رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
تتناول بعض النقاشات التي تدور في مواقع التواصل الاجتماعي والتي تعبر عن نبض الشارع، قضايا هامشية لا تعد موضوعات محورية، ومع الأخذ بالاعتبار اختلاف الآراء والأذواق ومذاهب الناس فيها، إلا أن غالبية تلك النقاشات لا ترقى بالفعل لأن تكون قضايا مهمة تتصدر الرأي العام كالقضية التي تثار سنوياً عن مدى مشروعية تهنئة بابا نويل بعيده المجيد من عدمها، وغيرها من القضايا.
خلال العام الجاري والذي شارفنا على نهاياته، ومع ما يمر به العالم من جائحة المت به، وتأثيرها على مختلف أوجه الحياة وتقليصها للخيارات أمامنا، نجد أن هناك قضايا أخذت تطفو على السطح واشبعت نقاشًا وبحثًا، ومنها قضية السفر والقيود الموضوعة على حرية السفر والانتقال وتذمر فئة من الناس من الوضع الراهن، وأنا هنا اتحدث عن السفر للسياحة على وجه التحديد ولست بصدد الحديث عن السفر من أجل العمل او الدراسة او العلاج او العودة إلى الديار.
يمثل السفر السياحي للبعض أهمية قصوى حيث يتم تصويره كإحدى ضروريات الحياة التي من دونها لن نبلغ مبلغ السعادة والاطمئنان ولن نشعر بالرضا عن أنفسنا، ومع القيود والإجراءات الاحترازية المفروضة على المسافرين والحجر عند الوصول والعودة بجانب الفحوصات التي تنخر الأنوف وتدمع الابصار، نجد البعض مصراً على المضي قدماً وقد تكبد العناء وحزم أمتعته وشد الرحال بإصرار الى ديار تطبق هي الأخرى إجراءات احترازية صارمة جراء الوضع الراهن، دون التوقف وسؤال النفس عن جدوى السفر والغاية منه- سواءً في هذا الوقت او أي وقت- وهل هو فعلاً يحقق لنا المتعة التي نبحث عنها والرضا الذي ننشده.
إن تلك الصورة المنطبعة في الأذهان عن السفر أصبحت تتناقلها الأجيال ويرثها الأبناء عن الآباء حتى أضحت ضرورة لا يكتمل عامنا إلا بها وصارت غاية عوضاً عن أن تكون وسيلة، ودون الوقوع في شرك التعميم، نجد أن البعض ممن جعل السفر ديدناً وطقساً سنوياً لا يستطيع التخلي عنه، أصبح في سفره يكرر نمطاً من السياحة لا يكل ولا يمل منه، وتجده وقد دأب على الذهاب إلى الأماكن ذاتها وارتياد المقاهي والمطاعم الموجودة أساساً في بلادنا، وقد يقضي يومه في النوم الى وقت متأخر، ليكمل ما تبقى من يومه في باحة الفندق، متجاهلاً الفوائد السبع للسفر التي تحجج بها ودون ان تقدم له رحلته الميمونة فائدة تذكر سوى بذل المال والذي قد يكون مقترضاً من أجل هذه الغاية.
في الواقع فإن السعادة تمثل غاية ينشدها جميع البشر على اختلاف اعراقهم وألوانهم، ولكن دون الوقوف والتفكر في معنى السعادة والتبصر بها، سنجد أنفسنا نمارس ما يفرضه علينا المجتمع على أنه "السعادة" الأمر الذي يقلص خياراتنا ويجعلنا نلهث خلف غاية قد لا تكون هي مرادنا ولن تزيدنا إلا بؤساً وسأماً.
يجرنا هذا الواقع الى طرح تساؤل: هل توقفنا يوماً مع انفسناً وتفكرنا فيما نريد؟ وهل تجرأنا وحاولنا الخروج من صندوقنا المغلق وتجاوز الدائرة المرسومة لنا على الرمال، نحو أفق ارحب ومفهوم أشمل للسعادة؟ إن السعادة ليست بالضرورة ما يقوم به الآخرون، وما يسعد غيرنا ربما لا يسعدنا، كما أن اختزال مسببات السعادة باتباع خطى الآخرين هو تقاعس وكسل عن فهم الذات وسؤال النفس عن مرادها، فكثير من الأشخاص لا يعلم ما يريد، فيتصور واهماً ان مجرد قيامه بما يقوم به الآخرون هو في حد ذاته ما يسعده ويطمئن قلبه، وبذلك تغيّر المفهوم واختلت البوصلة، فأصبح القيام بما قام به الاقران في حد ذاته سبباً للسعادة وعدم الشعور بالحرمان، والعكس صحيح.
