وقد عرض العلامة الآلوسي في تفسيره الشهير "روح المعاني" لذكر كلمة "أمهاتكم" في الآية، ونقل عن الحافظ السيوطي؛ أن عنده في سر ذكرها كلامًا كثيرًا، لو شاء لكتب عليه عدة مؤلفات! وأشار ضمن كلامه إلى أنه لو قيل: (واللاتي أرضعنكم) يكفي في التحريم رضعة واحدة، ولكنه قال: "وَأُمَّهَاتُكُمُ اللَّاتِي أَرْضَعْنَكُمْ" ليرتب عليها خمس رضعات واردة.. وذكر الآلوسي خمس ملحوظات من باب الإشارة، مما يقوي الاستئناس بالآية على مذهب التحريم بالخمس. ثم نقل عن الإمام النووي ما سبق أن ذكرناه، وعقب عليه بقوله: "لم يصرح رحمه الله تعالى بأن الآية التي استدلَّ بها المالكية مُشعِرة بالخمس، بل اقتصر على أن الدلالة على الواحدة لا تحصل بها، وأراد أن ما أشرنا إليه من الإشعار القوي إلى التعدد، يأبى حمل الماهية على أقل ما تتحقَّق فيه". على أن الذين تكلَّموا من قريب أو بعيد حول دلالة كلمة "أمهاتكم اللاتي أرضعنكم"، لم ينتهوا بقيد "الأمومة" هنا إلى ما انتهى إليه الشيخ، الذي يفيد كلامه: أنه لا بد من وقت طويل حتى تتكوَّن. وقد يرد على هذا بأن التشريع لا بد أن يضع حدًّا أدنى، كما وضع حدًّا أعلى (الحولين على الصحيح)، فكانت الرضعات الخمس هي الحد الأدنى الذي يتحقق به معنى الأمومة في أقل درجاته، وهذا ما يمكن أن نسميه (نِصَاب الرضاع) كما في نظائره (نصاب الزكاة)، و(نصاب السرقة).. ونحوها. رابعًا: ما طرحه الشيخ رحمه الله للبحث الذي يشترك فيه علماء الشرع مع علماء الطب، كلٌّ فيما يخصه، لبيان قدر الرضاع الذي ينبت اللحم وينشز العظم، كما جاء في بعض الأحاديث. أقول: هذه الدعوة لم تجد صدًى لا عند الفقهاء، ولا عند الأطباء، لا بالقبول والتأييد، ولا بالرد والتفنيد، وذهبت صيحةً في واد، ونفخةً في رماد، كما يقولون.. غير أن في ثبوت هذا الحديث نفسِه كلامًا، من حيث صحَّة سنده، وإنما يستدل به مع مجموعة الأحاديث والآثار الأخرى، الدالة على اعتبار الصغر في التحريم بالرضاع. 3 ـ التضييق في مدة التحريم بالرضاع: إذا كان قيد الأمومة في الآية: "وَأُمَّهَاتُكُمُ اللَّاتِي أَرْضَعْنَكُمْ"، قد أيَّد مذهب من اشترطوا العدد في الرضاع، فإن هذا القيد يقوِّي أيضًا مذهب من يرى أن الرضاع المحرِّم، ما كان في الصغر قبل الحَوْلين، وكان قبل الفطام والاستغناء عن اللبن بالطعام. فإن الأمومة تتكوَّن حقيقة في هذه السنِّ المبكِّرة، التي يعتمد الطفل فيها اعتمادًا كليًّا على مرضِعته ماديًّا وعاطفيًّا. وقد قال تعالى: "وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلَادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يُتِمَّ الرَّضَاعَةَ"[البقرة:233]. فجعل تمامها في الحولين، فدل على أنه لا حكم للرضاع بعدهما، كما قال ابن قدامة. وروى الترمذي عن أم سلمة قالت: قال رسول الله : "لا يحرم من الرضاع إلا ما فتق الأمعاء، في الثدي، وكان قبل الفطام". ومعنى في الثدي: أي في زمن الثدي، وهو تعبير معروف عند العرب. ومعنى (فتق الأمعاء): وسَّعها لاغتذاء الصبي به، وقت احتياجه إليه.. وفي سنن الدارقطني عن ابن عباس، قال: قال رسول الله : "لا رضاع إلا ما كان في الحَوْلَين". وروى البيهقي بسنده: أن رجلًا كان معه امرأته وهو في سفر، فولدت، فجعل الصبيُّ لا يمص، فأخذ زوجها يمص لبنها ويمُجَّه، حتى وجد طعم لبنها في حلقه، فأتى أبا موسى (الأشعري) فذكر ذلك له، فقال: حرُمتْ عليك امرأتُك، فأتى ابن مسعود، فقال (أي لأبي موسى): أنت الذي تفتي هذا بكذا وكذا؟! وقد قال رسول الله : "لا رضاع إلا ما شدَّ العظمَ وأنبت اللحم"؟. وفي رواية أن ابن مسعود قال لأبي موسى: أرضيع هذا؟! وأن أبا موسى قال: لا تسألوني ما دام هذا الحَبْر فيكم. الرضاع المحرِّم ما كان في الصِّغَر عن جابر مرفوعاً: "لا رضاع بعد فِصال". وقد قال القرآن الكريم: "وَفِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ"[لقمان:14]. وعن عائشة قالت: دخل عليَّ رسول الله وعندي رجل، فقال: من هذا؟ قلتُ: أخي في الرضاعة. قال: "يا عائشة، انظرن مَن إخوانكن، فإنما الرضاعة من المجاعة". وفي قوله: "انظرن مَن إخوانكن". أمرٌ بالتأمُّل فيما وقع من الرضاع؛ هل هو رضاع صحيح مستجمِع للشروط المعتبرة أو لا؟ وقوله: "فإنما الرضاعة من المجاعة". تعليل للباعث على إمعان النظر والتفكر، بأن الرضاعة التي تثبت بها الحرمة، هي حيث يكون الرضيع طفلًا، يسد اللبن جوعته، وأما من كان يأكل ويشرب، فرضاعه لا من مجاعة؛ لأن في الطعام والشراب ما يسد جوعته. ومثل هذا حديث: "لا رضاع إلا ما شد العظم وأنبت اللحم". فإن هذا إنما يكون لمن كان غذاؤه اللبن. وعن ابن عمر: أن امرأة من الأنصار عمدت إلى جارية لزوجها، فأرضعتها (أي بدافع الغَيْرة)، فلما جاء زوجُها، قالت: إن جاريتَك هذه قد صارت ابنتَك! فانطلق الرجل إلى عمر، فذكر ذلك له، فقال له عمر: عزمتُ عليك لَمَا رجعتَ فأصبتَ جاريتكَ، وأوجعتَ ظهر امراتك؛ فإنما الرضاعة رضاعة الصغير. وهذا هو قول ابنه عبدالله بن عمر: لا يحرم من الرضاع إلا ما كان في الصِّغَر.. فهو إذن قول عمر وابنه وابن مسعود وأبي موسى وابن عباس. قال البيهقي: ورُوِّينا هذا التحديد بالحَوْلَين، عن التابعين عن سعيد بن المسيب وعروة بن الزبير والشعبي. وهو قول جمهور الفقهاء: إن الرضاع المحرِّم ما كان في الصِّغَر. وهذا هو المعروف من شأن الرضاعة والرضيع، ولم يستطعْ المخالفون أن يردُّوا هذه الدلائل إلا بالتعسُّف في التأويل.

