رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

Al-sharq

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

الشرق

مساحة إعلانية

مساحة إعلانية

محليات alsharq
"الشرق" تنشر مذكرات المفكر الإسلامي الكبير يوسف القرضاوي

فبراير 1996 سجلت الشرق بتاريخ 15 رمضان 1416 هـ الموافق 4 فبراير 1996 م احد أهم الانفرادات الصحفية التي ميزت مسيرتها الاعلامية والتي وضعتها في صدارة الصحف المحلية والعربية، حيث نشرت لأول مرة في الصحافة العربية، السيرة الذاتية ومشوار حياة المفكر الاسلامي الكبير العلامة أ.د. يوسف القرضاوي مدير بحوث السيرة والسنة النبوية بدولة قطر رحمه الله، وقد فتح فضيلته قلبه وعقله لـالشرق وروى بنفسه على مدى ساعات طوال أسرار حياته العامة والخاصة، كما كشف في حواره الذي أجراه الزميل مجاهد خلف عن العديد من المؤثرات في حياته ونقاط التحول الرئيسية في مسيرته العلمية والاجتماعية وعلاقاته العامة والخاصة وأبرز معاركه الفكرية وجولاته في العالم العربي والاسلامي داعية وفقيها ومفتيا ومعلما ومربيا ومؤلفا وشاعرا، وذلك منذ أن بدأ معركة الجهاد من أجل الدعوة الى دين الله الحق مع مطلع الاربعينات من هذا القرن. إنشاء المؤسسة العامة القطرية للقناة الفضائية نشرت الشرق بتاريخ 20 رمضان 1416 هـ الموافق 9 فبراير 1996 م نص قانون إنشاء المؤسسة العامة القطرية للقناة الفضائية الذي أصدره صاحب السمو الأمير الوالد الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني، وينص القانون أن تنشأ مؤسسة عامة مستقلة ذات شخصية معنوية تسمى المؤسسة العامة القطرية للقناة الفضائية ستكون لها موازنة مستقلة ويكون مركزها الرئيسي في مدينة الدوحة ويجوز لها أن تنشئ فروعا او مكاتب او تعين مراسلين لها في قطر او الخارج وتدار المؤسسة على اسس تجارية. جامعة قطر تستعد لإدخال الإنترنت نشرت الشرق بتاريخ 21 رمضان 1416 هـ الموافق 10 فبراير 1996 م حوارا مع السيد أحمد عالم الهاشمي مدير مركز الحاسب الالي بالانابة في جامعة قطر يقول فيه إن الجامعة بدأت تستعد لادخال خدمة الانترنت بمجرد تدشينها في الدولة من قبل مؤسسة الاتصالات القطرية، موضحا أن هذه الخدمة من شأنها أن تضع جامعة قطر على خريطة العالم ومتصلة بالعديد من مراكز المعلومات، كما سينعكس ذلك على تطوير انشطتها وبرامجها وخدمة ابحاثها من خلال توفير المعلومة امام الباحثين بالسرعة المطلوبة. فوز العربي بدوري الدرجة الأولى لكرة الطائرة نشرت الشرق بتاريخ 24 رمضان 1416 هـ الموافق 14 فبراير 1996 خبر فوز العربي بدوري الدرجة الأولى للكرة الطائرة بعد تغلبه على الوكرة 15/6 و15/9 و15/9، وأشار الخبر إلى فوز النادي مبكرا بالدوري من خلال الحماس والجدية والتركيز من قبل اللاعبين والجهاز الفني للفريق، منوها بتألق اللاعب عدنان جمعة الهتمي الذي يجيد الضرب باليد اليسرى، حيث نجح فريق العربي في تقديم جمل تكتيكية عالية المستوى مستفيدا من صانع العاب الفريق جمال سيار. الشيخ الزنداني في محاضرة بالجامع الكبير: إذا حملت الأمة رسالتها ونقلتها إلى العقول لاختفى الملاحدة فبراير 1996 في محاضرة ألقاها بالجامع الكبير تحت عنوان صدق الايمان ونشرتها الشرق بتاريخ 26 رمضان 1416 هـ الموافق 15 فبراير 1996 م، قال فضيلة الشيخ عبد المجيد الزنداني إن في الايمان تصديقا وقولا وعملا صلاح حال البشرية كلها لأن من ثماره التقوى ومراقبة الله، مؤكدا أنه اذا نطق اللسان واقر بما يثبت في القلب لاستطاع المؤمن محاربة الكفر، ولو أن الامة حملت أمانتها ورسالتها ونقلتها الى العقول لما وجد مجال للملاحدة ومن يحاربون الدين في بلاد المسلمين.

2152

| 27 مارس 2023

عربي ودولي alsharq
فوج الإمام القرضاوي.. غزة تحتفل بـ 188 من حفظة القرآن الكريم

نظمت مديرية أوقاف غزة، اليوم الأحد، حفلا لتكريم 188 من حفظة وحافظات القرآن الكريم تحت عنوان مواكب النصر- فوج الإمام يوسف القرضاوي. وقال محمد أبو سعدة مدير أوقاف غزة في كلمة إن الاحتفالية، بحسب الجزيرة نت،: تأتي ثمرة لجهود مباركة من الآباء والأمهات والحفظة والمحفظين والمشرفين في هذه المنظومة القرآنية المباركة. وأضاف كما يأتي الحفل نتاج وزارة الأوقاف والشؤون الدينية بأقسامها المختلفة التي تعمل لخدمة القرآن واكتمال رسالته ولتؤسس جيل النصر والتحرير. وأشار إلى أنه يقع في نطاق مديرية أوقاف غزة 285 مسجدا، ويضم قسم القرآن الكريم فيها 188 حلقة تحفيظ موزعة على مساجد المحافظة، ويقوم بالتحفيظ فيها 143 محفظا ومحفظة، كما يبلغ إجمالي عدد طلاب وطالبات مراكز القرآن التابعة لمديرية أوقاف غزة 2790 طالبا.

1834

| 30 أكتوبر 2022

محليات alsharq
وفاءً للشيخ القرضاوي.. الهلال الأحمر القطري يطلق مشروع "صدقة جارية" لحفر بئر ارتوازي في اليمن

أطلق الهلال الأحمر القطري مشروع صدقة جارية لحفر بئر ارتوازي في اليمن، وفاء لفضيلة الشيخ الدكتور يوسف القرضاوي المؤسس والرئيس السابق للاتحاد العالمي لعلماء المسلمين، رحمه الله. وقال الهلال الأحمر القطري عبر حسابه في تويتر إن المشروع يفيد نحو 30 ألف شخص، حيث يعمل البئر الارتوازي مع مضخة مياه تعمل بالطاقة الشمسية ومحطة تحلية، مشيرا ً إلى أن المساهمة بصدقة جارية في المشروع الدخلو إلى الرابط https://qrcs.qa/YQ أو الاتصال عبر الأرقام التالية 44027777 – 66644822 واليوم، شاركت جموع غفيرة في جنازة الشيخ يوسف القرضاوي بمقابر مسيمير، الذي أعلنت وفاته أمس الاثنين عن 96 عاما. وأدى صلاة الجنازة عدد من كبار العلماء والمسؤولين، منهم الأمين العام للاتحاد العالمي لعلماء المسلمين الدكتور علي محيي الدين القره داغي الذي رثى الشيخ القرضاوي ووصفه بصاحب البهجة والطيب، صاحب الكرم والفضل والأيادي الرحيبة، منوها بجهاده وجهوده في خدمة الإسلام والمسلمين.

2044

| 27 سبتمبر 2022

محليات alsharq
اتحاد علماء المسلمين: الأمة الإسلامية فقدت عالماً محققاً من علمائها المخلصين

نعى الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين، الشيخ يوسف القرضاوي الرئيس المؤسس للاتحاد العالمي لعلماء المسلمين، الذي وافته المنية اليوم، عن عمر يناهز 96 عاما. وقال الاتحاد في بيان له: انتقل إلى رحمة الله سماحة الإمام يوسف القرضاوي الرئيس المؤسس للاتحاد العالمي لعلماء المسلمين، الذي وهب حياته مبينا لأحكام الإسلام. وأضاف الاتحاد أن الأمة الإسلامية فقدت بوفاته عالما محققا من علمائها المخلصين الأفاضل، سائلا الله العلي القدير أن يغفر له ويرحمه رحمة واسعة ويعفو عنه. وقد ولد الدكتور يوسف القرضاوي في قرية /صفط تراب/ التابعة لمحافظة الغربية بجمهورية مصر العربية في عام 1926، حيث أتم حفظ القرآن الكريم وأتقن أحكام تجويده، وهو دون العاشرة من عمره. ثم التحق بمعاهد الأزهر الشريف، ثم بكلية أصول الدين بجامعة الأزهر، ومنها حصل على العالمية سنة 52 - 1953م، ثم حصل على العالمية مع إجازة التدريس من كلية اللغة العربية سنة 1954م، ثم في سنة 1960م حصل على الدراسة التمهيدية العليا المعادلة للماجستير في شعبة علوم القرآن والسنة من كلية أصول الدين، وفي سنة 1973م حصل على (الدكتوراة) بامتياز مع مرتبة الشرف الأولى من الكلية نفسها، عن الزكاة وأثرها في حل المشاكل الاجتماعية.

1099

| 26 سبتمبر 2022

محليات alsharq
وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية تنعى الشيخ يوسف القرضاوي

نعت وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية، اليوم، الشيخ يوسف القرضاوي الرئيس المؤسس للاتحاد العالمي لعلماء المسلمين. وذكرت الوزارة في بيان لها تنعى وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية في دولة قطر إلى جموع المسلمين فقيد الأمة الإسلامية العلامة الشيخ الدكتور يوسف القرضاوي الرئيس السابق للاتحاد العالمي لعلماء المسلمين، والذي وافته المنية اليوم الإثنين. وأضاف البيان أن الأمة العربية والإسلامية فقدت عالماً جليلاً من أبرز علمائها، لطالما دافع عن القضايا الإسلامية، وكان له الأثر الفاعل في نشر العلم الشرعي، والدعوة إلى الله بالحكمة والموعظة الحسنة، وعلى منهج الوسطية والاعتدال. وتابع تتقدم وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية بخالص العزاء إلى أسرة الفقيد، وإلى الأمة العربية والإسلامية، وتتضرع إلى الله -عز وجل- أن يتغمد فقيد الأمة بواسع رحمته، وأن يجعله مع الصديقين والأبرار، ويسكنه فسيح جناته، ويجزيه خير الجزاء عما قدم لوطنه وأمته، وأن يلهم أسرته والأمة العربية والإسلامية الصبر والسلوان.

2866

| 26 سبتمبر 2022

محليات alsharq
قراصنة يستهدفون موقع الشيخ يوسف القرضاوي

رصد المكتب الفني المشرف على صفحات التواصل الاجتماعي، والموقع الرسمي، والبريد الإلكتروني الخاص بفضيلة الشيخ يوسف القرضاوي محاولات يومية متكررة، من قبل لجان قرصنة إلكترونية؛ بغية السيطرة عليها. وقال مكتب الشيخ القرضاوي إنه بعد أن عجز الطغاة وأنصارهم، من علماء السلاطين وعملائهم عن مواجهة الحجة بالحجة، والرأي بالدليل، والكلمة بمثلها؛ أوعزوا إلى هؤلاء المرتزقة أن يستهدفوا هذه الصفحات لحجبها. وأوضح المكتب أن الموقع يعمل حاليا بشكل منتظم على الرابط التالي: http://www.al-qaradawi.net/new/Home/page وأن المكتب في طور التطوير والتجديد للموقع، عبر آليات فنية عالية؛ بغية الوصول لأفضل المعايير. وكذلك يعمل حساب فضيلته الرسمي على (فيس بوك) على الرابط التالي: https://www.facebook.com/alqaradawy/?fref=ts والحساب الرسمي على تويتر قائم على الرابط الآتي: https://twitter.com/alqaradawy?lang=ar

2341

| 03 أغسطس 2017

عربي ودولي alsharq
القرضاوي: لو كان لدي قدرة لقاتلت مع الثوار في حلب

قال رئيس الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين، الشيخ يوسف القرضاوي، اليوم السبت، إنه "لو كان لدي قدرة لذهبت مع الذاهبين وقاتلت مع الثوار" في حلب، شمالي سوريا. جاء ذلك خلال كلمة له، باليوم الختامي لفاعلية حملت عنوان "يوسف القرضاوي إمام الوسطية والتجديد"، نظمها على مدار يومين بمدينة إسطنبول التركية، مركز الحضارة للبحوث والدراسات (غير حكومي)، احتفاءً بمرور 90 عاما على ميلاد العلامة القرضاوي وللوقوف على أهم محطات حياته. وفي معرض حديثه عما يحدث في سوريا، أوضح القرضاوي أنه "لابد أن نعترف بأن الشعب السوري قام في أول الأمر بثورة لا حجر فيها ولا سكين، خرج يريد الحياة والحرية وحسب، وظل يقاتل وهو لا يملك أي شئ أمام نظام يملك الجيش والشرطة والسلاح والبراميل المتفجرة والكيماوي". وتابع: "انظروا إلى حلب التي ظننا أنها انتصرت لا يزالون مصرين على قتل أهلها، لو كان لدي قدرة لذهبت مع الذاهبين وقاتلت مع المقاتلين هناك الذين يقاتلون الطاغوت وحدهم". ومنذ 15 نوفمبر الماضي، تتعرض أحياء مدينة حلب الشرقية لقصف جوي وبري مكثف، من قبل قوات النظام السوري والمليشيات الموالية له، بغطاء جوي روسي، بهدف استعادة السيطرة على مناطق بحوزة المعارضة منذ 4 سنوات؛ ما أسفر عن مقتل المئات وجرح الآلاف من المدنيين. وفي سياق متصل، لفت رئيس الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين، إلى أنه "حينما جاء الربيع العربي وانتصرت تونس (2011) في بادئ الأمر و هرب ذلك الرجل (في إشارة إلى الرئيس الأسبق زين العابدين بن علي) بما هرب به من مليارات، تحرر الشعب ونال حريته". وواصل حديثه في هذا الصدد قائلا: "وكانت بعدها (بعد تونس) ثورة مصر فحاول الرئيس المصري (الأسبق حسني مبارك) أن يستولي ومن معه على عشرات المليارات، لكنهم ومع ذلك لم يستطيعوا مع كل وسائلهم أن يخمدوا ثورة الشعب، فالشعوب لا تهزم بهذه الطريقة". واستطرد القرضاوي: "أمة الإسلام يقدرونها بمليار و700 ألف مليون، وتزداد يومًا بعد يوم، لكن الأصل ليس بكثرة العدد ولكن ما في هذا العدد من عبادة وعمل وإخلاص وتضامن، وهذا ما يجب أن تكون عليه الأمة بمفهومها الشامل؛ لأنه ومهما قلنا إن مكوناتنا عرب وعجم وأتراك وهنود وأجناس وأقوام، إلا أننا نستمد روح الجمع من الإسلام". وأضاف: "البعض يعتقد أن الدين أتى ليعيش الناس في زهد، لكن مفهوم الزهد أن تملك الشيء وتزهد فيه لكن من لديهم ما يزهدو فيها أصلا، عما يزهدون! ، الإسلام أراد التكافل للجميع". وأشار القرضاوي إلى أن "أول كتاب كتبته كان فقه الزكاة؛ لأن الأمة لا تستوى إذا ما عاش الفقير دون عطاء الغني، وإذا ما عاش الضعيف دون القوي، ومن ثم فقه الجهاد، حتى يعيش الناس في حياتهم أقوياء، بالإيمان والمال والجهاد، لا يستطيع أحدًا أن يفرض عليهم أن يعيشوا كما يريد هو، ولكن كما يريدوا هم، أمة تخرج صرخاتها من جوفها و من قلبها". وشكر رئيس الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين المحتفين به قائلاً: "كلما أرى الأمة تحتفي بالحق وبالمدافعين عن الحق وبمن على استعدادا على أن يموتوا دفاعا على هذا الحق كلما ازددت اطمئنانا". وحضر الفاعلية ممثلين من عدد من الكيانات العربية والتركية من بينهم نور الدين نباتي، نائب بالبرلمان التركي، ومحمد وليد المراقب العام للإخوان المسلمين في سوريا، وأسعد هرموش نائب سابق بالبرلمان اللبناني، إضافة إلى عشرات من أبناء الجاليات العربية في مدينة إسطنبول التركية. وتهدف الفعالية إلى التعريف بالسيرة الذاتية للشيخ القرضاوي ونشاطه الدعوي وقراءة في فكره السياسي والاقتصادي، إضافة إلى عرض رؤيته في القضايا الفقهية المعاصرة، وموقفه من ثورات الربيع العربي. ويوسف عبد الله القرضاوي من مواليد 9 سبتمبر 1926، في قرية "صفط تراب" التي تتبع مدينة المحلة الكبرى بمحافظة الغربية، شمالي مصر، وهو أحد أبرز العلماء السنة في العصر الحديث، وله المئات من الأبحاث والكتب المتعلقة بالفقه الإسلامي.

727

| 10 ديسمبر 2016

عربي ودولي alsharq
الغنوشي: السبسي يقوم بجهود لتحقيق المصالحة في مصر

كذب رئيس حركة النهضة الشيخ راشد الغنوشي ما راج في الفترة الأخيرة من أخبار بخصوص وجود فتور في علاقته بالشيخ يوسف القرضاوي رئيس اتحاد علماء المسلمين. وقال الغنوشي، في تصريح، "أنا مازلت كما كنت عضوا بهذا الاتحاد وأعتبر الشخص الرابع في هذا الاتحاد الذي يضم عشرات آلاف من العلماء المسلمين". وأوضح أن "الشيخ القرضاوي هو رئيس الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين ومهما قيل فيه فهو ترأس علماء المسلمين الذي يعتبر أكبر تجمع عالمي وليس بيني وبينه أي خلاف.. فأنا دعوت إلى المصالحة في مصر والشيخ القرضاوي ليس رافضا لهذه المصالحة ولكن السلطات المصرية لم تستجب لهذه الدعوة، كما أن الرئيس التونسي الباجي قائد السبسي يقوم بمساع لتحقيق هذه المصالحة". وفي رده، على سؤال حول الموقف النهائي لحركة النهضة من مشروع قانون المصالحة المالية والاقتصادية، أوضح رئيس الحركة: "مبدئيا نحن مع هذا المشروع باعتباره مشروعا يستعيد أموالا ضائعة وفاسدة للشعب التونسي ويضعها فيما جعلت له في الأصل لتلبية حاجات الناس للتنمية وإحداث مواطن شغل. وفي السياق ذاته، أعلنت "شبكة دعم مجموعة الأزمات الدولية" عن نيتّها تقديم جائزة شخصية العام لسنة 2015 بالشراكة بين كلّ من رئيس الجمهورية الباجي قائد السبسي ورئيس حركة النهضة راشد الغنّوشي. وأشارت الشبكة التي تمثّل منظّمة جامعة للعشرات من المنظّمات التي تقوم بدور استشاري دولي سواء للحكومات أو المنظّمات الدولية أو المؤسسات الاقتصادية، إلى أنّ اختيارها شخصيتين سياسيتين من تونس يستند إلى تقييم للمشهد السياسي الدولي والإقليمي الذي أفضى إلى اعتبار تونس نموذجا إيجابيا مقارنة بدول المنطقة من حيث مجموعة من الخصائص، أهمّها الحفاظ على السلم الأهلية والاجتماعية والتعاون المشترك من أجل قضايا عامّة محلّية وإقليمية وتنفيذ سياسة ديمقراطية تحترم حقوق الإنسان وتتجنّب النّزاعات والفتن.

508

| 05 أكتوبر 2015

عربي ودولي alsharq
القرضاوي ينفي تدهور صحته وينادي بدخول الأقصى

نفى العلامة الدكتور يوسف القرضاوي شائعة تردي حالته الصحية مؤكدا ان الصحة والمرض والحياة والموت بيد الله سبحانه وتعالى قال تعالى :(وأنه هو أضحك وأبكى وأنه هو أمات وأحيا ) وأن أحدا لا يستطيع أن يقدم من أجله يوما أو يؤخره. وأكد فضيلته أن على أمة الاسلام أن تنشغل بمعالي الأمور .. وأن تنشغل بالمسجد الاقصى وما يحاك له من مكر ، وما يدبر له من كيد . ودعا فضيلته جماهير العالم الإسلامي الى هبة كبرى لترسل رسائل إلى أعداء الأمة وإلى حكامها أن الشعوب لن ترضى بالتراخي أو التهاون في مقدساتها. ودعا فضيلته إلى تبني مشروع الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين الذي يهدف إلى كفالة المرابطين الذين يذودون عن المسجد الأقصى ويدافعون عنه ويرابطون في ساحاته وباحاته متصدين بصدور عارية للمستوطنين الصهاينة ومن خلفهم قوات الاحتلال الصهيوني. وأكد فضيلته أنه متمسك بفتواه التي شاركه فيها الجمع الغفير من علماء الداخل الفلسطيني وعلماء العالم الأحرار بمنع زيارة الأقصى تحت الاحتلال قائلا: نريد أن ندخل الاقصى فاتحين لا سائحين.

621

| 17 سبتمبر 2015

محليات alsharq
القرضاوي يدعو للإفراج عن أنور إبراهيم

وجه فضيلة الشيخ يوسف القرضاوي نداء إلى الحكومة الماليزية دعاها فيه إلى الإفراج عن السيد أنور ابراهيم رئيس حكومتها السابق، وجاء في رسالة النداء هذه أن : ماليزيا دولة حبيبة إلينا، عزيزة علينا، أثيرة لدينا، لها ذكريات طيبة في نفوسنا، و أقول هذا، بمناسبة ما يمر به أخونا وصديقنا الأستاذ الكبير أنور إبراهيم، الذي قام بأدوار عظيمة، وإنجازات كبيرة، وجهود طيبة، استفادت منها دولة ماليزيا والمجتمع الماليزي كله. وقد تابعت كما تابع الناس اتهام الأستاذ أنور بهذه التهمة الغريبة، التي لا تتوافق مع سنه، ولا خلقه، ولا دينه، ولا تاريخه، ولا مكانته، وما أحاطها من ظروف وملابسات غريبة، وتبرئته في أحد أدوار التقاضي تبرئة تامة، ثم الحكم عليه في الدور الذي يليه حكما نهائيا، بعد أن ذهبت الأدلة ومضت مدة من الزمن لا يمكن معها التأكد من شيء. لقد عرفت أنور إبراهيم شابا في مقتبل شبابه، ثائرا على الأنظمة القديمة، رئيسا لشباب ماليزيا (أبيم) ثم عرفته حين سجن من أجل قيادته الثائرة، ثم عرفته بعد خروجه من السجن وقد اقترب من حزب (آمنو) ثم أصبح عضوا في الحزب، وتولى أكثر من وزارة، حتى أصبح الرجل الثاني في الحزب وفي الحكومة. ودعاني أنور إبراهيم أكثر من مرة للتقريب بين الحزب الإسلامي وحزب ( آمنو) وكنت عند النداء، لأني كنت أنشد القوة والوحدة والاستقامة لماليزيا. وتعاونت مع أنور إبراهيم في إقامة الجامعة الإسلامية العالمية، التي تقوم على الجمع بين علوم الوحي، والعلوم الكونية والإنسانية. وعرفته وهو يتألق في ماليزيا وفي العالم العربي، وفي العالم الغربي، نائبا لرئيس وزراء ماليزيا ووزيرا لماليتها، فكان واحدا من أبرز القادة في ماليزيا الحديثة، وأحد الرجال الذين ساهموا في نهضتها، وكان العالم كله ينتظر – وقتئذ- أن يكون رئيسا للوزراء، وقائدا لماليزيا في مرحلة جديدة، لولا ما تدهمنا به السياسة من صدمات. أحسبه مسلما صادقا، ومؤمنا مستقيما، يؤدي الواجبات، ويجتنب الكبائر والمحرمات، ويعمل لعزة دينه، ورفعة بلده، وخدمة أمته، والله حسيبه ولا أزكيه على الله. واليوم أنور إبراهيم هو السياسي الوحيد الذي لوحق ويلاحق بقضايا تثار حولها الشبهات، ويسجن في الواحدة تلو الأخرى!! ولو شككت في فعله ما اتهم به، لما كتبت ما أكتبه الآن. لقد كان بوسعي أن أسكت عما يعانيه الرجل من سجن، غير أن وفائي للرجل، ومعرفتي به وأصالة معدنه، ونصيحتي الخالصة لماليزيا شعبا وحكومة، يمنعاني من أن أغض الطرف عن هذا الموضوع، ويوجبان علي أن أتوجه بالنداء إلى جلالة اليانغ دي. بيرتوان أغونغ عبد الحليم معظم. وإلى فخامة الداتو سري محمد نجيب تون عبد الرزاق: رئيس الوزراء الماليزي ، إلى إصدار عفو عن الأستاذ أنور إبراهيم، لا سيما وهذه القضية لم تحرك في عهد رئيس الوزراء الحالي، الذي قابلته وراسلته، وآزرته، وأحسنت الصلة به. وأحسب أنه- بإذن الله- مستجيب لهذا النداء. وأدعو إلى العمل على طي هذه الصفحة التي تسيء إلى دولة ماليزيا وقادتها، وإني والله لحريص كل الحرص على توحيد أهل البلد الواحد، بل توحيد الأمة الإسلامية، {وَإِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاتَّقُونِ } [المؤمنون:52]، و{ وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا } [آل عمران: 103]، {وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ وَاصْبِرُوا إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ} [ الأنفال:46]. وختم القرضاوي رسالته : اللهم اجمع الكلمة على الهدى، والقلوب على التقى، والأنفس على المحبة، والعزائم على عمل الخير وخير العمل. آمين

