رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
لو أن الدكتور محمد مرسي – مرشح الإخوان وحزب العدالة فاز من الجولة الأولى بنسبة كاسحة لاجتمع عليه كل الخصوم من كل حدب وصوب، ولكان ذلك سببا لتلاقي بعض الثوار " المؤدلجين " بطريقة خاطئة ممن ثبت أنهم مستعدون لبيع الثورة لشفيق أو لأي أحد غيره وحتى للاشيء - مقاطعة الانتخابات – لمجرد مزاحمة الإخوان والغيرة منهم، ولنتخيل حالة رئاسة تبدأ عهدها بصراع مع الكل، ولنتخيل رئيسا مدنيا لم يحدث نفسه يوما بأنه يمكن أن يكون نائبا لرئيس الجمهورية ولا حتى مستشارا له .. كيف سيكون حاله في مواجهة كل هذه المتاعب وفي الآن نفسه في مصادمة تحديات مؤسسة عسكرية وأخرى أمنية لا تتقبلانه، وفضائيات ناشزة تملأ الأفق عداوة له وإشاعات وأكاذيب وإرجافات وتخويفات منه.. إن فوزا من هذا القبيل وبهذا الحجم ومن الجولة الأولى كان سيقلل قدرته على تجزئة مشروعه "النهضة " أو تدريجه أو تأخيره الذي أصبح بمثابة عقد بينه وبين شعبه وناخبيه..
لكن الله تعالى سلّم .. واقتضت حكمته سبحانه ألا يفوز " مرسي " من الجولة الأولى، وأن يصعد معه إلى الجولة الثانية أسوأ المرشحين ومن ليس له أي علاقة بالثورة ولا حتى بالحس الوطني الذي قامت عليه ( حتى إنه ليس عمرو موسى ) ذلك جعل الفرق كبيرا ووضع جميع المصريين بين اختيارين لا ثالث لهما ؛ فإما مرشح الإخوان أو الرجوع لعهد الظلام والفساد والسقوط .. فسبحان من صنع ذلك على عينه .. وسبحان من جمع لمرشح " الإخوان " كل الثوار وكل أعداء وشانئي النظام الساقط .. وسبحان من جعل غلاة خصوم " الإخوان " يجتمعون مع " مرسي" إن لم يكن عن حب وكرامة وولاء .. فعلى اضطرار ولكراهة شفيق وحرصا على الثورة أو خوفا من أن يتهموا بالتجديف ضدها .. سبحان من سلّم ! وتعالى من حكم!
وأن يرفض بعض الإسلاميين من المستجديين على العمل الرسمي التحالف مع الإخوان قبل الانتخابات، وأن يرضوا بدلا من ذلك التحالف مع الليبراليين والقوميين واليساريين.. لقد أحدث ذلك التمايز والمفاصلة والتجرد في أجلى صورها .. وكان مطلوبا وضروريا وجوهريا ليظهر الله تعالى ما في عقيدة هذا البعض من " الدخن " وهم الذين كانوا دائما يتطاولون على الإخوان ويتهمونهم به.. التمايز مطلوب وضروري للإخوان لأنهم يريدون إنجاح مشروع مميز لا إنجاح أشخاص.. والحقيقة أن الإسلاميين ليسوا شيئا واحدا وأن ما بين الإخوان وبين " البعض " منهم اختلافات في الفكر وفي السلوك وفي سوء الظن بما يزيد أحيانا عما بين الإسلاميين وغير الإسلاميين منها.. أليست هذه هدية من السماء ؟ وأعظم بها من هدية!
