رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

Al-sharq

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

الشرق

مساحة إعلانية

مساحة إعلانية

مساحة إعلانية

محليات

1706

القرضاوي: محمد الدمرداش رفيق السكن والدراسة و الدعوة

21 يونيو 2015 , 01:03م
alsharq
الدوحة - بوابة الشرق

الكتاب: "في وداع الأعلام"

المؤلف: الشيخ د. يوسف القرضاوي

الحلقة : الخامسة

إن أخطر شيء على حياة الأمة المعنوية، أن يذهب العلماء، ويبقى الجهال، الذين يلبسون لبوس العلماء، ويحملون ألقاب العلماء، وهم لا يستندون إلى علم ولا هدى ولا كتاب منير. فهم إذا أفتوا لا يفتون بعلم، وإذا قضوا لا يقضون بحق، وإذا دعوا لا يدعون على بصيرة، وهو الذي حذر منه الحديث الصحيح الذي رواه عبد الله بن عمرو "إن الله لا يقبض العلم انتزاعاً ينتزعه من صدور الناس، ولكن يقبض العلم بقبض العلماء، حتى إذا لم يُبق عالماً، اتخذ الناس رؤوساً جهالاً، فسئلوا، فأفتوا بغير علم، فضلوا وأضلوا" (متفق عليه).

ولعل هذا الشعور هو الذي دفعني في السنوات الأخيرة إلى أن أمسك بالقلم لأودع العلماء الكبار بكلمات رثاء، أبين فيها فضلهم، وأنوّه بمكانتهم، والفجيعة فيهم، حتى يترحم الناس عليهم، ويدعوا لهم، ويجتهدوا أن يهيئوا من الأجيال الصاعدة من يملأ فراغهم، وإلا كانت الكارثة.

إن مما يؤسف له حقّاً أن يموت العالم الفقيه، أو العالم الداعية، أو العالم المفكر، فلا يكاد يشعر بموته أحد، على حين تهتز أجهزة الإعلام، وتمتلئ أنهار الصحف، وتهتم الإذاعات والتلفازات بموت ممثل أو ممثلة، أو مطرب أو مطربة أو لاعب كرة أو غير هؤلاء، ممن أمسوا (نجوم المجتمع)!.

وأسف آخر أن العلمانيين والماركسيين وأشباههم إذا فقد واحد منهم، أثاروا ضجة بموته، وصنعوا له هالات مزورة، وتفننوا في الحديث عنه، واختراع الأمجاد له، وهكذا نراهم يزين بعضهم بعضاً، ويضخم بعضهم شأن بعض. على حين لا نرى الإسلاميين يفعلون ذلك مع أحيائهم ولا أمواتهم، وهذا ما شكا منه الأدباء والشعراء الأصلاء من قديم.

فى هذه الحلقة يتطرق فضيلة الشيخ د. القرضاوى بكتابه " فى وداع الاعلام"

الى أخيه وحبيبيه ورفيقيه في الدراسة والدعوة والمسكن محمد الدمرداش سليمان مراد

ويقول فضيلته ، تعرفت عليه، أو قل: هو الذي طفق يقترب مني، ويتعرف عليَّ بلهفة وصدق؛ فقد كان مدرس مادة (الإنشاء) يطالبنا بأن يتحدث بعضنا عن موضوع معين قبل أن نكتب فيه، في حصة الإنشاء الشفهي، ثم نكتب الموضوع في حصة الإنشاء التحريري.

وكان يستمع إلي حينما أتحدث وأتكلم عن بعض الموضوعات بدون تحضير، وآتي ببعض الكلمات الأنيقة، والعبارات الرشيقة، ويلتصق بي، ويثني عليَّ، ويقول لي: من أين تأتي بهذا الكلام الحلو؟

وظل يقترب مني أكثر فأكثر، في الفصل، وفي جامع السيد البدوي، حيث يطيب لنا المذاكرة هناك، وقد رأى الزملاء يجتمعون حولي، يسألونني في (المعضلات) الإعرابية، فأعربها بسهولة. وكان الدمرداش رحمه الله سليم الفطرة، يُعجب بكل ذي موهبة أصيلة، ويحب أن يكون مثله، أو يقبس منه. وأذكر أن بعضهم سألني عن إعراب قوله تعالى في سورة المعارج (يُبَصَّرُونَهُمْ) فأجبت على الفور: "يبصرون": فعل من الأفعال الخمسة مرفوع بثبوت النون، واو الجماعة فيه نائب فاعل سد مسد المفعول الأول، وضمير الجمع (هم) مفعول ثان. فدهش، ودهش الحاضرون من قدرتي على الإعراب، وسرعتي فيه.