4520

| 21 يونيو 2016

محليات الشرق
القرضاوي: تأخير زواج البنت بلا مبرر شرعي نهى عنه القرآن

الكتاب: فقه الأسرة وقضايا المرأة المؤلف: د. يوسف القرضاوي الحلقة: الرابعة عشر الأسرة أساس المجتمع، وهي اللبنة الأولى من لبناته، التي إن صلحت صلح المجتمع كله، وإن فسدت فسد المجتمع كله، وعلى أساس قوة الأسرة وتماسكها، يقوم تماسك المجتمع وقوته؛ لذا فقد أولى الإسلام الأسرة رعايته وعنايته. وقد جعل القرآن تكوين الأسر هو سنة الله في الخلق، قال عز وجل: "وَاللّهُ جَعَلَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجاً وَجَعَلَ لَكُم مِّنْ أَزْوَاجِكُم بَنِينَ وَحَفَدَةً وَرَزَقَكُم مِّنَ الطَّيِّبَاتِ أَفَبِالْبَاطِلِ يُؤْمِنُونَ وَبِنِعْمَتِ اللّهِ هُمْ يَكْفُرُونَ" (سورة النحل:72). بل جعل الله نظام الأسرة، بأن يكون لكل من الرجل والمرأة زوجٌ يأنس به، ويأنس إليه، ويشعر معه بالسكن النفسي والمودة والرحمة، آية من آيات الله، قال سبحانه: "وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجاً لِّتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُم مَّوَدَّةً وَرَحْمَةً إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ"(سورة الروم:21).. فالحياة الأسرية في الإسلام وعلاقة كل من الزوجين تجاه الآخر، ليست شركة مالية تقوم على المصالح المادية البحتة، بل هي حياة تعاونية يتكامل فيها الزوجان، ويتحمَّلان مسؤولية إمداد المجتمع بنسل يعيش في كنف أسرة تسودها المحبة والمودَّة، ولا يظلم أحد طرفيها الآخر، بل يدفع كل واحد منهما عن شريكه الظلم والأذى، ويحنو عليه. وفلسفة الإسلام الاجتماعية تقوم على أن الزواج بين الرجل والمرأة هو أساس الأسرة، لذا يحث الإسلام عليه، وييسر أسبابه، ويزيل العوائق الاقتصادية من طريقه، بالتربية والتشريع معاً، ويرفض التقاليد الزائفة، التي تصعِّبه وتؤخِّره، من غلاء مهور، ومبالغة في الهدايا والولائم واحتفالات الأعراس، وإسراف في التأثيث واللباس والزينة، ومكاثرة يبغضها الله ورسوله في سائر النفقات.. ويحث على اختيار الدين والخلق في اختيار كلٍّ من الزوجين: "فاظفر بذات الدين تربت يداك".. "إذا أتاكم من ترضون دينه وخلقه فزوِّجوه، إلا تفعلوا تكنْ فتنةٌ في الأرض وفساد عريض". والزواج إذ يُيَسِّر أسباب الحلال يسدُّ أبواب الحرام، والمثيرات إليه، من الخلاعة والتبرُّج، والكلمة والصورة، والقصة والدراما، وغيرها، ولا سيما في أدوات الإعلام، التي تكاد تدخل كل بيت، وتصل إلى كل عين وأذن. وهو يقيم العلاقة الأسرية بين الزوجين على السكون والمودة والرحمة بينهما، وعلى تبادل الحقوق والواجبات والمعاشرة بالمعروف، "وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ فَإِنْ كَرِهْتُمُوهُنَّ فَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئاً وَيَجْعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَيْراً كَثِيراً"، (البقرة: 19). "وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ وَلِلرِّجَالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ"، (البقرة: 228). ويجيز الطلاق عند تعذُّر الوفاق، كعملية جراحية لا بد منها، بعد إخفاق وسائل الإصلاح والتحكيم، الذي أمر به الإسلام أمراً محكماً صريحاً، وإن أهمله المسلمون تطبيقاً: "وَإِنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنِهِمَا فَابْعَثُوا حَكَماً مِنْ أَهْلِهِ وَحَكَماً مِنْ أَهْلِهَا إِنْ يُرِيدَا إِصْلَاحاً يُوَفِّقِ اللَّهُ بَيْنَهُمَا إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيماً خَبِيراً"، (النساء: 35). وكالة المرأة في عقد النكاح: يرى جمهور الفقهاء أن المرأة بكرًا كانت أو ثيبًا لا يجوز لها أن تباشر عقد النكاح لنفسها، أو نيابة عمن هو في ولايتها، أو وكالة عن غيرها، وأجاز الأحناف أن تباشر المرأة عقد نكاح نفسها أو وكالة عن غيرها، قال القدوري: ((قال أصحابنا: يجوز للمرأة أن تعقد النكاح لنفسها، وتكون وكيلة للرجل فتعقد له وللولي. فتزوج وليته، وتزوج أمتها)). ومستندهم في ذلك أن الله أسند النكاح للمرأة في غير آية منها قوله تعالى: {فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلَا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ * فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا أَنْ يَتَرَاجَعَا}[البقرة:230، 231]. فأضاف النكاح إليها، والمراد بالتراجع: العقد ابتداء. ولأنه عقد، فجاز أن تكون المرأة وكيلة فيه كالبيع، ولأن من جاز أن يكون وكيلا في البيع جاز أن يكون وكيلا في النكاح كالرجل، ولأنه عقد بعوض فجاز أن تعقده المرأة كالبيع. والذي أراه: أن المرأة إنسان مكتمل الإنسانية كالرجل، وهي تباشر العقود كما يباشرها الرجال، بيعًا وشراءً وإجارةً وقرضًا ووكالة وشركة ونكاحًا، ويجري عليها في هذه العقود ما يجري على الرجال، فهي مسؤولة مكلَّفة، تؤدي الفرائض، وتجتنب المحرمات، فلهذا لا أرى مانعًا أن تلتزم المرأة بما يلتزم به أخوها الرجل، ما دامت بالغة عاقلة حاملة للمسؤولية مثله، وقد قال تعالى: {وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ}[البقرة:228]. لكن إن باشرت عقد نكاح نفسها فيكون ذلك بإذن الولي وعلمه. نصائح عامة بشأن موضوع الزواج 1 — ثلاثية الرضا لإتمام الزواج الزواج كما شرعه الإسلام عقد يجب أن يتم بتراضي الأطراف المعنيَّة كلها، لا بد أن ترضى به الفتاة، ولا بد أن يرضى به وليها، وينبغي أن تستشار أمها، كما وجه إلى ذلك رسول الله حين قال: "آمروا النساء في بناتهن". وقد أمر الإسلام أن يؤخذ رأي الفتاة، وألَّا تجبر على الزواج بمن تكره، ولو كانت بكرًا، فالبكر تستأذن، وإذنها صمتها وسكوتها، ما دام ذلك دلالة على رضاها — كما بينا — فلا بد أن تستشار الفتاة، وأن ترضى، وأن يعرف رأيها صراحة أو دلالة. ولا بد أن يرضى الولي وأن يأذن في الزواج، وليست المرأة المسلمة الشريفة هي التي تزوج نفسها بدون إذن أهلها. فإن كثيرًا من الشبان يختطفون الفتيات، ويضحكون على عقولهن، فلو تُركت الفتاة الغِرَّة لنفسها، ولطيبة قلبها، ولعقلها الصغير، لأمكن أن تقع في شراك هؤلاء، وأن يخدعها الخادعون، من ذئاب الأعراض ولصوص الفتيات، لهذا حماها الشرع، وجعل لأبيها أو لوليها — أيًّا كان — حقًّا في تزويجها، ورأيًا في ذلك، واعتبر إذنه، واعتبر رضاه، كما هو مذهب جمهور الأئمة. ثم إن النبي زاد على ذلك، فخاطب الآباء والأولياء فقال: "آمروا النساء في بناتهن". ومعنى: "آمروا النساء في بناتهن". أي خذوا رأي الأمهات؛ لأن المرأة أنثى تعرف من شؤون النساء والبنات ما لا يعرفه الرجال، وتهتم منها بما لا يهتم به الرجال عادة. ثم إنها أم تعرف من أمور ابنتها، ومن خصالها، ومن رغباتها، ما لا يعرفه الأب، فلا بد أن يُعرف رأي الأم أيضًا. فإذا اتفقت هذه الأطراف كلها: من الأب، ومن الأم، ومن الفتاة — ومن الزوج بالطبع — فلا بد وفق السنن أن يكون الزواج موفَّقًا سعيدًا، محقِّقًا لأركان الزوجية التي أرادها القرآن من السكن ومن المودة، ومن الرحمة، وهي آية من آيات الله: {وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ}[الروم:21]. 2 — حرمة تأخير زواج البنت بلا مبرر شرعى والفقه الإسلامي وإن اشترط جمهوره رضا الولي خاصة في زواج البكر، فإنه مع ذلك قد أمر بالمسارعة بتزويج البنات، وجاء في ذلك عن النبي : "ثلاث لا تؤخِّرها: الصلاة إذا أتت، والجنازة إذا حضرت، والأيِّم إذا وجدت لها كفئًا". وقال: "إذا أتاكم من ترضون دينه وخلقه فزوِّجوه، إلا تفعلوه تكن فتنة في الأرض وفساد كبير". فلا يحل للأب أن يؤخِّر زواج ابنته، إذا خطبها كُفء ذو دِين وخلق. وتأخير زواج البنت بلا مبرر شرعي يُعَدُّ نوعًا من العضل الذى نهى القرآن عنه. فإذا حضر الكفء فلا ينبغي للأب أن يعوق الزواج، من أجل أنه يريد أن يقبض شيئًا أكثر، كأنها سلعة يساوم عليها، هذا هو المفروض من الآباء المسلمين، ألا يعوقوا الزواج بهذه المهور، وبهذه المغالاة فيها، فإن هذا هو أكبر عقبة في سبيل الزواج، وكلما عقدنا في سبيل الزواج، وأكثرنا من المعوقات والعقبات، يسرنا بذلك سبل الحرام، وسهلنا انتشار الفساد، وأغوينا الشباب بأن يسيروا مع الشيطان، وأن يتركوا طريق العِفَّة، وطريق الإحصان، وطريق الحلال. ما حيلة الشاب الذي يذهب ليتزوج؛ فيجد هذه الطلبات المعوِّقة أمامه؟ ماذا يصنع؟! إنه سيُعرض عن الزواج، ويبحث عن أمور أخرى، ويترتب على ذلك كساد البنات، وفساد الرجال، وفساد المجتمعات. هذه هي النتيجة الحتمية للمغالاة في المهور، وكم جاءتنى من رسائل، وكم سألني من سائل وسائلة، وكم من شاب شكا لي، ومن فتاة شكت لي ولغيري، من هذا المعوِّق الذي وضعه الناس بأيديهم، وحفروه أمام بناتهم، وأمام أبنائهم، وأمام أنفسهم، لييسروا طريق الحرام ويعوقوا طريق الحلال. المحرمات من النساء هناك عدة أصناف من النساء يحرم على المسلم الزواج بواحدة منهن، بعضها حرمته مؤقتة، وبعضها حرمته دائمة وهن المحارم. وقد فصل القرآن هذه الأصناف في سورة النساء فقال: {وَلَا تَنْكِحُوا مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ مِنَ النِّسَاءِ إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَمَقْتًا وَسَاءَ سَبِيلًا (22) حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ وَبَنَاتُكُمْ وَأَخَوَاتُكُمْ وَعَمَّاتُكُمْ وَخَالَاتُكُمْ وَبَنَاتُ الْأَخِ وَبَنَاتُ الْأُخْتِ وَأُمَّهَاتُكُمُ اللَّاتِي أَرْضَعْنَكُمْ وَأَخَوَاتُكُمْ مِنَ الرَّضَاعَةِ وَأُمَّهَاتُ نِسَائِكُمْ وَرَبَائِبُكُمُ اللَّاتِي فِي حُجُورِكُمْ مِنْ نِسَائِكُمُ اللَّاتِي دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَإِنْ لَمْ تَكُونُوا دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ وَحَلَائِلُ أَبْنَائِكُمُ الَّذِينَ مِنْ أَصْلَابِكُمْ وَأَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا * وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ النِّسَاءِ إِلَّا مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ كِتَابَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ أَنْ تَبْتَغُوا بِأَمْوَالِكُمْ مُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسَافِحِينَ}[النساء:22 — 24]. وذكرت سورة البقرة صنفا آخر وهو المشركات، حيث قال تعالى: {وَلَا تَنْكِحُوا الْمُشْرِكَاتِ حَتَّى يُؤْمِنَّ وَلَأَمَةٌ مُؤْمِنَةٌ خَيْرٌ مِنْ مُشْرِكَةٍ وَلَوْ أَعْجَبَتْكُمْ وَلَا تُنْكِحُوا الْمُشْرِكِينَ حَتَّى يُؤْمِنُوا وَلَعَبْدٌ مُؤْمِنٌ خَيْرٌ مِنْ مُشْرِكٍ وَلَوْ أَعْجَبَكُمْ أُولَئِكَ يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ وَاللَّهُ يَدْعُو إِلَى الْجَنَّةِ وَالْمَغْفِرَةِ بِإِذْنِهِ وَيُبَيِّنُ آيَاتِهِ لِلنَّاسِ لَعَلّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ}[البقرة:221]، فبين حرمة زواج المسلم من المشركة حتى تؤمن بالله تعالى ربا. ثم ذكر القرآن قوله تعالى: {وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ وَطَعَامُكُمْ حِلٌّ لَهُمْ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الْمُؤْمِنَاتِ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ إِذَا آتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ مُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسَافِحِينَ وَلَا مُتَّخِذِي أَخْدَانٍ}[المائدة:5]، فبيَّن حكم الكتابيات في الآية، وأباح للمسلم أن يتزوج الكتابية المحصنة — أي العفيفة — زواجا شرعيًّا، وسكت عن حكم تحريم المسلمة على الكتابي، فبقي تحريم زواج المسلمة بغير المسلم عامًّا، سواء أكان كتابيا أم غير كتابي، وأكد ذلك قوله تعالى: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا جَاءَكُمُ الْمُؤْمِنَاتُ مُهَاجِرَاتٍ فَامْتَحِنُوهُنَّ اللَّهُ أَعْلَمُ بِإِيمَانِهِنَّ فَإِنْ عَلِمْتُمُوهُنَّ مُؤْمِنَاتٍ فَلَا تَرْجِعُوهُنَّ إِلَى الْكُفَّارِ لَا هُنَّ حِلٌّ لَهُمْ وَلَا هُمْ يَحِلُّونَ لَهُنَّ}[الممتحنة:10]. وحرم القرآن أيضًا أن يتزوج مطلقته إذا طلقها ثلاثًا حتى تنكح زوجًا غيره، فقال بعد أن بيَّن أن الطلاق مرتان: {فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلَا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا}[البقرة:230]. وحرم القرآن أيضًا على الرجل أن يتزوَّج فوق أربع نسوة، فقال تعالى: {وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَى فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا فَوَاحِدَةً أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ ذَلِكَ أَدْنَى أَلَّا تَعُولُوا}[النساء:3]. وزادت السنة الجمع بين المرأة وعمتها وبين المرأة وخالتها، والتفريق بين الملاعِن وملاعنَته.