الله تعالى سلّم ولكن ذلك ليس ذلك نهاية المطاف.. إذ لا تزال أمام السيد " مرسي " جولة إعادة .. ولا تزال احتمالات المفاجأة قائمة .. لذا فالمطلوب من " الإخوان " باعتبارهم القيادة الأولى في مواجهة النظام الساقط أن يديروا مرحلة ما بين الجولتين حتى يوم 16 / 6 القادم بشكل جيد ليتمكنوا من الوصول لتوافقات وضمانات متبادلة مع رفقائهم في الثورة والإصلاح تحت عنوان حماية المنجزات الثورية وتحصين أفق الثورة المصري والعروبي والإسلامي لكي ينطلق السيد " مرسي " في رئاسته المتوقعة مع كل القوى الثورية لا بعيدا عنها ولا تعثره عنها الاختلافات الأيديولوجية والمصالح الضيقة .. وأقول:
على الإخوان المسلمين أن ينجحوا في أمرين اثنين وأن يبنوا عليهما ؛ أولا : أن ينجحوا في إيجاد القاسم المشترك البرامجي بينهم وبين كل الاتجاهات والأحزاب – الثورية والوطنية - وثانيا : أن يدشنوا لغة حوار مع كل الناس موافقيهم ومخالفيهم على السواء .. على الإخوان ليحصلوا ذلك أن ينظروا في ثوابتهم ك" إخوان " فيعتمدوا الحد الأدنى منها، وأن ينظروا مرة أخرى فيما لدى الآخرين فيعتمدوا الحد الأعلى منها بما لا يناقض تلك الثوابت.. المتيقن منه هنا هو أن ما يجمع الإخوان مع غيرهم من الكتل والأحزاب والاتجاهات الوطنية والثورية أكثر وأكبر مما يفرقهم.. ولئن عمل الإخوان على هذه الجوامع وانشغلوا بها فالأكيد أنهم لن يجدوا هم ولا سواهم وقتا يضيعونه في المفترقات التي قد تأتي بعد عشرات السنين من المعالجات ومن التقاربات فإن جاءت كان ما تحصل من الثقة والتفهم كفيلا بإبقائها في الحد الأدنى..
الإخوان اليوم يتحدثون من هذا الفهم وبهذا المنطق.. وقد سمعنا منهم لغة حوار راق بعيدة عن الاستعلاء والاستعداء بقدر ما هي صادقة وصحيحة ومفهومة وغير حزبية وتتناسب مع الموقع العام الذي ينافس عليه السيد " مرسي " كرئيس للجمهورية يمثل كل المصريين؛ من يوافقونه منهم الرأي والموقف ومن يخالفونه ، ومن هم على عقيدته ودينه ومذهبه ومن هم على نقيض ذلك ..
أما المستعجلون من الإسلاميين عموما والإخوان منهم خصوصا والذين قد يسرق النصر حكمتهم فيتوهمون أنهم في نهاية الطريق لا في أوله وأن لغة الإخوان اليوم فيها من الرقة وأنها تقوم على المداهنة والمصانعة.. فعلى هؤلاء أن يربعوا على أنفسهم وعلى إخوانهم، وعليهم ألا يبغّضوا دين الله للناس.. وألا يغرقوا أنفسهم في الاختلافات الأيديولوجية التي تفرق الثوار وتقلص فرص نجاح الثورة، وما صبروا عليه لثمانين سنة أو يزيد يستحق أن يصبروا عليه عشرا أو عشرين أخرى حتى تتمهد الأسباب وإلى أن تكون الدولة الإسلامية تطورا طبيعيا للثورة وللحرية وللعدالة.. ومطلبا عاما مبررا للناس لا إكراهيا عليهم .. وعليهم أن يتذكروا أن الإسلاميين كانوا ولوقت قريب لا يتعدى شهورا مضت في نظر كثيرين كما لو أنهم من عالم آخر وليسوا من الأمة أو ليس لهم حق الوجود فضلا عن ممارسة الحكم .. فلا يستعجل هؤلاء فإن "العجلة من الشيطان " و" إن المنبت لا أرضا قطع ولا ظهرا أبقى" ..
آخر القول: ما تمخضت عنه جولة الانتخابات الأولى للرئاسة المصرية وصعود مرشح " الإخوان المسلمين " وحزب " العدالة " الدكتور " محمد مرسي " إلى جولة الإعادة، وأن يكون خصمه القادم ومنافسه الوحيد هو " أحمد شفيق " مرشح النظام الساقط .. كل هذه النتيجة وبكل المقاييس تعتبر هدية من السماء للشعب المصري عامة ولـ" الإخوان المسلمين " ومرشحهم خاصة.. وهي أفضل بكثير من أن يفوز السيد مرسي بنسبة كاسحة من الجولة الأولى وأفضل بكثير من أن ينتقل لجولة الإعادة ضد أحد الرموز الوطنية الثورية كصباحي أو أبو الفتوح.. والحمد لله رب العالمين.