876

| 10 أغسطس 2015

محليات alsharq
مكتب القرضاوي: فيديو القنوات المصرية "كذب وافتراء"

أصدر مكتب الشيخ يوسف القرضاوي بيانا توضيحيا، جاء فيه أن القنوات المؤيدة للانقلاب العسكري في مصر أذاعت تسجيلا مصورا مجتزأ للعلامة القرضاوي، عن العمليات الاستشهادية، محاولة الإيهام بأن فضيلته يتحدث فيه عن مصر، وهو كذب وافتراء لا شك فيه، فتاريخ هذا الفيديو يرجع إلى (2013-03-21م)، حيث لم يكن الانقلاب قد وقع بعد. ومن يتابع تصريحات فضيلة الشيخ وبياناته، يجده يشدد على سلمية الثورة، ويحيي الثوار الأحرار لتمسكهم بها، رغم ما يلاقونه من قتل، وتعذيب، وانتهاك، واعتقال، ومطاردة، واعتداءات تشيب لها الولدان. وليس عجيبا أن يشترك في هذه الحملة، بعض علماء السلطان، الذين فضحهم الله، ولفظهم الناس، لمساندتهم الظلم، ووقوفهم مع الباطل، ونكوصهم عن الحق. أما حكم العمليات الاستشهادية فقد فصله فضيلة الشيخ القرضاوي في كتابه (فقه الجهاد)، وختم كلامه عنه بهذين التنبيهين المهمين: (التنبيه الأول: أننا أجزنا هذه العمليات للإخوة في فلسطين لظروفهم الخاصَّة في الدفاع عن أنفسهم وأهليهم وأولادهم وحُرماتهم، وهي التي اضْطرَّتهم إلى اللجوء إلى هذه العمليات، إذ لم يجدوا بديلًا عنها، ولم نُجِز استخدام هذه العمليات في غير فلسطين لانتفاء الضرورة الموجبة أو المبيحة، وقياس البلاد الأخرى على فلسطين، كالذين يستخدمون هذه العمليات ضدَّ المسلمين بعضهم وبعض، كما في الجزائر ومصر واليمن والسعودية والعراق وباكستان وغيرها، هو قياس في غير موضعه، وهو قياس مع الفارق، فهو باطل شرعًا. ومثل هؤلاء: الذين اتَّخذوها ضدَّ أمريكا في عُقر دارها، مثل أحداث 11 سبتمبر 2001م، فلا تدخل في هذا الاستثناء. والتنبيه الثاني: أنَّ الإخوة في فلسطين قد أغناهم الله عن هذه العمليات، بما مكَّنهم من الحصول على صواريخ تضرب في عُمق إسرائيل نفسها، وإن لم تبلغ مبلغ الصواريخ الإسرائيلية، ولكنها أصبحت تؤذيهم وتقلقهم وتزعجهم، فلم يعد إذن المعوّل على العمليات الاستشهادية، كما كان الأمر من قبل، فلكلِّ حالة حكمها، ولكلِّ مقام مقال. والفتوى تتغير بتغير الزمان والمكان والحال) انتهى من فقه الجهاد. على أن رأي فضيلة الشيخ الذي ارتآه حينها، لم يكن رأيه وحده، بل معه عشرات العلماء الأثبات، ومنهم شيخ الأزهر الراحل الدكتور محمد سيد طنطاوي الذي وصف هذه العمليات بأنها: (دفاع عن النفس ونوع من الشهادة، لأن جزاء سيئة سيئة مثلها، وما تقوم به إسرائيل داخل الأراضي الفلسطينية يدفع أي مسلم للانتقام والدفاع عن النفس... من فجَّر نفسه في عدو من الجيش الإسرائيلي لرد اعتدائه، ولم يكن له وسيلة لرد الاعتداء سوى تفجير نفسه فهو شهيد، شهيد، شهيد). وإن قيل إنه رجع عن موقفه بعد ذلك لأمور لا تخفى.

455

| 27 يوليو 2015

رمضان 1436 alsharq
د. القرضاوى: عرفتُ الشيخ عبد المعز عن طريق المشاهدة والسماع

الكتاب: "في وداع الأعلام" المؤلف: الشيخ د. يوسف القرضاوي الحلقة : السادسة عشر ..الشيخ عبد المعز عبد الستار ودَّعت الأمة الإسلامية على اتِّساع أوطانها في يوم الأربعاء التاسع من جمادى الأولى 1432هـ الموافق الثالث عشر من إبريل 2011م، عَلَمًا من أعلام الدعوة الإسلامية، وقُطبًا من أقطاب الحركة الإسلامية، وفارسًا من فرسان علماء الأزهر الشريف، ورائدًا من رواد التوجيه التربوي في دولة قطر، حيث رأس التوجيه التربوي للعلوم الشرعية لعدة سنين في وزارة التربية والتعليم في قطر. العالم الداعية الرباني إنه الداعية الإسلامي الكبير الشيخ عبد المعز عبد الستار، الذي بارك الله في عمره، فمات عن نحو 95 عامًا، قضاها في العلم والعمل والتعليم، وقد قال سلفنا رضي الله عنهم: العالم الرباني هو الذي يَعْلم ويَعمَل ويُعلِّم، فمن جمع بين هذه الثلاثة فهو الرباني، وإليه الإشارة بقوله تعالى: {وَلَكِنْ كُونُوا رَبَّانِيِّينَ بِمَا كُنْتُمْ تُعَلِّمُونَ الْكِتَابَ وَبِمَا كُنْتُمْ تَدْرُسُونَ} [آل عمران:79]. أما من عَمِل بغير علم، أو عَلِم بغير عمل، أو عَلِم وعمل ولم يُعلِّم الناس ما عنده- أو بعبارة أخرى: لم يدعُ الناس إلى ما عنده- فليس من الربانيين المعدودين! الانضمام المبكر إلى الإخوان وهو من علماء الأزهر الذين التحقوا بدعوة الإخوان، فقبل أن يتخرج في كلية أصول الدين، التقى الإمام الشهيد حسن البنا لأول مرة عام 1937، وهو طالب في الكلية، عندما ذهب الإمام ليودع بعثتي حج الأزهر وجامعته في محطة القطار، وكان الشيخ عبد المعز أحد المشتركين في بعثة الجامعة. خطيب موهوب يملك كل المؤهلات ولكن الشيخ عبد المعز نذر حياته للدعوة إلى الإسلام منذ شبابه، فقد عرف أن الله قد آتاه موهبة الخطابة، والتأثير في الناس، وكان الشيخ عبد المعز كأنما أعده الله إعدادًا خاصًّا ليكون خطيب الأمة الإسلامية في محافلها الكبرى، فقد هيَّأ الله له كل الأسباب الشخصية المطلوبة، من حفظ القرآن وتجويده في الصغر، ومن حسن إخراج الحروف العربية من مخارجها، لا يغلط في الحروف التي يحق إخراج اللسان فيها من الثاء والذال والظاء، أو حروف القلقلة في القرآن، أو حروف الإدغام والإخفاء. وكانت كل الملكات والمواهب التي للخطيب الموهوب المؤثر متوافرة فيه، من حيث الصوتُ الجهوري، والقامة الطويلة، والوجه البشوش، والقدرة على الإشارة والتلويح ذات اليمين وذات الشمال، كما أن لديه من الثروة اللغوية والأدبية، والمعاني القرآنية والنبوية، والتاريخية والواقعية، ما يجعل تراثه وحصيلته ومعارفه قادرة على أن تمدَّه بما يريد، وكانت ثروته هذه عميقة ممتدة في آفاق الآداب العربية، قديمها ووسيطها وحديثها، فقد كانت له قراءات أدبية في كتب الأدب القديمة؛ مثل: العقد الفريد، وكتب الجاحظ وابن قُتَيبة، وأبي عليٍّ القالي، والكامل للمبرد.. وفي غيرها، كما أنه كان يقرأ باستمرار لأديب العربية الرافعي، وللمنفلوطي، وللشيخ محمد عبده في (العروة الوثقى)، وغيرهم، ويحفظ لشعراء العرب القدماء والمحدثين، من الشعر الجزل، ما يجعل لعبارته رونقًا ومذاقًا، ويشهد أن له نفحة أدبية تنبئ له في عالم الأدب بمستقبل مرموق، وكان شجاعًا لا يخاف ولا يتصدع، ولا يفجع أمام الطغاة، أو الفراعين. ابن الشرقية وُلِدَ هذا الفتى في مدينة مديرية (محافظة) فاقوس في الشرقية، وحفظ القرآن الكريم في كُتَّابها، والتحق بعد حفظه بمعهد الزقازيق الديني، ثم كلية أصول الدين، حيث التقى فيها بصديقه وزميله الشيخ محمد الغزالي، كما التقى بإخوانه الشيخ زكريا الزوكة والشيخ إسماعيل حمدي. أول ما سمعت الشيخ عبد المعز عرفتُ الشيخ عبد المعز أول ما عرفته عن طريق المشاهدة والسماع، فقد كُنَّا طلاب الإخوان في المعاهد الثانوية الأزهرية، ننتهز الفرص لنزور القاهرة، وكل مهمتنا من زيارة القاهرة أن نزور المركز العام للإخوان، لننعم بلقاء الأستاذ حسن البنا، ونسعد بحضور حديثه الأسبوعي، الذي يجتمع الألوف للاستماع إليه، وكثيرون منهم جاءوا من خارج القاهرة، ولكني– لسوء حظي- لم أحظَ مرةً واحدة بلقاء حسن البنا، في حديث من أحاديث الثلاثاء، بل كثيرًا ما أجده خارج القاهرة، أو يكون حديثه في غير يوم الثلاثاء، أو يكون في إجازة من الحديث. ولكن كان الإخوة في المركز العام كثيرًا ما يدلُّوننا على أماكن خارج المركز العام فيها نشاط لدُعاة مرموقين، وقد دلُّونا في إحدى المرَّات على حفل في دار المعاملات الإسلامية في شارع محمد علي، يتحدث فيها الشاب الأزهري، والخطيب البارع: عبد المعز عبد الستار، وذلك في منتصف النهار، ودلونا مرة أخرى على احتفال بالمولد النبوي في شعبة الإخوان بقسم (القلعة)، وسيخطب فيه الأستاذ عز الدين إبراهيم، الداعية المعروف من شباب جامعة القاهرة، ومعه داعية معروف من شباب الأزهر اسمه صادق حميدة. وذهبتُ لكلا الحفلين، وكان أولهما الحفل الذي فيه الشيخ عبد المعز، وقد دخلت وهو يتحدث بصوته القوي الجهير، الذي ملأ أذني وعقلي وقلبي، وهو يشير بيده اليمنى إلى أعلى، إشارة أصبحت من مميزات حركته في خطابته، وهو يشير إلى معان بسيطة من سورة النور في قوله تعالى: {أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يُزْجِي سَحَابًا ثُمَّ يُؤَلِّفُ بَيْنَهُ ثُمَّ يَجْعَلُهُ رُكَامًا فَتَرَى الْوَدْقَ يَخْرُجُ مِنْ خِلَالِهِ وَيُنَزِّلُ مِنَ السَّمَاءِ مِنْ جِبَالٍ فِيهَا مِنْ بَرَدٍ فَيُصِيبُ بِهِ مَنْ يَشَاءُ وَيَصْرِفُهُ عَنْ مَنْ يَشَاءُ يَكَادُ سَنَا بَرْقِهِ يَذْهَبُ بِالْأَبْصَارِ} [النور:43]. سمعت حديث الشيخ وأعجبت به، ولكنه بعد أن أنهى حديثه خرج بسرعة، فلم أستطع التعرُّف عليه، ولم يُتَحْ لنا اللقاء بالشَّيْخ، إلى أن التقينا من وراء ستار في معتقل هايكتسب، سمعنا صوته ولم نره. موقف الشيخ أيام ضربنا في معتقل الهايكستب فقد اعتقلنا في أيام الملكية في سجن قسم أول طنطا، بعد حلِّ الإخوان في 8/12/1948م، وبقينا مدة طويلة في سجن القسم، أنا والإخوة محمد الدمرداش مراد، وأحمد العسال، ومصباح محمد عبده، وعدد من إخوان طنطا أو الغربية الكبار، مثل الأستاذ حسني الزمزمي، ومحمد فكيه، وشفيق باشا، وإبراهيم الباجوري، والحاج محمود عبية . وقد بقينا في سجن قسم أول طنطا أكثر من شهر، ثم رحلنا منه يوم 12/2/1949م، وقرأنا الصحف بعد أن حرمنا منها تلك المدة كلها، وفوجئنا بالنبأ الفاجع: اغتيال الشيخ حسن البنا، مقتل الشيخ البنا أمام جمعية الشبان المسلمين، ونقلنا إلى مكان في أطراف القاهرة، عرفنا أن اسمه (الهايكستب)، وهو مكان كان معسكرًا لجنود الإنجليز في أيام الحرب، وقد وُضِعَ فيه عدد من الإخوان، وبعض الشيوعيين واليساريين ومنهم يهود، مثل هنري كوريل، المليونير الإيطالي، مؤسس جماعة (حَدِتُّو) الشيوعية، وحدتو اختصار لـ(الحركة الديمقراطية التحررية الوطنية). وكان معنا في هذا المعتقل الشيخ محمد جبر التميمي، والدكتور حسان حتحوت، والشيخ عبد الودود شلبي، وعدد من طلاب القسم الابتدائي الأزهري بمعهد دمياط الديني، أذكر منهم أصغر طالب فيهم محمد أحمد العزب. وكان بجوارنا العنبر الآخر الذي فيه عدد من كبار الإخوان، عزلوهم عنَّا، وقد ضيقوا عليهم في المأكل والمشرب، منهم الأستاذ الشيخ عبد المعز عبد الستار، والأستاذ عبد الحكيم عابدين، وعدد من الإخوة، وقد سمعت من الشيخ عبد المعز أنه قال: حاولنا يوما أن نشرب من الماء المخزن في (سيفون) المرحاض، فوجدناه كأنه طين لا يمكن شربه. وكنا سمعنا أنهم ركبوا لهم (أجهزة تسجيل) خفية، تسجل أحاديثهم بعضهم مع بعض، فأردنا أن نبلغهم بذلك، فأبلغناهم بذلك بطريقة ملحنة كأنما نقرأ القرآن، حتى لا يحس الحراس، وقد فهموا عنا ما أردنا. وقد بقينا في (الهايكستب) إلى يوم (العلقة) الشهيرة، حيث أرسلوا إلينا جماعة من عساكر (بلوك النظام) لتأديبنا، وكان الجنود يوجِّهون ضرباتهم إلى الشيخ عبد المعز، وهو يصرخ فيهم: (اضربوا يا أنذال، اضربوا يا كلاب). وبعض الإخوة استجار بالملك، قائلًا: أنا في عرض جلالة الملك! وانفضت المعركة المفتعلة بقليل من الإصابات والجراحات الخفيفة، وكثير من العجب والاستغراب لما حدث، ولكن في عهود الظلم والاستبداد لا يُستغرب أي شيء يقع؛ لأنه لا يوجد من يحاسب الظالم، ولا من ينصف المظلوم. قصيدتي عن المعتقلين في معركة الضرب وقد تحدثت عن هذه (العلقة) في مذكراتي، وفي قصيدتي (هجمة الجند)، التي قلت فيما قلت فيها: ما للجنود ذوي العصي وما لي؟ ما كنت بالباغي ولا المحتال! ما بالهم هجموا علينا بغتة متوثِّبين كهجمةِ الأغوالِ؟! قد كشّروا عن نابِهم، وتقدَّموا ببسالة للثأر من أمثالي! وكان مما قلته فيها أصف به ما تعرض له الشيخ عبد المعز، وشموخه واعتزازه على جلاديه: وبقربنا شيخ يجلجل صوته في الجند يصرخ صرخةَ الرِّئبالِ عبد المعزِّ يقولُ: دونكمو اضربوا ضرب الخسيس لشامخٍ متعالِ نقلُنا إلى معتقل الطور وجُمِعنا بعد ذلك أهل (الهايكستب) جميعًا، ونُقِلْنا إلى (معتقل الطور)، ولكن الشيخ عبد المعز وُضِعَ في حذاء رقم (1)، حيث اتخذه المعتقلون إمامًا لهم، وأما أنا فوضعوني في حذاء رقم (2)، وكان إمامه الشيخ الغزالي، وهو في الحقيقة أحب إليَّ، وأهوى عندي، فقد كنت قرأت له بعض المقالات في صحيفة الإخوان، وقرأت له كتاب (الإسلام وأوضاعنا الاقتصادية)، وإن لم ألقه أول مرة إلَّا في الباخرة (عايدة) التي ركبناها باسم الله مجراها ومرساها إلى الطور. الشيخ إمام في جانب من معتقل الطور وجاء شهر رمضان، {الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ} [البقرة:185]. وهو شهر الصيام والقيام، والذكر والدعاء والاستغفار، وهي في الطور أصفى وأحلى ما يشعر به المؤمنون. لم أسعد بالشيخ عبد المعز في الطور، ولكن سعد به رفيقي وصديقي أحمد العسَّال، الذي حدثني عنه حديث المعجَب المعتزِّ به، وأسعدني حديثه، وقد بقي العسَّال بعدي عدة أسابيع، ثم أُفرِج عنه. الشيخ في مذكراتي وقد ذكرتُ الشيخَ عبد المعز أكثر من مرة في ذكرياتي، منها: (وفي سنة 1946م أرسل الإمامُ حسن البنا: العالمَ الداعية الشيخ عبد المعز عبد الستار، وهو في ريعان شبابه، ليطوف بمدن فلسطين مشرِّقًا ومغربًا، لتنبيه العقول، وإحياء القلوب، وإشعال المشاعر، وتجميع الصفوف، وقد بقي الشيخ عبد المعز- كما سمعتُ منه- شهرين كاملين في فلسطين، ولكنه عاد من هناك يحمل همًّا كبيرًا، ويُشفق على مصير فلسطين؛ فحينما زار المسجد الأقصى، لم يجد فيه غير صفين من المصلين أو ثلاثة، فآلمه ذلك أشدَّ الإيلام، ولما قال لبعض المقدسيِّين ذلك، قال له: صحيحٌ أنَّ الصلاة ثقيلة عليهم، ولكن إذا ناديتهم إلى المعركة لبُّوا النداء في سرعة البرق. وقال لهم الشيخ: إن أول الجهاد أن نجاهد أنفسنا، وأن ننتصر عليها، والله تعالى يقول: {اسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ} [البقرة:153]. وممَّا لاحظه الشيخ أن القادة كلهم غائبون، الحاج أمين الحسيني منفيٌّ في الخارج، والآخرون متفرقون، كما لاحظ أن اليهود يعملون ليل نهار، وفي غاية من اليقظة والاستعداد، والعرب ليسوا على هذا المستوى، ولهذا حين عاد إلى مصر قال للأستاذ البنا: الحقيقة أن دولة اليهود قائمة بالفعل، ولا ينقصها إلا الإعلان عنها!. فترة ما بعد المعتقل وخرج الإخوان من معتقلاتهم أشد عزمًا، وأقوى إصرارًا على دعوتهم، واستمساكًا بعروتها الوثقى، ونشاطًا في سبيلها. وكانت هذه الفترة من أخصب الفترات في تاريخ الدعوة، فلم يكن للدعوة دور ولا لافتات، ولا أي مظاهر رسمية، وإنما كان هناك عمل هادئ صامت، يقوم به أبناء الدعوة في كل مكان، وخصوصا بين الطلاب، وكان العمل أشبه ببذر البذور الطيبة في أرض خصبة، بأيدٍ أمينة، وكان لا بد أن يؤتي أكله. وكنا نكسب باستمرار شبابًا وجنودًا جددًا ينضمون إلى الدعوة مخلصين، لا يرجون إلا الله والدار الآخرة، وقد كان هذا أمرًا جليًّا بالنسبة لطلاب الجامعة والأزهر، وقد جمعت بيننا لقاءات دعوية للتفاهم وتنسيق العمل المشترك. وكان من أهم جولات النشاط العلني الذي قمت به في هذه الفترة: تأييد مرشحي الإخوان في الانتخابات؛ فقد رُشِّحَ عددٌ منهم في بعض الدوائر، وكان ذلك لغاية مهمة، وهي أن الانتخابات تتيح لهم- رسميًّا- الحديث عن الدعوة وأهدافها ومنجزاتها ومستقبلها، وإن لم يكن لديهم أمل في النجاح. رُشِّح الشيخ الباقوري في دائرة القلعة، والأستاذ طاهر الخشاب في العباسية، والأستاذ مصطفى مؤمن في الجيزة، والأستاذ علي شحاته في شبرا، والشيخ عبد المعز عبد الستار في فاقوس، والأستاذ فهمي أبو غدير في الوسطى وأسيوط. وكنا ننتقل من دائرة إلى أخرى لنشارك في المسيرات المؤيدة، أو في حملات الدعاية، بدافع من أنفسنا، ورغبة صادقة في مساندة إخواننا، الذين لا يملكون من وسائل الدعاية والتجنيد ما يملك خصومهم المرشحون. وقد كُلِّفْتُ من الإخوان بالسفر إلى أسيوط لأسهم في تأييد مرشح الدعوة المحامي فهمي أبو غدير. سفري إلى فاقوس لتأييد الشيخ عبد المعز وبعد رجوعي من أسيوط كُلِّفت أن أسافر إلى (فاقوس) بالشرقية، لتأييد مرشحها فضيلة الشيخ عبد المعز عبد الستار، وبقيت هناك نحو أسبوع، أنتقل في أحياء فاقوس، وفي قرى الدائرة، لمساندة ابنها البار، وعالمها الجليل، وخطيبها المُفَوَّه، الذي دوَّى صوته في جنبات الأزهر، وفي أنحاء مصر، ووصل إلى فلسطين، فهزَّ المنابر، وأيقظ المشاعر، وزلزل عروش الظالمين. وعدت بعد ذلك إلى القاهرة لأواصل نشاطي الدراسي والدعوي. وقد جرت الانتخاب بعد أيام قليلة، ولم ينجح أيُّ مرشح من الإخوان، وهو ما كان متوقَّعًا؛ فالانتخابات فن لم يُتقِنه الإخوان بعدُ، ويحتاج إلى تهيئة وإعداد طويل. استمعت إلى الشيخ عبد المعز وهو يخطب الجمعة في فاقوس، وسمعته وهو يخطب في بعض أعيان فاقوس بمناسبة ترشحه، وفي بعض قرى فاقوس، فكان دائمًا هو فارس الميدان، وصاحب الصوت الأعلى. وظل الشيخ عبد المعز في مكانه في قسم الدعوة والإرشاد، وهو يتبع الأزهر في إدارته، ولكنه كان مكينًا في قلوب الإخوان، لما يعرفون من منزلته عند الإمام الشهيد حسن البنا. الشيخ عضو في مكتب الإرشاد وكان الشيخ عبد المعز عضوًا في مكتب الإرشاد الثاني، الذي تشكل مع تولي الأستاذ حسن الهضيبي منصب المرشد العام، وكان معه في عضوية المكتب كل من محمد حامد أبو النصر، وعمر التلمساني، وعبد القادر عودة، وعبد الرحمن البنا، وعبد الحكيم عابدين، ومحمد فرغلي، وحسين كمال الدين، ومحمد خميس حميدة، وكمال خليفة، وأحمد شِريت، وعبد العزيز عطية، بجانب مُنِير أمين دلَّة، وصالح أبو رقيق، والبهي الخولي، وعرف رموز العمل الوطني والإسلامي الصادقين خلال القرن العشرين، كالحاج أمين الحسيني، والشيخ عزّ الدين القسّام وأمثالهما.