يقول فردريك كيونغ: "لقد نسينا بأن السعادة ليست الحصول على ما لا نملك بل هي أن نفهم وندرك قيمة ما نملك". بالفعل فإن السعي خلف مالا نملك والاعتقاد الدائم بأن الحصول عليه هو مبتغانا لهي التعاسة بحق، ولن يزيدنا هذا الموضع إلا حسرةً وقلقاً، لأن الإنسان مهما بلغ فلن يحصل على كل ما يريد، فلا بد لنا من ان نوقن أن ما تصوره لنا شاشات الهواتف وما تعكسه لنا تطبيقات التواصل الاجتماعي عن حياة الآخرين ليست هي حياتهم بالفعل، وعلينا أن لا نبقى رهينة لتلك التطبيقات وان لا نسمح لها بأن توجه سلوكنا وتحدد أهدافنا، وقد نجحت تلك الوسائل بالفعل في ذلك المسعى، إلى درجة أنها استطاعت ترويج السلع البائرة المرمية على رفوف المحلات في الأسواق الشعبية والتي لا يلتفت لها أحد، وتسويقها بأضعاف أثمانها واصبحت المتاجر الالكترونية غير قادرة على تلبية طلبات الزبائن التواقين للحصول على ما يمتلكه المشاهير وما يسوقونه على انه غاية السعادة وسبب الرضا!.
وما ينطبق على سياحة الخارج ينطبق على سياحة الداخل كذلك، ففي كثير من الأحيان عندما أذهب إلى أماكن سياحية ومرافق جميلة موجودة في بلادنا، تنافس في جمالها ورونقها وحداثتها أرقى المرافق السياحية في البلدان الأخرى التي نسافر اليها، أجد أن ارتيادها مقتصر على البعض من الأخوة المقيمين في حين انها تخلوا من المواطنين، في حين أن أماكن أخرى قد امتلأت بهم ولن تجد لك فيها موطئ قدم وكأنك تعيش في عالمين متوازيين، والسؤال هنا هو: لماذا نحرم أنفسنا من خيارات موجودة لدينا بحجج واهية ثم نتذمر من غلاء الأسعار التي تفرضها علينا بعض الأماكن، ونتحسس إذا قيل إنها مخصصة "للبعض" دون غيرهم ممن لا يهمهم المبلغ المدون على الفاتورة؟ ألسنا نحن من قلص خياراته واتبع ما تمليه عليه الحياة الزائفة التي نشاهدها في تطبيقات التواصل الاجتماعي وما يسوقها الآخرون على انها السعادة الحقة؟.
في تقرير أصدرته منظمة السياحة العالمية في عام 2018 بالتعاون مع لجنة السفر الأوروبية حول معدل الإنفاق العالمي على السياحة لعام 2017، كشف ذلك التقرير أن نفقات السياحة الخارجية لدول مجلس التعاون الخليجي ارتفعت خلال العام 2017 إلى 60 مليار دولار مقابل 40 مليار دولار في 2010.
ومن جهة أخرى فقد أظهرت بيانات بريطانية أن إنفاق الخليجيين على التسوق يعادل ضعفي متوسط إنفاق السياح الآخرين، حيث يبلغ معدل إنفاق السائح الخليجي 442 جنيها إسترلينيا، وهو بذلك يتصدر قائمة السياح في الانفاق على التسوق في بريطانيا.