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
حين نتحدث عن قوة الوطن نفكر في اقتصاده ومؤسساته ومكانته بين الدول. لكن ما مسؤوليتنا تجاه كل هذا؟ وما الذي نقدمه نحن الذين نعيش في هذا الوطن ونستفيد من أمنه وفرصه وما تحقق فيه؟ هذا ما فكرت فيه وأنا أقرأ خطاب سمو الأمير الشيخ تميم بن حمد آل ثاني أمام مجلس الشورى. توقفت عند العلاقة بين صمود الدولة وكفاءة مؤسساتها ومسؤولية أفرادها. فكل واحد منا يتخذ قرارات تؤثر في غيره. ومن مجموع هذه الأدوار يتشكل جانب من قوة الوطن. نستيقظ كل صباح ونذهب إلى أعمالنا. يذهب أبناؤنا إلى مدارسهم ونجد احتياجاتنا متاحة ونكمل يومنا. ومع الوقت نعتاد هذا الانتظام حتى ننسى ما يتطلبه من جهد وتخطيط. لكن وقت التحديات تظهر قيمة الاستعداد وتنكشف أهمية ما بنيناه قبلها. وهنا أسأل نفسي عن علاقتنا بالاستقرار الذي نعيشه. هل ندرك مسؤوليتنا في المحافظة عليه؟ أعتقد أن الإجابة تظهر في تعاملنا مع واجباتنا ومع الموارد التي بين أيدينا ومع مصالح الناس التي ترتبط بقراراتنا. وحين دعا الخطاب إلى مراجعة البرامج وفق أثرها في المجتمع والاقتصاد استوقفني سؤال. ماذا تحقق للناس بسبب ما نفعله؟ قد ننشغل بإثبات أننا أنجزنا المطلوب. لكن هل عالجنا حاجة؟ وهل أحسنا استخدام ما لدينا؟ وهل نقبل تغيير ما لم يحقق الغرض منه؟ هذه المراجعة تحتاج إلى صدق مع أنفسنا. فقد نستمر في أمر لأننا اعتدناه. لكن المسؤولية تقتضي أن نسأل عن جدواه وأن نقدم المصلحة العامة على راحة الاستمرار. وتظهر أمانة المسؤولية أيضا في تقييم الأداء. حين نعطي الجهد حقه ونربط الفرص بالكفاءة نعزز ثقة الإنسان بمؤسسته. فالإنصاف يؤثر في شعوره بقيمة عمله وفي استعداده لتقديم المزيد. أما التعليم فأراه سؤالا عن الإنسان الذي نريد أن يشارك في بناء قطر. هل نمنح أبناءنا مساحة للسؤال والتجربة وتحمل نتائج اختياراتهم؟ وهل نساعدهم على فهم احتياجات وطنهم واستخدام معرفتهم لخدمته مع الحفاظ على لغتهم وهويتهم. ويمتد هذا الاهتمام بالإنسان إلى دور مجلس الشورى في مناقشة قضايا المجتمع. فالتشريعات تمس حياتنا اليوم وتؤثر في فرص أبنائنا غدا. كما أن تمسك قطر بالحوار والحلول السلمية يتصل بأمن الناس وقدرتهم على بناء مستقبلهم. بعد خطاب سمو الأمير بقي معي سؤال واحد. نحن نعرف ما نتمناه لقطر. لكن ما الذي نقدمه من أجلها؟ الإجابة تبدأ من موقع كل منا ومن مسؤوليته التي يؤديها وهو يعرف أن أثرها يصل إلى غيره.