12348

| 18 يونيو 2016

تقارير وحوارات الشرق
صناديق لدعم المطلقات.. وقوانين لحمايتهن

المجتمع الشرقي وضعها في سياج من نار.. البوعينين: إنشاء صناديق لدعم المطلقات خطوة للحماية من عثرات الزمن د. اليافعي: المجتمع بحاجة إلى قوانين تحمي حقوق المطلقات هل تستوجب المرأة المطلقة هذه النظرة القاصرة والقاسية من قبل مجتمعاتنا الشرقية؟ وهل باتت المرأة المطلقة كابوساً يقض مضجع النساء المتزوجات؟ وهل يحق للمجتمع أن يضعها في سياج من نار فقط لأنها مطلقة؟ أم إنَّ هناك أبحاثا موثقة تؤكد أنَّ كل مطلقة هي سيئة السلوك والطباع ولولا تلك السلوكيات لما طَلقها زوجها؟، على اعتبار أنَّ المرأة لا تقدم على الطلاق من منطلق "ظل راجل ولا ظل حيطة"!، ولا يقف الأمر عند هذا الحد بل تواجه المطلقة في مجتمعنا الشرقي ضغوطا من أسرتها التي تضعها تحت المجهر إما لمراقبة سلوكياتها على اعتبارها صاحبة تجربة سابقة، أو تعتبرها عبئا وهما لاسيما إن كانت مطلقة مع أطفال ولا مصدر دخل لها لإعالة نفسها وأطفالها. وزارة التخطيط التنموي والإحصاء ذكرت في بيان لها أنها سجلت 1540 حالة طلاق بين القطريين وغير القطريين في عام 2014، و1660 حالة طلاق بين القطريين للستة أشهر الأولى من العام 2015، فيما سجلت 2981 حالة زواج بين القطريين وغير القطريين في 2014، و4265 حالة زواج بين القطريين وغير القطريين سجلت للعام 2015 للستة أشهر الأولى. تأهيل المطلقات وللحديث عن صورة المرأة المطلقة تحدثت "الشرق" مع الداعية الشيخ أحمد البوعينين -الأمين العام للاتحاد العالمي للدعاة- الذي حمل المرأة المطلقة أسباب النظرة القاصرة التي ينظر بها المجتمع لها، لاسيما وأنَّ المرأة المطلقة من وجهة نظره يجب عليها المحافظة على نفسها أكثر من البكر، أو المرأة المتزوجة، للأسباب التي يدركها الجميع في أنَّ المطلقة بنظر البعض صيد سهل، مستشهدا بقول الله -تعالى- "فَلا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ وَقُلْنَ قَوْلا مَعْرُوفًا"، مؤكدا أنَّ المطلقة مطمع أكثر من غيرها، وأنَّ معدومي الضمير من الرجال قادرون على إسقاطها في منزلق الرذيلة على اعتبارها "مطلقة" مستغلين في بعض الأحيان حاجتها للعاطفة التي فقدتها بسبب الطلاق، وأشار البوعينين إلى أن الخضوع في القول لا تستثنى منه المرأة المتزوجة أو البكر، إلا أنَّ المطلقة قد تكون عرضة له أكثر من غيرها بسبب الحالة النفسية التي قد تمر بها، وعدم توازنها إلى أن تعتاد على وضعها الجديد. وعرج الشيخ أحمد البوعينين في حديثه على أنَّ بعض الرجال قد يكونون ذئاباً، ولكن أيضا المطلقة هي من يقع على عاتقها المسؤولية، فعليها أن تضع حدودا بينها وبين الرجل الأجنبي، فهي المسؤولة عن تمتين وتقوية أسوارها، والتسلُّح بالإيمان للحفاظ على نفسها من وحل الخطيئة. وطالب البوعينين بضرورة إنشاء صناديق تخدم الفئات الأقل حظاً كالمطلقات والأرامل بصورة دائمة، ليس لمدهن بالمال بل لتأهيلهن وتدريبهن ليقفن على أقدامهن ويُعِلن أسرهن، لاسيما السيدات غير العاملات وغير الحاصلات على تعليم يؤهلهن للعمل بوظائف عليا، مستشهدا بتجربة "راف" وحملتها التي طرحت منذ قرابة العام واستهدفت المطلقات والأرامل وقامت بتأهيل وتدريب قرابة الخمسين سيدة، متطلعا إلى أن تتكرر التجربة وتكون صناديق دائمة، أو اعتماد الوقف لتمويل مشاريع صغيرة للفئات الأقل حظا ومن بينها فئة المطلقات والأرامل على غرار ما كان معمولا به في عصر النبوة. نظرة قاصرة وكان للجانب الاجتماعي رأي آخر حيث رفض الدكتور عبد الناصر اليافعي-أستاذ مشارك في الخدمة الاجتماعية ورئيس قسم العلوم الاجتماعية بجامعة قطر-تعميم فكرة النظرة القاصرة التي ينظر بها المجتمع الشرقي للمطلقة، مؤكدا أنه لا يوجد سند علمي يؤكد أنَّ المطلقة أقل من غيرها من النساء، إلا أنَّ العادات والتقاليد والأعراف هي من غذت هذه الأفكار في مجتمعنا الشرقي، المعتمد على إطلاق أحكام جزافية بعيدة كل البعد عن التحليل والدراسة العلمية، مشددا على أنَّ المطلقة لم ترتكب إثما بطلاقها بل عادة ما تكون امرأة متميزة في مجال عملها، بل وقادرة على إثبات نفسها أكثر من غيرها. ولفت الدكتور اليافعي في حديثه لـ "الشرق" إلى أننا لا نستطيع إنكار النظرة القاسية والقاصرة التي ينظر بها المجتمع للمطلقة، حتى وإن كانت ضحية زوج تستحيل معه الحياة، وبالرغم من الظروف التي قد تمر بها المطلقة والحالة النفسية التي تعتريها بسبب الطلاق، أيضا تكون تحت المجهر ومراقبة من أسرتها، مبررين هذا بأنها باتت مطمعاً، لذا عادة ما يستوجب عليها أن تكون حذرة في تعاملاتها، وسلوكياتها لاسيما إن كانت امرأة عاملة، وهذه كلها إسقاطات توارثتها الأجيال تحت مسمى "الصورة النمطية" للمطلقة بعيدا عن إثباتات علمية. وطالب الدكتور اليافعي قبل أن تنشأ صناديق لدعم المطلقات، الأَولى أن تطرح حملات لرفع وعي المجتمع، وتغيير الصورة القاسية في عقول الأغلب عن المطلقة، والعمل على تبرئة ساحتها التي تشكلت بسبب عادات وتقاليد تسهم في إزهاق روحها، مؤكدا أهمية رفع وعي وثقافة المطلقات وأن يتم إرشادهن حتى يستطعن أن يتكيفن مع وضعهن الجديد. وشدد الدكتور اليافعي على أنَّه لا توجد دراسات تؤكد أن نسب المطلقات المنزلقات بالخطيئة أكثر من غيرهن، على العكس قد يكن أكثر حرصا ودراية بسبب التجربة التي خضنها في زواجهن الأول، وحتى وإن انساق بعض المطلقات للكلام "المعسول" فهذا ليس لأنهن مطلقات بل لأنهن من جنس حواء فقط، مؤكدا أهمية صياغة قوانين تحمي المطلقات.

