رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
يصعبُ مرور يوم دون إجراء مناقشة مصطلح "تطبيع" في تقييم هذه الخطوة أو تلك. المقصود بالطبع هو التطبيع مع إسرائيل.البعض من الناس يذهب للسفارة الإسرائيلية في العاصمة الأردنية من أجل تحصيل سمة دخول إلى بلده: فلسطين. يذهبون لأسباب شتى: الشوق لرؤية فلسطين، زيارة الأماكن المقدسة، زيارة الأهل في الضفة الغربية أو في منطقة 48.يستغرب هؤلاء من يصف حصولهم على الفيزا من السفارة الصهيونية بأنها"تطبيع" فيبدؤون الدفاع عن خطوتهم ويثيرون التساؤل:هل الذهاب إلى الوطن وزيارة الأهل يُعتبر تطبيعاً؟وهكذا دواليك!
بداية ما هو التطبيع وما المقصود به؟ من بين عشرات التعريفات لمؤسسات مختلفة ومنها: الحملة الفلسطينية للمقاطعة الأكاديمية والثقافية لإسرائيل التي تعرّف التطبيع بما يلي: المشاركة في أية مبادرة أو نشاط محلي أو دولي مصمم خصيصاً للجمع (سواء بشكل مباشر/أو غير مباشر) بين فلسطينيين و/أو عرب وإسرائيليين (أفراداً كانوا أو مؤسسات)، ولا يهدف صراحة إلى مقاومة أو فضح الاحتلال وكل أشكال التمييز والاضطهاد الممارس على الشعب الفلسطيني، وأهم أشكال التطبيع هي: تلك النشاطات التي تهدف إلى التعاون العلمي أو المهني أو النسوي أو الشبابي أو إزالة الحواجز النفسية. أما عبدالوهاب المسيري فيعتبر التطبيع: بأنه التغيير في ظاهرة ما بحيث تتفق في بنيتها وشكلها واتجاهها مع ما يعده البعض طبيعياً. مثلما قُلنا عشرات التعريفات لكن في كل منها تجد نقصاً ما. أما التطبيع من وجهة نظر كاتب هذه السطور فيمكن اعتباره كالتالي: هو ممارسة أية خطوة أو حضور لقاء/لقاءات أو المشاركة في نشاط/نشاطات أو تعاون بين فلسطينيين وعرب مع صهيونيين أو إسرائيليين يُفهم منه/منها: اعتراف بشرعية المشروع الصهيوني في المنطقة، أو شرعية احتلال إسرائيل للأراضي الفلسطينية والعربية المحتلة،بما في ذلك كل ما يكرّس الاعتراف بهذا الوجود الاستعماري الغريب، أيّاً كانت المبررات والأسباب.
وقبل الخوض في الظواهر والأحداث التطبيعية، حرّي القول: أن للقضية الفلسطينية خصوصياتها فهي ليست معاناة من احتلال عادي، بل هو احتلال اقتلاعي للشعب الفلسطيني والحلول اليهودي محله، ومصادرة الأرض الفلسطينية، والادعاء التضليلي الكاذب بوجود الارتباط التاريخي بين اليهود وفلسطين.كذلك فإن حالة الاشتباك اليومي العسكري معه غير قائمة، بمعنى أنه احتلال ينوي البقاء الدائم وليس استعمار الوطن الفلسطيني لبضع سنوات، أي أنه احتلال مقيم، بالتالي فإن خصوصية هذا الوضع تُنشئ بالضرورة علاقات تعامل بين سلطات الاحتلال، والفلسطينيين مثل أنماط التعامل اليومي التي نشأت بين إسرائيل وأهلنا في منطقة 1948، ثم الأنماط التي نشأت مع أهلنا في مناطق 1967 بعد احتلال إسرائيل لباقي فلسطين وبعض مناطق من الدول العربية المجاورة. لو كانت الحرب دائرة على مدار الساعة، مثلاً: عند اجتياح القوات النازية للعديد من الدول في الحرب العالمية الثانية ومنها أراضي الاتحاد السوفيتي، فإن حالة الاشتباك اليومي مع المحتلين تكون قائمة ومستمرة، فلا يجوز والحالة هذه التعامل بكافة الأشكال والوسائل مع السلطات المحتلة الحاكمة، غير لغة المقاومة، وإلا سيعتبر أي تعامل هو تطبيع. نذكر في هذا الصدد حادثة امرأة في قرية روسية احتلها الألمان: أنها كانت تجمع البيض يومياً من سكان القرية وتدوسه بقدميها، الأمر الذي أدّى إلى افتقاد البيض في القرية. وصل الخبر إلى السلطة الألمانية الاستعمارية الحاكمة. فتم استدعاء المرأة وسؤالها عن سبب جمعها للبيض من الأهالي والدوس عليه؟ أجابت المرأة الضابط العسكري:أنا أضمن نفسي بألا أبيعك بيضاً، لكنني لا أضمن أن غيري لن يبيعكم بيضاً، لذلك أجمعه وأدوس عليه حتى تنتهي الحرب وإن بقيت حياً أنت وجنودك (وأشك في هذا) وعندما تخرجون، كي لا تقولوا يوماً بأنكم أكلتم من بيض قرية روسية! هكذا تكون اللغة مع الأعداء وليست لغة غيرها!