2481
| 16 أكتوبر 2026
في دوري نجوم بنك الدوحة، لم تعد المشكلة في حجم الإنفاق على المحترفين بقدر ما أصبحت في نوعية الاختيارات. أسماء تصل بسير ذاتية لامعة وتجارب سابقة تمنح الجماهير الأمل، ثم يبدأ الموسم لنكتشف أن الفارق بين ما كنا ننتظره وما نشاهده داخل الملعب أكبر بكثير مما ينبغي. السؤال هنا ليس: كم دفع النادي؟ بل: ماذا أخذ مقابل ما دفعه؟ لسنا ضد التعاقد مع أسماء كبيرة، ولا نقلل من قيمة الخبرة، لكننا ضد تحويل السيرة الذاتية إلى شهادة ضمان، وأن يصبح الاسم أهم من الحاجة الفنية. فالمحترف جاء ليصنع الفارق، لا ليكون مجرد اسم في قائمة الفريق أو مادة للترويج عند الإعلان عن الصفقة. المشكلة أن بعض التعاقدات لا تبدو مقنعة منذ البداية، سواء من حيث ملاءمة اللاعب لاحتياجات الفريق أو قدرته على تقديم الإضافة الفنية المنتظرة. والأكثر إثارة للاستغراب أن الأخطاء تتكرر، وكأن بعض الأندية لم تستفد من تجاربها السابقة، ولم تراجع آليات الاختيار والتقييم بالشكل المطلوب. وتكشف المفارقة بين محترفي السد والغرافة، بما تحمله بعض التعاقدات من أسماء كبيرة وتكاليف مرتفعة، ومحترفي الشحانية ولوسيل الذين يقدمون مردودًا فنيًا مقنعًا بإمكانات أكثر واقعية، عن خلل يستحق التوقف أمامه في آليات الاختيار والاستقطاب. فكيف تنفق بعض الأندية مبالغ كبيرة على أسماء لامعة، ثم لا تجد منها العائد الفني المنتظر، في حين تنجح أندية بإمكانات أقل في الحصول على مردود أفضل؟ هنا لا تكون المشكلة في المال، بل في القرار الذي يسبق التعاقد، وفيمن يتحمل مسؤولية الاختيار. وهنا لا يمكن تحميل اللاعب وحده المسؤولية؛ فهناك إدارة تتولى التفاوض، وجهاز فني يحدد الاحتياجات، ومنظومة يفترض أن تقيّم وتختار وفق معايير فنية واضحة. ونجاح الصفقة أو فشلها يجب ألا يُقاس باسم اللاعب أو تاريخه فقط، بل بمدى الحاجة إليه، وانسجامه مع الفريق، وحجم الإضافة التي يقدمها داخل الملعب. وعندما يفشل التعاقد في تحقيق أهدافه، فمن حق الجماهير أن تعرف أين كان الخلل، ومن المسؤول عن القرار. لسنا بحاجة إلى محترفين أكثر شهرة بقدر حاجتنا إلى محترفين أكثر تأثيرًا. وهذه ليست رفاهية، بل مسؤولية تجاه الأندية والجماهير والبطولة نفسها. فإلى متى تبقى بعض التعاقدات أكبر من مردودها، وتبقى المحاسبة أصغر من حجم الخطأ؟
2274
| 15 أكتوبر 2026
قد يربح استثمارك، ثم تكتشف أن من يديره اختاره لأن عمولته أعلى، رغم وجود خيار أنسب لاحتياجاتك. هل يكفي الربح لتطمئن إلى أنه أدى الأمانة؟ هذا السؤال يفتح بابًا مهمًا لفهم المسؤولية التي يتحملها كل من يُؤتمن على إدارة مصالح الآخرين. في قلب هذه المسؤولية يأتي مفهوم Fiduciary Duty، الذي يمكن تبسيطه بأنه واجب الأمانة والولاء والعناية تجاه من ائتمنك. فمن يُمنح صلاحية إدارة أموال أو مصالح، عليه أن يستخدمها لخدمتها، وأن يدرس قراراته بعناية، وأن يُفصح عن أي مصلحة شخصية قد تؤثر في اختياره. ولفهم المبدأ، يكفي طرح سؤالين: هل درس المسؤول القرار كما ينبغي؟ وهل اتخذه لخدمة المصلحة التي كُلّف بحمايتها؟ يتعلق السؤال الأول بالعناية، والثاني بالولاء. فقد يكون المدير أمينًا، لكنه يوافق على استثمار كبير دون فهم مخاطره. وقد يكون خبيرًا، لكنه يستخدم معرفته لتوجيه عقد نحو شركة ينتفع منها. ولذلك تحتاج الإدارة المسؤولة إلى الأمانة والكفاءة معًا. وتظهر أهمية هذا الواجب لأن صاحب المال لا يستطيع متابعة كل قرار. فالمساهم لا يحضر اجتماعات الإدارة اليومية، والعميل لا يعرف جميع تفاصيل المنتجات الاستثمارية، بينما يمتلك المسؤول معلومات وصلاحيات تمنحه تأثيرًا واسعًا. وكلما اتسعت هذه المسافة، ازدادت الحاجة إلى قواعد تحدد كيف تُستخدم السلطة وكيف يُساءل صاحبها. والأمانة هنا تتجاوز الامتناع عن السرقة. فقد يضر المسؤول بمن ائتمنه دون أن يأخذ مالًا من حسابه مباشرة؛ كأن يخفي مصلحته في صفقة، أو يستغل فرصة تخص المؤسسة لحسابه، أو يهمل دراسة التزامات تتحمل المؤسسة نتائجها لسنوات. لذلك ينبغي أن يمتد الاهتمام إلى أسباب القرار وطريقة اتخاذه، إلى جانب نتيجته. في الولايات المتحدة، يقدم عمل مستشاري الاستثمار مثالًا واضحًا. فالمستشارون الخاضعون لقانون مستشاري الاستثمار الاتحادي ملتزمون بواجبَي العناية والولاء تجاه عملائهم، بما يقتضي تقديم المشورة في مصلحة العميل وفهم أهدافه وظروفه. وهذا تطبيق محدد للمبدأ، إذ تختلف الالتزامات بحسب طبيعة الدور والعلاقة القانونية. لنفترض أن متقاعدًا يريد دخلًا منتظمًا، ويحتاج إلى جزء من مدخراته خلال عام. ينبغي للمستشار أن يفهم هذه الحاجة قبل أن يوصي باستثمار طويل الأجل يصعب الخروج منه. وعليه أن يدرس المخاطر والتكاليف وقدرة العميل على تحمل الخسارة. فالمنتج الذي يناسب شخصًا يستطيع الانتظار عشر سنوات قد لا يناسب من يحتاج أمواله قريبًا، مهما بدا عائده جذابًا. أما إذا كان المستشار يحصل على منفعة مرتبطة بتوصيته، فإن ذلك يثير تعارضًا محتملًا بين مصلحته ومصلحة العميل. وتوضح الإرشادات الأمريكية ضرورة إزالة التعارض، أو الإفصاح عنه بصورة كاملة وواضحة تتيح للعميل الموافقة عن علم، مع استمرار الالتزام بمصلحته. وإذا تعذر الإفصاح بما يسمح بموافقة واعية، وجب إزالة التعارض أو تخفيفه على نحو يتيح ذلك. وجود عمولة لا يجعل كل توصية خاطئة، لكن إخفاءها أو إخفاء أثرها يحرم العميل من معلومة قد تغير قراره. ولذلك، قبل أن تمنح أحدًا سلطة إدارة أموالك، اسأله كيف يتقاضى أجره، وما المصالح التي قد تؤثر في قراراته. واسأله أيضًا: لماذا اخترت هذا الاستثمار؟ ما تكلفته؟ وما البدائل التي درستها؟ تساعد هذه الأسئلة على جعل العلاقة أوضح منذ البداية. وفي قطر، توجد أحكام قانونية تحقق جوانب أساسية من هذا الغرض. ففي الأحكام المنظمة لمجلس إدارة شركة المساهمة بقانون الشركات التجارية رقم 11 لسنة 2015 وتعديلاته، تُلزم المادة 109 رئيس وأعضاء مجلس الإدارة وأعضاء الإدارة التنفيذية العليا بالإفصاح عن مصالحهم المباشرة وغير المباشرة في صفقات الشركة وتعاملاتها. كما تمنع صاحب المصلحة من حضور الجلسات التي تناقش الموضوع المتعلق به أو التصويت عليه. وتنظم المادة 