2046

| 17 يونيو 2016

محليات الشرق
القرضاوي: القرآن واضح في إمكان زواج الصغيرة

الكتاب: فقه الأسرة وقضايا المرأة المؤلف: د. يوسف القرضاوي الحلقة: الثانية عشرة الأسرة أساس المجتمع، وهي اللبنة الأولى من لبناته، التي إن صلحت صلح المجتمع كله، وإن فسدت فسد المجتمع كله، وعلى أساس قوة الأسرة وتماسكها، يقوم تماسك المجتمع وقوته؛ لذا فقد أولى الإسلام الأسرة رعايته وعنايته. وقد جعل القرآن تكوين الأسر هو سنة الله في الخلق، قال عز وجل: "وَاللّهُ جَعَلَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجاً وَجَعَلَ لَكُم مِّنْ أَزْوَاجِكُم بَنِينَ وَحَفَدَةً وَرَزَقَكُم مِّنَ الطَّيِّبَاتِ أَفَبِالْبَاطِلِ يُؤْمِنُونَ وَبِنِعْمَتِ اللّهِ هُمْ يَكْفُرُونَ" (سورة النحل:72). بل جعل الله نظام الأسرة، بأن يكون لكل من الرجل والمرأة زوجٌ يأنس به ويأنس إليه، ويشعر معه بالسكن النفسي والمودة والرحمة، آية من آيات الله، قال سبحانه: "وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجاً لِّتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُم مَّوَدَّةً وَرَحْمَةً إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ"(سورة الروم:21). فالحياة الأسرية في الإسلام وعلاقة كل من الزوجين تجاه الآخر، ليست شركة مالية تقوم على المصالح المادية البحتة، بل هي حياة تعاونية يتكامل فيها الزوجان، ويتحمَّلان مسؤولية إمداد المجتمع بنسل يعيش في كنف أسرة تسودها المحبة والمودَّة، ولا يظلم أحد طرفيها الآخر، بل يدفع كل واحد منهما عن شريكه الظلم والأذى، ويحنو عليه. وفلسفة الإسلام الاجتماعية تقوم على أن الزواج بين الرجل والمرأة هو أساس الأسرة، لذا يحث الإسلام عليه، وييسر أسبابه، ويزيل العوائق الاقتصادية من طريقه، بالتربية والتشريع معا، ويرفض التقاليد الزائفة، التي تصعبه وتؤخِّره، من غلاء مهور، ومبالغة في الهدايا والولائم وأحفال الأعراس، وإسراف في التأثيث واللباس والزينة، ومكاثرة يبغضها الله ورسوله في سائر النفقات. ويحث على اختيار الدين والخلق في اختيار كلٍّ من الزوجين: "فاظفر بذات الدين تربت يداك". "إذا أتاكم من ترضون دينه وخلقه فزوِّجوه، إلا تفعلوا تكنْ فتنةٌ في الأرض وفساد عريض". وهو — إذ يُيَسِّر أسباب الحلال — يسدُّ أبواب الحرام، والمثيرات إليه، من الخلاعة والتبرُّج، والكلمة والصورة، والقصة والدراما، وغيرها، ولا سيما في أدوات الإعلام، التي تكاد تدخل كل بيت، وتصل إلى كل عين وأذن. وهو يقيم العلاقة الأسرية بين الزوجين على السكون والمودة والرحمة بينهما، وعلى تبادل الحقوق والواجبات والمعاشرة بالمعروف، "وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ فَإِنْ كَرِهْتُمُوهُنَّ فَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئاً وَيَجْعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَيْراً كَثِيراً"، (البقرة: 19). "وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ وَلِلرِّجَالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ"، (البقرة: 228). ويجيز الطلاق عند تعذُّر الوفاق، كعملية جراحية لا بد منها، بعد إخفاق وسائل الإصلاح والتحكيم، الذي أمر به الإسلام أمراً محكماً صريحاً، وإن أهمله المسلمون تطبيقاً: "وَإِنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنِهِمَا فَابْعَثُوا حَكَماً مِنْ أَهْلِهِ وَحَكَماً مِنْ أَهْلِهَا إِنْ يُرِيدَا إِصْلَاحاً يُوَفِّقِ اللَّهُ بَيْنَهُمَا إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيماً خَبِيراً"، (النساء: 35). من له ولاية الإجبار اتفق من قال بتزويج الصغير والصغيرة، على أن للأب أن يزوج ابنه وابنته الصغيرين، واختلفوا في الولي غير الأب، قال النووي: ((أجمع المسلمون على جواز تزويجه بنته البكر الصغيرة لهذا الحديث() [يعني حديث عائشة الذي ذكرناه]، وإذا بلغت فلا خيار لها في فسخه عند مالك والشافعي وسائر فقهاء الحجاز، وقال أهل العراق: لها الخيار إذا بلغت. أما غير الأب والجد من الأولياء، فلا يجوز أن يزوِّجها عند الشافعي والثوري ومالك وابن أبي ليلى وأحمد وأبي ثور وأبي عبيد والجمهور، قالوا: فإن زوجها لم يصح. وقال الأوزاعي وأبو حنيفة وآخرون من السلف: يجوز لجميع الأولياء ويصح، ولها الخيار إذا بلغت، إلا أبا يوسف فقال: لا خيار لها. واتفق الجماهير على أن الوصي الأجنبي لا يزوِّجها، وجوَّز شريح وعروة وحماد له تزويجها قبل البلوغ، وحكاه الخطابي عن مالك أيضًا، والله أعلم. واعلم أن الشافعي وأصحابه قالوا: يستحب ألَّا يزوج الأب والجد البكر حتى تبلغ ويستأذنها، لئلا يوقِّعها في أسر الزوج وهي كارهة، وهذا الذي قالوه لا يخالف حديث عائشة؛ لأن مرادهم أنه لا يزوجها قبل البلوغ إذا لم تكن مصلحة ظاهرة يُخاف فوتها بالتأخير كحديث عائشة، فيستحب تحصيل ذلك الزوج؛ لأن الأب مأمور بمصلحة ولده فلا يفوتها، والله أعلم. وأما وقت زفاف الصغيرة المزوَّجة والدخول بها، فإن اتفق الزوج والولي على شيء لا ضرر فيه على الصغيرة عُمِل به، وإن اختلفا فقال أحمد وأبو عبيد: تجبر على ذلك بنت تسع سنين دون غيرها. وقال مالك والشافعي وأبو حنيفة: حد ذلك أن تطيق الجماع ويختلف ذلك باختلافهن ولا يضبط بسن، وهذا هو الصحيح. وليس في حديث عائشة تحديد، ولا المنع من ذلك فيمن أطاقته قبل تسع، ولا الإذن فيمن لم تُطِقْه، وقد بلغت تسعًا، قال الداودي: وكانت عائشة قد شبَّتْ شبابًا حسنًا رضى الله عنها)). ونلاحظ من هذا النص عدة أمور ينبغي الإشارة إليها: 1 — أن جمهور الفقهاء قيدوا تزويج الصغيرة، ولم يجعلوه إلا للأب، وجعل الشافعي الجد كالأب، ومن وسَّعه وهو أبو حنيفة والأوزاعي فجعلوا لها الخيار وقت البلوغ. 2 — أنهم نظروا إلى مصلحة الصغيرة واعتبروها، وإلى كمال الشفقة في الولي. 3 — انهم وإن أباحوا زواج الصغيرة فقيَّدوا تسليمها لزوجها بالإطاقة البدنية. والذي أراه أن الإسلام إنما شرع للناس ما يصلحهم في دينهم ودنياهم، وفي حاضرهم ومستقبلهم، وهو يضع لكلٍّ ظروفه وشروطه التي لا بد منها. وهو يعرف أن النكاح — بمعنى الزواج — لا يصلح قبل البلوغ، كما قال تعالى: {وَابْتَلُوا الْيَتَامَى حَتَّى إِذَا بَلَغُوا النِّكَاحَ..}[النساء:6]. وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "رفع القلم عن ثلاثة: عن الصبي حتى يحتلم.. ". ومن عادات الناس المتعارف عليها عندهم: ألا يزوِّجوا أبناءهم وبناتهم حتى يبلغوا. ومع هذا قد تحدث حالات خاصة في بعض المجتمعات يحسن فيها تزويج بعض الصغيرات لبعض الناس، ولا يرى أحد في ذلك حرجا ولا غضاضة، كما في تزويج عائشة من رسول الله وهي صغيرة بنت ست أو سبع، والدخول عليها وهي بنت تسع، وأبواها راضيان كل الرضا، والبنت راضية وفرحة، والمجتمع كله راض وسعيد وفرح، فما كان مثل هذا النوع أو قريبًا منه يجوز لظاهر ما ذكره القرآن من زواج الصغيرة في قوله تعالى في عدة المطلقات: {وَاللَّائِي لَمْ يَحِضْنَ}[البقرة:4]. وما عدا ذلكٍ فالأصل هو المنع، وخصوصًا في عصرنا الذي اضطربت فيه المعايير.هل للحاكم أو للمجتمع تحديد سن الزواج؟ زواج الصغيرة القرآن واضح في إمكان زواج الصغيرة، قال تعالى: {وَاللَّائِي يَئِسْنَ مِنَ الْمَحِيضِ مِن نِّسَائِكُمْ إِنِ ارْتَبْتُمْ فَعِدَّتُهُنَّ ثَلَاثَةُ أَشْهُرٍ وَاللَّائِي لَمْ يَحِضْنَ..}[الطلاق:4]. ومعنى ذلك أن المرأة قد تتزوج قبل المحيض، وكذلك فعل النبي صلى الله عليه وسلم فقد تزوج من عائشة وهي بنت ست سنين أو سبع سنين، وبنى بها وهي بنت تسع، ولا دليل يدل على أن ذلك خاص بالنبي صلى الله عليه وسلم. والشريعة إنما جاءت لتحقيق مصالح العباد في المعاش والمعاد، وقد راعى فقهاؤنا المجيزون لزواج الصغيرة تحقق مصلحتها، فجعل جمهورهم تزويج الصغيرة للأب، وعللوا ذلك بكمال الشفقة، لكن لما شاع في كثير من المجتمعات أن البنت الصغيرة يمكن أن يظلمها أبوها، فيغلب مصلحته على مصلحتها، ولا تستطيع هي الدفاع عن نفسها، رأى كثير من الفقهاء أن نُقَيِّد هذا المباح، كما قال سيدنا عمر بن عبد العزيز: "تحدث للناس أقضية بمقدار ما أحدثوا من فجور". ومن المعلوم فقهًا: أن من الأمور الجائزة والمباحة ما يجوز منعها بصفة كلية أو جزئية إذا ثبت أن من ورائها مفسدة أو ضررًا، فإنما أباح الله ما أباح لعباده لييسِّر عليهم ويخفِّف عنهم، كما قال تعالى: {يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ}[البقرة:185]. {يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُخَفِّفَ عَنْكُمْ وَخُلِقَ الْإِنْسَانُ ضَعِيفًا}[النساء:28]. فإذا ثبت بالتطبيق أن في استعمال المباح ضررا على الناس أو أكثرهم: وجب منعه بناء على قاعدة: "لا ضرر ولا ضرار". هناك أمر آخر ينبغي أن يراعى، وهو أن الظروف تغيرت ومن حق الحاكم في ضوء قراءته الصحيحة للواقع ومحاربة مواطن الفساد أو تعسف آباء الصغيرات أن يقيد ما هو مباح.. وطاعة ولي الأمر هنا واجبة؛ لأنه لم يحلل حرامًا، ولم يحرم حلالا، وإنما قيد مباحا لما ترتب عليه من الضرر. وكلمة الحاكم هنا تعني: السلطان الشرعي، ولم يعد الحكام هم الذين يشرعون للناس، ولكن يسمحون لهم بالتشريع وفق ما تضبطه الدساتير، ولذلك تقوم المجتمعات الحديثة بإصدار القوانين المكملة للشرائع أو الضابطة لأحوال المجتمع، مع مراعاة المطلوب في ذلك. — إجبار الأب ابنتَه البالغة على الزواج بمن لا ترضاه: ومما اختلف الفقهاء فيه: هل للأب ولاية إجبار على البكر البالغة العاقلة، قال ابن رشد: ((أما البكر البالغ فقال مالك والشافعي( )، وابن أبي ليلى: للأب فقط أن يجبرها على النكاح. وقال أبو حنيفة، والثوري، والأوزاعي، وأبو ثور وجماعة: لا بد من اعتبار رضاها، ووافقهم مالك في البكر المعنسة على أحد القولين عنه)). والحق أن الأدلة مع وجوب استئذان البكر، فقد صح عن النبي جملة أحاديث توجب استئمار الفتاة أو استئذانها عند زواجها، فلا تُزوَّج بغير رضاها، ولو كان الذي يزوِّجها أبوها. منها ما في الصحيحين: "لا تُنكح البكر حتى تُستأذن". قالوا: وكيف إذنها؟ قال: "ان تسكت". "البكر تُستأذن في نفسها، وإذنها صماتها" . "الثيب أحق بنفسها، والبكر يستأذنها أبوها". وفي السُّنَن من حديث ابن عباس: أن جارية بِكْرًا أتت النبي ، فذكرت أن أباها زوَّجها وهي كارهة، فخيَّرها النبي صلى الله عليه وسلم .