2314

| 02 يوليو 2015

رمضان 1436 alsharq
القرضاوي: عبد العزيز كامل أحد الأقلام التي غيرت الفكر الإخواني

الكتاب: "في وداع الأعلام" المؤلف: الشيخ د. يوسف القرضاوي الحلقة : الثانية عشرة إن أخطر شيء على حياة الأمة المعنوية، أن يذهب العلماء، ويبقى الجهال، الذين يلبسون لبوس العلماء، ويحملون ألقاب العلماء، وهم لا يستندون إلى علم ولا هدى ولا كتاب منير. فهم إذا أفتوا لا يفتون بعلم، وإذا قضوا لا يقضون بحق، وإذا دعوا لا يدعون على بصيرة، وهو الذي حذر منه الحديث الصحيح الذي رواه عبد الله بن عمرو "إن الله لا يقبض العلم انتزاعاً ينتزعه من صدور الناس، ولكن يقبض العلم بقبض العلماء، حتى إذا لم يُبق عالماً، اتخذ الناس رؤوساً جهالاً، فسئلوا، فأفتوا بغير علم، فضلوا وأضلوا" (متفق عليه). ولعل هذا الشعور هو الذي دفعني في السنوات الأخيرة إلى أن أمسك بالقلم لأودع العلماء الكبار بكلمات رثاء، أبين فيها فضلهم، وأنوّه بمكانتهم، والفجيعة فيهم، حتى يترحم الناس عليهم، ويدعوا لهم، ويجتهدوا أن يهيئوا من الأجيال الصاعدة من يملأ فراغهم، وإلا كانت الكارثة. إن مما يؤسف له حقّاً أن يموت العالم الفقيه، أو العالم الداعية، أو العالم المفكر، فلا يكاد يشعر بموته أحد، على حين تهتز أجهزة الإعلام، وتمتلئ أنهار الصحف، وتهتم الإذاعات والتلفازات بموت ممثل أو ممثلة، أو مطرب أو مطربة أو لاعب كرة أو غير هؤلاء، ممن أمسوا (نجوم المجتمع)!. وأسف آخر أن العلمانيين والماركسيين وأشباههم إذا فقد واحد منهم، أثاروا ضجة بموته، وصنعوا له هالات مزورة، وتفننوا في الحديث عنه، واختراع الأمجاد له، وهكذا نراهم يزين بعضهم بعضاً، ويضخم بعضهم شأن بعض. على حين لا نرى الإسلاميين يفعلون ذلك مع أحيائهم ولا أمواتهم، وهذا ما شكا منه الأدباء والشعراء الأصلاء من قديم. وفي هذه الحلقة يتحدث الشيخ القرضاوي عن الداعية والكاتب والمفكر الإسلامي عبدالعزيز كامل عبد العزيز كامل الداعية والكاتب الإسلامي، وعضو الهيئة التأسيسية وعضو مكتب الإرشاد (1338 - 1411 هـ = 1919 - 1991م) أ‌. د عبد العزيز كامل، الداعية والكاتب والمفكر الإسلامي، أحد الأقلام الأولى التي غيرت الفكر الإخواني، حتى رشحه عدد من الإخوان مرشدا بعد البنا، تولى وزارة الأوقاف، وشارك في وزارات محمود فوزي وعزيز صدقي والسادات، وعُيِّن نائبًا لرئيس الوزراء عام 1974م. سافر د. كامل بعد ذلك إلى الكويت، وبقي فيها ستة عشر عامًا مدرِّسًا ومديرًا لجامعتها ومستشارًا لأميرها. وكان مشاركًا نشطًا في الحوار الإسلامي المسيحي، إيمانًا بإمكان إيجاد قاعدة مشتركة من التعاون يجري من خلالها إسهام المسلمين في بناء ثقافة عالمية مؤمنة. كما تعاون مع اليونسكو وشارك في أنشطتها. وأسهم في الرد على ما اشتملت عليه الطبعة الإنجليزية من المجلد الثالث من كتاب (تاريخ البشرية) من أخطاء ومغالطات، وتجنٍّ على الإسلام وتاريخ أهله، وعن القرآن الكريم. معرفتي بعبد العزيز كامل: عرفت عبد العزيز كامل أول ما عرفته من قراءتي لمقالاته في مجلة (الإخوان المسلمون) الأسبوعية، وكنت من المعجبين بهذه المقالات، والمداومين لقراءتها، هي ومقالة الشيخ الغزالي، وإن كان لكل منهما طابعه المتميز، ومذاقه الخاص. فقد كان الشيخ الغزالي يكتب- عادة- للمسلمين عامة، وكان عبد العزيز كامل يكتب للإخوان خاصة، بل كثيرًا ما يكتب للإخوان العاملين منهم. كان الغزالي يركز على التوعية العامة، وكامل يركز على التربية الخاصة، بغرس الجانب الرباني في تكوين الشخصية المسلمة، وكانت له سلسلة مقالات تحت عنوان: (كونوا ربانيين). كما كتب سلسلة مقالات عن (البناء والهدم في الدعوات) وعن (المحن في الدعوات) كان لها تأثيرها في إضاءة العقول بالمعرفة، وإنارة القلوب بالإيمان. وكتب أيضًا تحت عنوان (في صميم الدعوة) مقالات توجيهية تربوية، تهدف إلى تصحيح مفاهيم الدعوة عند الإخوان، ودفعهم إلى السلوك القويم، والبذل من أجل الدعوة والتآخي عليها. وكان له نَفَس خاص في مقالاته، لا يكاد يوجد عند غيره. والعجيب أن هذه المقالات التي كتبها عبد العزيز كامل لم يسعَ أحد لجمعها ونشرها؛ ليستفيد الناس منها؛ فالأفكار لا تموت بموت أصحابها. بل يموت العلماء وتبقى آثارهم حية. لقاءاتي به رحمه الله: عندما قُدِّر لي أن ألتقي بالأستاذ عبد العزيز ازداد إعجابي به، وحبِّي له، وقد كان أول لقاء لي به حينما زارنا في طنطا قبل حل الإخوان الأول بقليل، وألقى محاضرة مؤثرة في دار الإخوان بطنطا، وكان في ذلك الوقت معلِّمًا بمعهد شبين الكوم العالي للتربية، ولم يكن قد حصل على الدكتوراه بعد. كانت معرفتي به حين لقيته في معتقل الطور، واستمعنا بشغف إلى أحاديثه العميقة، وكنا نسمع من إخوان القاهرة: أن الأستاذ البنا كان يعدُّه ليكون (المرشد) من بعده. وبعد الإفراج عن الإخوان زرته أكثر من مرة في بيته أنا والأخ أحمد العسال. وتوثقت هذه الصلة أكثر حين كان مسؤولًا عن (قسم الأُسَر) بالمركز العام للإخوان، وقد اجتهد أن يرقى بهذا القسم، وأن يقيمه على دعائم راسخة من العلم الشرعي، والثقافة التربوية، وكان معنيًّا بالتأصيل أكثر من اهتمامه بالتفريع، ولا سيما فكرة المحاسبة للنفس أو النقد الذاتي للجماعة؛ فإن الله لم يجعل العصمة إلا لمجموع الأمة، أما أي جماعة فيمكن أن تخطئ كما يمكن أن تصيب. وعندما قمت أنا ومجموعة من شباب الأزهر آمنوا بربهم ورسالتهم، وآلوا على أنفسهم أن يرفعوا صرح الأزهر عاليًا أو يموتوا تحت أنقاضه، بعمل لجنة البعث الأزهري، وقد كلفني الإخوة الزملاء مؤسسو اللجنة أن أبدأ بكتابة الرسالة الأولى من رسائلها المعرِّفة بها والمعبِّرة عن مهمتها، (رسالتكم يا أبناء الأزهر)، وقد عرضتها على الداعية الكبير الشيخ محمد الغزالي ليقرأها ويبدي ملاحظاته عليها، فأجاب ذلك مشكورًا، وقرأها، وقال عنها: إنها من أمتع ما قرأت، فكرة وعاطفة وأسلوبًا. وعرضتها كذلك على الداعية والمربي الجليل الأستاذ عبد العزيز كامل، فسُرَّ بها كثيرًا، ولكنه نصحني بأن أخرِّج أحاديثها، حتى تأخذ الصبغة العلمية. وبدأ بنشر سلسلة تنويرية للإخوان سماها: (نحو جيل مسلم) لا تستنكف أن تضمن النقد لبعض للأفكار، وبعض السلوكيات السائدة في الجماعة. ثم توثقت العلاقة أكثر حين جمعنا السجن الحربي، والمحن بطبيعتها تجمع ولا تُفَرِّق، وبعد خروجنا من السجن كنتُ أتردد عليه أنا وأخي العسَّال للاقتباس منه، والاقتطاف من ثمار معرفته وخبرته. وهذا الاتصال به كان سببًا في اعتقالي أنا والعسال، حينما تم اعتقالنا صيف سنة 1962، بعد وصولنا من قطر إلى مصر بعد عدة أيام، ولم نعرف سبب اعتقالنا إلا بعد الإفراج عنا؛ فقد كان عبد العزيز كامل وحسن عباس زكي وعمر مرعي وآخرون متهمين مع بعض الضباط في الجيش المصري بعمل انقلاب ضد عبد الناصر. وأننا- باعتبارنا في الخليج- كنا همزة الوصل لتمويل هذا الانقلاب المزعوم، الذي لم نعلم عنه شيئًا، إلا بعد خروجنا من سجن المخابرات! مع أني لم يكن لي في الخليج إلا بضعة أشهر، فبعد أن ذهبنا إلى مبنى المخابرات المصرية، وقد بدأوا سؤالي: هل تعرف أحدًا في الدُّقي؟ قلت: نعم أعرف جماعة سعودي: الحاج سعودي وإخوانه. قالوا: ألا تعرف أحدًا آخر؟ قلت: لا أذكر الآن. قالوا: ألا تعرف عبد العزيز كامل؟ قلت: بلى، أعرفه جيدًا. قالوا: فلماذا تنكر، وقد زرته أكثر من مرة؟ قلتُ: لم أنكر، ولو سألتموني مباشرة لأجبت بالإيجاب، وهل في معرفة عبد العزيز كامل أو زيارته تهمة؟ على أن عبد العزيز كامل عاش دهرًا وهو من سكان إمبابة، وهو حديث عهد بسكنى الدقي؛ ولذا لم يخطر ببالي لأول وهلة. قالوا: هل تعرف أحدًا من ضباط الجيش؟ قلتُ: لا أذكر أحدًا غير معروف الحضري، وقد كان معنا في السجن الحربي. قال: عادتكم تنكرون كل شيء، وليس هناك طريقة تنطقكم غير طريقة حمزة البسيوني والسجن الحربي. قلتُ: وماذا أنكرتُ أنا حتى تقول هذا الكلام؟ قال: ألا تعرف الضابط محمود يونس؟ قلت: بلى، أعرفه. قالوا: فلماذا ادعيت أنك لا تعرف أحدًا؟ قلت: لو سألتني عن معرفة محمود يونس ما أنكرت، ولكن هذه معرفة قديمة، ولم أره منذ سنين، وصلته بالأخ العسال أقدم وأوثق. قالوا: وهل تعرف صلة محمود يونس بعبد العزيز كامل؟ قلت: أظنه كان يريد أن يتزوج ابنة أخته أو نحو ذلك، فهذا هو سر صلته به فيما أعلم. قالوا: أهذا كل صلته بعبد العزيز كامل؟ قلت: هذا كل ما أعلمه عن صلته به، وأي صلة يمكن أن تكون بين يونس وكامل؟ قال أحدهم: هكذا أنتم أيها الإخوان، تتخذون دائما سبيل الجحود والإنكار، ما لم تُستخدم معكم أدوات تجبركم على الكلام. قلت له: والله ما عندي شيء أخفيه. وسألوني بعض الأسئلة عن قطر، وعن عملي في قطر.. ثم أمروني بالانصراف، وأنا لا أدري شيئًا عن هذه الأسئلة التي وجهت إليَّ، ولماذا سئلت عن عبد العزيز كامل ومحمود يونس دون العالمين؟ وهل انتهى التحقيق معي أو لم تزل له بقية؟ كل هذه الأسئلة بقيت معلقة لم أجد لها جوابًا. وما هي إلا أيام حتى عرفت من الناس التهمة التي أخذت بها، وهي شبهة المشاركة في انقلاب ديني الطابع، دبَّره بعض الضباط في الجيش، مع فئة من القيادات الدينية الصوفية، وعلى رأسهم: الدكتور حسن عباس زكي وزير الاقتصاد السابق، والأستاذ عمر مرعي، شقيق السيد مرعي رئيس مجلس الشعب، ومعهما الأستاذ عبد العزيز كامل. سعة ثقافته الإسلامية: من عرف عبد العزيز كامل واقترب منه، وجده من أوسع الناس ثقافة؛ فرغم أنه خريج الجامعة المصرية من قسم الجغرافيا بكلية الآداب، تجد ثقافته العربية والإسلامية مؤسسة تأسيسا قويا، وقد نشأ في الإسكندرية قريبا من جماعة أنصار السنة المحمدية، فاستفاد من مصادرها واهتماماتها السلفية، وتعرف على مدرسة ابن تيمية وابن القيم، كما كان على اطلاع على الفكر الغربي ومدارسه، وعُني كذلك بالفكر التربوي وفلسفته وأصوله النظرية، وتطبيقاته العملية. المؤتمر العالمي للسيرة النبوية: ومما أذكره حضور الأستاذ عبد العزيز للمؤتمر العالمي للسيرة النبوية، الذي استضافته دولة قطر، بفضل جهود صديقنا العالم الجليل الشيخ عبد الله بن إبراهيم الأنصاري رحمه الله، وتجاوب المسؤولين في دولة قطر، وكان هذا المؤتمر قد عقد مرتين قبل ذلك: مرة في باكستان، ومرة في تركيا. وأرادت قطر باستضافة هذا المؤتمر: أن تكون بداية احتفالات الأمة الإسلامية بمقدم القرن الخامس عشر الهجري. واقترحنا أن نستعين ببعض الشخصيات البارزة، منهم: الدكتور عبد العزيز كامل في الكويت، الذي كان له إسهامه البارز في المؤتمر، وقد اقترح إضافة كلمة في غاية الأهمية إلى عنوان المؤتمر، وهي كلمة (السنة) فبدل أن كان اسمه (المؤتمر العالمي للسيرة النبوية) يجب أن يكون اسمه (المؤتمر العالمي للسنة والسيرة النبوية) فالسنة أعم وأشمل من السيرة، وهي في حاجة إلى خدمة وعناية كبرى، والسيرة جزء منها. وينبغي على هذا المؤتمر أن يكون تركيزه على النهوض بالواجب نحو السنة وعلومها، نهوضا يليق بإمكانات العصر. واستجابت اللجنة لاقتراحه فورا، وغيرت عنوان المؤتمر. عبد العزيز كامل والإخوان: كان كثير من الإخوان يرشحون الأستاذ عبد العزيز كامل ليكون خليفة للمرشد العام الأول الإمام حسن البنا؛ لمَّا رأوا فيه من مواهب وفضائل، ربما لا تتوافر في غيره، ولمَّا رأوا قربه من الأستاذ البنا، بل قيل: إن الأستاذ البنا نفسه كان يرشحه لهذا المنصب في وقت من الأوقات. وكان آخرون يعيبون على الأستاذ عبد العزيز الغموض في موقفه من بعض القضايا الكبرى داخل الجماعة، ومحاولته أن يمسك العصا من الوسط، وأن يرضي جميع الأطراف، وربما كان هذا ناشئًا عن خلق الرفق واللين عنده؛ فهو لا يحسم الأمر حيث ينبغي أن يُحسَم، ولا يعلن موقفه الصريح حين ينبغي أن يعلن. وبعد ذلك غيَّر أكثر الإخوان موقفهم منه، حين انضم إلى ركب الثورة، وقرر أن يسلك سبيل التعاون معهم، لا المعارضة لهم. وقد عرفت من الأستاذ محمد فريد عبد الخالق أنه أخبره في أواخر أيامه في السجن الحربي أنه سيعمل وحده بعيدًا عن الإخوان، وكلَّفه أن يبلغ ذلك إلى الإخوان، وأنه استخار الله في ذلك وصمَّم عليه، ويبدو من هذا: أنه رأى أن يغير خطه بعد خروجه من السجن، وأنه لا فائدة من الصراع مع الثورة، وأن العمل معهم أجدى من الصراع ضدهم. وكان هذا اجتهادًا منه رحمه الله، رضيه منه رجال الثورة، وعُيِّن على أساسه وزيرا للأوقاف وشؤون الأزهر، ثم نائبا لرئيس الوزراء لهذه الشؤون الدينية، ولم يرض ذلك منه جمهور الإخوان، واعتبروه قد خان الدعوة، التي نشأ فيها، وسار في ركاب أعدائها، وأنه قد أحبط عمله، وضيع تاريخه، وختم حياته خاتمة سوء، وإنما الأعمال بالخواتيم. والإخوان بهذا قساة في حكمهم على إخوانهم الذين يختلفون معهم. ورأيي أن الناس تتفاوت طاقاتهم في احتمال البلاء والصبر عليه، وهذا أمر مشاهَد ومتفَق عليه، وأن من ضعف احتماله عن السير في الطريق إلى نهايته، فمن حقه أن يستريح ويُريح، ولا يكلف نفسه ما لا تطيق. وفي الحديث الشريف: "لا يحل لمؤمن أن يذل نفسه، قالوا: وكيف يذل نفسه يا رسول الله؟ قال: يحملها من البلاء ما لا تطيق". والقرآن يقول: {لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا} [البقرة:286]. وفي آية أخرى: { لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا مَا آتَاهَا} [الطلاق: 7]. والعمل الجماعي لخدمة الإسلام يقوم على الإرادة الطوعية الاختيارية، وهي مبنية على اقتناع الإنسان بأهمية هذا العمل وقدرته على الإسهام فيه، فإذا تغير هذا الاقتناع، ورأى المرء المسلم أن وجوده في العمل الجماعي غير نافع له، بل ربما أضر به، أو أنه لم يعد قادرا على الإسهام فيه؛ فلا جناح عليه أن يعمل بما يقدر عليه من وسائل، وفقًا لقوله تعالى: {فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ} [التغابن:16]. وقوله عليه الصلاة والسلام: "إذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم". والأجدر بالمسلم أن يحسن الظن بالمسلمين عامة، ولا يظن بهم السوء، ويحمل تصرفاتهم على الوجه الحسن ما استطاع؛ فقد قال تعالى: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ} [الحجرات:12]. وقال عليه الصلاة والسلام: "إياكم والظن فإن الظن أكذب الحديث" . وهذا في المسلمين عامة؛ فكيف بإخوانك الذين عرفتهم وخبرتهم، ولم تعلم عنهم طوال تاريخهم إلا خيرًا؟ فهم أولى بحسن ظنك بلا ريب، وقد قال بعض السلف: ألتمس لأخي من عذر إلى سبعين، ثم أقول: لعل له عذرا آخر لا أعرفه! والمؤمن أبدا يلتمس المعاذير، والمنافق يبحث عن العثرات. على أن المسلم إذا اضطرته الظروف أن يغير موقفه من إخوانه ومن دعوته ومن الآخرين، فعليه أن يتقي الله في التاريخ وألا يغير الحقائق والوقائع لإرضاء الوضع الجديد. فكل شيء يجب أن يكون دينيًا ومضبوطًا ومشهودًا له أو عليه بالقسط والعدل، لا يحيف ولا يهمل لطرف على طرف، كما قال تعالى: { وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى } [المائدة: 2] مؤلفاته (دروس من سورة يوسف)، و(الإسلام والمستقبل)، و(الإسلام والعصر)، و(خطوات نحو القدس)، و(نحو تخطيط علمي لدراساتنا الإفريقية)، و(أحاديث رمضان)، و(الدين والحياة.) (دروس من غزوة أحد)، و(مواقف إسلامية)، و(مدخل جغرافي إلى قصص القرآن الكريم)، وغيرها كثير. ولا نملك إلا أن ندعو للأخ الكبير الدكتور عبد العزيز كامل- وإن اختلفنا معه في مواقفه الأخيرة- أن يغفر الله له ويرحمه، ويتقبله في الصالحين من عباده، ويجزيه خيرًا عمَّا قدم لدينه وأمته، وألا يحرمه أجر المجتهد المخطئ فيما أخطأ فيه من مواقف، ويجعلنا وإياه من الذين رضي الله عنهم، ورضوا عنه، أولئك لهم مغفرة من ربهم، وجنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها، ونعم أجر العاملين.