وقد أصبح الدمرداش ملازمًا لي؛ إذا ذهبت إلى الجامع ذهب معي، وإذا ذهبت إلى شعبة الإخوان ذهب معي، وغدونا لا نكاد نفترق إلا عند النوم، فلم نجد بُدًّا من أن نسكن معًا.

وقد أخذنا حجرة في منزل خالتي، وكان معه زميله وبلديُّه أحمد صقر حجازي، الذي كان يجيد الطهي، وأنا لا أحسن شيئًا من هذا، فكان ذلك من حسن حظي، ومن صنع الله لي.

وبذا أصبح محمد الدمرداش رفيق السكن، ورفيق الدراسة، ورفيق الدعوة. وغدا أقرب الأصدقاء إلي حسًّا ومعنى، وبدا كأنما يريد أن يدخل في أعماقي، أو يُمْسي جزءًا من كياني، يدخل بين جلدي ولحمي لو استطاع. وعن طريق الدمرداش تعرفت على إخوة وأصدقاء آخرين من بلدياته، من مركز (زفتى)؛ ومن هؤلاء الصديق العزيز والأخ الكريم عبد العظيم محمود الديب رحمه الله.

فترة هروب قصيرة ساذجة!

في أواخر عام 1948 بعد حل جماعة الإخوان المسلمين، في الثامن من ديسمبر؛ اعتقل كثير من الإخوة، واتسعت دائرة الاعتقال لتضم أعدادًا أكثر من الإخوان في أرجاء المملكة المصرية، واعتُقل عدد من الإخوان في طنطا، وقال لي بعضهم: الدور عليك لا محالة. وفكرت في الأمر أنا وأخي ورفيقي محمد الدمرداش مراد، وتشاورنا في الأمر، وقررنا أن نغيب عن المعهد، ونختفي معًا في قرية الأخ الدمرداش (السملاوية)، فهي قرية صغيرة بعيدة عن أعين الرقباء، ونستطيع أن ندخلها خلسة، بحيث لا يرانا أحد، ولا نخبر بوجودنا أحدًا، إلا بعض الثقات المأمونين من الإخوة، وهناك نبقى فترة من الزمن، حتى تهدأ الأمور، أو يهيئ الله حلًّا للمشكلة.

ونفذنا ما اتفقنا عليه بالفعل، بعد أن اصطحبنا ملابسنا وكتبنا؛ لنستذكر فيها ما يفوتنا من دروس، وغاب عنا: أن اختفاءنا معًا سيوجه رجال الأمن إلى البحث عنا في قرية كل منا، وقد علمت أنهم ذهبوا إلى قريتنا (صفط تراب) وسألوا عني، فقالوا لهم: إنه يدرس في طنطا. قالوا: إنه مختفٍ عندكم، واختفاؤه لا يفيده فأين هو؟ قالوا: الدار أمامكم.. ففتشوا كيف شئتم. وفتشوا الدار، وقلبوها رأسًا على عقب، ولم يجدوا فيها شيئًا، إلا بعض الأوراق الخاصة بي، أخذوها معهم، ودُور الأرياف غاية في البساطة؛ فليس فيها من الأثاث والأدوات ما يجعل التفتيش فيها عسيرًا، ففي دقائق معدودة تم كل شيء.

* طرق شديد

ولما لم يجدوني في قريتي (صفط)، اتجه تفكيرهم إلى قرية (السملاوية)؛ فبينا كنا نجلس أنا وأخي الدمرداش في (مقعد) في الطابق الثاني، نتدارس في بعض ما صحبنا من الكتب، فإذا طرق شديد عنيف على باب الدار، فأدركنا أنهم رجال الأمن السياسي، أو القسم المخصوص، كما كان يسمى في ذلك الحين.

وقال الأخ محمد: يمكننا أن نختفي عند الجيران بواسطة (سلالم السطح)، وكانت سطوح منازل القرى في الريف المصري متصلة، فليس هناك أسوار تعزل البيوت بعضها عن بعض، وكانت السطوح مغطاة بالقش والحطب ونحوها؛ وهو ما يعرضها للخطر عند وجود أي حريق في أحدها. وصعدنا سلم سطح الأخ محمد لننزل من سلم سطح الجيران إلى الطابق الثاني، فالطابق الأرضي، فأدخلتنا جارتهم إحدى الحجرات، ثم أغلقت علينا بالمفتاح، وخرجت من المنزل ذاهبة إلى الحقل.

