رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

Al-sharq

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

الشرق

مساحة إعلانية

مساحة إعلانية

م. حسن الراشد

مساحة إعلانية

مقالات

426

م. حسن الراشد

أزمة هرمز.. نقطة تحول في معادلة الطاقة

31 مايو 2026 , 11:46م

يمثل إغلاق المضيق تحولاً هيكلياً في المشهد الجيواقتصادي العالمي؛ إذ يتجاوز كونه صدمة مؤقتة للسوق ليغدو محفزاً لإعادة رسم التحالفات الدولية في مجال الطاقة. وقد رسّخ هذا الحدث قناعةً لدى الدول الصناعية الكبرى والمستهلكة بأن الضمانات الأمنية التقليدية، وحماية الأساطيل الأجنبية، لم تعد كافية أو مضمونة لتأمين تدفقات الطاقة، ولم تعد فرضية يمكن الرهان عليها كما كان يُعتقد سابقاً.

ومن هذا المنطلق، قد يجد المستهلك العالمي للطاقة، ولا سيما في أوروبا وآسيا، فرصة لتعزيز أدواته التفاوضية وإعادة ترجيح ميزان القوى بما يتيح له فرض شروط جديدة على الدول المصدّرة للطاقة الهيدروكربونية، كالنفط والغاز، وتحديداً الدول المطلة على هذا المضيق، عبر أربعة تحولات رئيسية في تقديري:

أولاً: إعادة هيكلة العقود وتحول القوة التفاوضية

لطالما وفّرت العقود طويلة الأجل استقراراً مالياً وتمويلياً للمشاريع التنموية والموازنات العامة للدول المنتجة والمصدّرة للطاقة. إلا أن اضطرابات المضيق الحالية، وما قد يصاحبها من توظيف سياسي، ستدفع المستهلكين في العقود الجديدة إلى إعادة تعريف مفهوم "القوة القاهرة" (Force Majeure) ببنود أكثر صرامة، ترفض تجميد الالتزامات أو الإعفاء من التعويض ما لم تكن الأحداث خارجة تماماً عن السيطرة البشرية والسياسية. ومن شأن هذا التحول أن يعيد ترجيح الكفة التفاوضية لصالح المستهلك، ويدفع السوق تدريجياً نحو الأسواق الفورية (Spot Markets)، مع نقل جزء معتبر من مخاطر الشحن والتأمين وارتفاع كلفها إلى المنتجين.

ثانياً: تسريع التحول في مزيج الطاقة

يمثل أمن الطاقة أولوية قصوى للدول الصناعية، وأي تهديد للممرات الحيوية من شأنه أن يعزز التوجه نحو تسريع الاستثمار في البدائل المتجددة والهيدروجين الأخضر وغيرها. وقد يُعجّل ذلك بوصول الطلب العالمي على النفط والغاز إلى ذروته، تمهيداً لبدء تراجعه التدريجي، أو على الأقل إعادة تسعير المخاطر المرتبطة بالاعتماد طويل الأجل على الممرات التقليدية، بما يقلل تدريجياً من حساسية أسواق الطاقة العالمية تجاهها.

ثالثاً: دمج الأمن الجيوسياسي بالسياسات المناخية

بحيث تُدمج اعتبارات أمن الطاقة ضمن السياسات البيئية، بما يتيح للدول المستهلكة توظيف أدوات تنظيمية وسياسات حمائية مناخية كغطاء شرعي وقانوني مقبول دولياً لتقليص الاعتماد على الطاقة الهيدروكربونية القادمة من مناطق وممرات مضطربة، عبر فرض ضرائب وتشريعات تجعل هذا النوع من الطاقة أعلى كلفة وأقل تنافسية، بما يسرّع وتيرة الاستبدال التدريجي بمصادر بديلة ومتجددة.

رابعاً وأخيراً: البحث عن البدائل الجغرافية وإعادة تشكيل خرائط الإمداد

وبناءً على ذلك، تتجه الدول المستوردة بشكل متسارع إلى تنويع مصادر استيراد الغاز الطبيعي والبحث عن بدائل جغرافية وتقنية، كما يتجلى ذلك في سياسات قوى صناعية كبرى مستهلكة للطاقة، مثل ألمانيا والصين واليابان والهند وكوريا، التي اتجهت بالفعل ـ بدرجات متفاوتة ـ إلى تقليص الاعتماد على المسارات البحرية الواقعة ضمن نطاق التوترات الجيوسياسية، وفي مقدمتها مضيق هرمز. فقد عززت ألمانيا اتفاقياتها طويلة الأمد مع كندا، ووسّعت الصين اعتمادها على خطوط الأنابيب البرية وشراكاتها مع روسيا، فيما كثّفت اليابان تنويع وارداتها عبر موردين رئيسيين مثل أستراليا والولايات المتحدة. ويشير هذا التوجه إلى تحول إستراتيجي قد يعيد رسم خريطة تدفقات الطاقة العالمية، ويقلّص تدريجياً الاعتماد على الممرات التقليدية تفادياً لمخاطرها.

وأخيراً، فإن الاضطرابات المتكررة في هذا المضيق ليست مجرد حوادث عابرة، بل مؤشرات على تحول أعمق يعيد صياغة قواعد اللعبة في سوق الطاقة العالمية، ويمنح المستهلكين أدوات جديدة لإعادة تشكيل شروط التعاقد والتسعير. وعليه، يظل استخدام المضيق كورقة ضغط محدود الفعالية إستراتيجياً، في ظل امتلاك المستهلك العالمي بدائل تقنية وتشريعية وتحالفات متنامية تمكّنه من امتصاص الصدمات. وفي المقابل، تبقى الدول المطلة على الخليج، شمالاً وجنوباً، الأكثر تأثراً على المدى الطويل، بحكم الارتباط المباشر بين استقرارها الاقتصادي والإستراتيجي وانسيابية هذا الممر الحيوي.

مساحة إعلانية