وأمام تلك الحقائق ينبغي علينا مراجعة علاقتنا مع السفر وتصوراتنا عنه، والخروج من دائرة الاستهلاك التي تلاحقنا في حلنا وترحالنا وأفراحنا واتراحنا، والتصدي لـ"رسملة" كل ما يحيط بنا، لا بد لنا من التوقف مع أنفسنا وتحديد أولوياتنا وأن لا نصدق الشعوذة التي يمارسها علينا البعض عبر تطبيقات التواصل الاجتماعي التي أصبحت نقمة علينا بدل ان تكون نعمة نحسن استخدامها، وأن لا ننخدع بحياة الزيف التي تُصور على أنها الغاية المنشودة، وأن لا نستنزف جيوبنا ونبذل كل ما نملك لتقليد ما يقوم به غيرنا، فإن لم نمتلك الى السفر سبيلاً، فذلك لا يعني أن نبقى رهن التعاسة والتذمر والتململ، فوسائل المتع كثيرة بين أيدينا ولا يحجبها عنا سوى النظر لها بعقلية مستقلة متبصرة وعندها سندرك معنى السعادة وسنوقن أن قول الشاعر محمود حسن إسماعيل "ظمآن والكأس في يديه" في قصيدته "النهر الخالد" التي صدح بها الموسيقار محمد عبدالوهاب ينطبق علينا.
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية




مساحة إعلانية
سوبر مان، بات مان، سبايدر مان، وكل ما أضيف إلى "مان" من أفلام الخيال العلمي التي أنتجتها هوليود، كلها من مخرجات الحداثة، التي تغالي في قيمة الفرد، وتسرّب إلى الجماهير مفهوم الفرد المخلّص الذي ينقذ المجموع بعيدا عن الحل الجماعي. الركون إلى فكرة انتظار الفرد المخلص وأن شخصًا ما أو عدة أشخاص بيدهم الحل لكل أزماتهم ومشكلاتهم، هي آفة يكاد لا يخلو منها مجتمع من المجتمعات، وكلما تفاقمت أزمات مجتمع منها كلما ازداد تعلقا بفكرة الفرد المخلص، سواء كان هذا الانتظار والترقب ناتجا عن انتظار تقلبات المناخ السياسي التي يمكن أن تسفر عن ظهور شخصية تقود المجتمع إلى بر الأمان، أو كان هذا الانتظار والترقب متعلقًا بالنبوءات الدينية. لكن أين عمل المجموع؟ أين الحلول الجماعية؟ هنا يكون الخرق والتصدع الفكري. نعم لا نستطيع أن ننكر المسؤولية الفردية، ولا قيمة الجهد الفردي، فرب فكرة فردية عاشت الأمم والبشرية في ظل ثمارها، والمخترعات والاكتشافات تمت معظمها عن طريق أفراد، لكن هذه الجهود الفردية لم تكن لتؤتي ثمارها لو لم تجد حاضنة اجتماعية أو علميةوجهودا جماعية تقوم بها وتعمل عليها. حتى أنبياء الله ورسله، لم يأت أحدهم ليمسح على رؤوس الناس فيتغير وجه الحياة، بل بذلوا جهودهم من أجل إيجاد الثلة المؤمنة التي تقوم بأعباء تبليغ الرسالة بعمل جماعي يرتكز على منهج رصين. وفي سورة الكهف، نقرأ في خواتيمها قصة ذي القرنين، ذلك الملك الصالح الذي جاب مشارق الأرض ومغاربها، هذه القصة التي حكاها القرآن الكريم تحمل توجيهات إدارية قوية في معالجة الأزمات، أبرزها التوازن بين الحل الفردي والحل الجماعي، وعدم الركون إلى فكرة الشخص المخلص. يأتي ذو القرنين قومًا تمثلت أزمتهم في الهجمات والغارات الهمجية لقوم يأجوج ومأجوج، الذين يتدفقون من بين الجبلين فيعيثون في الأرض فسادًا. عندما عاينوا قوة وبأس ذلك الملك رأوا فيه الشخص المخلّص الذي يمكن أن يرفع عنهم ما هم فيه من معاناة، ومن أجل ذلك طلبوا منه حمايتهم على أن يجعلوا له جُعلًا من المال. الشاهد من القصة، أن