101370

| 16 يونيو 2016

محليات الشرق
القرضاوي: المرأة لا تستحق المهر إلا بعقد الزواج

الكتاب: فقه الأسرة وقضايا المرأة المؤلف: د.يوسف القرضاوي الحلقة: العاشرة الأسرة أساس المجتمع، وهي اللبنة الأولى من لبناته، التي إن صلحت صلح المجتمع كله، وإن فسدت فسد المجتمع كله، وعلى أساس قوة الأسرة وتماسكها، يقوم تماسك المجتمع وقوته؛ لذا فقد أولى الإسلام الأسرة رعايته وعنايته. وقد جعل القرآن تكوين الأسر هو سنة الله في الخلق، قال عز وجل: "وَاللّهُ جَعَلَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجاً وَجَعَلَ لَكُم مِّنْ أَزْوَاجِكُم بَنِينَ وَحَفَدَةً وَرَزَقَكُم مِّنَ الطَّيِّبَاتِ أَفَبِالْبَاطِلِ يُؤْمِنُونَ وَبِنِعْمَتِ اللّهِ هُمْ يَكْفُرُونَ" (سورة النحل:72). بل جعل الله نظام الأسرة، بأن يكون لكل من الرجل والمرأة زوجٌ يأنس به ويأنس إليه، ويشعر معه بالسكن النفسي والمودة والرحمة، آية من آيات الله، قال سبحانه: "وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجاً لِّتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُم مَّوَدَّةً وَرَحْمَةً إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ"(سورة الروم:21). فالحياة الأسرية في الإسلام وعلاقة كل من الزوجين تجاه الآخر، ليست شركة مالية تقوم على المصالح المادية البحتة، بل هي حياة تعاونية يتكامل فيها الزوجان، ويتحمَّلان مسؤولية إمداد المجتمع بنسل يعيش في كنف أسرة تسودها المحبة والمودَّة، ولا يظلم أحد طرفيها الآخر، بل يدفع كل واحد منهما عن شريكه الظلم والأذى، ويحنو عليه. وفلسفة الإسلام الاجتماعية تقوم على أن الزواج بين الرجل والمرأة هو أساس الأسرة، لذا يحث الإسلام عليه، وييسر أسبابه، ويزيل العوائق الاقتصادية من طريقه، بالتربية والتشريع معا، ويرفض التقاليد الزائفة، التي تصعبه وتؤخِّره، من غلاء مهور، ومبالغة في الهدايا والولائم وأحفال الأعراس، وإسراف في التأثيث واللباس والزينة، ومكاثرة يبغضها الله ورسوله في سائر النفقات. ويحث على اختيار الدين والخلق في اختيار كلٍّ من الزوجين: "فاظفر بذات الدين تربت يداك". "إذا أتاكم من ترضون دينه وخلقه فزوِّجوه، إلا تفعلوا تكنْ فتنةٌ في الأرض وفساد عريض". وهو — إذ يُيَسِّر أسباب الحلال — يسدُّ أبواب الحرام، والمثيرات إليه، من الخلاعة والتبرُّج، والكلمة والصورة، والقصة والدراما، وغيرها، ولا سيما في أدوات الإعلام، التي تكاد تدخل كل بيت، وتصل إلى كل عين وأذن. وهو يقيم العلاقة الأسرية بين الزوجين على السكون والمودة والرحمة بينهما، وعلى تبادل الحقوق والواجبات والمعاشرة بالمعروف، "وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ فَإِنْ كَرِهْتُمُوهُنَّ فَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئاً وَيَجْعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَيْراً كَثِيراً"، (البقرة: 19). "وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ وَلِلرِّجَالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ"، (البقرة: 228). ويجيز الطلاق عند تعذُّر الوفاق، كعملية جراحية لا بد منها، بعد إخفاق وسائل الإصلاح والتحكيم، الذي أمر به الإسلام أمراً محكماً صريحاً، وإن أهمله المسلمون تطبيقاً: "وَإِنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنِهِمَا فَابْعَثُوا حَكَماً مِنْ أَهْلِهِ وَحَكَماً مِنْ أَهْلِهَا إِنْ يُرِيدَا إِصْلَاحاً يُوَفِّقِ اللَّهُ بَيْنَهُمَا إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيماً خَبِيراً"، (النساء: 35). المهر المقدَّم حق للخاطب: مما يترتَّب على الرجوع في الخطبة: إعادة ما دفعه الخاطب من المهر المقدَّم كاملًا؛ لأن المهر يجب بالزواج، ولا حق للمرأة فيه إلا بعقد الزواج، وما دام الزواج لم يوجد، فالمهر حقٌّ خالص للخاطب يجب رده إليه، فإن كان المهر قد استُهلك ردَّ مثله أو قيمته، وهذا باتفاق الفقهاء. ونرى أنه إذا اشترت المخطوبة بمقدار مهرها أو بعضه جهازًا، مما اتفق عليه مع خاطبها، ثم عدل الخاطب٬ فلها الخيار بين إعادة المهر٬ أو تسليم ما يساويه من الجهاز كلًّا أو بعضًا وقت الشراء مع الباقي من المهر. والذي نرجِّحه أن (الشبكة) — وهي هدية من الذهب أو الجواهر أو الماس، وفي بعض البيئات يستعاض عن ذلك بـ (خاتم سولييتير) — جزء من المهر، يجب رده إذا عدل أحد الطرفين عن الخطبة. حكم الهدايا التي قدَّمها الخاطب في حال الرجوع عن الخطبة: جرى عرف الناس أن يقدِّم الخاطب لمخطوبته ولذويها بعض الهدايا، خاصة في المناسبات الاجتماعية والدينية، كأول رمضان، والعيدين وما شابه. فماذا لو فُسِخت الخطبة؟ يرى الأحناف أنه يسترد ما أهداه، قال الحصكفي في (الدر): (((خطب بنت رجل وبعث إليها أشياء ولم يزوِّجها أبوها، فما بعثَ للمهرِ يُستردُّ عينُه قائمًا) فقط، وإن تغير بالاستعمال، (أو قيمته هالكًا)؛ لأنه معاوضة، ولم تتم، فجاز الاسترداد، (وكذا) يسترد (ما بعث هديةً وهو قائم دون الهالك والمستهلك)؛ لأنه في معنى الهبة)). وحشَّى ابن عابدين على ذلك فقال: ((مثله ما إذا أبت وهي كبيرة)). أي: بالغة عاقلة. وأود هنا أن أبيِّن أن هذه المسألة عند الأحناف مبنية على مسألة أخرى عندهم، وهي أنهم يجيزون مطلقًا الرجوع في الهدية مع الكراهة، بشروط ذكروها في مذهبهم( ). فما ذكره الحصكفي وابن عابدين عامٌّ سواء كان الرجوع من قبل الخاطب أو من قبل المخطوبة، والهدايا إذا كانت متبادلة بين الخاطب والمخطوبة أو بين أهليهما بحيث تتقارب قيمة هذه الهدايا، فلا يجوز الرجوع في الهدية؛ لأنهم يشترطون للرجوع في الهدية أن لا يعوَّض المُهدي عن هديته بمثلها. وعند المالكية رأيان: الأول أنه لا يسترد شيئًا من هداياه أو ما أنفقه عليها. والثاني: التفريق بين أن يكون الرجوع منه أو منها. قال الصاوي في شرحه على الدردير: (((و) جاز (الإهداء فيها): أي في العدة [يقصد عدة المتوفى عنها زوجها إذا خطبها تعريضًا] كالخُضَر والفواكه وغيرهما، لا النفقة. فلو تزوجت بغيره، فلا رجوع له عليها بشيء. وكذا لو أهدى أو أنفق لمخطوبة غير معتدة، ثم رجعت عنه، ولو كان الرجوع من جهتها، إلا لعرف أو شرط. وقيل: إن كان الرجوع من جهتها فله الرجوع عليها؛ لأنه في نظير شيء لم يتم، واستُظْهِر))( ). والرأي الأخير هو الذي عليه الفتوى عند المالكية. وقد جاء عن الشافعية رأيان: الأول جواز استرداد الهدية مطلقًا، والثاني اعتبار التفريق بين إن كان الرجوع من طرفه أو من طرف المخطوبة، قال الجمل: ((دفع الخاطب بنفسه أو وكيله أو وليه شيئًا من مأكول أو مشروب أو نقد أو ملبوس لمخطوبته أو وليها، ثم حصل إعراضٌ من الجانبين، أو من أحدهما، أو موت لهما، أو لأحدهما؛ رجع الدافع أو وارثه بجميع ما دفعه، إن كان قبل العقد مطلقًا، وكذا بعده إن طلَّق قبل الدخول أو مات، إلا إن ماتت هي، ولا رجوع بعد الدخول مطلقًا)). وفي الفتاوى الفقهية الكبرى للهيتمي: ((وسئل: عمن خَطَب وأُجيب، فأنفق، ثم لم يزوِّجوه، فهل يرجع عليهم بما أنفق؟ فأجاب بقوله: اختلف المتأخرون في ذلك، والذي دل عليه كلام الرافعي في الصداق أنه إن كان الرد منهم رجع عليهم؛ لأنه لم يُهدِ لهم إلا بناء على أن يزوِّجوه، ولم يحصل غرضه، فإن كان الرد منه، فلا رجوع له لانتفاء العلة المذكورة)). ونقل المرداوي رأي الحنابلة فقال: هدية الزوجة ليست من المهر، نُصَّ عليه. فإن كانت قبل العقد وقد وعدوه بأن يزوجوه، فزوَّجوا غيره: رجع بها. ونَقَل هذا الرأي عن تقي الدين ابن تيمية. والذي نراه أنه إذا فسخت الخطبة فللخاطب أن يطالب بما أهداه مما لا يُستهْلَك، سواء أكان الرجوع منه أو من طرف خطيبته، ولكن ليس له المطالبة بالأشياء التي تُستهلك، كالفواكه والحلوى والأطعمة.. وما شابه، وهو ما استقرَّ عليه المشرع المصري، يقول عبد الرزاق السنهوري باشا: ((والمفروض أن الهبات والهدايا التي يقدِّمها أحد الخطيبين للآخر، أو يقدِّمها ذوو الخطيبين لأحدهما أو لهما معًا، إنما الباعث الدافع لها إتمام الزواج. فإذا لم يتمَّ، وفُسخت الخطبة، فقد انعدم السبب، فبطلت الهبة. ومِن ثَمَّ يستطيع الواهب أن يطلب استرداد هبته من الموهوب له بعد فسخ الخطبة. ولكن يشترط في ذلك أن يكون الشيء الموهوب قائمًا، كالمجوهرات والمصوغات حتى يمكن رده بالذات. أما إذا استُهلك، كالحلوى والروائح، فالمفروض أن الواهب قد وهب الشيء على أن يُستهلك، وعلى ألا يستردَّه مهما كان مآل الخطبة، فلا يكون إتمام الزواج سببًا في مثل هذه الهبات)).

2750

| 14 يونيو 2016

محليات الشرق
القرضاوي: أفضل الطرق للزواج هو الاختيار الهادئ العاقل من كلا الطرفين