7850

| 28 يونيو 2015

محليات alsharq
القرضاوي:حارث الضاري كان رجلَ حق وخير وهداية ومسؤولية

الكتاب: "في وداع الأعلام" المؤلف: الشيخ د. يوسف القرضاوي الحلقة : السابعة إن أخطر شيء على حياة الأمة المعنوية، أن يذهب العلماء، ويبقى الجهال، الذين يلبسون لبوس العلماء، ويحملون ألقاب العلماء، وهم لا يستندون إلى علم ولا هدى ولا كتاب منير. فهم إذا أفتوا لا يفتون بعلم، وإذا قضوا لا يقضون بحق، وإذا دعوا لا يدعون على بصيرة، وهو الذي حذر منه الحديث الصحيح الذي رواه عبد الله بن عمرو "إن الله لا يقبض العلم انتزاعاً ينتزعه من صدور الناس، ولكن يقبض العلم بقبض العلماء، حتى إذا لم يُبق عالماً، اتخذ الناس رؤوساً جهالاً، فسئلوا، فأفتوا بغير علم، فضلوا وأضلوا" (متفق عليه). ولعل هذا الشعور هو الذي دفعني في السنوات الأخيرة إلى أن أمسك بالقلم لأودع العلماء الكبار بكلمات رثاء، أبين فيها فضلهم، وأنوّه بمكانتهم، والفجيعة فيهم، حتى يترحم الناس عليهم، ويدعوا لهم، ويجتهدوا أن يهيئوا من الأجيال الصاعدة من يملأ فراغهم، وإلا كانت الكارثة. إن مما يؤسف له حقّاً أن يموت العالم الفقيه، أو العالم الداعية، أو العالم المفكر، فلا يكاد يشعر بموته أحد، على حين تهتز أجهزة الإعلام، وتمتلئ أنهار الصحف، وتهتم الإذاعات والتلفازات بموت ممثل أو ممثلة، أو مطرب أو مطربة أو لاعب كرة أو غير هؤلاء، ممن أمسوا (نجوم المجتمع)!. وأسف آخر أن العلمانيين والماركسيين وأشباههم إذا فقد واحد منهم، أثاروا ضجة بموته، وصنعوا له هالات مزورة، وتفننوا في الحديث عنه، واختراع الأمجاد له، وهكذا نراهم يزين بعضهم بعضاً، ويضخم بعضهم شأن بعض. على حين لا نرى الإسلاميين يفعلون ذلك مع أحيائهم ولا أمواتهم، وهذا ما شكا منه الأدباء والشعراء الأصلاء من قديم. الدكتور حارث الضاري رجل العلم والدعوة والجهاد والأمة رئيس هيئة علماء المسلمين (1359 ـ 1436هـ = 1941 ـ 2015م) منذ شهور نعينا للأمة الإسلامية، وللأمة العربية، ولأهل العراق، خصوصًا أهل السنة منهم، أخانا الحبيب إلينا، الأثير لدينا، العزيز علينا، الرجل، العالم، الداعية، المجاهد، الثائر، المقاوم للباطل، المكافح للظلم، الواقف دائما ضد الضلال والباطل، والطغيان والفساد، الشيخ الدكتور حارث سليمان الضاري، الأمين العام لهيئة علماء المسلمين العراقية، التي جمعت كل علماء العراق، ليواجهوا الطغيان والاستعمار والعنصرية، وهي الهيئة الأساسية لعلماء السنة في العراق، وهو عضو مجلس الأمناء السابق للاتحاد العالمي لعلماء المسلمين، منذ عرفتُه لم أعرفْه إلا رجلَ حق، ورجلَ خير، ورجل هداية، ورجل مسؤولية. اسمه: حارث الضاري، فهو مكون من لفظين، أو من اسمين، لهما معنيان واضحان، أحدهما الحارث، والآخر الضاري، وقد ورد في الحديث الشريف: "أصدق الأسماء: حارث، وهمام". وذلك أنه ما من إنسان إلا ويتحرك ويحرث، وقبل ذلك لا بد أنه يَهُمّ ويريد، وكذلك الشيخ حارث، كان يسعى ويحرث ويبذر، من أجل مستقبل بلده، ومستقبل أمته ودينه، ومستقبل الإنسانية. ومع هذا لا يدع الآخرين يفسدون عليه زرعه وحرثه، فكان ضاريًا في الحفاظ عليه، ومقاومة من يحاول إفساده ويكون ضده، كان أسدًا ضاريًا لا يخاف من أحد، يقول: لا! بملء فيه، ولا يبالي. والدكتور الضاري ينتمي إلى واحدة من كبرى عشائر العراق، وهي عشائر زوبع، التي تنتمي إلى قبائل شمر الطائية العربية العريقة، وقد لعبت دورًا بارزًا في مقاومة الاحتلال البريطاني للعراق، في العشرينيات من القرن الماضي، وجده الشيخ ضاري شيخ عشائر زوبع‏، هو من قام بقتل الجنرال الإنجليزي (لجمن) القائد المكلف بالسيطرة على المنطقة الغربية إبان الثورة العراقية‏، ووالده كان ممن وقف وصمد وجاهد ضد الاستعمار البريطاني من قديم. * حياة حافلة توفي الشيخ الدكتور حارث الضاري عن عمر ناهز 74 عامًا، في إحدى مستشفيات إسطنبول، بعد أن عاش حياةً حافلة بالعطاء والجهاد والبلاء، سواء في ميدان تدريس العلم الشرعي، وتربية الأجيال العراقية على الإيمان، وتخريج العلماء منهم على التأصيل، والدعوة إلى الله على بصيرة، أو في ميدان العمل السياسي، وهو ميدان يقاوم الاستعمار الذي يريد السيطرة على البلاد، ويقاوم التقسيم الطائفي الذي يريد أن يجور على أهل السنة، حتى تضيع حقوقهم، وتنتهك حرماتهم، أو في الجهاد ضد المحتل الأمريكي في العراق، الذي أراد أن يفسد البلاد، ويذل العباد، كما قال الله تعالى على لسان ملكة سبأ: "إِنَّ الْمُلُوكَ إِذَا دَخَلُوا قَرْيَةً أَفْسَدُوهَا وَجَعَلُوا أَعِزَّةَ أَهْلِهَا أَذِلَّةً وَكَذَلِكَ يَفْعَلُونَ" [النمل:34]. فقد كانت له مواقفه الداعية لخروج القوات المحتلة من العراق، وقد أطلق العديد من المبادرات الوطنية، الداعية لوحدة وتكاتف العراقيين في وجه مخططات التقسيم والطائفية. كان عالمًا ليس ككل العلماء، فهناك أناس حصَّلوا العلم، ووصلوا إلى أعلى الدرجات في العلم، ولكنهم رضوا بأن يكونوا في ركاب الظالمين، وأن يحْنُوا ظهورهم، ويطأطِئوا رؤوسهم للظالمين المستكبرين في الأرض، أما هو فكان كالطود الأشم الراسخ الراسي، رفض أن يحني رأسه إلا لله في ركوعه وسجوده، لم يخضع إلا للجبار الأعظم، جبار الأرض والسماوات، عرف معنى الله أكبر، فآثر أن يكون دائمًا لله، ومع الله ومجاهدا في الله حق جهاده. كان ملتزماً بالحق، كان يمثل الحق الواضح الصريح، وكان مقاومًا المبطلين المتلونين، الذين يتلونون تلوُّنَ الحرباء، كان لا يداهن الباطل ولا يزين موقفه بالتهريج والهزل، فهو رجل لم يعرف الهزل إليه طريقاً. كان الهم العراقي لا يفارقه في حله وترحاله، وكم رأيته هنا في قطر، وفي الكويت، وفي الأردن، وفي مصر، وفي المملكة، وفي لبنان، وفي تركيا وفي غيرها، منافحاً عن العراق وأهله، كان يريد أن يكون العراق لأهله، وكان يقول: إن أهل السنة في العراق هم الأغلبية، ويجب أن يأخذوا حقوقهم. وقد عانى الشيخ رحمه الله كثيرًا من أجل مواقفه، فقد صدرت في حقه مذكرة توقيف من الحكومة العراقية عام 2006، اضطر بعدها إلى أن يخرج إلى الأردن، وقد قتل أخوه ضامر ـ وقبله ابن أخيه ـ غيلة، فقابل كل المحن بصبر وعزيمة، وثقة بالله، وإصرار على المضي قدمًا في طريق الجهاد، فقد كان يعلم أن الجهاد الصادق طريقٌ، من بدأه، فلا بد له من الاستمرار فيه، "وَجَاهِدُوا فِي اللَّهِ حَقَّ جِهَادِهِ هُوَ اجْتَبَاكُمْ" [الحج:78]. ولا بد أن يكون جهادًا بالنفس وبالمال، كما قال تعالى: "إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ" [التوبة:111]. وقد قال الحسن البصري: اشترى أنفساً هو الذي خلقها، وأموالاً هو الذي رزقها، وأعطى الثمن فأغلى، جنة عرضها السماوات والأرض.. وظل على إصراره أن المقاومة في العراق حق مشروع، وأن كل من يعين الاحتلال يعد من المحتلين، ويعد من الخائنين، والله لا يحب الخائنين، ولذا قال تعالى: "إِنَّ اللَّهَ يُدَافِعُ عَنِ الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ كُلَّ خَوَّانٍ كَفُورٍ" [الحج:38].. تخرج في جامعة الأزهر، بعد حصوله على الدراسات الابتدائية والثانوية في مدارس العراق، وحصل من جامعة الأزهر على شهادة العالمية من كلية أصول الدين عام 1963. ثم تابع تعليمه بعد العالي، وحصل على شهادة الماجستير في التفسير (1969) وبعدها سجل في شعبة الحديث، فأخذ منها أيضا شهادة الماجستير، ثم حصل على الدكتوراه في الحديث عام 1978م، كما حصل الدكتور عبدالكريم زيدان على الدكتوراه من مصر، من جامعة القاهرة، وكما حصل الدكتور علي القره داغي على الدكتوراه من جامعة الأزهر، وبعد ذلك عاد إلى العراق، حيث عمل مفتشًا في وزارة الأوقاف، ثم بعد ذلك نُقل إلى جامعة بغداد بوظيفة معيد، فمدرس، فأستاذ مساعد، فأستاذ. * خيرة أبناء العراق تربى على يديه عدد من خيرة أبناء العراق، من الدعاة المجاهدين، الذين أدعوهم ليتحدثوا ويكتبوا عن شيخهم وأستاذهم. وقد لقيت أحدهم في حفل العزاء في الدوحة، وقال: إننا تعلمنا من الشيخ حارث أمورًا كثيرة؛ منها: ألا نجعل أوطاننا للبيع، أو للإجارة للمستعمر الأجنبي، ومنها: ألا نبيع ديننا بملك المشرق والمغرب، وأن نحتفظ بشخصيتنا حرة صلبة، لا يستطيع أحد أن يتصرف فيها غير أصحابها. وهذه مبادئ عظيمة، يجب أن نرحب بها، وندعو إلى الاستمساك بها؛ فإنها من العروة الوثقى. عمل الأستاذ الدكتور حارث أكثر من 32 عامًا بالتدريس الجامعي، في عدة جامعات عربية؛ كجامعة اليرموك في الأردن، وجامعة عجمان في الإمارات العربية المتحدة، وكلية الدراسات الإسلامية والعربية في دبي، ثم تقاعد ليتفرغ لإدارة هيئة علماء المسلمين في العراق. كان الضاري الأب الروحي لمقاومة الاحتلال الأمريكي للعراق، ورفض المشاركة في الانتخابات التي أجريت أواخر يناير عام 2004، تحت سلطة المحتل، ورفض تشكيل أي كيان سياسي أو رسمي، ما بقي الاحتلال الأمريكي في العراق، وهو الأمر الذي خالفتُه فيه، ورأيتُ أن المشاركة في الانتخابات وفي العمل السياسي ضرورة، والضرورات تبيح المحظورات، والانتخابات لا تُعفينا من واجب المشاركة في مقاومة الاحتلال وآثاره. ظل الضاري في الأردن، وبعد خروج الاحتلال الأمريكي من العراق، معارضاً لنظام الحكم الطائفي في العراق، ودعا الشعب العراقي إلى القيام بثورة شعبية سلمية ضد حكومة نوري المالكي، الطاغية الطائفي، الذي فرض على العراقيين أن ينقسموا إلى طوائف، وصمم أن يعلي إحدى الطوائف على الأخرى، وهو ما رفضه أهل السنة بحق. وبعد سيطرة مسلحي العشائر العراقية على بعض المناطق العراقية العام الماضي، اعتبر الضاري أن ما وقع ثورة من أجل رفع الظلم عن جميع المظلومين والمستضعفين في العراق، وضد ممارسات إجرامية وسياسات طائفية استبدادية، اتبعها رئيس الوزراء نوري المالكي. * وحدة العراق وانتقد الشيخ الفتاوى الطائفية التي صدرت من بعض المراجع الشيعية؛ لأنها تؤجج الفتنة بين العراقيين، وتدعم الحاكم الظالم، وأكد في حوارات صحفية متعددة، أهمية وحدة العراق، وأن مشروع الفيدراليات والأقاليم مشروع أعداء العراق الدوليين والإقليميين لتقسيمه، على أسس طائفية وعرقية مقيتة. وانتقد الضاري تنظيم الدولة الإسلامية وإعلانه عما أسماه بـ "دولة الخلافة"، معتبرًا ذلك تمهيدا لتقسيم العراق، وتفتيت الوطن العربي.. ولم يشغل الشأن العراقي الشيخ الدكتور حارث الضاري، عن الاهتمام بمشكلات المسلمين الأخرى، وقد كانت له إسهاماته في القضية الفلسطينية وغيرها من قضايا الأمة، مثل قضية سورية، وقضية ليبيا، وقضية اليمن، وقضية مصر، وكل قضايا الوطن العربي والإسلامي، فكلها قضاياه، يعيش لها، ويموت عليها، ويدافع عنها بكل ما يملك. بل كل قضية عادلة يخوضها شعب من أجل حريته وعدله وحقوقه، فهي قضيته؛ لأن الإسلام علمه أن يكون إنسانًا عالميًّا. كما كان الشيخ المجاهد الضاري أحد العلماء الذين أحسنوا فهم الإسلام، فرفضوا الطائفية البغيضة، والمذهبية المتعصبة، والتقليد الأعمى، وكان من العلماء الدعاة المعلمين "الَّذِينَ يُبَلِّغُونَ رِسَالَاتِ اللَّهِ وَيَخْشَوْنَهُ وَلَا يَخْشَوْنَ أَحَدًا إِلَّا اللَّهَ" [الأحزاب:39]. كان يدعو إلى الحق، ويُشيعُ الخير، ويذودُ عن الحمى، ويقاوم كل من يريدون تحريف الدين، وتزييف الوعي، والبعد عن حقيقة القرآن والسنة، فهو من هؤلاء الذين أثنى عليهم رسولنا المعلم، حين قال: "إن الله وملائكته، وأهل السموات والأرض، حتى النملة في جحرها، وحتى الحوت في البحر، ليصلون على معلم الناس الخير". وهو أيضا من (الخَلَف العدول) الذين جاء فيهم الحديث: "يحمل هذا العلم من كل خلَف عدولُه، ينفون عنه تحريف الغالين، وانتحال المبطلين، وتأويل الجاهلين". وقد كان الشيخ رحمه الله من "الأمة الوسط"، التي قال الله فيها: "وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ" [البقرة:143]. وقد رفض كل الدعوات التي تنأى بالأمة عن المنهج الرباني القرآني النبوي، فرفض الإفراط والتفريط، ورفض الغلو والتسيب، وتمسك بمنهج الاعتدال، الذي يرفض الوكس والشطط، رفض أن يدخل في غلو الفئات التكفيرية، التي تكفر سائر المسلمين، وتستحل دماءهم وأموالهم، ولذا كان من الذين رحبوا بالاتحاد العالمي لعلماء المسلمين، ودعا له، ووضع يده في أيدينا من أجل إنشائه وتقويته. * الصدق والصبر وقد انتخب عضوا في مجلس أمناء الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين، أكثر من مرة، وكان له رأيه الواضح، وصوته المدوِّي، ووقفته الصارمة في كل جلسة من جلسات الاتحاد، ضد الذين أرادوا أن يَحْرِفوا الاتحاد عن موضعه، ويصرفوه عن وسطيته، فكان الشيخ لهم بالمرصاد، وما عرفنا فيه إلا الصدق والصبر "إِنَّهُ مَنْ يَتَّقِ وَيَصْبِرْ فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ" [يوسف:90]. لقد وقف بصراحة ووضوح، ضد ما رآه من تعصب الشيخ محمد علي التسخيري، المرجع الشيعي، الذي اخترناه معنا من أول يوم، وجعلناه أحد نواب رئيس الاتحاد، وأوصينا إخواننا أن ينتخبوه، فانتخبوه، ولكنه ـ للأسف الشديد ـ كما لا حظ الشيخ حارث الضاري قبلنا: أنه كان يريد أن يكسب من وجوده في الاتحاد، لمذهبه وطائفته، ولم نكن نحن ننظر للأمور هذه النظرة، بل رجونا أن يكون القوم قد أدركوا أن من الخير للأمة، أن تتحد ولا تتفرق، لكنهم رأوا أن تتحد الأمة وراءهم، وتسير خلفهم، تتغنى بأناشيدهم، مع أنهم الطرف الأضعف، والعدد الأصغر، والبند الأقل.. كان الشيخ الضاري يصر على أن يناديني دائمًا بهذا اللقب: إمام أهل السنة والجماعة، وإمام علماء المسلمين، ويعلن ذلك في المؤتمرات العالمية، ويصر عليها، ولا يبالي بما يجره ذلك عليه.. رحم الله فقيد العراق، وفقيد الأمة: الشيخ حارث الضاري، وتقبله في الصالحين، ونسأل الله أن يرزقه أجر الشهداء، كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من سأل الله الشهادة بصدق بلغه الله منازل الشهداء، وإن مات على فراشه". وما علمناه إلا مجاهداً بنفسه ومجاهداً بماله، وطالباً للشهادة بصدق. "مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلًا" [الأحزاب:23].

2156

| 23 يونيو 2015

محليات alsharq
القرضاوي: محمد الدمرداش رفيق السكن والدراسة و الدعوة

الكتاب: "في وداع الأعلام" المؤلف: الشيخ د. يوسف القرضاوي الحلقة : الخامسة إن أخطر شيء على حياة الأمة المعنوية، أن يذهب العلماء، ويبقى الجهال، الذين يلبسون لبوس العلماء، ويحملون ألقاب العلماء، وهم لا يستندون إلى علم ولا هدى ولا كتاب منير. فهم إذا أفتوا لا يفتون بعلم، وإذا قضوا لا يقضون بحق، وإذا دعوا لا يدعون على بصيرة، وهو الذي حذر منه الحديث الصحيح الذي رواه عبد الله بن عمرو "إن الله لا يقبض العلم انتزاعاً ينتزعه من صدور الناس، ولكن يقبض العلم بقبض العلماء، حتى إذا لم يُبق عالماً، اتخذ الناس رؤوساً جهالاً، فسئلوا، فأفتوا بغير علم، فضلوا وأضلوا" (متفق عليه). ولعل هذا الشعور هو الذي دفعني في السنوات الأخيرة إلى أن أمسك بالقلم لأودع العلماء الكبار بكلمات رثاء، أبين فيها فضلهم، وأنوّه بمكانتهم، والفجيعة فيهم، حتى يترحم الناس عليهم، ويدعوا لهم، ويجتهدوا أن يهيئوا من الأجيال الصاعدة من يملأ فراغهم، وإلا كانت الكارثة. إن مما يؤسف له حقّاً أن يموت العالم الفقيه، أو العالم الداعية، أو العالم المفكر، فلا يكاد يشعر بموته أحد، على حين تهتز أجهزة الإعلام، وتمتلئ أنهار الصحف، وتهتم الإذاعات والتلفازات بموت ممثل أو ممثلة، أو مطرب أو مطربة أو لاعب كرة أو غير هؤلاء، ممن أمسوا (نجوم المجتمع)!. وأسف آخر أن العلمانيين والماركسيين وأشباههم إذا فقد واحد منهم، أثاروا ضجة بموته، وصنعوا له هالات مزورة، وتفننوا في الحديث عنه، واختراع الأمجاد له، وهكذا نراهم يزين بعضهم بعضاً، ويضخم بعضهم شأن بعض. على حين لا نرى الإسلاميين يفعلون ذلك مع أحيائهم ولا أمواتهم، وهذا ما شكا منه الأدباء والشعراء الأصلاء من قديم. فى هذه الحلقة يتطرق فضيلة الشيخ د. القرضاوى بكتابه " فى وداع الاعلام" الى أخيه وحبيبيه ورفيقيه في الدراسة والدعوة والمسكن محمد الدمرداش سليمان مراد ويقول فضيلته ، تعرفت عليه، أو قل: هو الذي طفق يقترب مني، ويتعرف عليَّ بلهفة وصدق؛ فقد كان مدرس مادة (الإنشاء) يطالبنا بأن يتحدث بعضنا عن موضوع معين قبل أن نكتب فيه، في حصة الإنشاء الشفهي، ثم نكتب الموضوع في حصة الإنشاء التحريري. وكان يستمع إلي حينما أتحدث وأتكلم عن بعض الموضوعات بدون تحضير، وآتي ببعض الكلمات الأنيقة، والعبارات الرشيقة، ويلتصق بي، ويثني عليَّ، ويقول لي: من أين تأتي بهذا الكلام الحلو؟ وظل يقترب مني أكثر فأكثر، في الفصل، وفي جامع السيد البدوي، حيث يطيب لنا المذاكرة هناك، وقد رأى الزملاء يجتمعون حولي، يسألونني في (المعضلات) الإعرابية، فأعربها بسهولة. وكان الدمرداش رحمه الله سليم الفطرة، يُعجب بكل ذي موهبة أصيلة، ويحب أن يكون مثله، أو يقبس منه. وأذكر أن بعضهم سألني عن إعراب قوله تعالى في سورة المعارج (يُبَصَّرُونَهُمْ) فأجبت على الفور: "يبصرون": فعل من الأفعال الخمسة مرفوع بثبوت النون، واو الجماعة فيه نائب فاعل سد مسد المفعول الأول، وضمير الجمع (هم) مفعول ثان. فدهش، ودهش الحاضرون من قدرتي على الإعراب، وسرعتي فيه. وقد أصبح الدمرداش ملازمًا لي؛ إذا ذهبت إلى الجامع ذهب معي، وإذا ذهبت إلى شعبة الإخوان ذهب معي، وغدونا لا نكاد نفترق إلا عند النوم، فلم نجد بُدًّا من أن نسكن معًا. وقد أخذنا حجرة في منزل خالتي، وكان معه زميله وبلديُّه أحمد صقر حجازي، الذي كان يجيد الطهي، وأنا لا أحسن شيئًا من هذا، فكان ذلك من حسن حظي، ومن صنع الله لي. وبذا أصبح محمد الدمرداش رفيق السكن، ورفيق الدراسة، ورفيق الدعوة. وغدا أقرب الأصدقاء إلي حسًّا ومعنى، وبدا كأنما يريد أن يدخل في أعماقي، أو يُمْسي جزءًا من كياني، يدخل بين جلدي ولحمي لو استطاع. وعن طريق الدمرداش تعرفت على إخوة وأصدقاء آخرين من بلدياته، من مركز (زفتى)؛ ومن هؤلاء الصديق العزيز والأخ الكريم عبد العظيم محمود الديب رحمه الله. فترة هروب قصيرة ساذجة! في أواخر عام 1948 بعد حل جماعة الإخوان المسلمين، في الثامن من ديسمبر؛ اعتقل كثير من الإخوة، واتسعت دائرة الاعتقال لتضم أعدادًا أكثر من الإخوان في أرجاء المملكة المصرية، واعتُقل عدد من الإخوان في طنطا، وقال لي بعضهم: الدور عليك لا محالة. وفكرت في الأمر أنا وأخي ورفيقي محمد الدمرداش مراد، وتشاورنا في الأمر، وقررنا أن نغيب عن المعهد، ونختفي معًا في قرية الأخ الدمرداش (السملاوية)، فهي قرية صغيرة بعيدة عن أعين الرقباء، ونستطيع أن ندخلها خلسة، بحيث لا يرانا أحد، ولا نخبر بوجودنا أحدًا، إلا بعض الثقات المأمونين من الإخوة، وهناك نبقى فترة من الزمن، حتى تهدأ الأمور، أو يهيئ الله حلًّا للمشكلة. ونفذنا ما اتفقنا عليه بالفعل، بعد أن اصطحبنا ملابسنا وكتبنا؛ لنستذكر فيها ما يفوتنا من دروس، وغاب عنا: أن اختفاءنا معًا سيوجه رجال الأمن إلى البحث عنا في قرية كل منا، وقد علمت أنهم ذهبوا إلى قريتنا (صفط تراب) وسألوا عني، فقالوا لهم: إنه يدرس في طنطا. قالوا: إنه مختفٍ عندكم، واختفاؤه لا يفيده فأين هو؟ قالوا: الدار أمامكم.. ففتشوا كيف شئتم. وفتشوا الدار، وقلبوها رأسًا على عقب، ولم يجدوا فيها شيئًا، إلا بعض الأوراق الخاصة بي، أخذوها معهم، ودُور الأرياف غاية في البساطة؛ فليس فيها من الأثاث والأدوات ما يجعل التفتيش فيها عسيرًا، ففي دقائق معدودة تم كل شيء. * طرق شديد ولما لم يجدوني في قريتي (صفط)، اتجه تفكيرهم إلى قرية (السملاوية)؛ فبينا كنا نجلس أنا وأخي الدمرداش في (مقعد) في الطابق الثاني، نتدارس في بعض ما صحبنا من الكتب، فإذا طرق شديد عنيف على باب الدار، فأدركنا أنهم رجال الأمن السياسي، أو القسم المخصوص، كما كان يسمى في ذلك الحين. وقال الأخ محمد: يمكننا أن نختفي عند الجيران بواسطة (سلالم السطح)، وكانت سطوح منازل القرى في الريف المصري متصلة، فليس هناك أسوار تعزل البيوت بعضها عن بعض، وكانت السطوح مغطاة بالقش والحطب ونحوها؛ وهو ما يعرضها للخطر عند وجود أي حريق في أحدها. وصعدنا سلم سطح الأخ محمد لننزل من سلم سطح الجيران إلى الطابق الثاني، فالطابق الأرضي، فأدخلتنا جارتهم إحدى الحجرات، ثم أغلقت علينا بالمفتاح، وخرجت من المنزل ذاهبة إلى الحقل. فتحت الحاجة أم الدمرداش الباب بعد الطرق الشديد، لتجد أمامها رجال الأمن، فسألوها: أين ابنك وصديقه؟ فقالت: ابني في معهده في طنطا.. اسألوا عنه هناك. ففتشوا الدور الأول من المنزل، فلم يجدوا فيه شيئًا، ثم صعدوا إلى الدور العلوي، فوجدوا أحذيتنا وكتبنا وملابسنا موجودة، فتوجهوا إلى أم الدمرداش، وقالوا لها: تكذبين وأنت امرأة كبيرة؟ هذه آثارهم تدل عليهم، فقولي: أين هما؟ وإلا أخذناك بديلا عنهما. قالت: لا أعرف عنهما شيئًا. واتجه تفكيرهم إلى البيت المجاور، فدخلوه، وفتشوا حجراته تحت وفوق، فلم يجدوا إلا حجرة كانت مغلقة، لم يتمكنوا من دخولها أو فتحها. * شرطة زفتى وبعد هذه الجولة غادروا القرية مصطحبين معهم المرأة الطيبة الصالحة أم محمد الدمرداش إلى نقطة البوليس في (نهطاي) القرية المجاورة، وبقينا نحن حبيسي الحجرة التي أُغلقت علينا، ولا ندري ماذا حدث في الخارج؟ فلما جاءت الجارة صاحبة البيت فتحت علينا، وعرفنا ما حدث، وقلت للأخ محمد: لم يعد أمامنا بُدٌّ من تسليم أنفسنا، ولا يجوز أن تبقى والدتك ليلة واحدة في الحجز، فلنتوكل على الله، ولنبادر بالذهاب إلى نهطاي؛ لكيلا ندع حجة في إبقاء الوالدة عندهم. وفعلًا أبلغنا عمدة القرية، وبعث بنا إلى نقطة نهطاي، فسلمنا أنفسنا، وأفرجوا عن الحاجة رحمها الله. إلى شرطة زفتى.. حولناها إلى مسجد بفضل الله!! وبعد أن سلمنا أنفسنا إلى النقطة، أرسلت بنا إلى (مركز زفتى) ليتولى أمرنا، ويرسل بنا إلى طنطا (عاصمة المديرية). وكان اليوم يوم خميس، وقد وصلنا إلى مركز زفتى في المساء، فلم يكن مأمور المركز ولا نائبه، ولا أحد المسؤولين موجودًا، ما عدا (الضابط النوبتجي) الذي سلمنا إلى جاويش المركز، ليضعنا في الحجز، حتى صباح يوم السبت، لنسلم إلى طنطا. ودخلنا حجز المركز، لنجد فيه أكثر من أربعين شخصًا، معظمهم ليسوا من أهل الجريمة، بل من الفلاحين الذين ارتكبوا مخالفات تتعلق بالزراعة أو بالري أو نحو ذلك، وجاء وقت العشاء فأذَّنَّا في الحجز، وأقمنا الصلاة، وطلبنا منهم أن يصلوا معنا، وكان عدد منهم من أهل الصلاة، فصلوا معنا. مرض "الدمرداش" ثم وفاته: كانت وفاة أخي محمد الدمرداش صدمة هائلة لي، وكان فقده من أشد المصائب قسوة على نفسي. وقد فقدت أمي وعمي وابن عمي، وكثيرًا من الأقارب، فلم أحزن عليهم كما حزنت على الدمرداش. بل أشهد أني جزعت عليه أكثر مما ينبغي من مثلي، ممن يعلِّم الناس أن الموت حق، وأنه قدر الله الذي لا يقابل بغير الرضا والتسليم، وأن الجزع لا يرد فائتًا، ولا يحيي ميتًا، وأن الصبر عند الصدمة الأولى، وأن الموت ليس نهاية المطاف، بل هو بداية سفر جديد إلى دار أخرى هي خير وأبقى للمؤمنين. وما الموت إلا رحلة غير أنها من المنزل الفاني إلى المنزل الباقي! وقد سافرت من قريتنا (صفط تراب) أنا وأخي مصباح عبده رحمه الله وبعض الإخوة إلى السملاوية، ولكنا لم ندرك دفن الفقيد، ولا الصلاة عليه، فقد تم ذلك منذ الصباح، ونحن لم نصل إلا في المساء. وكان الناس يكلمونني، فلا أرد عليهم إلا بالبكاء. وحضر بعض الإخوة من المحلة مثل الأخ مصطفى الغنيمي والأخ حسين عتيبة رحمهما الله، وطلبوا مني أن ألقي كلمة عن الفقيد بما أعرفه عنه، ولكن لم يكن عندي قابلية للكلام، ولا قدرة عليه. ما عندي غير البكاء، ولغة الدموع. * معالى الامور وكان الدمرداش يحب معالي الأمور، ويكره سفسافها، ويطمح إلى أن يجعل من نفسه شيئا مذكورًا، فهو ينظر إلى من حوله، ويتأمل المواقف، ويتدبر السير، ويستمع إلى الكلمات، ويختزن هذا كله ويتمثله، ليأخذ أحسن ما فيه، قولًا وعملًا، وفكرًا وشعورًا وسلوكًا. وكان يملك وعيًا بصيرًا، ويملك إرادة قوية، وإذا اجتمع الوعي والإرادة صنعا الكثير. كان يحب أن يكون أديبًا، وقد أخذ نفسه بالقراءة والمطالعة ما أسعفه وقته وجهده، حتى وصل إلى مرتبة يحسن أن يقول فيها فيُسمِع، وأن يكتب فيبدع. رأيت معه مرة مذكرات يكتب فيها خواطره، فقرأت فيها فقرات تنبئ عن ارتقائه إلى درجة عالية من تذوق الأدب، وروعة البيان، وجمال الأسلوب، وأحسب لو أمهله القدر، لكان له شأن في عالم الأدب. ولقد عُيِّن مدرسًا للغة العربية والدين في مدينة (ملّوي) بصعيد مصر، فكان خطابه في طابور الصباح يهزّ المشاعر، ويأخذ بالألباب. كما كان محببًا إلى طلابه، لحسن طريقته معهم، وحدبه عليهم، ورعايته لهم، كما كان موضع حب وثناء من أهل البلد جميعًا. قابلني بعد أن صدرت الطبعة الأولى من كتابي (الحلال والحرام في الإسلام)، فكان حفيًّا به، ومزهوًّا بظهوره، كأنما هو مصنفه، وكان يقول: إنه باكورة طيبة، نرجو أن ينهمر بعدها الغيث، ولم تمهله المنون حتى يرى بشائر الغيث. فقد اختطفه الموت، وهو في ريعان الشباب، أرجى ما كان قربًا من النضج والعطاء. فما أقسى الموت، وهو يأخذ منا أحبابنا، ويعجِّل بخيارنا! الناس للموت كحبل الطراد فالسابق السابق منها الجواد والموت نقَّاد على كفه جواهر يختار منها الجياد لم يكن المرض الذي أصاب الدمرداش بالعضال ولا بالقتّال، ولكن يبدو أن الطبيب الذي عالجه في أول الأمر أخطأ تشخيص المرض، فأعطاه أدوية مرض آخر، وهي أدوية ذات تأثير كبير على الجسم، فهدت البنيان القوي، وظلّ يعاني مدة طويلة، ولا يتقدم، حتى اضطر أن يترك (ملّوي)، ويذهب إلى قريته؛ ليبحث عن علاج آخر، وطبيب آخر. وقد أخبرني أخي د. عبد العظيم الديب، الذي كان زميلًا له في ملوي، مساكنًا له في المنزل الذي يقيم فيه، فكل منهما يحتل أحد الطوابق: أنه حين غادر ملوي، لم يكن بالحالة المتردية التي يخشى عليه فيها، ولكن سرعان ما اشتد عليه الداء، ونقل إلى مستشفى الدمرداش في القاهرة، التي وافاه فيها الأجل المحتوم، الذي لا يستأخر ساعة ولا يستقدم. وإن أجل الله إذا جاء لا يؤخر. وما أصدق ما قاله ابن الرومي، وقد مرض، فغلط الطبيب في تشخيص دائه، ووصف دوائه، وكان في ذلك منيته، وقد قال في ذلك: غلط الطبيب عليّ غلطة مُورِدٍعجزت موارده عن الإصدار! والناس يلحُون الطبيب، وإنما غلطُ الطبيبِ إصابةُ الأقدار! وقد رثيته بقصيدة كتبتها، وأنا رهين محبس المخابرات المصرية في حي سراي القبة بعد وفاته، والعجيب أن هذه القصيدة تاهت مني مع قصائد وأوراق أخرى، ثم عثرت عليها مصادفة بعد 38 ثمانية وثلاثين عامًا.