ذا القرنين ترفّع عن أخذ المقابل، لكنه أشركهم معه في العمل، وجعلهم جزءًا من الحل لا الاكتفاء بوضعية المتفرج، فحدّد لهم خطة عملية يعملون عليها بأيديهم تحت مراقبته وإدارته ورعايته. أمرهم بجمع قطع الحديد ووضعها بعضها فوق بعض بين السدين، إلى أن يحاذي الحديد رؤوس الجبلين طولا وعرضا، ثم أمرهم بأن يضرموا فيه النار، حتى إذا اشتعل كله أمرهم بصب النحاس المذاب عليه حتى يزداد صلابة، فلا يستطيع المعتدون المرور من بين السدين أو تسلق هذا المرتفع الشاهق. كانت الفكرة فردية من قِبل ذي القرنين، لكن التنفيذ كان بأيديهم، ليخرج العمل في النهاية جماعيًا بامتياز، لا يقوم به فرد وحده مهما بلغت قوته، وتلك هي كلمة السر في عمليات النهوض أو مواجهة الأزمات. لقد استوقفنتني حكاية جاءت بها كتب الطبقات والتراجم عن أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه، قال لأصحابه يومًا: تمنوا، فقال رجل: أتمنى لو أن هذه الدار مملوءة ذهبًا أنفقه في سبيل الله -عز وجل- فقال: تمنوا، فقال رجل: أتمنى لو أنها مملوءة لؤلؤًا وزبرجدًا وجوهرًا أنفقه في سبيل الله -عز وجل- وأتصدق به، ثم قال: تمنوا، قالوا: ما ندري ما نقول يا أمير المؤمنين؟ قال عمر: لكني أتمنى لو أن هذه الدار مملوءة رجالا مثل أبي عبيدة بن الجراح. لقد أدرك عمر قيمة الرجال والعمل الجماعي، فلم يتمن شخصًا مثل أبي عبيدة، ولكنه تمنى أشخاصًا وجمعًا مثل أبي عبيدة، فهكذا الأوطان تنبى بجهود جماعية، حتى وإن قادها الفرد وأرشدها وأنار لها الطريق. ومع كل حدث ساخن في المنطقة يعمد فئام من أمتنا إلى إسقاط نبوءات الساعة الواردة في النصوص النبوية وتنزيلها على الواقع بلا روية، وخاصة المتعلقة بظهور المهدي المنتظر، يستبشرون وهم قعود لا يبذلون ولا يعملون، كل بضاعتهم انتظار المخلص، لكنهم لا يعلمون أن المهدي لن يقود أمة من الكسالى الضائعين، بل يأتي ليحكم أمة عرفت الطريق، تحتاج فقط إلى من يكون رأسًا فيها.
8649
| 08 مارس 2026
تعيش منطقة الشرق الأوسط مرحلة شديدة الحساسية، حيث تتقاطع المصالح الدولية والإقليمية في مشهد معقد يجعل أي توتر قابلاً للتحول إلى مواجهة أوسع. ومع تصاعد التوتر بين إيران من جهة والولايات المتحدة وإسرائيل من جهة أخرى، تجد دول الخليج نفسها في قلب معادلة أمنية دقيقة. فهذه المنطقة ليست مجرد مساحة جغرافية في خريطة الصراعات، بل مركز اقتصادي واستراتيجي يعتمد عليه العالم في الطاقة والتجارة والاستقرار الإقليمي. في مثل هذه الظروف، يبرز دور المؤسسات الوطنية التي تتحمل مسؤولية حماية الأمن والاستقرار. فوجود مؤسسات دفاعية قوية ومهنية يشكل أحد أهم عناصر حماية الدولة من التهديدات الخارجية، كما يعزز الثقة داخل المجتمع بأن أمن البلاد في أيدٍ قادرة على صونه. إن الجاهزية العسكرية والانضباط المهني لا يمثلان فقط قوة ردع، بل رسالة واضحة بأن أمن الدول الخليجية ليس أمراً يمكن العبث به أو استخدامه كورقة ضغط في صراعات الآخرين. غير أن الخطر الأكبر في أي تصعيد عسكري يتمثل في استهداف البنية التحتية المدنية. فالمرافق الحيوية مثل الطاقة والكهرباء والمياه والمطارات ليست أهدافاً