الزواج أنجع الوسائل لعلاج الحب العذرى الحب الذي يأتي عن طريق المحادثات الهاتفية العشوائية عواقبه غير محمودة المرأة الخالية من الزواج والعِدَّة وموانع النكاح تجوز خطبتها الكتاب: فقه الأسرة وقضايا المرأة المؤلف: د. يوسف القرضاوي الحلقة: السابعة الأسرة أساس المجتمع، وهي اللبنة الأولى من لبناته، التي إن صلحت صلح المجتمع كله، وإن فسدت فسد المجتمع كله، وعلى أساس قوة الأسرة وتماسكها، يقوم تماسك المجتمع وقوته؛ لذا فقد أولى الإسلام الأسرة رعايته وعنايته. وقد جعل القرآن تكوين الأسر هو سنة الله في الخلق، قال عز وجل: "وَاللّهُ جَعَلَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجاً وَجَعَلَ لَكُم مِّنْ أَزْوَاجِكُم بَنِينَ وَحَفَدَةً وَرَزَقَكُم مِّنَ الطَّيِّبَاتِ أَفَبِالْبَاطِلِ يُؤْمِنُونَ وَبِنِعْمَتِ اللّهِ هُمْ يَكْفُرُونَ" (سورة النحل:72). بل جعل الله نظام الأسرة، بأن يكون لكل من الرجل والمرأة زوجٌ يأنس به ويأنس إليه، ويشعر معه بالسكن النفسي والمودة والرحمة، آية من آيات الله، قال سبحانه: "وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجاً لِّتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُم مَّوَدَّةً وَرَحْمَةً إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ"(سورة الروم:21). فالحياة الأسرية في الإسلام وعلاقة كل من الزوجين تجاه الآخر، ليست شركة مالية تقوم على المصالح المادية البحتة، بل هي حياة تعاونية يتكامل فيها الزوجان، ويتحمَّلان مسؤولية إمداد المجتمع بنسل يعيش في كنف أسرة تسودها المحبة والمودَّة، ولا يظلم أحد طرفيها الآخر، بل يدفع كل واحد منهما عن شريكه الظلم والأذى، ويحنو عليه. وفلسفة الإسلام الاجتماعية تقوم على أن الزواج بين الرجل والمرأة هو أساس الأسرة، لذا يحث الإسلام عليه، وييسر أسبابه، ويزيل العوائق الاقتصادية من طريقه، بالتربية والتشريع معا، ويرفض التقاليد الزائفة، التي تصعبه وتؤخِّره، من غلاء مهور، ومبالغة في الهدايا والولائم وأحفال الأعراس، وإسراف في التأثيث واللباس والزينة، ومكاثرة يبغضها الله ورسوله في سائر النفقات. ويحث على اختيار الدين والخلق في اختيار كلٍّ من الزوجين: "فاظفر بذات الدين تربت يداك". "إذا أتاكم من ترضون دينه وخلقه فزوِّجوه، إلا تفعلوا تكنْ فتنةٌ في الأرض وفساد عريض". وهو — إذ يُيَسِّر أسباب الحلال — يسدُّ أبواب الحرام، والمثيرات إليه، من الخلاعة والتبرُّج، والكلمة والصورة، والقصة والدراما، وغيرها، ولا سيما في أدوات الإعلام، التي تكاد تدخل كل بيت، وتصل إلى كل عين وأذن. وهو يقيم العلاقة الأسرية بين الزوجين على السكون والمودة والرحمة بينهما، وعلى تبادل الحقوق والواجبات والمعاشرة بالمعروف، "وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ فَإِنْ كَرِهْتُمُوهُنَّ فَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئاً وَيَجْعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَيْراً كَثِيراً"، (البقرة: 19). "وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ وَلِلرِّجَالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ"، (البقرة: 228). ويجيز الطلاق عند تعذُّر الوفاق، كعملية جراحية لا بد منها، بعد إخفاق وسائل الإصلاح والتحكيم، الذي أمر به الإسلام أمراً محكماً صريحاً، وإن أهمله المسلمون تطبيقاً: "وَإِنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنِهِمَا فَابْعَثُوا حَكَماً مِنْ أَهْلِهِ وَحَكَماً مِنْ أَهْلِهَا إِنْ يُرِيدَا إِصْلَاحاً يُوَفِّقِ اللَّهُ بَيْنَهُمَا إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيماً خَبِيراً"، (النساء: 35) الحب قبل الزواج أود أن أؤكِّد أني لا أحبذ ما يقوله بعض الناس في عصرنا من ضرورة (الحب قبل الزواج)؛ لأن هذا الطريق محفوف بالخطر، محاطٌ بالشبهات. فكثيرًا ما يبدأ بداية غير سليمة ولا مستقيمة، كالحب الذي يأتي عن طريق المحادثات الهاتفية التليفونية العشوائية، التي يتسلَّى بها بعض الشباب في فترات فراغهم أو مللهم أو عبثهم، فتستجيب لهم بعض الفتيات، وهذا يحدث عادة من وراء الأهل، وبدون اختيار ولا تفكير، لا من الفتى ولا من الفتاة، فهو يبدأ — كما قالوا في التدخين — (دلعًا) وينتهي (وَلَعًا)، يبدأ هزلًا وينتهي جدًّا. وكثيرًا ما يؤدِّي إلى عواقب غير محمودة؛ لأنه يكون بعيدًا عن دائرة الضوء، مع طَيْش الشباب، وتحكم العواطف، وغلبة الهوى، وسيطرة الغرائز، ووسوسة الشياطين من الإنس والجن، وفي مثل هذا المناخ لا يبعد من الفتى والفتاة أن يقعا في الخطأ، وهما ليسا من الملائكة المطهَّرين، ولا الأنبياء المعصومين. وفضلًا عن هذا وذاك قد يكون الحب بين طرفَيْن غير متكافئَيْن اجتماعيًّا أو ثقافيًّا، فتحول دونهما الحوائل، وتقف العقبات والعوائق دون ارتباطهما بالزواج، وفي هذا ما فيه من حرج الصدر وشتات الأمر. وأرى أن أفضل الطرق للزواج هو ما تعارفت عليه مجتمعاتنا العربية والإسلامية قبل الغزوة الثقافية الغربية لأمتنا، وهو الاختيار الهادئ العاقل من كلا الطرفين لشريكة الحياة أو شريكها، بعد الدراسة المتَّزِنة لشخصية كل من الشابِّ والشابة، وملاءمة كل منهما للآخر، من الناحية الشخصية، ومن الناحية العائلية، وإمكانات النجاح لهذا الزواج من النواحي المزاجية والنفسية والعقلية والاقتصادية والاجتماعية، وعدم وجود موانع وعقبات في طريق الزواج من جهة أحد الطرفين، أو أسرته، أو أعراف المجتمع أو قوانينه المرعية.. إلخ. وبعد هذه الدراسة المتَّزِنة المتأنِّية يدخل الخاطبُ البيتَ من بابه، ويتقدَّم إلى أهل الفتاة، ويُتاح له رؤيتها، كما تتاح لها رؤيته، وحبَّذا أن تكون الرؤية الأولى بغير علم من الفتاة، رعاية لمشاعرها، إذا رأها الخاطب فلم تعجبه، ولم تدخل قلبه. لم يُرَ للمتحابَّيْن مثل النكاح: ومع هذا كله أرى أنه إذا (دخلت الفأس في الرأس) كما يقال، أي (وقع الحب) بالفعل، وتعلَّق كل من الشابِّ والشابَّة أحدهما بالآخر، وكان من نوع الحب الطاهر الشريف — الذي عرفه تراثنا الإسلامي باسم "الحب العُذْري" نسبة إلى بني عذرة — واستمر مدة طويلة، دلَّت على أنه لم يكن نزوة طارئة، أو (لعب عيال)؛ هنا ينبغي للأهل أن ينظروا في الأمر بعين البصيرة والحكمة، ولا يستبدُّوا بالرأي، ويرفضوا الخاطب بأدنى سبب، أو بلا سبب. وينبغي الإصغاء جيدًا لما أرشد إليه الحديث النبوي الشريف الذي رواه ابن عباس رضي الله عنهما عن النبي أنه قال: "لم يُرَ للمتحابَّيْن مثلُ النكاح". يعني أن النكاح — أي الزواج — هو أنجع الوسائل لعلاج هذا التعلُّق العاطفي، الذي يصل إلى درجة (الحب) أو (العشق) بين قلبي رجل وامرأة، خلافًا لما كان يفعله بعض قبائل العرب في البادية من حرمان المحبِّ ممن يحبها، وخصوصًا إذا عُرف ذلك، أو قال المحب في محبوبته شعرًا، ولو كان حبه من الحب العذري الطاهر العفيف، كما فعل أهل ليلى مع قيس، حتى أصابه الجنون في قصتهما المشهورة — كما زعموا — ومن غزله الذي قال فيها: يا رَبُّ لا تَسلُبَنِّي حُبَّها أَبَدًا وَيَرحَمُ اللَهُ عَبدًا قالَ آمينَا ووصيتنا للأولياء أن يراعوا بصفة عامة رغبات الفتيات، ما دامت معقولة، فهذا هو الطريق السليم، وهو الطريق الذي جاء به الشرع، وما جاء الشرع إلا لمصلحة العباد في المعاش والمعاد. إن الإسلام شريعة واقعية، ولهذا رأى ضرورة تتويج الارتباط العاطفي بارتباط شرعي قانوني، تتكوَّن على أساسه أسرة مسلمة، يغذِّيها الحب، كما يغذِّيها الدين. هل وعد الفتاة لشخص ما بالزواج منه ملزم لها؟ قد تتصرف بعض الفتيات تصرُّفًا ليس فيه حكمة أو نضج، فتعد فتى بالزواج منه، وأنها ستنتظره حتى يتقدم لخطبتها، دون علم أهلها واستشاراتهم، وفى أثناء ذلك يتقدم لها بعض الخُطَّاب من الشباب الصالح، ويرى أهلها فيه الزوج المناسب لابنتهم، فهل يعتبر وعد الفتاة للشاب الأول ملزمًا لها؟ وهل تأثم إذا تركته ووافقت على الزواج ممن جاء يخطبها إذا رأت فيه مواصفات الزوج الصالح المناسب في ظل موافقة الأسرة ورضاهم؟ الذى أراه أنه ما دام تصرف الفتاة هذا بغير علم أهلها ومن دون علم أوليائها، فإن تصرفها باطل، ولا تخاف مما عقدته من عهد مع الفتى من وراء الأهل ومن وراء الأولياء، فعهدها هذا لا قيمة له، إذا لم يقره أولياؤها ولم يقره أهلها، فلا تخشى الفتاة من هذا العهد. الخِطْبة وأحكامها الخِطْبَة — بكسر الخاء — مصدر خَطَب، يقال: خطب المرأة خِطبةً وخَطْبًا، واختطبَها، إذا طلب أن يتزوَّجها، واختطب القوم فلانًا إذا دَعَوْه إلى تزويج صاحبتهم( )، ولا يخرج المعنى الاصطلاحي عن المعنى اللغوي، إذ هي في الاصطلاح: طلب الرجل التزوج بامرأة معينة خالية من الموانع الشرعية( ). وقد أجمع الفقهاء على أن المرأة الخالية من الزواج والعِدَّة وموانع النكاح تجوز خطبتها تصريحًا وتعريضًا، وهو ما سنفصله فيما يأتي: الخِطبة المحرَّمة: هناك أنواع من الخِطْبة حرَّم الإسلامُ إقدامَ من يفكر في الزواج عليها، وهي: 1 — خطبة المرأة المتزوجة: المرأة المتزوجة سواء أبنى بها زوجها أم لم يَبْنِ، لا يحل لها الزواج بآخر، ولا يحل لأحد من الناس أن يخطبها تصريحًا أو تلميحا؛ لأن الخطبة مقدمة للزواج؛ لقوله تعالى في سورة النساء عطفا على المحرمات من النساء: {وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ النِّسَاءِ إِلَّا مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ كِتَابَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ}[النساء:24]. ولا تحل المرأة المتزوجة لرجل آخر إلا بأن تزول يد الزوج عنها بموت أو طلاق. 2 — خطبة المعتدة من طلاق أو وفاة: ويحرم على المسلم أن يتقدم لخطبة امرأة مُطَلَّقة أو متوفَّى عنـهـا زوجُها فـي عدتها؛ لأن وقت العدة حَرَمٌ للزوجية السابقة، فلا يجوز الاعتداء عليه، وله أن يُفهِم المرأة المتوفَّى عنها زوجها، وهي في العدة رغبته في زواجها بالتعريض والتلميح، لا بالإظهار والتصريح، كأن يقول: إني أريد التزوَّج، ولوددت أنه ييسر الله لي امرأة صالحة. أو: سيعوضك الله خيرا، أو ما شبه ذلك. قال تعالى: {وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا فَعَلْنَ فِي أَنْفُسِهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ * وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا عَرَّضْتُمْ بِهِ مِنْ خِطْبَةِ النِّسَاءِ أَوْ أَكْنَنْتُمْ فِي أَنْفُسِكُمْ عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ سَتَذْكُرُونَهُنَّ وَلَكِنْ لَا تُوَاعِدُوهُنَّ سِرًّا إِلَّا أَنْ تَقُولُوا قَوْلًا مَعْرُوفًا}[البقرة:234 — 235]. أما المعتدة من الطلاق فلا تحل خطبتها تصريحًا أو تلميحًا، لقوله تعالى: {وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ فِي ذَلِكَ إِنْ أَرَادُوا إِصْلَاحًا}[البقرة:228]. أي: في العدة( ). والعدة أمر الله بها وفاء للزوجية السابقة، وسياجًا لها، ومدة هذه العدة للمتوفَّى عنها زوجها أربعة أشهر وعشر ليال، كما في قوله تعالى الذي ذكرناه قريبا: {وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا}[البقرة:234]. وعدة المطلقة المدخول بها ثلاثُ حيضات، لقوله تعالى: {وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ}[البقرة:228]. وقيل: إنما جعلت ثلاثًا، للتأكد من ضمان براءة الرحم، خشية أن يكون قد علق به حمل من ماء الزوج السابق، فلا بد من هذا الاحتياط؛ منعًا لاختلاط الأنساب. والحق أن براءة الرحم تثبت بحيضة واحدة، لكن الأمر تعبد محض وربما يكون من علله إثبات عظيم خطر الزواج (أو الميثاق الغليظ كما سماه القرآن) ورفع قدره وإظهار شرفه، وتطويل زمان الرجعة للمطلِّق لعله يندم ويفيء فيصادف زمنًا يتمكن فيه من الرجعة، وكذا تراجع المرأة الأسباب التي وقع بسببها طلاق زوجها لها، وتحاول أن ترمم ما خرب من عاطفة زوجها تجاهها. فهذه الإطالة مقصودة شرعًا لتمكين الزوج من التفكير في أمره ومراجعة زوجته فيه كفاية، ويكفى لاستبراء الرحم حيضة واحدة، ولم نعلم بأن امرأة حاضت في عدتها الحيضة الأولى، ثم حدث أن حملت من علوق ماء الرجل بعد ذلك في العدة، وإذا حدث ذلك — فرضًا — فهو نادر، والنادر لا حكم له. وعدة التي يئست من المحيض والتي لم تحض ثلاثة أشهر لقوله: {وَاللَّائِي يَئِسْنَ مِنَ الْمَحِيضِ مِنْ نِسَائِكُمْ إِنِ ارْتَبْتُمْ فَعِدَّتُهُنَّ ثَلَاثَةُ أَشْهُرٍ وَاللَّائِي لَمْ يَحِضْنَ}[الطلاق:4]. 3 — خطبة الرجل على خطبة أخيه: ويحرم أن يخطب الرجل على خِطبة أخيه، إذا كانت الخطبة قد تمت وتم الاتفاق بين الطرفين؛ ذلك أن الخاطب قبله قد اكتسب حقًّا يجب أن يُصان؛ رعاية للعلاقة وحسن المودة بين الناس، وبُعدًا بالمسلم عن سلوك ينافي المروءة، ويشبه الاختطاف والعدوان. فإذا صرف الخاطبُ الأول نظرَه عن الخِطبة، أو أذِن للخاطب الثاني، فلا حرج حينئذ عليه. روى مسلم: أن رسول الله قال: "المؤمن أخو المؤمن، فلا يحلُّ للمؤمن أن يبتاع على بيع أخيه، ولا يخطب على خِطبة أخيه"( ). وروى البخاري أن رسول الله قال: "لا يخطب الرجل على خطبة الرجل، حتى يترك الخاطب قبله أو يأذن له" ().