فتحت الحاجة أم الدمرداش الباب بعد الطرق الشديد، لتجد أمامها رجال الأمن، فسألوها: أين ابنك وصديقه؟ فقالت: ابني في معهده في طنطا.. اسألوا عنه هناك. ففتشوا الدور الأول من المنزل، فلم يجدوا فيه شيئًا، ثم صعدوا إلى الدور العلوي، فوجدوا أحذيتنا وكتبنا وملابسنا موجودة، فتوجهوا إلى أم الدمرداش، وقالوا لها: تكذبين وأنت امرأة كبيرة؟ هذه آثارهم تدل عليهم، فقولي: أين هما؟ وإلا أخذناك بديلا عنهما. قالت: لا أعرف عنهما شيئًا. واتجه تفكيرهم إلى البيت المجاور، فدخلوه، وفتشوا حجراته تحت وفوق، فلم يجدوا إلا حجرة كانت مغلقة، لم يتمكنوا من دخولها أو فتحها.

* شرطة زفتى

وبعد هذه الجولة غادروا القرية مصطحبين معهم المرأة الطيبة الصالحة أم محمد الدمرداش إلى نقطة البوليس في (نهطاي) القرية المجاورة، وبقينا نحن حبيسي الحجرة التي أُغلقت علينا، ولا ندري ماذا حدث في الخارج؟ فلما جاءت الجارة صاحبة البيت فتحت علينا، وعرفنا ما حدث، وقلت للأخ محمد: لم يعد أمامنا بُدٌّ من تسليم أنفسنا، ولا يجوز أن تبقى والدتك ليلة واحدة في الحجز، فلنتوكل على الله، ولنبادر بالذهاب إلى نهطاي؛ لكيلا ندع حجة في إبقاء الوالدة عندهم. وفعلًا أبلغنا عمدة القرية، وبعث بنا إلى نقطة نهطاي، فسلمنا أنفسنا، وأفرجوا عن الحاجة رحمها الله.

إلى شرطة زفتى.. حولناها إلى مسجد بفضل الله!!

وبعد أن سلمنا أنفسنا إلى النقطة، أرسلت بنا إلى (مركز زفتى) ليتولى أمرنا، ويرسل بنا إلى طنطا (عاصمة المديرية). وكان اليوم يوم خميس، وقد وصلنا إلى مركز زفتى في المساء، فلم يكن مأمور المركز ولا نائبه، ولا أحد المسؤولين موجودًا، ما عدا (الضابط النوبتجي) الذي سلمنا إلى جاويش المركز، ليضعنا في الحجز، حتى صباح يوم السبت، لنسلم إلى طنطا.

ودخلنا حجز المركز، لنجد فيه أكثر من أربعين شخصًا، معظمهم ليسوا من أهل الجريمة، بل من الفلاحين الذين ارتكبوا مخالفات تتعلق بالزراعة أو بالري أو نحو ذلك، وجاء وقت العشاء فأذَّنَّا في الحجز، وأقمنا الصلاة، وطلبنا منهم أن يصلوا معنا، وكان عدد منهم من أهل الصلاة، فصلوا معنا.

مرض "الدمرداش" ثم وفاته:

كانت وفاة أخي محمد الدمرداش صدمة هائلة لي، وكان فقده من أشد المصائب قسوة على نفسي. وقد فقدت أمي وعمي وابن عمي، وكثيرًا من الأقارب، فلم أحزن عليهم كما حزنت على الدمرداش. بل أشهد أني جزعت عليه أكثر مما ينبغي من مثلي، ممن يعلِّم الناس أن الموت حق، وأنه قدر الله الذي لا يقابل بغير الرضا والتسليم، وأن الجزع لا يرد فائتًا، ولا يحيي ميتًا، وأن الصبر عند الصدمة الأولى، وأن الموت ليس نهاية المطاف، بل هو بداية سفر جديد إلى دار أخرى هي خير وأبقى للمؤمنين.

وما الموت إلا رحلة غير أنها من المنزل الفاني إلى المنزل الباقي!

وقد سافرت من قريتنا (صفط تراب) أنا وأخي مصباح عبده رحمه الله وبعض الإخوة إلى السملاوية، ولكنا لم ندرك دفن الفقيد، ولا الصلاة عليه، فقد تم ذلك منذ الصباح، ونحن لم نصل إلا في المساء. وكان الناس يكلمونني، فلا أرد عليهم إلا بالبكاء. وحضر بعض الإخوة من المحلة مثل الأخ مصطفى الغنيمي والأخ حسين عتيبة رحمهما الله، وطلبوا مني أن ألقي كلمة عن الفقيد بما أعرفه عنه، ولكن لم يكن عندي قابلية للكلام، ولا قدرة عليه. ما عندي غير البكاء، ولغة الدموع.