108 عدم منافسة هؤلاء للشركة دون موافقة الجمعية العامة، بينما تقرر المادة 113 مسؤولية رئيس وأعضاء المجلس عن الأضرار الناشئة عن الغش وإساءة استعمال السلطة ومخالفة القانون أو النظام الأساسي والخطأ الجسيم في الأداء. وتختلف التفاصيل القانونية بحسب نوع الشركة وصفة المسؤول. وتمتد الحماية إلى القضاء. فالمادة 109 تتيح للمساهمين، وفق شروطها ومع مراعاة حقوق الغير حسن النية، المطالبة ببطلان صفقات والتعويض عن المخالفات، وتُلزم المخالف برد المنفعة التي حققها إلى الشركة. وتتيح المادة 115 للشركة رفع دعوى المسؤولية عن الأخطاء التي تضر بمجموع المساهمين، بقرار من الجمعية العامة العادية. كما تسمح المادة 116 للمساهم برفع الدعوى منفردًا إذا لم ترفعها الشركة وكان الخطأ يُلحق به ضرر خاص كمساهم، بشرط إخطارها. وإذا صدر حكم لصالحه، تلتزم الشركة بتعويضه عن نفقات ومصاريف التقاضي. ولتقريب الصورة، تخيّل أن شركة تريد شراء معدات، وأحد أعضاء مجلس إدارتها شريك في الشركة التي قدمت العرض. قد يكون العرض جيدًا، لكن مصلحته فيه يجب أن تكون معلومة. ووفق الأحكام المنطبقة، يفصح عنها ويتنحى عن حضور المناقشة والتصويت، وتُستكمل الموافقات المطلوبة. ثم يقيّم الآخرون العرض وفق السعر والجودة والخدمة، ويوثقون أسباب اختيارهم. فالإفصاح عن المصلحة الشخصية لا يمنح المسؤول حرية تمرير القرار، بل يتيح إخضاعه للمراجعة والموافقات المطلوبة. وهناك سؤال مفيد للمراجعة الذاتية قبل اتخاذ القرار: لو لم تكن لي منفعة شخصية، هل كنت سأتخذ القرار نفسه؟ هذا السؤال لا يغني عن الإجراءات القانونية، لكنه يساعد المسؤول على ملاحظة تأثير مصلحته في حكمه، خصوصًا حين يجد نفسه يدافع عن خيار لا يستطيع تبريره بمعايير واضحة. ولكي تصبح هذه الحماية جزءًا من العمل اليومي، تحتاج المؤسسة إلى سجل للمصالح يُحدّث عند تغيرها، وطريقة واضحة للإفصاح، ومحاضر تثبت التنحي، ومراجعة للصفقات التي تتداخل فيها المصالح. ويحتاج المسؤول إلى فهم حدود صلاحياته، كما يحتاج المساهم إلى معرفة حقوقه ووسائل المطالبة بها. فالنص القانوني يزداد أثره حين يتحول إلى إجراءات يعرفها الناس ويطبقونها. ومع ذلك، يجب التمييز بين الخسارة والإخلال بالأمانة. فقد يُدرس مشروع بعناية ثم تتغير ظروف السوق، وقد تحقق صفقة ربحًا رغم إخفاء مصلحة شخصية فيها. لذلك ينظر التقييم السليم إلى العناية التي بُذلت، والمعلومات المتاحة، والالتزامات ذات الصلة، إلى جانب النتيجة. فهذا التوازن يحمي أصحاب الأموال، ويتيح للإدارة اتخاذ قرارات مهنية مسؤولة. حين تُسلَّم أموال الناس ومصالحهم إلى مسؤول، فإنهم يمنحونه صلاحية التصرف وثقة تستحق الحماية. ولهذا يجب أن تكون الأمانة التزامًا واضحًا، تدعمه قواعد للإفصاح، ورقابة تكشف التجاوز، وحق في التقاضي يتيح المطالبة بالإنصاف. فالمؤسسة التي تحمي أصحاب الأموال تجعل المسؤول قادرًا على تفسير قراراته، وتُلزمه بتحمل تبعات إخلاله. ومن يملك سلطة القرار في أموال الآخرين، لا يملك حق تقديم مصلحته على مصالحهم.
1179
| 11 أكتوبر 2026