ولكن عند احتلال الضفة الغربية وغزة في عام1967، وقد شاهدت ذلك بأم عيني، فإن الصناعات الفلسطينية المتواجدة كانت بسيطة وقليلة، حينها انتبه الناس إلى ضرورة مقاطعة البضائع الإسرائيلية والاستعاضة عنها بالفلسطينية. انطبق ذلك على السلع الغذائية والحياتية الأخرى والأدوية وغيرها. فترة وجيزة وانتهت تلك السلع التي كانت موجودة في المخازن. بعدها اضطر الناس إلى شراء البضائع الإسرائيلية والتي لم يكن غيرها موجوداً في الأسواق، سوى بضائع قليلة فهل يمكن وصف آنذاك بأن من يشترون البضائع والأدوية الإسرائيلية أو التي دخلت عن طريق إسرائيل واستوفت عليها الجمارك، بأنهم مطبّعون؟ لا نعتقد ذلك لأن الناس كانوا مكرهين على هذا الأمر. أيضاً فإن إسرائيل ضربت الصناعات الوطنية والزراعة الفلسطينية و80% من اقتصاد الضفة الغربية وغزة كان زراعياً. الأمر الذي دفع المزارعين إلى الفاقة، ذلك أن الإنتاج من الخضار والفواكه لم يكن بيعه يغطي تكاليف فلاحة الأرض والاعتناء بها! وهو ما أدّى إلى فقد %90 من العمال لمصادر دخلهم، في الوقت الذي فتحت فيه إسرائيل أسواق العمل لديها، فهل نسمي والحالة هذه العامل الذي ذهب للعمل في إسرائيل بأنه مُطبّع؟ لا نعتقد ذلك وبخاصة أن التنظيمات المقاومة الفلسطينية كانت في بداية تشكليها فكان من الصعوبة مطالبتها بتوفير البديل! حتى بعد ما ينوف عن الأربعين عاماً ومع تشكيل السلطة أيضاً فلم يجر إيجاد البدائل حتى نطلب من العمال الفلسطينيين الامتناع عن الذهاب لسوق العمل الإسرائيلي.
بالطبع العمل في المستوطنات. هو أكثر حتى من التطبيع. كذلك شراء منتجاتها فما بالك بموّرد الاسمنت القيادي في السلطة الفلسطينية الذي كان يمدها به من أجل بناء الوحدات السكنية الاستيطانية؟! هذا إجرام وليس فقط تطبيع؟! ينطبق ذلك على العديد من الظواهر الأخرى.
يبقى القول: بأنه لا يجوز القول على كل حدث بأنه تطبيع قبل معرفة كنهه وجوهره، تماماً مثلما هو خارج العلمية القول:بأن كل يهودي صهيوني، فكثيرون من اليهود ضد الصهيونية وإسرائيل، منهم جماعة (ناتوري كارتا) ومنهم الكتّاب: إسرائيل شاحاك، نورمان فلنكشتاين، إيلان بابيه وغيرهم والموضوع برمته مطروح للنقاش وإبداء وجهات النظر حوله.