4071

| 11 يونيو 2016

محليات الشرق
"فقه الأسرة للقرضاوي 2" الزواج الطريق الوحيد لتكوين الأسرة نواة المجتمع

الزواج تمام الدين لأنه يغض البصر ويعف النفس ومتنفس الشهوة في الحلال في ظلال الأمومة والأبوة تغرس المشاعر الطيبة والعواطف الخيرة من المحبة بالزواج تكتمل شخصية الرجل بتحمله المسؤولية زوجاً وأباً والمرأة زوجة وأمّاً الزواج يغلق كل باب ويسد كل ذريعة قد تأخذ إلى الحرام الكتاب : فقه الأسرة وقضايا المرأة المؤلف : الشيخ يوسف القرضاوي الحلقة : الثانية الأسرة أساس المجتمع، وهي اللبنة الأولى من لبناته، التي إن صلحت صلح المجتمع كله، وإن فسدت فسد المجتمع كله، وعلى أساس قوة الأسرة وتماسكها يقوم تماسك المجتمع وقوته، لذا فقد أولى الإسلام الأسرة رعايته وعنايته. وقد جعل القرآن تكوين الأسر هو سنة الله في الخلق، قال عز وجل: "وَاللّهُ جَعَلَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجاً وَجَعَلَ لَكُم مِّنْ أَزْوَاجِكُم بَنِينَ وَحَفَدَةً وَرَزَقَكُم مِّنَ الطَّيِّبَاتِ أَفَبِالْبَاطِلِ يُؤْمِنُونَ وَبِنِعْمَتِ اللّهِ هُمْ يَكْفُرُونَ" (سورة النحل:72). بل جعل الله نظام الأسرة، بأن يكون لكل من الرجل والمرأة زوجٌ يأنس به ويأنس إليه، ويشعر معه بالسكن النفسي والمودة والرحمة، آية من آيات الله، قال سبحانه: "وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجاً لِّتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُم مَّوَدَّةً وَرَحْمَةً إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ"(سورة الروم:21). فالحياة الأسرية في الإسلام وعلاقة كل من الزوجين تجاه الآخر ليست شركة مالية تقوم على المصالح المادية البحتة، بل هي حياة تعاونية يتكامل فيها الزوجان، ويتحمَّلان مسؤولية إمداد المجتمع بنسل يعيش في كنف أسرة تسودها المحبة والمودَّة، ولا يظلم أحد طرفيها الآخر، بل يدفع كل واحد منهما عن شريكه الظلم والأذى، ويحنو عليه. وفلسفة الإسلام الاجتماعية تقوم على أن الزواج بين الرجل والمرأة هو أساس الأسرة، لذا يحث الإسلام عليه، وييسر أسبابه، ويزيل العوائق الاقتصادية من طريقه، بالتربية والتشريع معا، ويرفض التقاليد الزائفة، التي تصعبه وتؤخِّره، من غلاء مهور، ومبالغة في الهدايا والولائم وأحفال الأعراس، وإسراف في التأثيث واللباس والزينة، ومكاثرة يبغضها الله ورسوله في سائر النفقات. ويحث على اختيار الدين والخلق في اختيار كلٍّ من الزوجين: "فاظفر بذات الدين تربت يداك". "إذا أتاكم من ترضون دينه وخلقه فزوِّجوه، إلا تفعلوا تكنْ فتنةٌ في الأرض وفساد عريض". وهو — إذ يُيَسِّر أسباب الحلال — يسدُّ أبواب الحرام، والمثيرات إليه، من الخلاعة والتبرُّج، والكلمة والصورة، والقصة والدراما، وغيرها، ولا سيما في أدوات الإعلام، التي تكاد تدخل كل بيت، وتصل إلى كل عين وأذن. وهو يقيم العلاقة الأسرية بين الزوجين على السكون والمودة والرحمة بينهما، وعلى تبادل الحقوق والواجبات والمعاشرة بالمعروف، "وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ فَإِنْ كَرِهْتُمُوهُنَّ فَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئاً وَيَجْعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَيْراً كَثِيراً"، (البقرة: 19). "وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ وَلِلرِّجَالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ"، (البقرة: 228). ويجيز الطلاق عند تعذُّر الوفاق، كعملية جراحية لا بد منها، بعد إخفاق وسائل الإصلاح والتحكيم، الذي أمر به الإسلام أمراً محكماً صريحاً، وإن أهمله المسلمون تطبيقاً: "وَإِنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنِهِمَا فَابْعَثُوا حَكَماً مِنْ أَهْلِهِ وَحَكَماً مِنْ أَهْلِهَا إِنْ يُرِيدَا إِصْلَاحاً يُوَفِّقِ اللَّهُ بَيْنَهُمَا إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيماً خَبِيراً"، (النساء: 35). مقاصد الإسلام من الزواج بالزواج يحدث النسل، الذي يمتد به وجود الإنسان، فيطول عمره، ويتصل عمله، بذريته الصالحة من بعده، ولهذا امتن الله على عباده فقال: {وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجاً وَجَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ بَنِينَ وَحَفَدَةً وَرَزَقَكُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ أَفَبِالْبَاطِلِ يُؤْمِنُونَ وَبِنِعْمَةِ اللَّهِ هُمْ يَكْفُرُونَ}[النحل:72]. ولهذا دعا نبى الله زكريا ربه فقال: {رَبِّ لَا تَذَرْنِي فَرْداً وَأَنْتَ خَيْرُ الْوَارِثِينَ}[الأنبياء:89]. {فَهَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ وَلِيّاً * يَرِثُنِي وَيَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ وَاجْعَلْهُ رَبِّ رَضِيّاً}[مريم:5 — 6]. ودعا أبو الأنبياء إبراهيم ربه فقال: {رَبِّ هَبْ لِي مِنَ الصَّالِحِينَ * فَبَشَّرْنَاهُ بِغُلَامٍ حَلِيمٍ}[الصافات:100 — 101]. {الْحَمْدُ لِلّهِ الَّذِي وَهَبَ لِي عَلَى الْكِبَرِ إِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ إِنَّ رَبِّي لَسَمِيعُ الدُّعَاء}[إبراهيم:29]. وذكر القرآن من أوصاف عباد الرحمن: {وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَاماً}[الفرقان:74]. وبالنسل تنمو الأمة، ويكثر عددها، فتعمر أرضها، وتُستغَل كل طاقاتها، وتقوى على مجابهة أعدائها، ولا شك أن لكثرة العدد قيمة في ميزان القوى العالمية. ومن هنا امتن الله على قوم بالكثرة، فقال على لسان شعيب لقومه: {وَاذْكُرُواْ إِذْ كُنتُمْ قَلِيلاً فَكَثَّرَكُمْ}[الأعراف:86]، وقال صلى الله عليه وسلم: "تزوجوا، فإني مكاثر بكم الأمم، ولا تكونوا كرهبانية النصارى". وبالنسل يبقى النوع الإنساني كله، وتستمر حياته على الأرض إلى ما شاء الله من أجل معلوم. قال تعالى: {يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُواْ رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيراً وَنِسَاء وَاتَّقُواْ اللّهَ الَّذِي تَسَاءلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيباً}[النساء:1]. {يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوباً وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ}[الحجرات:12]. والزواج من جهة أخرى تمام الدين للمرء المسلم، به يغض بصره، ويعف نفسه، ويجد متنفسا لشهوته في الحلال، فلا يفكر في الحرام، ولهذا قال صلى الله عليه وسلم عن الزواج: "إنه أغض للبصر وأحصن للفرج". وقال: "من رزقه الله امرأة صالحة، فقد أعانه على شطر دينه، فليتقِ الله في الشطر الباقى". والشطر: النصف. السعادة الدنيوية والزواج ليس حفظا للدين فقط، ولكنه أيضا من مقومات السعادة الدنيوية، التي لا يكرهها الإسلام، بل يحبها لأتباعه، ويوفِّرها لأبنائه، ليفرغهم لما هو أعظم، من السمو بالنفس، والاتصال بالملأ الأعلى، قال صلى الله عليه وسلم: "الدنيا متاع وخير متاعها المرأة الصالحة". وقال: "أربع من السعادة: المرأة الصالحة، والمسكن الواسع، والجار الصالح، والمركب الهنيء". وعن سعد بن أبى وقاص قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من سعادة ابن آدم ثلاثة، ومن شقاوة ابن آدم ثلاثة؛ من سعادة ابن آدم: المرأة الصالحة، والمسكن الصالح، والمركب الصالح. ومن شقاوة ابن آدم: المرأة السوء، والمسكن السوء، والمركب السوء". والزواج هو الطريق الوحيد لتكوين الأسرة التي هي نواة المجتمع، وأساس بنائه، ولا يقوم مجتمع إنساني كريم، إلا إذا قامت قبله الأسرة، ففي ظلال الأمومة والأبوة، والبنوة والأخوة، تغرس المشاعر الطيبة والعواطف الخيرة من المحبة والإيثار والعطف والرحمة والتعاون. وبالزواج تنمو الصلات الاجتماعية، فيضم الإنسان عشيرة إلى عشيرته، وأسرة إلى أسرته، أولئك هم أصهاره وأخوال أولاده وخالاتهم. وبذلك تتسع دائرة الألفة والمودة، والترابط الاجتماعي، فقد جعل الله المصاهرة لُحْمة كلُحمة النسب، قال تعالى: {وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ مِنَ الْمَاء بَشَراً فَجَعَلَهُ نَسَباً وَصِهْراً وَكَانَ رَبُّكَ قَدِيراً}[الفرقان:54]. وبالزواج تتاح الفرصة الملائمة التي تكتمل بها شخصية الرجل بتحمله المسؤولية زوجاً وأباً، وتكتمل شخصية المرأة بتحمل مسؤوليتها زوجة وأمّاً. إن كثيراً من الرجال يفرون من الزواج؛ لأنهم — كما قلنا — يريدون أن يعيشوا عمرهم أطفالاً كباراً، دون رباط يربطهم، أو بيت يضمهم، أو تبعة تلقى على كواهلهم. ومثل هؤلاء لا يصلحون للحياة، ولا تصلح بهم الحياة، أما الزواج فإنه رباط وميثاق غليظ، ومسؤولية مشتركة بين الرجل والمرأة من أول يوم، قال تعالى: {وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ وَلِلرِّجَالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ}[البقرة:228]. {الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاء بِمَا فَضَّلَ اللّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَبِمَا أَنفَقُواْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ فَالصَّالِحَاتُ قَانِتَاتٌ حَافِظَاتٌ لِّلْغَيْبِ بِمَا حَفِظَ اللّهُ}[النساء:34]. احسان العمل وقال الرسول صلى الله عليه وسلم: "كلكم راع، وكلكم مسؤول عن رعيته: فالرجل راع في أهله، وهو مسؤول عن رعيته، والمرأة راعية في بيت زوجها، وهي مسؤولة عن رعيتها". "كفى بالمرء إثماً أن يضيِّع من يقوت". "إن الله سائل كل راعٍ عمَّا استرعاه: حفظ أم ضيَّع". "إن لزوجك عليك حقّاً". وبالزواج يتفرَّغ الرجل لإتقان أعماله في خارج البيت، مطمئناً إلى أن في بيته من يدبِّر أمره، ويحفظ ماله، ويرعى أولاده. وفى هذا ما يُعينه على إحسان العمل وزيادة الإنتاج، بخلاف ذلك القَلِق المضطرب المشغول، الموزَّع بين عمله وبيته، وبين شغله في الخارج وهمِّ مطعمه ومشربه وملبسه في الداخل. وقديماً قال الشاعر: إذا لم تكن في منزل المرء حرَّةٌ تدبِّره، ضاعت مصالح دارهِ! المنافذ إلى الحرام والإسلام وهو يرغب أتباعه إلى الزواج، ويجعله هو السبيل الوحيد لقضاء الشهوة الجنسية، فإنه يغلق في وجوههم كل باب ويسد كل ذريعة قد تأخذهم إلى الحرام من الزنى واللواط، وغيرهما من طرق قضاء الشهوة خارج إطار الزواج الشرعي، ويضع ضوابط للتعامل بين الجنسين حتى لا تنجرف فتزل بعد ثبوتها، وتلتاث بعد طهارتها. حرمة الزنى وحرمة ما يؤدى إليه: الأديان السماوية كلها مُجمعة على تحريم الزنى ومحاربته، وآخرها الإسلام الذي شدَّد النهي عنه، والتحذير منه، لما يؤدي إليه من اختلاط الأنساب، والجناية على النسل، وانحلال الأسر، وتفكك الروابط، وانتشار الأمراض، وطغيان الشهوات، وانهيار الأخلاق، وصدق الله العظيم إذ يقول: {وَلَا تَقْرَبُوا الزِّنَا إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَسَاءَ سَبِيلاً}[الإسراء:32]. ومنهج الإسلام أنه إذا حَرَّم شيئاً سَدَّ الطرق المُوصِّلة إليه، وحَرَّم كل ما يُفضي إليه من وسائلَ ومقدمات. فما كان من شأنه أن يستثير الغرائز الهائجة، ويفتح منافذ الفتنة على الـرجـل أو المرأة، ويغري بالفاحشة أو يقرِّب منها، أو ييسر سبيلها، فإن الإسلام ينهى عنه ويحرمه؛ سدّاً للذريعة، ودرءاً للمفسدة.