عسكرية بالمعنى التقليدي، بل هي شرايين الحياة اليومية للمجتمعات. وعندما تتحول هذه المنشآت إلى أهداف في النزاعات، فإن النتائج لا تصيب الحكومات وحدها، بل تمس حياة الناس بشكل مباشر. فتعطّل هذه المرافق يعني اضطراب الاقتصاد، وتعطّل الخدمات، وتهديد الاستقرار الاجتماعي. لقد بنت دول الخليج خلال عقود طويلة بنية تحتية متطورة واقتصادات حديثة تعتمد على الاستقرار والانفتاح. ولم يكن هذا التقدم نتيجة الصدفة، بل جاء نتيجة سياسات تنموية واستثمارات كبيرة هدفت إلى تحسين مستوى الحياة للمواطنين وبناء مستقبل أكثر ازدهاراً. ولذلك فإن تحويل هذه الإنجازات إلى أهداف في صراعات إقليمية يمثل تهديداً حقيقياً لمصالح الشعوب التي تعتمد على هذه الموارد في حياتها اليومية. ومن المهم في هذا السياق فهم طبيعة العلاقات الإقليمية بواقعية. فالعلاقة بين إيران ودول الخليج ليست علاقة خالية من التوتر، لكنها أيضاً ليست علاقة صراع دائم لا يمكن تجاوزه. فقد شهدت هذه العلاقة عبر السنوات مراحل مختلفة من التوتر والتهدئة، وهو أمر طبيعي في العلاقات الدولية بين الدول المتجاورة. لكن تحويل الخلافات السياسية إلى صراع عسكري مفتوح قد يؤدي إلى نتائج لا يمكن السيطرة عليها. كما أن المشهد الإقليمي لا يخلو من محاولات بعض الأطراف استثمار التوترات القائمة لتحقيق أهداف سياسية واستراتيجية. ومن بين هذه الأطراف الحكومة الإسرائيلية بقيادة بنيامين نتنياهو، التي ترى في تصاعد المواجهة مع إيران فرصة لإعادة ترتيب التحالفات الإقليمية بما يخدم رؤيتها الأمنية والسياسية. غير أن دول الخليج تدرك أن الانجرار إلى صراعات واسعة قد يحمل مخاطر كبيرة على استقرارها الداخلي ومسارها التنموي. فهذه الدول استطاعت خلال فترة زمنية قصيرة بناء نماذج اقتصادية ناجحة ومجتمعات مستقرة نسبياً في منطقة تعاني من كثرة الأزمات. ولهذا فإن الحفاظ على هذا الاستقرار يتطلب سياسات متوازنة تقوم على الحكمة وتجنب التصعيد غير الضروري. إن التحدي الحقيقي اليوم لا يكمن في اختيار طرف ضد آخر، بل في حماية مصالح الشعوب والحفاظ على استقرار المنطقة. فدول الخليج ليست بحاجة إلى أن تتحول إلى ساحة مواجهة بين القوى الإقليمية والدولية، بل إلى أن تواصل مسارها التنموي وأن تحافظ على أمنها واستقرارها بعيداً عن حسابات الصراعات الكبرى. كلمة أخيرة: الخليج ليس ساحة حرب، بل منطقة تسعى شعوبها إلى الأمن والتنمية والاستقرار. وحماية هذا الهدف تتطلب تغليب صوت العقل والحكمة على منطق التصعيد والمواجهة. فحين تكون مصلحة الشعوب هي البوصلة، يصبح الطريق واضحاً نحو مستقبل أكثر أمناً وازدهاراً للمنطقة بأسرها. [email protected]
4698
| 09 مارس 2026