1700

| 21 يونيو 2015

رمضان 1436 alsharq
القرضاوي :مقاومة غفلة الأمة كان أهم ما يقوم به البنا

إن أخطر شيء على حياة الأمة المعنوية، أن يذهب العلماء، ويبقى الجهال، الذين يلبسون لبوس العلماء، ويحملون ألقاب العلماء، وهم لا يستندون إلى علم ولا هدى ولا كتاب منير. فهم إذا أفتوا لا يفتون بعلم، وإذا قضوا لا يقضون بحق، وإذا دعوا لا يدعون على بصيرة، وهو الذي حذر منه الحديث الصحيح الذي رواه عبد الله بن عمرو "إن الله لا يقبض العلم انتزاعاً ينتزعه من صدور الناس، ولكن يقبض العلم بقبض العلماء، حتى إذا لم يُبق عالماً، اتخذ الناس رؤوساً جهالاً، فسئلوا، فأفتوا بغير علم، فضلوا وأضلوا" (متفق عليه). ولعل هذا الشعور هو الذي دفعني في السنوات الأخيرة إلى أن أمسك بالقلم لأودع العلماء الكبار بكلمات رثاء، أبين فيها فضلهم، وأنوّه بمكانتهم، والفجيعة فيهم، حتى يترحم الناس عليهم، ويدعوا لهم، ويجتهدوا أن يهيئوا من الأجيال الصاعدة من يملأ فراغهم، وإلا كانت الكارثة. إن مما يؤسف له حقّاً أن يموت العالم الفقيه، أو العالم الداعية، أو العالم المفكر، فلا يكاد يشعر بموته أحد، على حين تهتز أجهزة الإعلام، وتمتلئ أنهار الصحف، وتهتم الإذاعات والتلفازات بموت ممثل أو ممثلة، أو مطرب أو مطربة أو لاعب كرة أو غير هؤلاء، ممن أمسوا (نجوم المجتمع)!. وأسف آخر أن العلمانيين والماركسيين وأشباههم إذا فقد واحد منهم، أثاروا ضجة بموته، وصنعوا له هالات مزورة، وتفننوا في الحديث عنه، واختراع الأمجاد له، وهكذا نراهم يزين بعضهم بعضاً، ويضخم بعضهم شأن بعض. على حين لا نرى الإسلاميين يفعلون ذلك مع أحيائهم ولا أمواتهم، وهذا ما شكا منه الأدباء والشعراء الأصلاء من قديم... وفي حلقة اليوم نكمل حديثنا عن "الإمام حسن البنا" الإمام حسن البنا مؤسس جماعة الإخوان المسلمين (1324 — 1368هـ = 1906 — 1949م) يقول فضيلة الشيخ الدكتور يوسف القرضاوي في كتابه " في وداع الإعلام " إن من البلاد التي ذهبنا إليها وراء حسن البنا: كفر المصيلحة، بجوار مدينة شبين الكوم، ذهبت في فرقة الجوالة، بلبس الجوالة، وتحدث الأستاذ في ذلك الحفل الكبير- على عادته- حديثا جامعا استشهد فيه بالشعر كثيرًا. وبتنا هناك، وكانت الليلة ليلة جمعة، ففي اليوم التالي خطب الأستاذ خطبة الجمعة في (المسجد العباسي)، وتحدث فيها عن هدفين أساسيين يجب أن تنصب جهود العاملين عليهما، وهما: الفكرة الإسلامية، والأرض الإسلامية. ولا بد أن يكون أكبر همنا: تحقيق الفكرة الإسلامية، وتحرير الأرض الإسلامية. وعدنا بعدها إلى طنطا. إلى كفر الزيات: وفي إحدى المرات بعد زيارته إلى طنطا، كانت رحلته إلى مدينة (كفر الزيات) من مراكز الغربية، وقد خطب فيها الجمعة، وترك الحديث بعد الجمعة للشاب الداعية المتألق (محمد فتحي عثمان)، الذي كان يصحبه في هذه الرحلة، والذي كانت كلمته موضع القبول والرضا من الحاضرين. وكان الأستاذ البنا يصطحب بعض هؤلاء الشباب النابهين ليدربهم من ناحية، وليبرزهم للناس من ناحية أخرى. وكان فتحي عثمان صاحب لسان وقلم، فهو خطيب مفوه، وكاتب بارع. كما أنه مترجم من الطراز الأول، فقد بعثه الأستاذ المرشد العام يومًا مع السيد (عليم الله الصديقي) وهو داعية باكستاني يتكلم بالإنجليزية ولا يحسن العربية، فكان الذي يترجم له فتحي عثمان الذي سر الحضور بحسن ترجمته، وحلاوة بيانه، الذي يرتجله. * إلى دسوق: ومن المرات التي سافرنا فيها لنحظى بالسماع للأستاذ البنا إلى مدينة (دسوق)، ونظرًا لثقل تكاليف الرحلة علينا، فقد قررنا أن نسافر بقطار الدلتا لرخصه، وإن كان بطيئًا، وركبنا الدلتا، أنا والعسال والدمرداش، ووصلنا إلى دسوق، وكان بمناسبة الاحتفال بذكرى المولد النبوي، وكان مع الأستاذ زوج ابنته الداعية المحبوب المعروف الأستاذ سعيد رمضان، وقد ألقى كلمة موفقة قبل كلمة الأستاذ، كما تكلم الدكتور القاضي رئيس الإخوان في دسوق، ثم تكلم الأستاذ، فأفاض وأبدع، كما هو المعتاد. وبتنا في دسوق ضيوفا على الإخوان، ثم عدنا في اليوم التالي إلى طنطا. ليلة ويوم مع المرشد البنا في المحلة: ومن أهم المرات التي لقيت فيها الأستاذ المرشد حسن البنا: مرة زيارته للمحلة الكبرى، قادمًا من زفتى. وقد أقيم له سرادق كبير، دعي إليه جم غفير من المحلة، ومما حولها من البلدان. وقد تحدث بعض الإخوة، ثم كان حديث الأستاذ في الختام. وفي أثناء حديث الأستاذ حدث هرج ومرج، استطاع الأستاذ معه أن يسيطر على الموقف بسرعة، ويمتلك قلوب الحاضرين. ذلك أن جماعة من الحزبيين بالمحلة أرادوا أن يفسدوا حفل الإخوان، بافتعال معركة مع الإخوان، وبمجرد حدوث ضجة سينفرط العقد، ويختل النظام، ويهيج الناس، فينفض الحفل لا محالة. هكذا خطط المخططون، وكاد الكائدون، ولكن الله رد كيدهم في نحورهم، فقد تجمعوا يحملون عصيهم وهراواتهم، واقتربوا من الحفل وهم يهتفون هتافات معادية. وكانت الخطة أن يصلوا إلى السرادق، وهم يرددون هتافاتهم متحدِّين للإخوان، فيرد عليهم الإخوان بهتافات ضد هتافاتهم ويصطدم الفريقان، وبمجرد أن يحدث الاحتكاك، سيحدث الاختلال. وقد كادت الخطة تنجح، لولا موقف الأستاذ البنا، الذي أحس بأن شيئًا بالخارج يحدث، فقال للحاضرين: أيها الإخوة، الزموا أماكنكم، فوالله ما نريد بأحد سوءًا، ولكن نريد لهذه الأمة أن تنهض من كبوتها، وأن تتوحد من فرقتها، وأن تعتصم بحبل الله جميعا ولا تتفرق. وارتفع صوت الأستاذ، وهو يقول بلهجة ثائرة لم أره ثار مثلها من قبل: إننا أقوياء بالله، فلن نضعف أبدًا، أعزاء بالله، فلن نذل أبدًا، أغنياء بالله، فلن نفتقر أبدًا. إننا نريد أن نؤدب الأمة بأدب جديد، هو أدب الإسلام، وأن نربيها على خلق الإسلام، وأن نقودها بمنهج الإسلام، لتسير خلف أعظم قائد، وأشرف قائد، محمد عليه الصلاة والسلام. هذه الكلمات الثائرة، التي انطلقت من فم حسن البنا كأنها القنابل في دويها، كانت بردًا وسلامًا على سامعيها، شدتهم إلى الرجل شدًّا، وأسرتهم أسرًا، وبقي كل واحد في موضعه لم يتحرك يمنة ولا يسرة. في هذه الحالة كان جوالة الإخوان قد أنهوا تلك الحركة المشاغبة، وفرّقوا جمعهم، وأمسكوا ببعضهم، وولى الآخرون هاربين. وهنا عاد البنا يقول: كنا نتحدث عن كذا وكذا، كأن شيئا لم يكن، وانتهى الحفل على خير حال. * دار الإخوان وذهب الأستاذ بعد ذلك إلى دار الإخوان ليلتقي بنواب الشُّعَب، ثم بالعمال، ثم بالطلاب، وظل في اجتماعات إلى أن بقي على الفجر حوالي ساعة، فقال: أستأذنكم لأستريح هذه الساعة، ودخل حجرة ليستريح، وبعد ساعة، وجدناه خارجًا، فلا أدري هل نام هذه الساعة أو لم ينم؟ الذين عايشوه قالوا: إنه إذا أراد أن ينام نام، وكان يقول: إذا أحب الله عبدًا سخر له النوم! وجاء الفجر، فصلَّى بنا، وقرأ سورة (ق) في الركعتين. وبعد ذلك أخلدنا نحن إلى النوم، ولا ندري ماذا فعل الشيخ بعد ذلك. وعندما استيقظنا في الضحى، علمنا أن الشيخ مدعوٌّ إلى قرية (محلة أبو علي) بجوار المحلة، لتناول الغداء فيها، ثم إلقاء محاضرة في أحد مساجدها. ومن هنا سافرت إلى محلة أبو علي، لألتقي بأصدقائي فيها، ولننتظر الشيخ هناك، وقد صلينا العصر في المسجد العباسي مع الأستاذ المرشد، وألقى محاضرة بعد العصر، نوّه في مقدمتها بعلماء البلدة ودعاتها، مثل الشيخ أحمد القط. وبعد انتهاء المحاضرة ودّع الشيخ إخوانه ومضيفيه في محلة أبو علي، ليولي شطره نحو مدينة (بلقاس) وهي آخر محطة في هذه الرحلة الدعوية، ليعود من جديد إلى القاهرة، ليستعد لرحلة أخرى، فهكذا هو أبدا، حل وارتحال، وحركة وانتقال، وقد سمعته مرة يقول: نحن كالعرب أصحاب الخيام: العذيب يومًا، ويومًا بالخليصاء يومًا بحزوى، ويومًا بالعقيق * المركز العام وكنت كلما سافرت إلى القاهرة، انتهزت الفرصة للذهاب إلى المركز العام للإخوان، ومحاولة اللقاء بالشيخ البنا، وقلما يسعفني القدر أن أجده، فقد كان دائم التجوال في أرجاء مصر. وفي إحدى الزيارات وجدنا الإمام البنا، وكنا مجموعة من طلاب الأزهر، وطلبنا إليه أن يجلس إلينا، ولكنه قال لنا بأدب: كان يسعدني أن أجلس معكم، وأتحدث إليكم، ولكني للأسف مرتبط بموعد آخر، ولكني سأنيب بعض الإخوان ليجلس إليكم، ونادي الشيخ أحمد الباقوري لينوب عنه في الجلوس والحديث، وجلسنا معه جلسة طيبة، ولكنها لم تكن التي ننشدها، ولم نجد فيها ما يروي ظمأنا. وأذكر أننا أخذنا صورة على سلم المركز العام مع الإمام الشهيد، ولا أدري: أيحتفظ أحد بهذه الصورة أم لا؟ فليس لي مع الإمام غير هذه الصورة. * الإمام البنا وقضية فلسطين: كان الإسلاميون هم الذين يعون تماما الخطر اليهودي وأطماعه وأهدافه في المنطقة العربية، والإسلامية، وكان في مقدمة هؤلاء الإسلاميين الوعاة لهذا الخطر وأبعاده: الشيخ حسن البنا، الذي كان يتابع من قديم ما يجري على الأرض المقدسة من أحداث، وما يُخطط لها من مكايد، وما يقوم به أهلها من ثورات، وما يبذلونه من أرواح. ومن أول القضايا التي اهتم بها الشهيد البنا، ولفت إلى خطرها الأنظار، وأثار الهمم، وحرك الجماهير، قضية أرض النبوات، أرض الإسراء والمعراج، أرض فلسطين، والخطر اليهودي الذي يتربص بها، في الوقت الذي كان الكثيرون من زعماء العرب والمسلمين في غفلة عن المؤامرة الكبرى التي تبيت لأولى القبلتين، المسجد الأقصى الذي بارك الله حوله. وكم كتب حسن البنا من مقالات، وكم قاد من مسيرات، وكم عقد من مؤتمرات، وكم جند من رجال، وكم جمع من سلاح ومال، من أجل قضية فلسطين. وحسبه ما سطرته دماء الشهداء من أبنائه وجنوده على أرض فلسطين سنة 1948م وما سجله لهم التاريخ بأحرف من نور، كما شهد بذلك اللواء المواوي، وغيره من قادة الجيش المصري، بل ما شهد به اليهود أنفسهم. وفي كتاب الأستاذ كامل الشريف (الإخوان المسلمون وحرب فلسطين) صفحات مضيئة لهذا الجهاد المجيد، وفيه من الوقائع والحقائق ما يكفي ويشفي. * موجة الغفلة كان أهم ما يقوم به حسن البنا وأمثاله من رجال الأمة ودعاتها: مقاومة موجة الغفلة التي غشيت الأمة، وموجة الاتهام والتخوين لأهل فلسطين، الذين أشاعوا عنهم زورا بأنهم باعوا أرضهم لليهود، وأنهم تقاعسوا عن الجهاد، وهذه أكاذيب نفَّقَها اليهود والمستعمرون، فالواقع أن الذي بِيع من أرض فلسطين لا يتجاوز 2% منها، وكان الذين باعوها من الأجانب، ومن غير المسلمين، كما أن أهل فلسطين قاوموا المشروع الصهيوني بكل ما في وسعهم، ولكن الانتداب البريطاني على فلسطين كان يقف في سبيلهم، ويمنعهم من امتلاك أي سلاح يدافعون به عن أنفسهم، على حين يتيح لليهود كل أسباب القوة، بل العدوان. والعجيب أن السياسة الاستعمارية والصهيونية- التي استجاب لها العرب وقادتهم- هي أن يعزل الشعب الفلسطيني عن قضيته، ويبعد عن ممارسة حقه في الدفاع عن أرضه ومقدساته، على خلاف السياسة المتبعة اليوم، والتي توحي بها بل تفرضها القوى المعادية للإسلام والعروبة، وهي ترك القضية للفلسطينيين وحدهم، بعد أن تحولت (إسرائيل) إلى أخطبوط في المنطقة، وإلى ترسانة عسكرية ضخمة، وهذا في الوقت الذي تعتبر إسرائيل كل يهودي في العالم مسؤولًا عنها. كان حسن البنا على وعي كامل بهذه الحقائق كلها، ويجتهد أن يشيعها بين الناس، وأن يزيح عن الأعين الغشاوات حتى ترى، ويزيل الوقر من الآذان حتى تسمع. * علاقة كبيرة وكان له علاقة برجال فلسطين، وعلى رأسهم المجاهد الكبير الحاج أمين الحسيني. وكان يجند مجلته (النذير) ثم (الإخوان) لإيقاظ الأمة نحو القضية وتطوراتها، وينتهز فرصة ذكرى الإسراء والمعراج، ليذكر بـ (المسجد الأقصى) كما يتخذ من (2 نوفمبر) ذكرى وعد (بلفور) لتعبئة الأمة ضد هذا الوعد الذي صدر ممن لا يملك لمن لا يستحق. والذي علق عليه الحاج أمين بقوله: إن فلسطين ليست وطنا بغير شعب حتى تستقبل شعبا بغير وطن! وفي سنة 1936م أصدر عددا خاصا من مجلة (النذير) عن ثورة فلسطين، وكتب فيه مقالًا عن (صناعة الموت)، يحرض الأمة فيه على الجهاد، والاستعداد للموت في سبيل الله، فمن حرص على الموت وهبت له الحياة. وفي سنة 1946م أرسل العالم الداعية الشيخ عبد المعز عبد الستار، ليطوف بمدن فلسطين مشرِّقًا ومغرِّبًا، لتنبيه العقول، وإحياء القلوب، وإشعال المشاعر، وتجميع الصفوف، وقد بقي الشيخ عبد المعز- كما سمعت منه- شهرين كاملين في فلسطين، ولكنه عاد من هناك يحمل همًّا كبيرًا، ويشفق على مصير فلسطين. فحينما زار المسجد الأقصى لم يجد فيه غير صفين أو ثلاثة، فآلمه ذلك أشد الإيلام، ولما قال لبعض المقدسيين ذلك، قال له: صحيح أن الصلاة ثقيلة عليهم، ولكن إذا ناديتهم إلى المعركة لبوا النداء في سرعة البرق! وقال لهم الشيخ: إن أول الجهاد أن نجاهد أنفسنا، وأن ننتصر عليها. والله تعالى يقول: {اسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ} [البقرة:153]. ومما لاحظه الشيخ أن القادة كلهم غائبون، الحاج أمين الحسيني منفي في الخارج، والآخرون متفرقون. كما لاحظ أن اليهود يعملون ليل نهار، وفي غاية من اليقظة والاستعداد، والعرب ليسوا على هذا المستوى، ولهذا حين عاد إلى مصر قال للأستاذ البنا: الحقيقة أن دولة اليهود قائمة بالفعل، ولا ينقصها إلا الإعلان عنها!! وفي سنة 1947 بدأ الاستعداد بتهيئة الإخوان لمعركة قادمة لا ريب فيها. ولا سيما بعد رفض قرار التقسيم، وبعد استفحال أمر العصابات الصهيونية التي تعمل بدهاء وتخطيط ومكر، في حماية الانتداب البريطاني، الذي أفسح المجال للهجرات الجماعية لليهود من أنحاء أوربا-ـ وخصوصا الشرقية- وأمريكا وغيرها، ليبنوا مستعمراتهم في سائر أرض فلسطين، ومكنهم أن يسلحوا أنفسهم، في حين حرّم على أهل البلاد من حمل أي سلاح، ولو كان قطعة صغيرة. جاءت سنة 1948م والقِدْر تزداد غليانًا، ومعسكرات التدريب تستقبل الشباب ليوم معدود، وكان كثير منا متحمِّسِين لخوض المعركة ضد اليهود، ولكن قرار (مكتب الإرشاد) بالقاهرة: ألا يشارك طلاب الثانوي في الجهاد، ويكتفى بطلاب الجامعة وغيرهم من أبناء الشعب. وكنا نحن دعاة الإخوان نطوف المدن والقرى، نحرض على الجهاد بالنفس وبالمال، وأحيانا نركز على المال لشدة الحاجة إليه لشراء السلاح للإخوان في فلسطين ونجمع لهم السلاح إن وجدناه، ونعبئ مشاعر الأمة وأفكارها، لتستعد لمعركة آنية عن قريب مع بني صهيون، الذين زرعهم الغرب في المنطقة، ولا يزال يساندهم ويؤيدهم عسكريا واقتصاديا وسياسيا. وقد تجلى ذلك للعيان، حين أعلن قيام الكيان الصهيوني العدواني الذي سمي (إسرائيل)، فاعترفت أمريكا بها في الحال، وبعدها بريطانيا وفرنسا وروسيا وغيرها، وأعلن الجميع أنها خُلقت لتبقى. الإمام البنا والأزهر: لم يكن الأزهر غريبًا عن دعوة حسن البنا، بل كان حضوره بأبنائه وإسهامهم في الدعوة واضحًا من أول يوم. فقد كان من المؤسسين الأوائل للدعوة مع الأستاذ البنا: الشيخ (حامد عسكرية)، الذي ذكره الإمام البنا في مذكراته (مذكرات الدعوة والداعية) في أكثر من مكان، والذي شهد له كل من عرفوه بأنه كان عالمًا وواعظًا أزهريًّا متميزًا من الرجال المخلصين والمتجردين، نحسبه كذلك ولا نزكيه على الله. وقد قدر الله تعالى أن تخترمه المنيَّةُ في شبابه، وينتقل إلى جوار ربه والدعوة لا تزال في طورها الأول. وكان من الأوائل الشيخ (أحمد عبد الحميد)، وقد كان أحد المعتقلين في الطور 1949م. ومن علماء الأزهر الذين التحقوا بالدعوة وهم طلاب عدد من الرعيل الأول، من أمثال: الشيخ أحمد حسن الباقوري، والشيخ محمد الغزالي، والشيخ عبد المعز عبد الستار، والشيخ محمد فرغلي، والشيخ أحمد شِرِيت، والشيخ سيد سابق، والشيخ عبد اللطيف الشعشاعي. وغيرهم ممن كان له باع رحب في الدعوة، لا يجهله أحد. وكان الشيخ البنا حفيًّا بالأزهر ورجاله، وكانت علاقته- كما علمتُ- طيبة بالأستاذ الأكبر الشيخ المراغي رحمه الله، وبكثير من كبار الشيوخ. وحين كُلِّف الأستاذ البنا إصدار (مجلة المنار) بعد وفاة مؤسسها العلامة المجدد محمد رشيد رضا، كتب الإمام المراغي مقدمة لأول عدد أصدره البنا، فكان مما قال فيه: (وأذكر أنه في حفل من الاحتفالات التي أقيمت في طنطا، حضر عدد من علماء المعهد، على رأسهم الشيخ محمد أبو طبل وكيل المعهد، وقد رحب الأستاذ بهم ترحيبًا خاصًّا، وقال لهم: أنتم الجيش الرسمي للدفاع عن الإسلام، ونحن الجيش الاحتياطي من ورائكم، فقودوا الركب تجدونا من خلفكم).