* معالى الامور

وكان الدمرداش يحب معالي الأمور، ويكره سفسافها، ويطمح إلى أن يجعل من نفسه شيئا مذكورًا، فهو ينظر إلى من حوله، ويتأمل المواقف، ويتدبر السير، ويستمع إلى الكلمات، ويختزن هذا كله ويتمثله، ليأخذ أحسن ما فيه، قولًا وعملًا، وفكرًا وشعورًا وسلوكًا. وكان يملك وعيًا بصيرًا، ويملك إرادة قوية، وإذا اجتمع الوعي والإرادة صنعا الكثير. كان يحب أن يكون أديبًا، وقد أخذ نفسه بالقراءة والمطالعة ما أسعفه وقته وجهده، حتى وصل إلى مرتبة يحسن أن يقول فيها فيُسمِع، وأن يكتب فيبدع. رأيت معه مرة مذكرات يكتب فيها خواطره، فقرأت فيها فقرات تنبئ عن ارتقائه إلى درجة عالية من تذوق الأدب، وروعة البيان، وجمال الأسلوب، وأحسب لو أمهله القدر، لكان له شأن في عالم الأدب. ولقد عُيِّن مدرسًا للغة العربية والدين في مدينة (ملّوي) بصعيد مصر، فكان خطابه في طابور الصباح يهزّ المشاعر، ويأخذ بالألباب. كما كان محببًا إلى طلابه، لحسن طريقته معهم، وحدبه عليهم، ورعايته لهم، كما كان موضع حب وثناء من أهل البلد جميعًا.

قابلني بعد أن صدرت الطبعة الأولى من كتابي (الحلال والحرام في الإسلام)، فكان حفيًّا به، ومزهوًّا بظهوره، كأنما هو مصنفه، وكان يقول: إنه باكورة طيبة، نرجو أن ينهمر بعدها الغيث، ولم تمهله المنون حتى يرى بشائر الغيث. فقد اختطفه الموت، وهو في ريعان الشباب، أرجى ما كان قربًا من النضج والعطاء. فما أقسى الموت، وهو يأخذ منا أحبابنا، ويعجِّل بخيارنا!

الناس للموت كحبل الطراد فالسابق السابق منها الجواد

والموت نقَّاد على كفه جواهر يختار منها الجياد

لم يكن المرض الذي أصاب الدمرداش بالعضال ولا بالقتّال، ولكن يبدو أن الطبيب الذي عالجه في أول الأمر أخطأ تشخيص المرض، فأعطاه أدوية مرض آخر، وهي أدوية ذات تأثير كبير على الجسم، فهدت البنيان القوي، وظلّ يعاني مدة طويلة، ولا يتقدم، حتى اضطر أن يترك (ملّوي)، ويذهب إلى قريته؛ ليبحث عن علاج آخر، وطبيب آخر. وقد أخبرني أخي د. عبد العظيم الديب، الذي كان زميلًا له في ملوي، مساكنًا له في المنزل الذي يقيم فيه، فكل منهما يحتل أحد الطوابق: أنه حين غادر ملوي، لم يكن بالحالة المتردية التي يخشى عليه فيها، ولكن سرعان ما اشتد عليه الداء، ونقل إلى مستشفى الدمرداش في القاهرة، التي وافاه فيها الأجل المحتوم، الذي لا يستأخر ساعة ولا يستقدم. وإن أجل الله إذا جاء لا يؤخر. وما أصدق ما قاله ابن الرومي، وقد مرض، فغلط الطبيب في تشخيص دائه، ووصف دوائه، وكان في ذلك منيته، وقد قال في ذلك:

غلط الطبيب عليّ غلطة مُورِدٍعجزت موارده عن الإصدار!

والناس يلحُون الطبيب، وإنما غلطُ الطبيبِ إصابةُ الأقدار!

وقد رثيته بقصيدة كتبتها، وأنا رهين محبس المخابرات المصرية في حي سراي القبة بعد وفاته، والعجيب أن هذه القصيدة تاهت مني مع قصائد وأوراق أخرى، ثم عثرت عليها مصادفة بعد 38 ثمانية وثلاثين عامًا.

مساحة إعلانية