أوباما..نتنياهو: لقاء المصالح
أعلن البيت الأبيض رسميا. أن أوباما سيلتقي نتنياهو في نيويورك. على هامش اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة بعد... اقرأ المزيد
521
| 23 سبتمبر 2016
الاحتيال والجرائم على الانترنت
يحمل التقدم التكنولوجي في وسائل الاتصال الاجتماعي. وجهين: الإيجابي. الذي يستغله المجموع. والآخر السلبي. الذي يستغله المجرمون واللصوص... اقرأ المزيد
511
| 15 سبتمبر 2016
أوهام ليبرمان وكيانه
كَسر إرادة الشعب الفلسطيني في المقاومة. كما نشر ثقافة الهزيمة في أوساطه! هذا ما حاوله ويحاوله القادة الصهاينة.... اقرأ المزيد
536
| 08 سبتمبر 2016
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
خطاب ليس ككل الخِطابات، بل كان مصارحة وطنية صريحة من حضرة صاحب السمو الشيخ تميم بن حمد آل ثاني، أمير البلاد المفدى ورسالة حازمة تستوجب من كل مواطن ومقيم أن يتوقف عندها طويلًا، وأن يدرك أن المرحلة التي نعيشها ليست كسابقاتها، وأن ما ينتظر العالم من تحديات وتقلبات لا يترك مجالًا للاستهانة أو التراخي أو الاتكال على المكتسبات. لقد خاطب سموه شعبه بوضوح القائد الذي لا يجامل في الحقائق، ولا يخفي التحديات، بل يراهن على وعي شعبه ونضجه وحسه بالمسؤولية. وهذا ما عهدناه من قيادتنا، صراحة في الخطاب، وشفافية في الموقف، ومصارحة مباشرة للمواطن، إيمانًا بأن الشعوب الواعية شريكة في حماية أوطانها. إننا أمام عالم مضطرب، تتبدل فيه الموازين، وتتصاعد فيه الأزمات، وتضيق معه مساحة المنطق والعقل. ولم يعد أحد يستطيع الجزم بمآلات الأحداث، أو كيف ستأتي الأزمات وتنتهي. وحتى الدول التي عاشت عقودًا من الرخاء والاستقرار لم تعد بعيدة عن هذه التحولات. وقطر، رغم ما تنعم به من أمن وازدهار، ليست جزيرة معزولة عن العالم، ولا استقرارها مبررًا للغفلة عما يدور حولها. والحقيقة أن الدولة منذ سنوات لم تتوقف عن التنبيه إلى التحديات والاستعداد للمستقبل، والتأكيد على أن قطر تستحق الأفضل من أبنائها. فقد استثمرت في الإنسان القطري، ووفرت له من الأمن والتعليم والصحة والرفاه والخدمات ما وضعه في مصاف أكثر شعوب العالم رفاهية في وقت قصير جداً. ولم يكن ذلك امتيازًا بلا مسؤولية، بل رهانًا على مواطن يكون عند الشدائد بحجم وطنه، وعند المسؤولية بمستوى ما أُودع فيه من ثقة وإمكانات. وهنا يجب أن نواجه أنفسنا بسؤال لا يحتمل المجاملة: ماذا قدمنا نحن لقطر مقابل كل ما قدمته لنا؟ وهل أدينا واجباتنا بالقدر نفسه الذي نطالب فيه بحقوقنا؟ وهل نحن مستعدون حقاً لكل ما يجري حولنا؟ انتهت مرحلة مواطن يكتفي بالانتفاع من مكتسبات وطنه دون صيانته، ولا بموظف يرى في وظيفته راتبًا وساعات حضور وانصراف، ولا بمسؤول يؤجل القرارات ويتنصل من المسؤوليات. فالتقصير اليوم ليس مجرد خلل إداري، بل ثغرة في جدار امن الوطن وامانه. ولا تقتصر المسؤولية على المواطن وحده، بل تشمل كل مقيم يعيش على أرض قطر وينعم بأمنها واستقرارها. فالمقيم شريك في البناء والإنتاج، والإخلاص في العمل واحترام القانون وصيانة الممتلكات العامة واجبات لا تستثني أحدًا. وإذا كان المواطن يحمل مسؤولية الانتماء والمصير، فإن المقيم يحمل أمانة تجاه بلد فتح له أبواب العيش والعمل والاستقرار. فنهضة قطر مسؤولية كل يد تعمل على أرضها. وليعلم الجميع أن الدفاع عن الوطن لا يكون بالبندقية وحدها؛ فكل موقع عمل ثغر، وكل أمانة مسؤولية، وكل تقصير خسارة. المعلم يدافع بعلمه، والطبيب بإخلاصه، والموظف بإتقانه، والمسؤول بنزاهته، والإعلامي بكلمته. فالكلمة الصادقة سلاح، والموقف المسؤول سلاح، وحماية المال العام سلاح، والإنتاج والانضباط والإخلاص أسلحة تحمي مستقبل الوطن. لقد مرت على الأمم عصور رخاء وشدة، وهذه سنة الحياة، لكن التاريخ لا يخلد من استمتعوا بالنعم فحسب، بل يسجل من حافظوا عليها حين اشتدت الظروف، ومن سهروا وتعبوا وضحوا براحتهم ليبقى وطنهم قويًا عزيزًا. إن قطر اليوم لا تحتاج منا مزيدًا من عبارات الحب والولاء بقدر ما تحتاج ترجمتها إلى وقفة صادقة وعمل وإنجاز ومسؤولية. فالولاء الذي لا يظهر في إتقان العمل، والانتماء الذي لا يترجم إلى عطاء، كلمات لا تحمي المكتسبات. لقد أعطتنا قطر الكثير، وحان الوقت الذي لا نسأل فيه ماذا نريد منها، بل ماذا تستحق منا. فالأوطان لا تضعف حين تقل مواردها فقط، بل حين يتراجع شعور أبنائها بالمسؤولية. والمرحلة لا تحتمل متفرجين، والتاريخ لن ينتظر المتقاعسين.
12189
| 20 أكتوبر 2026
هناك قضية أراها مهمة جدًا، ولا ينبغي غضّ الطرف عنها، تتعلق بالتعليم الجامعي لأبناء المقيمين في دولة قطر، وما تتحمله أسرهم من أعباء مالية قد تحول بين هؤلاء الشباب وبين استكمال دراستهم وبناء مستقبلهم. المقيمون جزء أساسي من مجتمعنا، ويشكّلون النسبة الأكبر من سكان دولة قطر، ويشاركوننا العمل والبناء، ويسهمون في تسيير شؤون الحياة في مختلف المجالات الإدارية والمهنية والخدمية، في القطاعين العام والخاص. وما داموا يعيشون بين ظهرانينا، ويشاركوننا مسيرة التنمية، فإن معاناتهم تستحق أن تجد آذانًا صاغية، خصوصًا حين تتعلق بتعليم أبنائهم ومستقبلهم. كثير من هؤلاء الأبناء وُلدوا وترعرعوا في قطر، وتلقّوا تعليمهم في مدارسها، حتى وصلوا إلى أبواب الجامعة. وهنا تبدأ المعاناة؛ فالقبول في الجامعات الوطنية تحكمه شروط ومنافسة، وقد لا تتاح الفرصة لكل طالب، فتتجه الأسرة إلى خيارات جامعية أخرى، لتجد نفسها أمام رسوم تفوق قدرتها المالية. وحتى حين يتاح القبول، قد تبقى تكلفة الدراسة عائقًا أمام استكمالها. ولنتصور أسرة يبلغ دخلها الشهري خمسة عشر أو ثمانية عشر ألف ريال، تدفع منه إيجار السكن، وتغطي مصاريف المعيشة وتعليم الأبناء والتزامات الحياة اليومية. كيف تستطيع تحمّل رسوم جامعية مرتفعة، خصوصًا إذا وصل اثنان أو ثلاثة من أبنائها وبناتها إلى الجامعة في وقت واحد؟ هنا يجد الأب نفسه أمام معادلة صعبة بين تأمين احتياجات أسرته وتمويل دراسة أبنائه. والتقسيط، وإن كان يخفف العبء، يحتاج هو الآخر إلى مراجعة؛ فتوزيع الرسوم على دفعتين خلال الفصل الدراسي قد لا يحل المشكلة. المطلوب ترتيبات أكثر مرونة، تراعي الدخل الشهري والالتزامات الفعلية، وتمنح الأسرة قدرة واقعية على الوفاء. أقول ذلك لأنني أرى هذه المعاناة لدى أسر قريبة مني، وأسمع ما يؤلم القلب من آباء وأمهات يشغلهم مستقبل أبنائهم. شباب لديهم الرغبة والاستعداد والاجتهاد، لكن الإمكانات المالية تقف أمام طموحاتهم. ومن المؤلم أن يتوقف مسار شاب أو شابة عند الثانوية لعجز الأسرة عن تحمّل تكلفة الجامعة. ومن هنا، أرفع هذه الرسالة إلى وزارة التربية والتعليم والتعليم العالي، وإلى الجامعات والجهات المعنية، نحتاج إلى خطة واضحة توسّع فرص التعليم الجامعي الميسّر لأبناء المقيمين في القطاعين العام والخاص، من خلال مراجعة الرسوم، وتوفير منح جزئية تراعي دخل الأسرة وعدد أبنائها الملتحقين بالجامعة، وتقديم خصومات للأشقاء، واعتماد أقساط شهرية مريحة. كما يستحق الأمر دراسة تسهيل إنشاء مؤسسات جامعية وطنية تقدم تعليمًا جيدًا لأبناء المقيمين برسوم معقولة، وتشجيع الشراكات التي تسهم في تمويل دراسة الطلبة المستحقين، وتمنح الأسر خيارات تتناسب مع إمكاناتها. قطر التي جعلت التعليم ركيزة أساسية في نهضتها، قادرة على إيجاد حلول تحفظ جودته وتوسّع فرص الوصول إليه. وتعليم هؤلاء الشباب يفتح أمامهم أبواب العمل والعطاء، ويعزز إسهامهم في المجتمع الذي نشأوا فيه. معاناة هذه الأسر تستحق الالتفات والعمل؛ فلا ينبغي أن يبقى الوالدان قلقين كلما اقترب أبناؤهما من إتمام المرحلة الثانوية، ولا أن تتحول فرحة النجاح إلى سؤال موجع: كيف سندفع رسوم الجامعة؟ إنه ملف جدير بالاهتمام، ويستحق التعامل معه بجدية.
10881
| 22 أكتوبر 2026
تصلك الدعوة رسمية الصياغة، تحمل عبارة "مؤتمر صحفي"، وتصل إلى المدربين رسائل تبشّرهم بـ"التكريم" و"الاعتماد"، فيحضر الجميع متوقعين أن يعرفوا ماذا سيُعلن، ومن سيُكرَّم، وعلى أي أساس، ثم يخرجون دون أن يعرفوا شيئًا من ذلك. والمشكلة ليست في ضعف التنظيم وحده، بل في غموض يحيط بالمنصة نفسها، فلا تعرف إن كنت أمام إطلاق مبادرة، أم إعلان سياسة، أم احتفال بروتوكولي لالتقاط الصور. في القاعة طاولة وكرسيان، المشهد المألوف لأي مؤتمر صحفي. لكن الكرسيين بقيا فارغين، فلم يجلس عليهما أحد، ولم يُفتح باب للأسئلة، ولم تكن في القاعة صحافة أصلًا. والمؤتمر الصحفي ليس ديكورًا، بل عقد ضمني تقول فيه المؤسسة: هذا ما نفعله، واسألونا عنه. فإذا غاب السؤال غابت المساءلة، وصار "المؤتمر الصحفي" مجرد اسم على بطاقة دعوة. أما المدربون، فقد دُعوا إلى ما قيل إنه حفل تكريمهم. ترك كثير منهم أعمالهم وحضروا، ثم جلسوا على الكراسي طوال الفعالية دون أن تُنادى أسماؤهم، وفي النهاية وُجّهوا