1388

| 18 يونيو 2015

محليات alsharq
القرضاوي: العالم الإسلامي بحاجة لإنشاء معاهد عليا للإفتاء للقضاء على فوضى الفتاوى

منذ سنوات ونحن نسعى في "الشرق" الى ان نقترب من علم وفقه سماحة العلامة الدكتور يوسف القرضاوي - أمد الله في عمره - لنقتبس من علمه الكثير مما لايتيحه مجال المتابعات او الندوات او اللقاءات التي يشارك فيها فضيلته ، وكثيرا ماكنا نلح على فضيلته بتخصيص لقاء شهري ل الشرق نطوف من خلاله في أحوال العالم العربي والاسلامي وأحوال الدعوة والدعاة ، حتى تحقق لنا ماكنا نسعى اليه حيث وافق فضيلته - حفظه الله - على تخصيص لقاء شهري حصري ل الشرق ، نخصص في كل لقاء موضوعا للقاء ، نتناوله من شتى جوانبه طارحين الأسئلة التي يطرحها الجمهور حول موضوع اللقاء ويكرمنا شيخنا وعالمنا بما يفيض الله عليه من علمه وفضله ، وحقيقة فإن حصيلة اللقاء ربما تتجاوز هذه المساحة لكننا حرصنا على أن ننقل للقارئ هذه الغنيمة الفقهية العظيمة التي تغني الكثير ممن يبحث ويتطلع الى علم الشيخ وفقهه وما يفيض الله به عليه . وقد كان الاتفاق مع الدكتور حسن فوزي مدير مكتب فضيلة الشيخ الدكتور يوسف القرضاوي على ان يكون اللقاء بعيدا عن السياسة مركزا على القضية موضوع اللقاء ، لكن لأن "ديننا سياسة وسياستنا دين " فقد كان من الصعب الابتعاد كليا عن السياسة لكننا بعدنا عنها قدر الإمكان حتى يكتسي اللقاء بطابعه الفكري بعيدا عن " ساس ويسوس" ، خاصة في اللقاء الأول مع سماحة الدكتور القرضاوي والذي خصصنا للحديث عن الفتوى والمفتين ، فقد ابتلي عالمنا العربي والاسلامي بفوضى في الفتاوى طالت كل شيء واختلطت الآراء السياسية بالفتاوى الفقهية وانتشر " ترزية " الفتوى الذين أطلقوا تعبيرات انتشرت كالنار في الهشيم ومنها " اضرب في المليان " التي أباح صاحبها للجنود اطلاق النار على الناس والابرياء تماما كما صدرت أحكام قضائية تقضي بالاعدام على العشرات في جلسة واحدة ليجتمع القاضي والمفتي في حضرة السلطان على القتل واباحة الدم . - قضايا فقهية التبست بالسياسة نتناولها مع سماحة العلامة الدكتور يوسف القرضاوي في لقاء الشرق الاول فإلى الحوار .. * في بداية اللقاء قال فضيلة العلامة الدكتور يوسف القرضاوي : إننا نحيي جريدة الشرق لمواقفها من قضايا الربيع العربي واصطفافها الى جانب الشعوب العربية في حقوقها المشروعة وفي موقفها من القضايا الاسلامية وحرصها على تعزيز القيم العربية والاسلامية والاخلاقية وهو أمر لابد ان نعترف بأن الشرق لها موقف جيد من هذه القضايا ونحن نحمد هذا الامر، ونشيد به، وننوه بمواقف الشرق منذ زمن تجاه هذه القضايا ، ونشكر لقطر اهتمامها بالقضايا العربية والاسلامية الكبيرة وفي مقدمتها قضية فلسطين والقدس وغزة . سائلا الله الثبات على الخير والتمسك به . ليسوا أهل علم - شيخنا الجليل أحد الاسباب التي ربما مكنت للظلم خروج بعض المحسوبين على الفتوى بفتاوى تبيح للظالم ان يتمادى في ظلمه وتبارك خطواته مثلما حدث في مصر حيث خرج بعض العلماء وباركوا الخطوات التي قام بها الانقلاب ألا تمثل مثل هذه الفتاوى تعزيزا للظلم والقتل ؟ * قطعا هذا ظلم.. وتلك فتاوى خرجت من اناس ليسوا أهل علم شرعي موثق مبني على الادلة من القرآن والسنة والاجماع ، هذا علم للأسف يتبع الهوى وأي علم في اتباع الشيطان ؟ والرسول صلى الله عليه وسلم يقول " إن الله لاينتزع العلم انتزاعا ولكن يقبض العلم بقبض العلماء حتى اذا لم يبق عالما اتخذ الناس رؤوسا جهالا فسئلوا فأفتوا بغير علم فضلوا وأضلوهم " ، وأحيانا يحرفون الكلم عن مواضعه، فيقلبون الحق باطلا والباطل حقا ، فأمثال هؤلاء الذين يستدعيهم الحاكم ويصفقون لما يقول. هؤلاء ليسوا رجال الدين والعلم ، بل الدين مهمته ان ينهر من مشى مع الشيطان الا يتبع الهوى فيضله عن سبيل الله ، هذه مشكلة الذين وضعوا على رأس القمة من قبل الحكام ولم تضعهم الشعوب . - إذن أنت تطالب بعودة اختيار شيخ الازهر بالانتخاب وليس بالتعيين؟ * هذا ما كان في السابق، وهو الصحيح.. لكن للأسف الآن تختاره الدولة، ويظل طول حياته، ثم هو الذي يختار هيئة كبار العلماء. وكنت منهم لكني استقلت من هذا وقلت لايسرني ان اكون عضوا في هيئة تستغلها الدولة بهذا الطريقة، وتوظف الدين كما تريد. لابد من الإصلاح في كل شيء .. ولا بد من إزالة الفساد وإزالة رؤوس الفساد الذين أفسدوا الدنيا. لابد من إعادة العلماء الجيدين الذين تم إبعادهم، من مراكزهم، وإبعاد تلك القيادات الدينية التابعة لهوى السلاطين وأوامره. لابد أن يختار قيادات العمل في الفتوى من كبار العلماء .. على أن يختارهم العلماء لا أن يختارهم شيخ الأزهر.. فشيخ الأزهر يختار القريبين منه .. الذين يعملون ما يريد .. وشيخ الأزهر نفسه يجب أن يتم إختياره . - هناك ظاهرة اخرى وهي تفصيل الفتاوى حسبما يريده الحاكم ؟ * طبعا هؤلاء يقدمون فتاوى على قدر المقاس وهم ترزية الحكام الذين يروجون الباطل للحاكم ويخدعون الشعوب . - هناك أيضا شيخنا فتاوى تبيح الدم والقتل ألا تسيء تلك الفتاوى الى الاسلام ؟ *هؤلاء يسيئون الى الاسلام والى الاديان والى العلم والى الحق. والفتاوى لها أسسها وأدلتها وقواعدها ، والصحابة كانوا اذا سئلوا عن الفتوى يهربون من الاجابة عنها؛ مخافة ان يقول شيئا يحاسبه الله عليه ، فما بالك في فتوى تبيح دم انسان بريء ؟ او تبيح لظالم ان يقتل مجموعة من الناس ؟ هؤلاء الناس لا يخافون الله، نحن جعلنا شعارنا في الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين قول الله تعالى في سورة الاحزاب " الذين يبلغون رسالات الله ويخشونه ولا يخشون أحدا إلا الله " هذا هو المطلوب في العالم والداعية في الفتوى والدعوة، فالشيخ يجب ان يتثبت في الفتوى، فلا يفتي الا ومعه الدليل من القرآن والسنة واقوال الصحابة وآراء العلماء الربانيين. ، لكن هؤلاء الذين يفتون بسفك الدماء وإزهاق الارواح ليس معهم شيء من تلك القواعد والشروط فهم علماء السلطة وعملاء الشرطة . وليسوا علماء عند الله ولا عند اهل الحق . - هل تعتقد ان هناك فوضى في الفتوى في العالم الاسلامي الآن ؟ * كنا في السعودية قبل سنتين او ثلاث في مؤتمر للفتوى وقلت لهم اننا في حاجة الى ان ننشيء معهدا أعلى للفتوى ، ففي مصر استحدثوا ثلاثة تخصصات والازهر كان قديما يدرس كل شيء فلما انشؤوا الازهر الجديد عملوا ثلاث كليات: الشريعة، واصول الدين، واللغة العربية . اصول الدين للعقائد، وما يتبعها من مصادر للحديث والتفسير. والشريعة ليست للعقائد وانما للشرائع وما يتعلق بالفقه واصوله. واللغة العربية للنحو والصرف والبلاغة والادب واللغة ، وانشأ الازهر تخصصات احدها يتبع كلية اصول الدين، وهو تخصص الدعوة والارشاد. وتخصص يتبع الشريعة الاسلامية ، وهو تخصص القضاء ليخرج قضاة. وهناك تخصص التدريس في الكليات الثلاث بعد التخرج. وقلت: ان هناك تخصصا ناقصا ينبغي ان يوضع في تخصصات الازهر، وهو تخصص الفتوى ويتبع كلية الشريعة التي كانت بحاجة الى تخصصين: تخصص لمن يشتغل بالقضاء، وتخصص لمن يشتغل بالفتوى ، بل ان حاجة الناس الى من يشتغل بالفتوى اكثر من حاجتهم الى القضاء، فليس كل الناس يحتاج الى القضاء؛ لكن كل الناس يحتاجون الى الفتوى. والقضاء ربما نحتاجه مرتين في السنة، وقد لانحتاج اليه. أما الفتوى فنحتاج اليها وباستمرار ، ولذلك يجب ان يتم انشاء معهد عال خاصة في بلاد مثل السعودية او باكستان او اندونيسيا وماليزيا وتخصصه للفتوى وليدرس الفتاوى القديمة والحديثة والشاذة والمستقيمة ومعرفة الاشياء التي يجب ان يدرسها المفتي ، فالمفتي في حاجة لأشياء، الواعظ ليس في حاجة اليها ، ولا بد ان يدرس كتب الفقه والاصول والقواعد الفقهية وكتب الفتاوى فلابن تيمية وحده كتاب للفتاوى يقع في 37 مجلدا وهناك غيره من القدماء والمحدثين الكثير، ولا بد ان يدرس القديم والحديث ليرى المطلوب عند الناس . - وما المانع ان يتم انشاء مثل ذلك المعهد ؟ * انا قلت ذلك، ولكن من يتبنى ذلك الامر ؟! موقف قوي - هل هذه الفوضى ترجع لغياب المرجعية ؟ * هذا من ضمن الاسباب ومن ضمنها ايضا تلاعب الحكام بالعلماء ، فالعلماء لم يعودوا من القوة حتى يستطيعوا أن يقفوا موقفا محددا ويقولوا: هذا حرام، وهذا فرض، وهذا جائز، وهذا مكروه، وهذا وفق السنة .. فالعالم لابد أن يقف موقفا يتشبث به ولا يبالي. وهكذا فعل مشايخنا .. فالشيخ عبد المجيد سليم كان شيخ الأزهر كانت له آراء ضد الملك. وقد قال يوما بشأن ميزانية الأزهر أنها صارت ناقصة حيث: تقتير هنا وإسراف هناك .. ووقتها كان الملك ذاهب إلى إيطاليا لقضاء الصيف والتنزه وفي الوقت ذاته كانت ميزانية الأزهر قليلة غير كافية. وكان الشيخ خضر حسين يقول : اذا لم يزد الأزهر في عهدي فلا ينقص منه . وبالتالي كل عالم لابد أن يكون له موقف قوي لا أن تكون الموافقة على كل شيء . - ما هو دور اتحاد علماء المسلمين في هذا الجانب ؟ هل يدعو الاتحاد إلى تأسيس أكاديمية تكون مهمتها وضع العلامات البارزة التي يمكن أن يسير عليها العلماء في الفتوى ؟ * نعم نحن نحاول .. ولكن هناك مؤسسات كبيرة تنفق عليها الدول في كل بلد .. وفي الأزهر في مصر يوجد مئات الآلاف من العلماء فكيف هؤلاء يتخرجون ولا يكون منهم رجال فتوى .. وهل نعين نحن من اتحاد العلماء مفتين .. بالتأكيد لن نستطيع أن نفعل ذلك . الذي نفعله نحن هو أننا نبين للعلماء حتى يثوروا على هذا الوضع- وهم الآن ثائرون -كما يثورون على الذين يفسدون في الأرض ولا يصلحون . ولكن هذه الأشياء تحتاج إلى تغيير مناهج وأساتذة وتغيير أنظمة وتغيير امتحانات .. واذا أردت أن تغير فلابد أن يكون لك كيان . لا تعذبوا بعذاب الله -بعض الجماعات تقوم هذه الأيام بحرق المسلمين وحتى المسيحيين استنادا إلى فتاوى صحيحة في نظرهم ..فهل هناك فتاوى تجيز حرق الإنسان ؟ * قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " لا تعذبوا بعذاب الله " .. ومعروف أن بعض الناس ادعوا ألوهية أمير المؤمنين علي بن أبي طالب، فوعظهم، ونهاهم فلم ينتهوا، فأمر بإحراقهم بالنار. لكن عبد الله بن عباس قال: " إن الرسول قد نهى عن هذا " فامتنعوا بعدها ولم تحدث غير هذه القضية . ولم يحدث أن أحرق سيدنا أبوبكر الصديق، أو خالد بن الوليد أو غيرهما من الصحابة رضي الله عنهم أحدا من الناس.. وكل ما قيل في ذلك هي أحاديث موضوعة وأكاذيب . - لكن المشكلة أنه لا توجد بين أهل السنة جهة محددة للفتوى حتى يلتزم بها جميع الناس على مختلف مذاهبهم ؟ * للأسف أهل السنة تنقصهم أشياء كثيرة .. كثيرون يفتون ويختلفون بعضهم عن بعض . -وعلى عكس أهل السنة أهل المذاهب الأخرى " الشيعة " مثلا تكون لهم مرجعية واحدة في الفتوى .. فلماذا لا يلتزم أهل السنة بمرجعية واحدة ؟ * في كل مكان في العالم كل شيعي له مرجعية خاصة .. وهذا يدعونا للقول لابد من تنظيم الفتوى والمفتين، وأن تكون لهم مرجعية تعلم الناس الفتوى . - هل ترى أن الإعلام والفضائيات ساعدا في عملية فوضى الفتوى ؟ * أن تفتح الباب لكل الناس للفتوى فهذه مشكلة .. ونحن بقينا سنين نعمل على هذه القضية .. وقد قال صاحب السمو الأمير الوالد حفظه الله يوما لي : " جزاك الله خيرا فقد سددت خطى الشعب هنا في قطر، في حين تجد في البلاد الأخرى الغلو والتشدد، وما ينجم عنهما من تفجيرات وغيرها. وقال سموه " أنه بسبب القرضاوي الذي يقدم برامجه من خلال الإذاعة والتلفزيون منذ بدء عملهما، ومن خلال خطب الجمعة والدروس، فقد عُرف القطريون بالاعتدال والوسطية " .. ولكن هناك غيرنا ممن يقولون ما يريدون، لذا فقد اختلطت الأمور . أنا وسطي - سماحة الشيخ القرضاوي أنت دائما ما تنادي بالوسطية .. ولكن في مقابل ذلك هناك من يتهمك بأنك من المتشددين بل من غلاة المتشددين في الفتاوى وغيرها ؟ * لا بالعكس أنا وسطي ولكن هناك بعض الأشياء لابد أن أقول الحق فيها ..ولكن أنا لست من المتشددين أبدا .. وأنا مع الخط الوسط في كل القضايا بين الغلاة والمفرطين في قضايا المرأة والشباب والزواج والطلاق والقتال والجهاد والقضايا السياسية والاجتماعية والاقتصادية. وعندما كنت في البنوك الإسلامية كنت أقف الموقف الوسط.. لا أتجه إلى الذين يحللون كل شيء، ولا إلى الذين يحرمون كل شيء. - هناك بعض الدول تتهمك بأن لديك فتاوى بتحليل الدم والقتل ؟ *لا أفتى بالقتل .. ولكن الذين يقتلون الناس بالآلاف ألا يستحقون القتل ..وهناك قضاة يقتلون الناس بالمئات .. فالأصل ان القاضي ينظر في قضية القتل سنين حتى يحكم .. ولكن هناك قضاة يحكمون بالقتل بالمئات دفعة واحدة ..ما هذا ؟ هؤلاء القضاة الذين يحكمون على الناس بالباطل لابد أن يحاكموا لإنصاف المظلومين ورد حقوقهم .. هؤلاء يظنون أن الأمر سهل .. ولن يتركهم الله أبدا. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " لا يزال الرجل في فسحة من دينه ما لم يصب دما حراما " وهذا حديث نبوي مروي عن سيدنا عبد الله بن عمر رضى الله عنه .. فاذا اصاب دما حراما ضاقت عليه الدنيا وضاق عليه كل شيء . "الفتوى والمفتي" - فضيلة الشيخ ، ما الفرق بين الحكم والفتوى؟ وهل تتغير الأحكام أم تتغير الفتاوى؟ الحكم الشرعي عند جمهور الأصوليين هو: خطاب الشارع المتعلق بأفعال المكلفين اقتضاء أو تخييرا أو وضعا. أما عند الفقهاء فهو: أثر خطاب الله المتعلق بأفعال المكلفين اقتضاء أو تخييرا أو وضعا، بمعنى الحكم عليها بأحد الأحكام الخمسة وهي الوجوب أو الندب أو الإباحة أو الكراهة أو التحريم. أما الفتوى فهي: بيان الحكم الشرعي في قضية من القضايا جوابا على سؤال سائل، معين أو مبهم، فردًا كان أو جماعة. يعني تنزيل الحكم على الواقع، بحيث تكون الفتوى مناسبة للحكم ومناسبة للواقعة. -ما هي شروط من يتصدى للفتوى؟ الفتوى لا تكون إلا من أهلها، وكان السلف رضوان الله عليهم ينكرون أشد الإنكار على من اقتحم حمى الفتوى ولم يتأهل لها، ويعتبرون ذلك ثُلمة في الإسلام، ومنكرًا عظيمًا يجب أن يُمنع. وفي الصحيحين من حديث عبد الله بن عمرو عن النبي صلى الله عليه وسلم: "إن الله لا يقبض العلم انتزاعًا ينتزعه من العباد، ولكن يقبض العلم بقبض العلماء، حتى إذا لم يُبقِ عالمًا، اتخذ الناس رؤوسا جُهَّالًا، فسُئِلوا، فأفتوا بغير علم، فضلوا وأضلوا". ومن ثم قرر العلماء: أن من أفتى وليس بأهل للفتوى، فهو آثم عاص، ونقل ابن القيم عن أبي الفرج ابن الجوزي رحمه الله قال: ويلزم ولي الأمر منعهم، كما فعل بنو أمية. قال: وهؤلاء بمنزلة من يدل الركب وليس له علم بالطريق، وبمنزلة من لا معرفة له بالطب وهو يطب الناس، بل هو أسوأ حالًا من هؤلاء كلهم، وإذا تعين على ولي الأمر منع من لم يحسن التطبيب من مداواة المرضى، فكيف بمن لم يعرف الكتاب والسنة ولم يتفقه في الدين؟! وأهم الشروط التي يجب أن تتوفر فيمن يتصدى للفتوى: الثقافة الإسلامية، ونعني بها الثقافة الشرعية العميقة، بالإضافة إلى معرفة واقع الناس وأحوالهم، وأن يكون ديِّنا متخلقًا بأخلاق الإسلام وآداب العلماء، وهو ما يطلق عليه: العدالة. - ما هي الثقافة التي ينبغي أن يتحلى بها المفتي؟ أولًا: الثقافة الشرعية، بأن يكون على قدر كبير من العلم بالإسلام، وخصوصًا علم الفقه وأصوله وقواعده، والإحاطة بأدلة الأحكام، والدراية بعلوم العربية، وامتلاكه لمَلكة الفقه والاستنباط. فلا يجوز أن يفتي الناس في دينهم من ليس له صلة وثيقة، وخبرة عميقة، بمصدريه الأساسيين: الكتاب والسنة. ولا يجوز أن يفتي الناس مَن لم تكن له قدرة على فهم لغة العرب وتذوقها، ومعرفة علومها وآدابها، حتى يقدر على فهم القرآن والحديث. ولا يجوز أن يفتي الناس مَن لم يتمرس بأقوال الفقهاء، ليعرف منها مدارك الأحكام، وطرائق الاستنباط، ويعرف منها كذلك مواضع الإجماع ومواقع الخلاف. ولا يجوز أن يفتي الناس مَن لم يتمرس بعلم أصول الفقه، ومعرفة القياس والعلة، ومتى يستعمل القياس، ومتى لا يجوز. ويجب فيمن يتصدر للفتوى أن يكون عالما بمقاصد الشريعة، وعلل الأحكام، فمَن عاش مع ظواهر النصوص وحرفيَّتها، ولم يكن له التفات إلى أسرارها ومقاصدها: لم يُحسن الفتوى في دين الله. قيل للإمام عبد الله بن المبارك: متى يفتي الرجل؟ قال: إذا كان عالما بالأثر، بصيرا بالرأي. وبهذا لا يكفي الأثر دون الرأي، ولا الرأي دون الأثر. وأن يكون ممن عايش الفقهاء في كتبهم وأقوالهم، واطلع على اختلافهم، وتعدد مداركهم، وتنوع مشاربهم، ولهذا قالوا: مَن لم يعرف اختلاف الفقهاء لم يشم رائحة الفقه! ولا بد للمفتي من ثقافة عامة، تصله بالحياة والكون، وتطلعه على سير التاريخ، وسنن الله في الاجتماع الإنساني، حتى لا يعيش في الحياة وهو بعيد عنها، جاهل بأوضاعها، وأن يكون ذا بصيرة ومعرفة بالحياة وبالناس، فلا يجوز أن يفتي الناس من يعيش في صومعة حسية أو معنوية، لا يعي واقع الناس، ولا يحس بمشكلاتهم، فالمفتي يجب أن يكون واعيا للواقع، غير غافل عنه، حتى يربط فتواه بحياة الناس، فهو لا يكتب نظريات، ولا يلقي فتواه في فراغ، ومراعاة الواقع تجعل المفتي يراعي أمورا معينة، ويضع قيودا خاصة، وينبه على اعتبارات مهمة . ومن أمانة المفتي وتقواه، أن يحيل سائله إلى من هو أعلم منه بموضوع الفتوى ولا يجد في ذلك حرجا في صدره، سئلت عائشة أم المؤمنين عن المسح على الخفين، فقالت للسائل: سل عليًّا، فإنه أعلم مني بهذا، وقد كان يسافر مع النبي صلى الله عليه وسلم. ومن ذلك، أن يسأل هو إخوانه من أهل العلم ويشاورهم، ليزداد استيثاقا واطمئنانا إلى الأمر، كما كان يفعل عمر، حيث يجمع علماء الصحابة ويشاورهم، بل كان يطلب رأي صغار السن فيهم مثل عبدالله بن عباس، الذي قال له مرة: تكلم ولا يمنعك حداثة سنك. ومن هذا الجانب الأخلاقي: أن يرجع عن الخطأ إذا تبين له، فالرجوع إلى الحق خير له من التمادي في الباطل، ولا إثم عليه في خطئه، لأنه مأجور عليه، وإنما يأثم إذا عرفه ثم أصر عليه عنادًا وكبرًا، أو خجلًا من الناس، والله لا يستحي من الحق. وقد كان بعض السلف يفتي سائله، فإذا تبين له خطؤه أمر من ينادي في الناس بأن فلانا الفقيه أفتى اليوم خطأ. ولا يبالي بما يقول الناس. ومن أخلاقيات المفتي: أن يفتي بما يعلم أنه الحق، ويصر عليه، ولو أغضب من أغضب من أهل الدنيا، وأصحاب السلطان، وحسبه أن يرضي الله تبارك وتعالى. وكل الذي فوق التراب تراب. - ما هي اقتراحاتكم لإعداد جيل من المفتين القادرين على الإفتاء وفق منهج صحيح؟ إعداد عدد من المفتين قادر على إفتاء الناس فيما يسألون، خاصة في النوازل، هو فرض كفاية يدل على هذا قوله تعالى: {فَلَوْلَا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ} [التوبة:122]. فلم يوجب على الجميع النفير لطلب العلم، إنما أوجبه على طائفة في كل فرقة. سواء أكانت هذه الطائفة اثنين أو أكثر أو أقل، ما دامت تكفي لوظيفة الفقه والإنذار، كما يدل عليه الحديث الذي ذكرناه آنفًا: "حتى إذا لم يبق عالمًا، اتخذ الناس رؤوسا جهَّالًا، فسئلوا، فأفتوا بغير علم، فضلُّوا وأضلُّوا". استفت قلبك - هناك مقولة شائعة: استفت قلبك. هل هذا حديث صحيح، وما المراد منه؟ مقولة (استفت قلبك) هي جزء من حديث رواه الإمام أحمد والدارمي عن وابصة مرفوعا بإسناد فيه ضعف، ونص الحديث: "استفت قلبك واستفت نفسك، البر ما اطمأنت إليه النفس، واطمأن إليه القلب، والإثم ما حاك في النفس، وتردد في الصدر، وإن أفتاك الناس وأفتوك". وهذا الحديث وإن كان سنده يدور بين الضعف والحسن، فإنه صحيح المعنى، ومعناه أن على المستفتي أن يتقي الله ويراقبه في استفتائه إذا استفتى، ولا يجعل الفتوى ذريعة إلى أمر يعلم من قرارة نفسه أنه غير جائز شرعًا، وإنما لبَّس على المفتي، وغرَّه بزخرف القول، أو بإخفاء عنصر له تأثير في تكييف القضية المسؤول عنها، فيجيب المفتي بما يظهر له، غير متفطن إلى خبايا الموضوع وخلفياته. ولو عرضت عليه القضية بوضوح، لا تلبيس فيه ولا تمويه، وظهر له من خباياها ما أخفى السائل عنه، لغيَّر فتواه. فلا يخدعن المستفتي نفسه، ويحلل لها ما يوقن- بينه وبين نفسه- أنه حرام، لمجرد أنه حصل في يديه فتوى من هذا الشيخ أو ذاك، هي- في واقع الأمر- في غير موضوعه، أو في غير حالته. وكل فتوى تحوك في صدر المستفتي، ولا تطمئن إليها نفسه، ولا يستريح إليها ضميره، لسبب من الأسباب المعتبرة، يجب أن يتوقف عن العمل بها، حتى تتضح له الرؤية، ويصل إلى مرحلة الاطمئنان النفسي، بأن يسأل أكثر من مفتٍ، أو يعاود المفتي الأول مرة بعد أخرى، حتى يزول التردد بالتثبُّت، وينقطع الشك باليقين، ما وجد إلى ذلك سبيل. فالقلب- أو الضمير بتعبير عصرنا- هو المفتي الأول في هذه الأحوال، كما في الحديث. يقول العلامة ابن القيم: (لا يجوز العمل بمجرد فتوى المفتي، إذا لم تطمئن نفسه، وحاك في صدره من قبوله، وتردَّد فيها، لقوله صلى الله عليه وسلم: "استفت نفسك وإن أفتاك الناس وأفتوك"). فيجب عليه أن يستفتي نفسه أولا، ولا تخلصه فتوى المفتي من الله إذا كان يعلم الأمر في الباطن بخلاف ما أفتاه، كما لا ينفعه قضاء القاضي بذلك. الغفلة عن النصوص - ما أسباب انحراف الفتوى عن الجادة؟ أو ما هي مزالق المتصدين للفتوى؟ أول هذه المزالق: الغفلة عن النصوص الشرعية أو الجهل بها، وعدم الإحاطة بها وتقديرها حق قدرها، وخصوصا إذا كان من يتعرض للفتوى من الجرآء المتعجِّلين، كالذين يريدون أن يملؤوا أنهار الصحف أو المجلات بأي شيء، دون أن يجشم نفسه عناء الرجوع إلى المصادر، والبحث عن الأدلة في مظانها، ومراجعة الثقات من أهل العلم، كمن كتب بجواز لبس (الباروكة) للمرأة، وأنها تغني عن تغطية الرأس، ولو قرأ من قال بهذا صحيح البخاري وحده، لوجد فيه من الأحاديث الصريحة الناهضة ما يقطع بحرمة هذا الصنيع. ومنها: سوء التأويل، فقد لا يأتي الخطأ من عدم استحضار النص، ولكن من سوء تأويله، وفهمه على غير وجهه، اتباعا لشهوة، أو إرضاء لنزوة، أو حبا لدنيا، أو تقليدا أعمى للآخرين. ومن أشد المزالق خطرًا على المفتي أن يتَّبع الهوى في فتواه، سواء هوى نفسه أو هوى غيره، وبخاصة أهواء الرؤساء وأصحاب السلطة، الذين تُرجَى عطاياهم، وتُخْشَى رزاياهم، ورأينا من هؤلاء من أصدروا فتوى مطولة مفصلة، معللة مدللة، بتحريم الصلح مع العدو الغاصب لأرض المسلمين، دامغين بالفسق بل بالكفر، وخيانة الله ورسوله والمؤمنين، من يستحل ذلك من الزعماء والحكام، ولم تمض سنوات قلائل، حتى أصدر هؤلاء أنفسهم فتوى أخرى مناقضة للأولى، تجوِّز ما منعوه، وتحلِّل ما قد حرموه من الصلح، ولم يتغير شيء في الموقف إلا تغير رياح السياسة، وأهواء الحاكمين. ومما يدخل في اتباع الهوى: الترجيح بين الأقوال المختلفة، والآراء المتباينة، بغير مرجِّح من دليل نقلي، أو نظر عقلي، أو اعتبار مصلحي، إلا مجرد الميل النفسي إلى ذلك القول، ولعله أضعف الأقوال حجة، وأسقطها اعتبارًا، أو لعله من زلات العلماء، وزيغات الحكماء، التي جاء التحذير منها في غير ما حديث. ضغط الواقع ومن المزالق التي تزل فيها أقدام المفتين في عصرنا: الخضوع لضغط الواقع الماثل بما فيه من انحراف عن الإسلام، وتحد لأحكامه وتعاليمه، ولهذا رأينا بعض المشتغلين بالفقه والفتوى أيام سطوة الرأسمالية يجهدون أنفسهم في تبرير البنوك الربوية الرأسمالية، وبذل المحاولات المستميتة لتحليل الفوائد، رغبة في إعطاء سند شرعي لبقاء هذه البنوك واستمرارها مع رضا الضمير الإسلامي عنها. وهيهات. وفي أيام سطوة الاشتراكية، وجدنا كتبا ورسائل وبحوثا ومقالات وفتاوى تصدر من مشايخ وأشباه مشايخ، لتبرير التأميمات والمصادرات بحق وبغير حق، ولا أتحدث هنا عن المأجورين ممن يبيعون دينهم بدنياهم أو بدنيا غيرهم، ويشترون بآيات الله ثمنًا قليلًا، وإنما أتحدث عن المخلصين الذين لا يزال دينهم أعز عليهم من كل شيء، ولكن الواقع يضغط عليهم بقوة، من حيث يشعرون أو لا يشعرون، فهم يركبون الصعب والذلول لتطويع النصوص للواقع، على حين يجب أن يطوَّع الواقع للنصوص؛ لأن النصوص هي الميزان المعصوم الذي يحتكم إليه ويعوَّل عليه، والواقع يتغير من حسن إلى سيئ، ومن سيئ إلى أسوأ أو بالعكس، فلا ثبات له ولا عصمة. ومن مزالق الفتوى: الجمود على ما سطر في كتب الفقه، أو كتب الفتاوى منذ عدة قرون، والإفتاء بها لكل سائل دون مراعاة لظروف الزمان والمكان والعرف والحال، مع أن هذه كلها تتغير وتتطور، ولا تبقى جامدة ثابتة أبد الدهر، من ذلك ما يذكره بعض أهل الفتوى مما نصت عليه كتب الفقه: أن حليق اللحية لا تقبل شهادته. ومهما يكن رأينا في حلق اللحية وتأثيم فاعلها- وهو أمر اختلف فيه القدماء والمعاصرون- فنحن لا نستطيع رد شهادة الحليق، لعموم البلوى به، وعموم البلوى من أسباب التخفيف والرخص كما هو معلوم. ولو أخذنا بالرأي المدون في الكتب لأوشكنا أن نعطل المحاكم في أداء وظيفتها في الفصل في الخصومات والقضاء بين الناس وإقامة العدل. تغير الفتوى - سمعنا أن بعض العلماء له رأيان في المسألة الواحدة، وأن الشافعي له مذهبان قديم وجديد، وأنه غير اجتهاده عندما انتقل من العراق إلى مصر، فما هي موجبات تغير الفتوى في الإسلام؟ تغير الفتوى آية مرونة، وآية سعة، تدل على أن الشريعة صالحة لكل زمان ومكان، فلو شاء الله لجعل أحكام الشريعة كلها منصوصًا عليها نصًّا قطعي الثبوت قطعي الدلالة، وبذلك لا يكون هناك مجال لاجتهاد أو استنباط، أو لاختلاف المشارب وتعدد المدارس، وتطور الآراء، وتغير الفتوى بتغيير الزمان والمكان والحال، وإنما هو حكم واحد ثابت مؤيد، لكن الله من رحمته وحكمته أن جعل أغلب نصوص الشريعة ظنية الدلالة، ومن هنا لم يجد المحققون من فقهاء المسلمين، في مختلف العصور أي غضاضة أو حرج في إعلان وجوب تغير الفتوى، بتغير الأزمنة والأمكنة والأعراف والأحوال، بل ومارسوه عمليا، فكما ذكرت، نجد الفقيه الواحد له في المسألة الواحدة أكثر من رأي، بل وجدنا للإمام الشافعي مذهبين قديمًا وجديدًا. يقول الإمام ابن القيم في فصل تغير والفتوى واختلافها: (هذا فصل عظيم النفع جدا، وقد وقع بسبب الجهل به غلط عظيم على الشريعة، أوجب من الحرج والمشقة وتكليف ما لا سبيل إليه : ما يعلم أن الشريعة الباهرة التي في أعلى رتب المصالح لا تأتي به، فإن الشريعة مبناها وأساسها على الحكم ومصالح العباد في المعاش والمعاد، وهي عدل كلها، ورحمة كلها، ومصالح كلها، فكل مسألة خرجت من العدل إلى الجور، وعن الرحمة إلى ضدها، وعن المصلحة إلى المفسدة، وعن الحكمة إلى العبث، فليست من الشريعة وإن أدخلت فيها التأويل). - كثيرا ما نسمع عبارة (تطوير الفقه) فهل يعني هذا تغييرا في الأحكام؟ كلمة (تجديد الفقه) أو تطويره لا تعني دائمًا تغييرًا في الأحكام، وإنما قد تعني أن نكتب الفقه بلغة العصر، أن نفك رموز الكتب القديمة ومصطلحاتها، لنكتبها بأسلوب يناسب أهل عصرنا وبمصطلحات ومفردات عصرنا، وأن نيسر الفقه لتطبيقه والعمل به بأن نرجع إلى منهج الأئمة المتقدمين والصحابة ومن بعدهم من فقهاء القرون المباركة الأولى، فقه التيسير، فهذا الدين قائم على اليسر ورفع الحرج عن المكلفين، كما دلت على ذلك النصوص المتوافرة من القرآن والسنة، والرسول صلى الله عليه وسلم أمرنا بالتيسير لا التعسير، فقال: "يسروا ولا تعسروا، وبشروا ولا تنفروا". وقال: "إنما بعثتم ميسرين، ولم تبعثوا معسرين". وكان من أوصافه عليه السلام: أنه ما خير بين أمرين إلا اختار أيسرهما ما لم يكن إثمًا. وعصرنا هذا خاصة أحوج ما يكون إلى فقه التيسير، لغلبة المادية على العقول، وغلبة الشهوات على الأنفس، وازدحام الحياة المعاصرة بأمور كثيرة: شغلت الناس عن دينهم، وعن حق ربهم عليهم، فكان علينا- أهل العلم والدعوة- أن نمسك الناس على الدين، ولو بخيط دقيق، حتى لا يتفلتوا منه سراعًا، وأن نحبب الله جل وعلا إليهم بتخفيف تكاليفه عليهم، ما وجدنا إلى ذلك سبيلا. - هل كل أمور الشريعة قابلة للاجتهاد؟ أم أن هناك مناطق يجوز الاجتهاد فيها ومناطق أخرى ينبغي التوقف عندها وعدم الخوض فيها؟ الإسلام فيه منطقتان: منطقة مغلقة لا يجوز لأحد مهما علا كعبه في العلم، ودرجته في التقوى، أن يجتهد فيه أو يطور أو يجدد، هي منطقة لا يدخلها الاجتهاد ولا التغير بحال, وهى منطقة (القطعيات) التي قال فيها الإسلام كلمته البينة الحاسمة سواء في مجال العقائد أو العبادات أم الأخلاق أو التشريع، وهى تمثل (الثوابت) التي تجسد الوحدة العقدية والفكرية والشعورية والسلوكية للأمة المسلمة، وعليها الاجتماع اليقيني القطعي. وهناك منطقة أخرى مفتوحة لأهل الاجتهاد الذين امتلكوا آلته، يتغير فيها الحكم، وتتغير فيها الفتوى بتغير الأزمنة والأمكنة والأحوال والأعراف، وهي منطقة الظنيات، الأمور التي ليس فيها نص، أو الأمور التي يحتمل فيها النص أكثر من وجه وأكثر من دلالة وهذا هو أكثر الشريعة. فتاوى شاذة - ابتلينا في هذه الأزمان بالكثير من الفتاوى التي يراها كثير من المسلمين شاذة، فكيف نحكم على الفتوى بالشذوذ؟ ولماذا يقع المفتي في الشذوذ؟ الفتوى الشاذة هي التي شذَّت عن المنهج الصحيح في استباط الأحكام، ولهذا فهي محكوم عليها بالخطأ في نظر من يعتبرها شاذة، وهي في تراثنا الفقهي قليلة، بل نادرة. وفي عصرنا كثيرة ومنتشرة، وذلك لأسباب كثيرة، منها: أن تصدر الفتوى من غير أهلها، أو لا تراعي تغير الزمان والمكان والحال، وعدم فقه الواقع، وقد يكون نتيجة القصور في البحث، أو عدم فهم الأدلة، أو اتباع الهوى، وربما كانت نتيجة لقياس خاطئ، كمن قال لا ربا بين الدولة والمواطن، قياسا على ما قاله بعض الفقهاء: لا ربا بين الوالد وولده. وكلاهما لا أساس له. ونحكم على الفتوى بالشذوذ إذا صدرت في غير محلها، بأن كان موضوعها من المسائل المقطوع بحكمها في الشريعة، المعلومة للعلماء الثابتة بالأدلة القطعية، ثم يأتي من يجتهد فيها من جديد، ليستخرج لها حكمًا يخالف ما استقر عليه الفقه، واستمر عليه العمل، وثبت بالإجماع اليقيني. ونحكم بالشذوذ إذا كانت الفتوى مخالفة لنص قرآني؛ كمن يفتي بتحريم تعدد الزوجات، أو المساواة بين البنت والابن في الميراث. أو كانت مخالفة لحديث نبوي صحيح؛ كفتوى إباحة التماثيل إباحة مطلقة. أو مخالفتها للإجماع المتيقن؛ كفتوى الشيخ الألباني بتحريم الذهب المحلَّق على النساء. لا أحد كبير على الخطأ - هل يمكن أن نقول: إن الإمام يوسف القرضاوي قد وقع فيما حذر منه يوما وأفتى بفتاوى شاذة؟ لا أحد كبيرٌ على الخطأ، وكل يؤخذ منه ويترك، والكمال لله وحده، نعم هناك فتوى قد شاركت فيها مع بعض الإخوة، قد تدخل في باب الشذوذ، إذ إنها لم تُصوِّر الواقع تصوُّرًا صحيحًا كما يراه الكثيرون. هذه الفتوى لم يوجَّه إليَّ سؤالها أساسًا، إنما وجهه أخونا العالم الأصولي المعروف الدكتور طه جابر العلواني، من أمريكا التي يعيش فيها، ويرأس (المعهد العالمي للفكر الإسلامي)، في واشنطن، وجامعة العلوم الاجتماعية الإسلامية، ومجلس الفقه الإسلامي، وقد وجه هذا الاستفتاء عندما وقع حادث 11 سمبتمر 2001 الشهير، الذي ضُرِب فيها برجان بنيويورك، ووزارة الدفاع في واشنطن وغيرها، وكان وقع الحدث هائلًا، على الناس في العالم كله، وبالأخص على المسلمين في داخل أمريكا. كان ينبغي على العلواني في مجلسه الفقهي أن يجيب هو عن السؤال، فأهل مكة أدرى بشعابها، ولكنه أراد أن يبرأ من التبعة ويتحملها غيره، فوَّجه السؤال إلى صديقينا وصديقه: د.محمد سليم العوا. وطلب منه أن يستشير إخوانه الذين من حوله حول وضع الجنود المسلمين أمريكيين الذين يعملون في الجيش الأمريكي: هل يستقيلون من عملهم أم يبقون فيه؟ وبخاصة أنهم يتوقعون أن يُكَلَّفوا بالاشتراك في حروب قد تشنها أمريكا على بعض بلاد المسلمين، فحينئذ قد يتورطون في قتل مسلم لا ذنب له. والذي يخشى من وراء الاستقالة: أنها إذا قُدِّمت بصورة جماعية أو شبه جماعية، كأن يتقدم عدة آلاف مرة واحدة، قد يُظَن أن المسلمين لا يُكِنُّون أي ولاء لأوطانهم التي ينتمون إليه، وهذا التصور إذا شاع يضر بالمسلمين، ويجعلهم طائفة شبه معزولة أو معادية لوطنها في نظر الأكثرية المخالفة. استشار الدكتور العوا إخوانه من أهل العلم والرأي في الموضوع: المستشار طارق البشري، الأستاذ فهمي هويدي، والدكتور هيثم الخياط، وكتبوا ردًّا على الفتوى يتضمن جواز بقاء الجنود المسلمين في مواقعهم في الجيش الأمريكي، وعدم استقالتهم منه، لما يترتب على الاستقالة الجماعية من مخاطر وآثار لا تحمد عقباها. وإذا كُلِّفوا بالمشاركة في حرب لشعب مسلم، فعليهم ألا يعتذروا حتى لا يتهموا في وطنيتهم، كما عليهم أن يجتهدوا ألا يبدؤوا بقتل مسلم، إلا إذا اضطروا إلى ذلك، بحكم أنهم حينئذ في جيش له قيادته وواجباته. إلى آخر ما ذكر في هذه الفتوى، التي أرسلها الدكتور العوا إليَّ في دولة قطر، لأرى رأيي فيها، وأوقِّع عليها، وقد وافقت عليها في الجملة، بعد أن عدلت فيها بعض العبارات، وهذَّبت فيها بعض الجمل، مع الإبقاء على جوهرها. وقد لامني بعض الإخوة لومًا شديدًا على موافقتي على هذه الفتوى، قائلين: كيف توافق على أن يقاتل المسلم أخاه المسلم، ويضربه بالقنابل والصواريخ، وغير ذلك من الأسلحة المتطورة التي تملكها أمريكا؟ ولستَ في حاجة أن نذكرك بالأحاديث الصحيحة الصريحة المتفق عليها، التي تجعل هذا القتال كفرا، ومن أعمال الجاهلية، والجيش الأمريكي يعطي لكل جندي الحق أن يعتذر عن الاشتراك في حرب ما إذا كان ضميره غير مطمئن إلى هذه الحرب من الناحية الدينية والأخلاقية أو غيرها، فلم يعد الجندي المسلم مجبورًا على الاشتراك في الحرب، وقد سمعنا منك مرارًا: أن الدين والوطن إذا تعارضَا، قُدِّم الدين، فالولاء في الدين للدين مقدم على كل ولاء. والقرآن الكريم صريح في ذلك كل الصراحة، وهو يقول: {لَا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آبَاءَهُمْ أَوْ أَبْنَاءَهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ} [المجادلة:22]. وأرى أن موافقتي على هذه الفتوى التي أقرها عدد من الإخوة الفضلاء المشغولين بالشأن الإسلامي والشأن العالمي، مردها إلى عدم معرفتي معرفة كاملة وواضحة بالواقع الأمريكي، وأن من حق الجندي في الجيش أن يعتذر عن عدم مشاركته في الحرب ولا حرج عليه. وأنا أعتذر عن الموافقة على المشاركة في هذه الفتوى، وأسأل الله أن يغفر لي. فقيه الثورة وفقيه الدولة - ظهرت في الآونة الأخيرة مع التحولات التي حدثت في الكثير من الدول مصطلحات مثل فقيه الثورة وفقيه الدولة، ما تعليقكم على ظهور هذه المصطلحات؟ هذه الاصطلاحات وإن نشأت بعد ثورات الربيع العربي، إلا أن معناها موجود عبر تاريخ الأمة، بل موجود مع وجود الحق والباطل، هناك علماء يدورون مع الحق حيث دار، وهؤلاء هم من قال الله فيهم: {الَّذِينَ يُبَلِّغُونَ رِسَالَاتِ اللَّهِ وَيَخْشَوْنَهُ وَلَا يَخْشَوْنَ أَحَدًا إِلَّا اللَّهَ وَكَفَى بِاللَّهِ حَسِيبًا} [الأحزاب:39]. وهناك آخرون {يَكْتُبُونَ الْكِتَابَ بِأَيْدِيهِمْ ثُمَّ يَقُولُونَ هَذَا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ لِيَشْتَرُوا بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا فَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا كَتَبَتْ أَيْدِيهِمْ وَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا يَكْسِبُونَ} [البقرة:79]. والخطر كل الخطر في ضعاف النفوس، ومرضى القلوب، من علماء الدين، الذين يزينون للناس سوء أعمالهم فيرون حسنا، رضوا أن يجعلوا العلم خادما للسياسة، وأن يبيعوا الدين بالطين، وأن يكون العلماء أبواقا للسلاطين، وإخوانا للشياطين، وهؤلاء لا يستحون أن يغيروا جلودهم في كل حين كالثعابين، وأن يلبسوا لكل حالة لبوسها غير متورعين ولا خجلين، فهم مستعدون لأن يحللوا ما حرموه من قبل، وأن يحرموا ما حللوه، لا تبعا للدليل والبرهان، ولكن تبعا لتغيير السلطان، فلكل مقام مقال، ولكل زمان دولة ورجال، ومقالهم جاهز لكل مقام، وهم دائما رجال كل دولة وكل زمان! هذا الصنف الخبيث يحاط عادة بهالة من الدعاية تستر جهله، وتغطي انحرافه، وتنفخ فيه ليكون شيئًا مذكورًا، وتحدث حوله ضجيجًا يُلفت إليه الأسماع، ويلوي إليه الأعناق، وإن كان هذا لا يجعل من جهله علمًا، ولا من فجوره تقوى، ولكن: كمثل الطبل يسمع من بعيد وباطنه من الخيرات خال إنها تسير في ركب السلطان حيثـمـا حـل أو ارتحل، وتقف مدافعة عنه، تسبح بحمده، وتمجد أفعاله، وتبرر خطاياه، وتلتمس الأعذار لفظائعه، وتتمحل الأدلة الشرعية لجرائمه، وهم ينظرون إلى الشعوب كالرعاع، الذين لا حقوق لهم، ولا قيمة لآرائهم، وما عليهم إلا أن يسيروا كالقطيع، حيث أراد الراعي، ولو إلى الذبح. لقد رأينا من هؤلاء من أصدروا فتوى مطولة مفصلة، معللة مدللة، بتحريم الصلح مع العدو الغاصب لأرض المسلمين، دامغين بالفسق بل بالكفر، وخيانة الله ورسوله والمؤمنين من يستحل ذلك من الزعماء والحكام، ولم تمض سنوات قلائل حتى أصدر هؤلاء أنفسهم فتوى أخرى مناقضة للأولى، تجوز ما منعوه، وتحلل ما قد حرموه من الصلح، ولم يتغير شيء في الموقف إلا تغير رياح السياسة، وأهواء الحاكمين. وقام في كل عصر حراس أيقاظ، يحملون علم النبوة، وميراث الرسالة، يورثونه للأجيال، مشاعل تضيء، ومعالم تهدي، من العلماء الراسخين الربانيين، الذين يقولون الحق، ولا يخشون في الله لومة لائم، الذين قال فيهم رسول الله صلى الله عليه وسلم: تصديقًا لتلك النبوءة المحمدية، والبشارة المصطفوية: "يحمل هذا العلم من كل خلف عدوله، ينفون عنه تحريف الغالين، وانتحال المبطلين، وتأويل الجاهلين”. الانترنت والفتوى - هل بإمكان الدعوة أن تستفيد من الشبكة العنكبوتية ووسائل التواصل الاجتماعي؟ وكيف؟ إن استخدام وسائل الاتِّصال العصرية والمستحدثات التكنولوجية والإعلامية- وعلى رأسها تقنية الإنترنت- يعدُّ من أهم سُبل نشر الدعوة الإسلامية والدفاع عنها في هذا العصر، وذلك للإمكانيات الهائلة التي تتوفَّر لهذه الوسائل في الاتصال والتأثير، فعن طريقها يستطيع الدعاةُ الذودَ عن الإسلام ضد الاتجاهات المنحرفة، والحملات المغرضِة التي تتَّسم بالقوة والفاعلية أحيانًا، والتنظيم والتأثير أحيانًا أخرى. وكنت- بفضل الله- من أول الداعين إلى الاستفادة من الإنترنت- ووصفت الاستفادة من هذه الوسائل بأنها: جهاد العصر، وأسَّست أول وأقوى شبكة إسلامية دعوية، وهي (إسلام أون لاين)، كتب لها الانتشار والنفع إلى حد كبير على مستوى العالم، حتى تدخل فيها من ليس من أهلها، وأقحموا أنفسهم فيها، فعزلتُ نفسي عنها، وتركتها لهم، حتى انتهى أمرها إلى التعطيل، أو شبه التعطيل. والمسلمون حتى الآن لم ينجحوا في استغلال شبكة الإنترنت دعويًّا الاستغلالَ المطلوب، مع أهمية هذه الشبكة العنكبوتية التي تخترق الحدود والسدود، فالإحصائيات تقول: إن عدد المواقع الإسلامية على شبكة الإنترنت التي تخدم الدين الإسلامي ودعوته مباشرة ما زالت محدودة، وإن المواقع التنصيرية في الشبكة تزيد عن المواقع الإسلامية بمعدل 1200%، وإن نصيب المسلمين من الإنترنت حتى الآن ما زال هزيلًا، ولا يرقى إلى المستوى المطلوب، وقد أشارت دراسة حديثة إلى أن المنظمات المسيحية هى صاحبة اليد الطولى فى الإنترنت؛ إذ تحتل نسبة 62% من المواقع، وبعدها فى الترتيب جاءت المنظماتُ اليهودية، في حين تساوى المسلمون مع الهندوس، فلم تزد حصةُ كل منهم على 9% فقط. والدلائل تؤكد أن المذاهب الهدَّامة والأديان الباطلة، حتى البوذيون والوثنيون وعبدة الشيطان، لهم مئات المواقع بلغات العالم الحية والميتة، وعدد المواقع التي تُهاجم الإسلام سواء بطريق مباشر أو غير مباشر تتعدى عشرة آلاف موقع، والميزانية المرصودة لمهاجمة الإسلام إعلاميًّا في جميع أنحاء العالم، يقولون: إنها تتعدى مليار دولار سنويًّا. وأحسبها تزيد كثيرًا، أما الجهود المسلمة المبذولة للدفاع عن الإسلام إعلاميًّا فهي جهود قليلة وفردية، لا تتعدى ميزانيتها عشرات أو مئات الملايين. وأنا أقول بصراحة- بصفتي رئيس الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين-: عندي نقص في ميزانية الاتحاد للعام الماضي، ما زلت أشكو عجزا عن سدها، فيا لله للمسلمين! أما عن الوسائل الممكنة عبر الإنترنت لنشر الدعوة الإسلامية فيمكن تحديدُها في الآتي: - إنشاء مواقع إسلامية تقدم الإسلام الوسطي الصحيح بصورة سهلة وجذابة ومشوقة. - نشر الصحف الإسلامية على الشبكة. - توفير الكتب الإسلامية المختلفة من خلال المواقع الإسلامية والعربية، وخاصة تفاسير القرآن وترجمات معانيه باللغات المختلفة، وكتب الأحاديث، والكتب الفقهية المبسطة. - استغلال غرف المحادثة والحوار عبر العديد من المواقع ومحركات البحث في عرض دعوة الإسلام على الآخرين، وهذه وسيلة مثمرة نافعة، وقد جرَّبها بعضُ الدعاة وأسلم على أيديهم الكثيرون من جنسيات مختلفة. - استخدام البريد الإلكتروني للدعوة إلى الله، وهو وسيلة جيدة للدعوة ومكملة للوسائل الأخرى، فباستخدام البريد الإلكتروني يمكن توجيهُ دعوة الإسلام إلى ملايين من العناوين الإلكترونيَّة، ويمكن اختيارُ شريحة ذات مواصفات معينة لكي تصلها الدعوات. ويتم ذلك إما بالمراسلة الفردية، أو بالاتفاق مع شركات الإنترنت التي تقدم الخدمات البريدية مقابل أجر معيَّن، فهذه الشركات لها قوائم بريدية تتجاوز أحيانًا خمسين مليونًا من العناوين البريدية، وبالاتفاق مع هذه الشركات يمكن توصيل دعوة الإسلام إلى خمسين مليون مشترك بالإنترنت، وهذه وسيلة جيدة إذا أُحْسِنَ استخدامها، وقام بها علماء ذوو غيرة على الإسلام ودعوته. سلاح ذو حدين - هل يمكن أن تشكل الوسائل الحديثة مخاطر على الدعوة الإسلامية وأصول الإسلام الصحيح بأن تُستغل لصالح