4153

| 06 يونيو 2016

محليات الشرق
"الاستشارات العائلية" ينظم ورشة "المعادلة الصعبة" وكيفية تحقيقها

نظّم مركز الاستشارات العائلية ورشة عمل تدريبية بعنوان "المعادلة الصعبة يمكن تحقيقها" تناولت سبل تحقيق التوازن الأفضل بين العمل والمسؤوليات الأسرية. وتأتي هذه الورشة، التي تستمر يومين، في إطار خدمات التوعية المجتمعية التي يقدمها المركز والتي تهدف إلى رفع الوعي المجتمعي بقضايا الأسرة وأفرادها وتعزيز التماسك والاستقرار الأسري في المجتمع.. وقد استهدفت الورشة التي قدمها الاختصاصي النفسي بالمركز الأستاذ أشرف الريان عدداً من الموظفين والموظفات بعدة جهات في الدولة. واستهل المحاضر، الورشة بشرح تحليلي أوضح فيه أن الصراع بين العمل والحياة الأسرية يحدث عندما تتداخل تجارب العمل مع الحياة الأسرية، مثل ساعات العمل الطويلة أو غير المنتظمة أو غير المرنة وزيادة أعباء العمل وغير ذلك من أشكال ضغط العمل والصراعات بين الأشخاص في العمل. وأشار إلى أن الأسرة والعمل مهمان في حياة الإنسان ويشكلان عاملين أساسيين لسعادته ورفاهيته عندما يكونان منسجمان وتتحول حياة الإنسان للمتاعب إذا حصل بينهما صراع.. موضحا أنه كلما زاد الصراع بين العمل والمنزل قل الرضا الوظيفي والرضا عن الحياة بشكل عام والحياة الزوجية والأسرية بشكل خاص وزاد تفكير الإنسان بترك العمل. ونوّه بأن التقنية ووسائل الاتصال أزالت الحدود بين العمل والمنزل فأصبح مكتب الإنسان ينتقل معه إلى المنزل ويتداخل مع إعطاء الأسرة حقها من الاهتمام، مما فاقم من الصراع بين العمل والمنزل، وكذلك عدم ترتيب الوقت وإنجاز المهام في المكتب قبل التوجه للمنزل أو الذهاب في إجازة وكذلك عدم إجادة مهارة التفويض واعتمادية الأسرة على رب الأسرة؛ لقضاء جميع احتياجات المنزل وعدم تمكين الزوجة بأن تشارك بفاعلية في إدارة المنزل وتحميل الأبناء مسؤوليات يزيد من صراع العمل والمنزل. واستعرض خلال البرنامج عددا من الأساليب الهامة التي تقلل الصراع بين الأسرة والعمل، مؤكداً أن طرق التعامل مع صراع العمل المنزل جميعها تتطلب تغييراً في اتجاهاتنا وأسلوب حياتنا سواءً في العمل أو المنزل. ودعا المشاركين إلى أن يعملوا على تأسيس عادات عمل صحيحة في مؤسساتهم وذلك بتجنب الاتصال الهاتفي أو إرسال البريد الإلكتروني في غير أوقات العمل أو في الإجازات الأسبوعية أو الأعياد إلا عند الضرورة ومحاولة إنجاز العمل في المكتب قبل التوجه للمنزل قدر الامكان حتى لو مكثت وقتاً أطول فيه وتجنب عادة أخذ المعاملات إلى المنزل إلا في أضيق الحدود. كما طالب المحاضر من المشاركين وضع قائمة بالمهام التي يجب عملها ومن ضمنها المهام الأسرية وكذلك العملية وتسجيل مناسبات الأسرة وأنشطتها في الأجندة حتى تضمن عدم تعارضها مع الالتزامات العملية وعمل حدود فاصلة قدر الإمكان بين الحياة الأسرية والعملية وعدم التحدث مع الأسرة عن العمل ومشكلاته أثناء وجبة الغداء أو أوقات الراحة أو النزهة معاً. وقد اشتملت الورشة التدريبية على عدد من الأنشطة المصاحبة والتمارين العملية التي ساهمت في تفاعل المشاركين مع المحاور المطروحة.

428

| 23 مايو 2016

اقتصاد الشرق
"التجاري" يطلق باقة "بشارة" لعملائه القطريين لتحقيق حفل زفاف الأحلام

أعلن البنك التجاري عن إطلاق باقة "بشارة" لعملائه القطريين لتحقيق أحلامهم بإقامة حفل زفاف مميز. والجدير بالذكر أن "بشارة" هو المنتج الأول من نوعه وتم تصميمه خصيصا وحصريا لتلبية احتياجات العملاء القطريين، لتمكينهم من إعداد وإتمام حفل الزفاف الذي يرغبون فيه. ويتضمن هذا المنتج العديد من المزايا والخصومات تشمل عروضا على المجوهرات، وقاعات الأفراح، وتنسيق الزهور، وعطلات شهر العسل وغيرها، عبر عدد من شركاء البنك التجاري الذين تم اختيارهم بعناية لتلبية احتياجات العملاء الكرام. وفي تعليقه على إطلاق باقة "بشارة"، قال السيد دين بروكتر، مدير عام تنفيذي، ورئيس الخدمات المصرفية الاستهلاكية والخاصة لدى البنك التجاري: "نحن في البنك التجاري ندرك أن الزواج والاحتفال به مناسبة مهمة في المجتمع القطري، لذا قمنا بابتكار باقة "بشارة" وهي مجموعة من الخدمات المتميزة، والمصممة خصيصا لعملائنا من المواطنين المقبلين على الزواج لإقامة حفل زفاف مميز، ومشاركتهم في تحقيق أحلامهم. إن هذا المنتج الجديد من نوعه، يجسّد جهودنا المستمرة في تقديم أفضل الخدمات المهمة خاصة التي تلبي احتياجات مواطنينا الكرام".كما أضاف قائلا: "يتصدّر البنك التجاري سوق الخدمات المصرفية الشخصية عبر توفيره مجموعة متميزة من المنتجات والعروض ذات التنافسية العالية، وسنعمل على إطلاق كل ما هو جديد ومبتكر خلال عام 2016".

355

| 30 أبريل 2016

صحة وأسرة الشرق
دراسة: الزواج ينجي مرضى السرطان!

خلصت دراسة أمريكية، إلى أن فرص النجاة من مرض السرطان تكون أفضل بين المتزوجين مقارنة بغير المتزوجين وأن ذلك ليس له علاقة بالمال. ووجدت الدراسة أن الرجال العزاب هم أكثر عرضة للوفاة بالسرطان بنسبة 27%، وأن هذه النسبة تقل إلى 19%، لدى النساء غير المتزوجات. والمتزوجون عادة لديهم تأمينات صحية أفضل، ويعيشون في مناطق أرقى لكن المرضى غير المتزوجين يكون وضعهم هشا حتى بعد وضع هذه الميزات المالية في الاعتبار. وتفسر سكارليت لين جوميس، من جامعة كاليفورنيا ذلك قائلة "يبدو أن العامل الرئيسي المساهم في ذلك هو عزلة اجتماعية أقل ودعم اجتماعي أكبر الذي يحصل عليه المتزوجون". وأضافت في رسالة بالبريد الإلكتروني "وجود نظام دعم قوي قد يكون له تأثير كبير على فرص نجاة المريض بعد تشخيص إصابته بالسرطان". ودرس فريق الباحثين نحو 783 ألف مريض بالسرطان في كاليفورنيا من عام 2000 حتى 2009.

761

| 13 أبريل 2016