إلى مبانٍ مختلفة ليستلموا شهاداتهم بأنفسهم. والتكريم رسالة اعتراف قيمتها في علنيتها، ومن يُستدعى من عمله ليُكرَّم ثم يُصرف إلى مكتب آخر، لا يشعر بالتقدير، بل يشعر بأنه رقم في قائمة الحضور. والمفارقة أن من عوملوا بهذه الطريقة هم المدربون أنفسهم، أي من يُفترض أن تقوم عليهم السياسة المعلنة كلها. والأغرب من طريقة التسليم هو مضمونه. فقد حصل المدربون على تصنيفات دون أن يُعلَن على أي أساس صُنِّفوا، وكثير منهم يتساءلون: لماذا وُضعنا في هذا التصنيف؟ وما الفائدة التي ستعود علينا منه؟ فالتصنيف بلا معايير معلنة يشبه أن يتسلم طالب درجته النهائية دون أن يعرف كيف وُزّعت الدرجات ولا ماذا تعني لمستقبله؛ قد تكون عادلة، لكنه لن يثق بها ولن يعرف كيف يتحسن. والتصنيف العادل يجيب قبل تطبيقه لا بعده عن ثلاثة أسئلة: 1. ما المعايير: الخبرة، أم الساعات التدريبية، أم المؤهلات، أم التقييم الميداني؟ 2. ما المستويات، وما الفرق بينها؟ 3. ما الأثر: فرص تدريبية، أم أولوية في التكليف، أم مسار للترقي؟ ثم عُرضت سياسة للتعليم المستمر والتعلم مدى الحياة (Lifelong Learning) كأنها توجه حديث. والحقيقة أن اليونسكو جعلت هذا المفهوم حجر الأساس في السياسات التعليمية منذ تقرير "تعلّم لتكون" (Learning to Be) عام 1972، ثم نصّ عليه الهدف الرابع من أهداف التنمية المستدامة عام 2015. أي أننا أمام مفهوم عمره أكثر من خمسين عامًا، فأين كانت الجهة المعنية بالتعليم والتدريب طوال هذه العقود؟ لا عيب في أن تتبنى مؤسسة سياسة متأخرة، فالتأخر خير من الغياب. العيب أن تُقدَّم المتأخرة على أنها سابقة، وأن يُغلَّف اللحاق بالركب بلغة الريادة. الحوكمة أولًا ما جرى ليس أخطاء تنظيمية منفصلة، بل عَرَض لخلل في الحوكمة، وهي في أبسط معانيها: أن يعرف الناس ما الذي يُقرَّر، وعلى أي أساس، ومن المسؤول عنه. وحين يغيب السؤال عن المؤتمر، والمعايير عن التصنيف، وتتوزع المسؤولية بين مبانٍ وإدارات لا يجمعها أحد، فنحن أمام غياب لهذه الأسس الثلاثة معًا. وقد يكون وراء ذلك خوف من السؤال، أو تقديم للصورة على المضمون، أو ضعف في التنسيق الداخلي، ولا شيء من ذلك يبرر النتيجة. والمؤسسة التي تطالب المدربين بالجودة والمعايير، أولى بأن تطبّقها على نفسها أولًا. والمطلوب ليس كثيرًا: • سَمِّ الحدث باسمه، فالمؤتمر الصحفي تحضره الصحافة ويُفتح فيه السؤال. • أعلن بوضوح: مبادرة أم سياسة أم إطار عمل، بجدول زمني ومؤشرات قياس. • كرّم المدعوين على المنصة، لا في ممرات المباني. • انشر معايير التصنيف وآثاره وآلية التظلم قبل التطبيق. • اعترف بالمرجعية الدولية، فهي تمنح السياسة مصداقية ولا تنتقص منها. الوضوح ليس ترفًا إداريًا، بل احترام للجمهور وأساس للثقة. والمدرب الذي لا يعرف لماذا دُعي، ولا لماذا صُنِّف، ولا ماذا يُنتظر منه، لن يكون شريكًا في أي سياسة، مهما كان عنوانها لامعًا.
3690
| 22 أكتوبر 2026