4095

| 29 مارس 2015

رمضان 1435 alsharq
القرضاوي :أدب الابن مع والديه قرنه القرآن بتوحيد الله

المؤلف : الشيخ يوسف القرضاوي الكتاب: أدب المسلم مع الله والناس والحياة الحلقة السابعة والعشرون أدبُ المسلم مع الأبُوَّة والبنوة برُّ الوالدين: مِن الأدب الذي يتميَّز به المسلم: أدبُ البنوة، الذي عُرِف بين المسلمين باسم: (برِّ الوالدَيْن)، الأب والأم، وهو الذي قَرَنَه القرآنُ بتوحيد الله تعالى؛ إذ جعل حقَّ الوالدين بعد حقِّ الله -عز وجل-، كما في قوله تعالى: {وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَبِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَالْجَارِ ذِي الْقُرْبَى وَالْجَارِ الْجُنُبِ وَالصَّاحِبِ بِالْجَنْبِ وَابْنِ السَّبِيلِ وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ مَنْ كَانَ مُخْتَالًا فَخُورًا} [النساء:36]. آية الحقوق العشرة: وهذه الآية هي التي سمَّاها العلماء: (آيةَ الحقوق العشرة)، التي بدأتْ بحق الله العليِّ الكبير، فحقِّ الوالدين، فذي القُربى، وما بعده. وهكذا نجد الطلب من الله تعالى للولد أن يشكرَ لربِّه وللوالدين بهذه الصيغة، أي: بالعطف بالواو، التي تفيد مُطلَق الجمْع، ولم يقل: (أن اشكر لِي ثمَّ لوالديك)، و(ثمَّ): تفيد الترتيب والتراخي. أدب الأبوَّة والأُمُومة: ومع أدب البنوة نجدُ أدبَ الأبوَّة، ومثل الأبوة: الأمومة، وقد عبَّر العرب عنهما بلفظ (الأبوان)؛ تغليبًا لمعنى الأب، أو (الوالدين)؛ تغليبًا لمعنى الأم، فإن الأب لا يلد، ولكن الأبوَّة والأمومة مطلوب منهما أن يرْعيَا البنوة، وبعضُ العلماء قال: إن الإسلام أوصَى الأولاد بالوالدين؛ لِمَا يخشى مِن جفاء الأولاد أو عقوقهم، ولكنه لم يوصِ الوالدين بالأولاد؛ لِما في جانب الفطرة الوالدية مِن حبِّ الأولاد، وضرورة العناية بهم، فلا يحتاجون إلى وصيَّة. وهذا صحيح في الجملة، ولكن التنبيه مطلوبٌ، وخصوصًا عندما تنحرف بعض الأنفُس، وبعض الجماعات عن الفطرة، ويدخل الشيطان– أو الشياطين– بوسوساتهم في إفساد الضمائر، وتخريب البصائر، وذكر القرآنُ ضلالاتِ العرب في الجاهلية، ومآثمَهم مع أولادهم، فقال: {قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ قَتَلُوا أَوْلَادَهُمْ سَفَهًا بِغَيْرِ عِلْمٍ وَحَرَّمُوا مَا رَزَقَهُمُ اللَّهُ افْتِرَاءً عَلَى اللَّهِ قَدْ ضَلُّوا وَمَا كَانُوا مُهْتَدِينَ} [الأنعام:140]. وخصوصًا ما كان منهم في حقِّ الإناث؛ بحكم نظرة الجاهلية القاصرة للأنثى: {وَإِذَا الْمَوْءُودَةُ سُئِلَتْ * بِأَيِّ ذَنْبٍ قُتِلَتْ} [التكوير:8-9]. الإحسان بالوالدين والطاعة لهما: وقد أمر الله -عز وجل- الأولاد ذكورًا وإناثًا بالإحسان إلى الوالدين، وإن كانا- أو أحدهما- على دينٍ غير التوحيد، ولكن لا يجوز التطاول على الوالدين أو أحدهما، وإن كان مشركًا، بل يجب مصاحبتهما بالمعروف؛ اعترافًا بحق الوالدية، فلولاهما لَمَا كان، ولذلك يؤكِّد القرآن هذه الحقيقة، فيقول: {وَإِنْ جَاهَدَاكَ عَلَى أَنْ تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلَا تُطِعْهُمَا وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا وَاتَّبِعْ سَبِيلَ مَنْ أَنَابَ إِلَيَّ ثُمَّ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ} [لقمان:15]. وبهذا ظهر المنهج القرآني المتميز، الذي يجمع بين الحرص على توحيد الله -تعالى-، وعلى مصاحبة الأبوين بالمعروف.وما ذكره القرآن عن يحيى الذي آتاه اللهُ عبدَه زكريا، وقد آتاه الله الحُكْم صبيًّا: {وَبَرًّا بِوَالِدَيْهِ وَلَمْ يَكُنْ جَبَّارًا عَصِيًّا} [مريم:14]. والمسيح عيسى بن مريم، قال الله تعالى على لسانه حين نطق في المهد صبيًّا: {وَبَرًّا بِوَالِدَتِي وَلَمْ يَجْعَلْنِي جَبَّارًا شَقِيًّا} [مريم:32]. ومِن أدب الأبوَّة: أن يفرح الأبُ- وكذلك الأم- بما يرزقه الله مِن أولاد، ذكورًا كانوا أو إناثًا، وألَّا يكون كما كان العرب الجاهليون يتبطَّرون ويتشاءَمُون من الإناث، حتى اعتبروا ولادة الأنثَى عارًا لهم، أو نكْبةً عليهم، كما حكى القرآن عنهم، وكما قيل لأحد الأعراب، وقد أُخبر بولادة امرأته، فسألهم: ماذا ولدتْ؟ قالوا: أنثى، قال: ما هي بنعم الوَلَد. نصرُها بكاءٌ، وبرُّها سرقةٌ! فهو يعتبر أن ما تعطيه بنتُه له من مالِ زوجِها يُعتبَر سرقةً مِن زوجها، ولا تنصرُه بركوبِ فرسٍ، أو حمْل سيفٍ، بل بالبكاء والصراخ، وفي ذلك يقول الله تعالى: {وَإِذَا بُشِّرَ أَحَدُهُمْ بِالْأُنْثَى ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدًّا وَهُوَ كَظِيمٌ * يَتَوَارَى مِنَ الْقَوْمِ مِنْ سُوءِ مَا بُشِّرَ بِهِ أَيُمْسِكُهُ عَلَى هُونٍ أَمْ يَدُسُّهُ فِي التُّرَابِ أَلَا سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ} [النحل:58-59]. انظر إلى هذا الوصف القرآني الرائع، الذي يضع لنا هذه الصورة الكئيبة لهذا الأب بعد ما بشَّروه بولادة امرأته بأنثى، كيف تغيَّر وجهُه، وتغيرتْ نفسُه، وتغيَّر تفكيرُه، وتغيَّر سلوكه: اسودَّ وجهُه، وكظمتْ نفسُه، وكأنَّما ارتكب جريمةً حسِّيَّة يُستحيا منها، فهو يتوارى من الناس، ويختبئ مِن مقابلتهم، ويفكِّر في هذا المخلوق الجديد، ماذا يصنع به؟ أيمسكه – على ما هو عليه – بما معه من الذل والهوان، أنه أب لأنثى، أمْ يتخلَّص مِن هذه الفضيحة، ويدسُّ هذا المخلوق في التراب، ويدفنه كما يدفن كل الموتى؟ ألا ساء ما يحكمون. وكثيرًا ما يختار بعضُ الناس الخصلةَ السيِّئة الرديئة: الدسَّ في التراب، فيقتل نفسًا بشريَّة حيَّة، لم ترتكب خطيئة، ولم تستحق قتلًا، فيقتلها؛ لأنه يخاف أن تزحمه في طعامه وشرابه وخبزه، وهو الأبُ الذي يُفترَض أن يحميَها بنفْسه، ويجوعَ لتشبع، وليتَه يقتلها بضربة سيفٍ تُريحها، بل يدفنها وهي حيَّة في التراب، وبئس هذا النوع من الموت: {وَإِذَا الْمَوْءُودَةُ سُئِلَتْ * بِأَيِّ ذَنْبٍ قُتِلَتْ} [التكوير:8-9]. البناتُ كالأبناء نعمةٌ مِن الله، ولذلك رأينا القرآن الحكيم يؤكد أن كلًّا مِن البنين والبنات، نعمةٌ من الله -تعالى-، كما قال -سبحانه-: {لِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ يَهَبُ لِمَنْ يَشَاءُ إِنَاثًا وَيَهَبُ لِمَنْ يَشَاءُ الذُّكُورَ * أَوْ يُزَوِّجُهُمْ ذُكْرَانًا وَإِنَاثًا وَيَجْعَلُ مَنْ يَشَاءُ عَقِيمًا إِنَّهُ عَلِيمٌ قَدِيرٌ} [الشورى:49- 50]، ومن اللطائف اللفظية في الآية أنها بدأتْ بهِبَةِ اللهِ للإناث أوَّلًا، ولهذا قال نساء المسلمين: خيرُهن مَن بكَّرتْ بأنثى. وقد ذكَر اللهُ لنا في سورة آل عمران قصةَ امرأة عمران، وولادتها لمريم أُمِّ المسيح -عليهما السلام-: {إِذْ قَالَتِ امْرَأَتُ عِمْرَانَ رَبِّ إِنِّي نَذَرْتُ لَكَ مَا فِي بَطْنِي مُحَرَّرًا فَتَقَبَّلْ مِنِّي إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ * فَلَمَّا وَضَعَتْهَا قَالَتْ رَبِّ إِنِّي وَضَعْتُهَا أُنْثَى وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا وَضَعَتْ وَلَيْسَ الذَّكَرُ كَالْأُنْثَى وَإِنِّي سَمَّيْتُهَا مَرْيَمَ وَإِنِّي أُعِيذُهَا بِكَ وَذُرِّيَّتَهَا مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ * فَتَقَبَّلَهَا رَبُّهَا بِقَبُولٍ حَسَنٍ وَأَنْبَتَهَا نَبَاتًا حَسَنًا وَكَفَّلَهَا زَكَرِيَّا كُلَّمَا دَخَلَ عَلَيْهَا زَكَرِيَّا الْمِحْرَابَ وَجَدَ عِنْدَهَا رِزْقًا قَالَ يَا مَرْيَمُ أَنَّى لَكِ هَذَا قَالَتْ هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ} [آل عمران:35-37]. فانظرْ إلى هذه القصة الجميلة لآل عمران، الذين اصطفاهم الله -تعالى-، كما اصطفى آل إبراهيم، وكما اصطفى آدمَ ونوحًا، وتبدأ القصة بامرأة عمران- الذي لا نعرف له غير اسمه، والذي تنسب إليه الأسرة- التي نذَرَتْ ما في بطنها ليخدُم المعبد أو المسجد، فهي ظنَّتْه ولدًا ذكرًا، ولكن قدَّر الله أن تكون أنثَى، فلمَّا وضعتْها سمَّتْها: مريم، وأعاذتها وذرِّيَتَها من الشيطان الرجيم، وهيَّأتْ لها التربية المثمرة في رعاية نبي الله زكريا -عليه السلام-. وكانت هذه المولودة المباركة مريم الصديقة أُمُّ المسيح، التي قال الله لها: {يَا مَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَاكِ وَطَهَّرَكِ وَاصْطَفَاكِ عَلَى نِسَاءِ الْعَالَمِينَ * يَا مَرْيَمُ اقْنُتِي لِرَبِّكِ وَاسْجُدِي وَارْكَعِي مَعَ الرَّاكِعِينَ} [آل عمران:42-43]. حق الوالدين في سورة الإسراء: وقد بيَّن القرآن الحكيم في وصايا سورة الإسراء الحكيمة: حقَّ الوالدين على أولادهما، فقال -عز وجل-: {وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلَاهُمَا فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ وَلَا تَنْهَرْهُمَا وَقُلْ لَهُمَا قَوْلًا كَرِيمًا * وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ وَقُلْ رَبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا * رَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَا فِي نُفُوسِكُمْ إِنْ تَكُونُوا صَالِحِينَ فَإِنَّهُ كَانَ لِلْأَوَّابِينَ غَفُورًا} [الإسراء:23-25]. فالبرُّ والإحسان المطلوب مِن الله -تعالى- للوالدَين في كل أعمارهما، سواء كانَا في حالة الكهولة أو الشيخوخة، وقد يكون بين الآباء والأبناء وقتٌ قصير، كما قالوا: كان بين عمرو بن العاص وابنه عبد الله: اثنتا عشْرة سنةً! أو ثلاث عشرة سنة. ويزداد حقُّ الوالدين على الأبناء عندما يبلغان أو أحدهما الكبرَ عند الأولاد، وكلمة (العنديَّة) تدلُّ على أنَّ أمرهما أصبح مَوْكولًا للأولاد، فهما عندهم كأنَّهما وديعة وأمانة يحفظونها؛ ولذا قال -عليه الصلاة والسلام-، فيما رواه أبو هريرة: "رغِم أنفُ، ثم رغِم أنفُ، ثم رغم أنفُ". قيل: من يا رسول الله؟ قال: "من أدرك أبويه عند الكبر أو أحدهما ثم لم يدخل الجنة" ومعنى (رغِم أنف)، أي: لصق بالرَّغام، وهو التراب. وكما فرض الله الإحسان بالوالدين، حرَّم كذلك ما ينافيه، وهو الإساءة إليهما، وإيذاؤهما بقولٍ أو فعْل، ومن ذلك إظهار التأفّف: بأن يقول لهما: (أفٍّ)، وهو ما نهَى عنه القرآن. والأصل أن كل ما نهى عنه القرآن نهْيًا صريحًا فهو محرَّم، ولهذا قال العلماء: لو يعلم اللهُ في عقوق الوالدين شيئًا أدنى من (أفٍّ) لحرَّمه، لِمَا لهذا الحق من مكانةٍ وحُرْمة عند الله -تعالى-، قال -تعالى-: {فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ وَلَا تَنْهَرْهُمَا وَقُلْ لَهُمَا قَوْلًا كَرِيمًا} [الإسراء:23]. فهو عز وجلَّ ينهى عن قول كلمة (أفٍّ)، التي تدل على الضجر، وينهى عن نهْرِهما، والنهْر منهيٌّ عنه في القرآن لكُلِّ مَن يشعر بأنَّه في حالة ضعْف، ويحتاج إلى مَن يُعينه ويرفعه، لا من يبخسه ويشعره بالهوان، كما قال تعالى: {فَأَمَّا الْيَتِيمَ فَلَا تَقْهَرْ * وَأَمَّا السَّائِلَ فَلَا تَنْهَرْ} [الضحى:9-10]. أي: لا يصدر عنك قول أو فعل يقهر اليتيم، أي: يذله ويخضعه رغم أنفه، ولا قول أو فعْلٌ ينهر السائل، أي: يهينه ويجرح شعوره. ولما نهاه عن القول السيِّئ، والفعل السيِّئ، أمره بالقول الحسَن، والفعل الحسَن، فقال: {وَقُلْ لَهُمَا قَوْلًا كَرِيمًا} [الإسراء:23]. أي: ابدأ معاملتهما، وقل لهما كلامًا ليِّنًا، طيبًا حسَنًا، بتوقير وتعْظيم. والقرآن مدَحَ الذلَّ في موضعين: أحدهما: الذلُّ للوالدين، وهو ما جاء في هذه الآية: {وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ} [الإسراء:24]. والثاني: الذلُّ لإخوانه المؤمنين، كما قال: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا يَخَافُونَ لَوْمَةَ لَائِمٍ} [المائدة:54]. فالابن البارُّ بأبويه يسأل الله لهما أن يتفضَّلَ عليهما برحمته التي وسعتْ كلَّ شيء، ولا سيما المؤمنين، وخصوصًا الوالدين، اللذين ربيا ولدهما في صغره وضعفه، حين لم يكن له سنٌّ تقطع، ولا يدٌ تبطش، ولا رِجْل تمشي، ولم يزل أبواه يغذيانه وينمِّيانه، ويعملان على كسبه أفضل العادات، حتى استوى إنسانًا مكتملًا. الإسلام يطلب البرَّ للأبوين، ويؤكِّد حقَّ الأم: وممَّا لا شك فيه أن الإسلام في نصوصه كلِّها قرآنيَّة ونبويَّة، يطالب بفرضية البر والإحسان للوالدَين كليهما أمًّا وأبًا، ولكنه يؤكِّد ويعظِّم حقَّ الأمِّ أكثرَ من غيرها. كما ذكر القرآن الكريم: {وَوَصَّيْنَا الْإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ إِحْسَانًا حَمَلَتْهُ أُمُّهُ كُرْهًا وَوَضَعَتْهُ كُرْهًا وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلَاثُونَ شَهْرًا حَتَّى إِذَا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَبَلَغَ أَرْبَعِينَ سَنَةً قَالَ رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلَى وَالِدَيَّ وَأَنْ أَعْمَلَ صَالِحًا تَرْضَاهُ وَأَصْلِحْ لِي فِي ذُرِّيَّتِي إِنِّي تُبْتُ إِلَيْكَ وَإِنِّي مِنَ الْمُسْلِمِينَ} [الأحقاف:15]. فالآية الكريمة توصي بالوالدين إحسانًا، ولكنها تخصُّ الأمَّ بما تتحمله من الكرْب والأثقال في الحمْل والوضْع، وبعد ذلك في الإرضاع والتربية، وهو ما سمَّتْه الآية: (كُرْهًا)، أي: ثقلًا وشدة، وفي سورة لقمان، قال -تعالى-: {وَوَصَّيْنَا الْإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْنًا عَلَى وَهْنٍ وَفِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ إِلَيَّ الْمَصِيرُ} [لقمان:14]. ولذلك حين روى أبو هريرة، قال: جاء رجل إلى رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، فقال: يا رسول الله، مَن أحقُّ الناس بحُسْن صحابتي؟ قال: "أمك". قال ثم من؟ قال: "أمك". قال ثم من؟ قال: "أمك". قال: ثم مَن؟ قال: "أبوك". وهو ما جعل بعضَ العلماء يقولون: إن الأمَّ لها ثلاثةُ أرْباع البرِّ؛ لأن الرسول -صلى الله عليه وسلم- وصَّى بها ثلاثَ مرَّات، ووصَّى بالأب مرةً واحدة! ومما لا ريب فيه أن الأم هي التي تعِبتْ في حمْل وليدها أكثر ممَّا تعِب الأب، فقد حملتْه في بطنها تسعة أشهر، ولقِيَتْ مِن آلام الوَحَم والحمْل والثِّقل، ما لا يعرفه غيرُ الأمَّهات، وشهدتْ مِن أوجاع الطَّلْق ما شهدتْ، ثم لقِيَتْ مِن آلام الوضع- وربَّما الجراحة- ما لقيتْ، فلهذا لا يستطيع أبٌ أن يقول لها: إنِّي لقيتُ مثل ما لقيتِ! ثم إن الأمَّ أحْوج إلى المعونة والخدمة من الأب؛ لأنه أبسط جسمًا، وأقدر على التحمُّل وعلى ثِقَل العمل ومشاقِّه مِن الأم، ولأن الأبناء أجْرأ على الأمهات، وعلى عصيانهن مِن عصيان الآباء، الذين لهم هيْبة ورهْبة عند الأولاد.

9204

| 24 يوليو 2014

عربي ودولي alsharq
القرضاوي يؤكد أن الشعب المصري مع مرسي والشرعية

أكد رئيس الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين الشيخ يوسف القرضاوي، اليوم الجمعة، أن الشعب المصري مع الرئيس المعزول الدكتور محمد مرسى، ومع إخوانه الذين يؤيدون الشرعية. وقال القرضاوي، أثناء خطبة الجمعة اليوم، بمسجد عمر بن الخطاب بمدينة الدوحة، حول "الأمل واليأس في القرآن الكريم": "سينصر الله الإسلاميين على الليبراليين وعلى غيرهم من اللادينيين وسينصر أهل العدل على أهل الظلمة". وحول ذهاب البعض إلى ميدان التحرير مرة أخرى لعزل الرئيس السابق مرسى، أوضح الشيخ القرضاوى، أن هذا الأمر لا يغنى عن ما أتت به الصناديق الانتخابية، مؤكدًا أنه لا يجوز الطاعة لهؤلاء، وأن من أطاعهم فقد عصى الله لأنهم خالفوا أمر الله- حسب قوله. وأوضح القرضاوى، أن كل مواد الدستور التي تم إقرارها في عهد الدكتور محمد مرسى، والتي وصفها بأنها عظيمة، وبأنها بُنيت على الدين والأخلاق والوطنية، يريد هؤلاء ممن خرجوا على الشرعية أن يحذفوا تلك المواد. وأكد، أن كل الشعوب العربية والإسلامية والأحرار في العالم يرفضون أن يساق الشعب كالغنم أو يساق إلى غنيمته. واختتم الشيخ القرضاوى خطبته قائلاً: "إن الشعب المصري سيصمد في سبيل حريته وسيقف من أجل أن تنال مصر حريتها".

283

| 15 نوفمبر 2013

عربي ودولي alsharq
القرضاوي للجربا: هزيمة الأسد ستفيد المنطقة

أعلن الائتلاف الوطني السوري المعارض أن رئيسه أحمد الجربا اجتمع أمس الثلاثاء مع رئيس الوزراء القطري، معالي الشيخ عبد الله بن ناصر بن خليفة آل ثاني، وناقشا "سبل دعم الثورة السورية" كما قابل الداعية يوسف القرضاوي، الذي اعتبر أن انتصار المعارضة السورية سيعود بالخير على "كل دول المنطقة والعالم الإسلامي". وقال الائتلاف في بيان له، إن الجربا عقد اجتماعا خاصا مع رئيس الوزراء القطري، وتناول الحديث "توافق الرؤى بين البلدين وأهمية الدور الذي لعبته قطر في دعم الثورة السورية منذ الأيام الأولى لاندلاعها. ودار الحديث حول سبل دعم الثورة السورية وتلبية طموحات الشعب السوري". كما اجتمع الجربا، الذي يزور العاصمة القطرية، الدوحة، برئيس الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين، يوسف القرضاوي، ونقل بيان الائتلاف عن القرضاوي "حض الشعب السوري على الاستمرار في صموده" معتبرا أن انتصاره "لا يعود باليمن على السوريين فحسب بل على كافة دول المنطقة والعالم الإسلامي". وتأتي زيارة الجربا إلى الدوحة في إطار مشاوراته بغية "توحيد الرؤية السياسية" قبل انعقاد المؤتمر الدولي للسلام في جنيف. والذي علق الائتلاف مشاركته فيه بشرط تنحي الرئيس السوري بشار الأسد وانتقال السلطة بكل مكوناتها وأجهزتها ومؤسساتها إلى هيئة الحكم الانتقالي وإيقاف العمليات العسكرية والإفراج عن المعتقلين.

246

| 20 نوفمبر 2013