رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

Al-sharq

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

الشرق

مساحة إعلانية

مساحة إعلانية

د. جاسم الجزاع

* باحث وأكاديمي كويتي
[email protected]

مساحة إعلانية

مقالات

294

د. جاسم الجزاع

ثقافة أنا مشغول: هل نعمل كثيرًا أم ننجز قليلًا؟

31 ديسمبر 2025 , 03:20ص

في تقييمٍ سنويٍّ داخلي لإحدى المؤسسات العربية، سُئل مدير قسم معروف بازدحام يومه واجتماعاته المتواصلة عن أبرز ما أُنجز خلال العام، فصمت قليلًا ثم قال إن العام كان «مليئًا بالانشغال»!، فقدّم بعده أحد الموظفين لا يعرف له ضجيج مؤسسي، قدم ثلاثة إنجازات غيرت مسيرة المؤسسة خلال العام المنصرم، فانتهى الاجتماع عند هذا الحد.

لطالما جاءتْنا تكاليف ودعوات أو مهام، سواء طُلبت منّا قانونًا أو فُرضت عرفًا، فكان الردّ الجاهز: نحن مشغولون!، ولكن السؤال الذي نادرًا ما نواجهه بصدق هو: هل نحن مشغولون فعلًا، أم نتشبّث بالمشغولية لأنها آخر ما تبقّى لنا حين يغيب الإنجاز؟

من يتأمّل حياة الأفراد، بل والمؤسسات والمجتمعات، يلاحظ أن تراجع مستوى الإنجاز لا يحدث دائمًا بشكل فجّ أو صادم، فلا ينهار عادةً البناء دفعة واحدة، بل يتآكل ببطء، فيأتي التراجع بالإنجاز صامتًا، ومتخفيًا خلف تكرار أعذار المشغولية، وضيق الوقت، وضغوط العمل، وكأن هذه المبرّرات باتت لغة دفاع جماعية تُستخدم لإخفاء القصور في الإنجازات قبل معالجته، ففي هذه المرحلة، لا يُكذَّب الانشغال، ولا يُختبر صدقه، بل يُمنح شرعية أخلاقية تلقائية لدى المصابين بهذا الداء إن استطعنا وصف المشغولية هنا بالداء.

ففي الأصل، كانت المشغولية والانشغال علامة ودليلا على امتلاء الفرد بالمهام ذات المعنى والفائدة، وليست ستارًا للفراغ، لكنها أي «المشغولية « حين تنفصل عن تحقيق النتائج والإنجازات، تتحوّل إلى سلوك اجتماعي نُظهر فيه ادعاء الانشغال وأننا مشغولون ولا نملك الوقت الكافي، لأن السؤال عن الإنجاز أصبح أكثر إزعاجًا من الإرهاق والعمل نفسه. وهكذا، نجد البعض يقيس الانشغال بعدد الساعات، لا بما تغيّر بعدها من إنجازات.

والمؤسسات أيضاً كما الإنسان، خصوصًا في هذا الأمر، نجدها تُتقن هذا الادّعاء الغريب، حين تغيب الرؤية التي تسير عليها المؤسسة أو تتآكل الغاية التي توجه مسار المؤسسة، فإنها تبدأ بتضخيم الإجراءات، وتهتم بالشكليات، وتجعل مدد الاجتماعات طويلة وتُعقد لتأكيد الوجود فقط، لا لاتخاذ قرارات جادة مفيدة للعمل والإنجاز، والتقارير تُكتب لتوثيق الجهد، لا لقياس الأثر وتحقيق النتائج، وكلما قلّ الإنجاز الحقيقي، زادت الحاجة إلى إثبات الحركة والتواجد فقط، فتأتي المشغولية وادعاء أنك مشغول فتصبح تعويضًا نفسيًا عن فقدان الاتجاه.

لذلك الأفراد ليسوا بمنأى عن هذا السلوك، فالإرهاق يمنح شعورًا زائفًا بالاستحقاق، فيقول أحدهم: أنا متعب، أنا مرهق، إذاً أنا أقوم بما يجب وزيادة!. ومع مرور الوقت، يصبح السؤال عن الإنجاز الفعلي تهديدًا للذات المهنية والكبرياء الوظيفي، فمن يسأل: “ما الذي أُنجز فعلًا؟” يبدو كمن يخلخل توازنًا هشًّا بُني على التكرار لا على التقدّم في الإنجاز، لذلك، يُفضَّل الانشغال المستمر على التوقّف للمراجعة والمحاسبة الصادقة ومعرفة ما تم إنجازه فعلاً خلال الفترة السابقة، فالمراجعة هي الشرط الأول للإصلاح في عمل الفرد والمؤسسة.

والأخطر من ذلك أن ثقافة الادّعاء بالمشغولية وأنك مشغول على الدوام تُقصي الممارسات الهادئة والعميقة، فيغلب على مدعي المشغولية عدم الجدية في التفكير، والتخطيط، والتأمل، لأن هذه الأفعال لا تُرى، ولا يصفَّق لها، مع أنها تصنع الفارق الحقيقي بين مدعي الإنجاز والمنجز الحقيقي، لذلك قال أحد رواد علم الإدارة: «إن مجتمع الضجيج الإداري لا يحتمل الصمت المنتج»، وهذه حقيقة. 

ويبقى السؤال لنا ولكم، هل ندّعي أننا مشغولون لأننا فعلا لا نملك الوقت الكافي، أم أن الإنجاز يطالبنا بجدية في العمل لا نملكها بعد؟.

اقرأ المزيد

alsharq أبرز التطورات السياسية في تركيا لعام 2025

كما هو حال العالم العربي، شهدت تركيا هي الأخرى في عام 2025 أحداثًا بالغة الأهمية، حيث طرأت تطورات... اقرأ المزيد

108

| 05 يناير 2026

alsharq من بعد مادورو؟

بالنسبة لي وللعالم ككل فأنا أظن بأن الضربة التي نفذتها الولايات المتحدة على مواقع داخل فنزويلا هزّت انفجاراتها... اقرأ المزيد

120

| 05 يناير 2026

alsharq ماذا كشف «الأسبوع السيبراني 2025» عن حروب المستقبل؟

بات الأمن السيبراني اليوم أحد المفاتيح المركزية لفهم تحوّلات الصراع الدولي وإعادة تشكيل مفاهيم القوة والردع في النظام... اقرأ المزيد

60

| 05 يناير 2026

مساحة إعلانية