من أعظم النِّعم نعمة الأمن والأمان، فهي الأساس الذي تقوم عليه حياة الإنسان وتستقيم به شؤون المجتمعات وتزدهر الأوطان، وعندما يفقد الأمن تضطرب الحياة وتتبدل الطمأنينة خوفًا والاستقرار قلقًا، ولذلك فإن ما تشهده منطقتنا في هذه الأيام من حروب وصراعات مؤلمة يمثل شاهدًا حيًا ودليلًا واضحًا على أن الأمن ليس أمرًا عابرًا أو واقعًا مفروضاً، بل هو نعمة عظيمة تستحق أن تُحفظ وأن يُشكر الله عليها في كل وقت، فالمشاهد التي نراها والأوضاع التي نشهدها تذكرنا بأن الأمن هو الشريان الأساسي الذي تتدفق من خلاله الحياة في كل وطن، وبدونه تتعطل التنمية وتتراجع مسيرة التقدم ويعيش الإنسان في قلق دائم على نفسه وأسرته ومستقبله. إن استقرار الأوطان وطمأنينة الشعوب لا يتحققان صدفة، بل هما نتيجة منظومة متكاملة من الجهود الأمنية والتنظيمية التي تعمل ليل نهار عليها الدولة لحماية البلاد وصون سلامته والحفاظ على استقراره من كل الجوانب الأمنية واللوجستية، ولذلك فإن الواجب على كل مواطن ومقيم أن يستشعر عظمة هذه النعمة وأن يدرك قيمتها الحقيقية، خاصة في هذه الأيام المباركة من العشر الأواخر من شهر رمضان، وهي أيام عظيمة يتضاعف فيها الأجر ويقبل فيها المسلمون على الدعاء والاستغفار والتقرب إلى الله، ومن أعظم ما ينبغي أن يحرص عليه الإنسان في هذه الأيام أن يسأل الله دوام الأمن والاستقرار وأن يحفظ الأوطان من الفتن والاضطرابات وأن يوفق القائمين على أمنها لما فيه الخير والصلاح، فالدعاء للأوطان واستقرارها ليس مجرد كلمات تقال بل هو تعبير صادق عن وعي الإنسان بقيمة الأمن وأثره في حياة الجميع. كما أن شكر نعمة الأمن لا يقتصر على الدعاء فقط، بل يظهر كذلك في سلوك الإنسان وتصرفاته اليومية، فالمجتمع يقوم على وعي أفراده والتزامهم بالقوانين واحترامهم للأنظمة وتعاملهم المسؤول مع كل ما يمكن أن يؤثر في استقرار المجتمع، ومن مظاهر شكر هذه النعمة الابتعاد عن السلوكيات التي تعكس اللامبالاة أو الاستهتار، لأن الأمن مسؤولية مشتركة بين الدولة والمجتمع، وكل فرد في الوطن يعد شريكًا في الحفاظ على استقراره وطمأنينته. ومن الواجب أيضًا أن يقدّر الجميع الدور الكبير الذي تبذله الدولة وأجهزتها المختلفة في حماية الوطن وصون أمنه، فهناك جهود كبيرة وخطط دقيقة وإجراءات مستمرة تُبذل من أجل الحفاظ على سلامة البلاد واستقرارها، وهذه الجهود تتطلب دعم المجتمع وثقته وتعاونه، لأن الأمن لا يتحقق إلا بتكامل الجهود بين الجهات المسؤولة وأفراد المجتمع. كما ينبغي على الجميع التحلي بالوعي والمسؤولية في التعامل مع الأخبار والمعلومات، والابتعاد عن نشر الشائعات أو تداول الأخبار غير الموثوقة، فهناك جهات رسمية في الدولة مكلفة بمتابعة الأحداث ونقل المعلومات الصحيحة للمجتمع، ونشر الأخبار دون تحقق قد يؤدي إلى إثارة القلق والارتباك ويؤثر في استقرار المجتمع، ولذلك فإن الالتزام بالمصادر الرسمية والابتعاد عن تداول الأخبار دون تأكد يعد جزءًا مهمًا من المسؤولية الوطنية. وفي النهاية يبقى الأمن والأمان أعظم ما يمكن أن ينعم به أي وطن، وما يحدث الآن في المنطقة يذكرنا كل يوم بأن هذه النعمة تحتاج إلى شكر دائم ووعي حقيقي للحفاظ عليها، وأن مسؤولية حمايتها لا تقع على جهة واحدة فقط بل هي مسؤولية الجميع، مواطنين ومقيمين، بالدعاء الصادق والالتزام الواعي والتعاون الصادق مع الجهود التي تبذلها الدولة، فالأوطان الآمنة لا تُبنى فقط بالقوة والإمكانات بل تبنى أيضًا بوعي أبنائها وإحساسهم العميق بقيمة الأمن وأهميته في حياتهم ومستقبل أوطانهم.
1464
| 11 مارس 2026