رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
منذ قديم الزمان وحتى يرث الله الأرض ومن عليها يبقى الإنسان شغوفًا بمعرفة الغيب والتنبؤ بأحداث المستقبل، وطالما زعم الكهنة والعرّافون والمنجمون التنبؤ بأحداث المستقبل ليخدعوا الناس ويقبضوا ثمن نبوءاتهم أموالا ومناصب وشهرة. وقد حسم الإسلام هذا الأمر بالتأكيد على أن الله تعالى وحده (عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ) وأنه (لَّا يَعْلَمُ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا الله) وأنه (وَعِندَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لاَ يَعْلَمُهَا إِلاَّ هُوَ) وأنه لم يطلع حتى رسله وملائكته على الغيب كله (وَمَا كَانَ الله لِيُطْلِعَكُمْ عَلَى الْغَيْبِ وَلَكِنَّ الله يَجْتَبِي مِن رُّسُلِهِ مَن يَشَاءُ) فهو (عَالِمُ الْغَيْبِ فَلَا يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَدًا) بل إن رسول الله الذي كان يتلقى الوحي من السماء يعلن للناس (قُل لاَّ أَقُولُ لَكُمْ عِندِي خَزَآئِنُ الله وَلا أَعْلَمُ الْغَيْبَ وَلا أَقُولُ لَكُمْ إِنِّي مَلَكٌ إِنْ أَتَّبِعُ إِلاَّ مَا يُوحَى إِلَيَّ) و(وَلَوْ كُنتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ لاَسْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَيْرِ وَمَا مَسَّنِيَ السُّوءُ إِنْ أَنَاْ إِلاَّ نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ) كما استنكر رب العالمين أولئك الذين يزعمون معرفة الغيب (أَفَرَأَيْتَ الَّذِي كَفَرَ بِآيَاتِنَا وَقَالَ لَأُوتَيَنَّ مَالًا وَوَلَدًا أَاطَّلَعَ الْغَيْبَ أَمِ اتَّخَذَ عِندَ الرَّحْمَنِ عَهْدًا) و(أَعِندَهُ عِلْمُ الْغَيْبِ فَهُوَ يَرَى) و(أَمْ عِندَهُمُ الْغَيْبُ فَهُمْ يَكْتُبُونَ).
لكن الله سبحانه وتعالى أطلعنا على ما يريد إطلاعنا عليه من الغيب كيوم القيامة وأهواله (من غير توقيت أو تفاصيل كاملة) وأوصاف الجنة والنار (وصفًا جزئيًا أيضًا) كما ذكر بعض الأحداث المستقبلية بشكل غير محدد زمانًا أو مكانًا كانتصار الروم على الفرس (غُلِبَتِ الرُّومُ. فِي أَدْنَى الْأَرْضِ وَهُم مِّن بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ. فِي بِضْعِ سِنِينَ) و(لتدخلن المسجد الحرام إن شاء الله آمنين محلقين رءوسكم ومقصرين لا تخافون) وموت أبي لهب على الكفر وغير ذلك، ليس للحصر أو التفصيل التاريخي بل لحكمة أرادها الله عزّ وجلّ. وبعض هذه النبوءات أتت بشكل اختلف عليه المفسرون: هل حدث أم لم يحدث بعد (وقضينا إلى بني إسرائيل في الكتاب لتفسدن في الأرض مرتين) ولكن العبرة هي ليس فيما حصل فقط ولكن في سنة الله في بني إسرائيل (وإن عدتم عدنا). ولعل نبوءات الرسول الله صلى الله عليه وسلم والتي أوحيت إليه بالقدر والتوقيت الذي أراده الله تعالى، جاءت لبث الأمل والتفاؤل في صدور المسلمين كبشارته لـ سراقة بن مالك بسواري كسرى وبشارته بفتح فارس وقت حفر الخندق وبشارته بفتح القسطنطينية، أو لتحذير من فتنة كقوله لعمار بن ياسر (تقتلك الفئة الباغية).
والإيمان بالغيب جزء أساسي من عقيدة المسلم (الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ) لكن الغيب من علم الله وليس من علم البشر أو غيرهم من الخلق فالبشر خلقوا لغاية محددة (وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعبد ونِ) وعبادة الله تقتضي طاعته في إقامة العدل في الأرض والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. ومن البديهي أن الله تعالى يحاسب الناس على قدر ما أعطاهم من قدرة ومسؤولية فهو يحاسبنا بما نملك ولا يحاسبنا فيما لا نملك وقد سنّ لنا سننا وقوانين طبيعية كي نسير عليها، وقد يُخَيّل لملحد أن إيماننا بالقضاء والقدر معارض لقوانين الطبيعة، كما قد يُخَيّل لمؤمن أن عملنا لن يؤثر في المستقبل (الغيب القادم) ولن يغيّر ما سيكون عليه الواقع لأن ذلك مكتوب في علم الله الأزلي، لكن الفريقين مخطئان فنحن لا نعلم الغيب ولسنا مسؤولين أو محاسبين على أمر لا نملكه ولا حتى على تحقيق النتائج من العمل ولكننا محاسبون ومأجورون على النوايا أولًا ثم على بذل الجهد المطلوب لتحقيق الهدف، وهناك نصوص كثيرة في الحديث وفي الأثر بأن الدعاء يَرُدُّ القضاء ففي حديث النبي صلى الله عليه وسلم (إن الدعاء ينفع مما نزل ومما لم ينزل، فعليكم عباد الله بالدعاء)، وقال صلى الله عليه وسلم (لا يرد القضاءَ إلا الدعاءُ)، وقال أيضًا (لا يزال القضاء والدعاء يعتلجان - أي: يتصارعان - ما بين الأرض والسماء) وقال أيضًا (الدعاء يرد القضاء، وإن البر يزيد في الرزق، وإن العبد ليحرم الرزق بالذنب يصيبه) وقال أيضًا (لا يرد القضاءَ إلا الدعاءُ، ولا يزيد في العمر إلا البرُّ) بل إن المسلم حين يدعو اللهَ عليه أن يفعل ذلك وهو موقن بالإجابة وفي الحوار الطريف بين الفاروق عمر بن الخطاب وأبي عبيدة بن الجراح حين كان متجهًا إلى الشام وسمع بوقوع الطاعون فيها فأراد أن يعود خوفا على من معه فاستنكر أبو عبيدة ذلك وقال لـ عمر: أتفرّ من قدر الله؟ فأجابه عمر: نعم... أفرّ من قدر الله إلى قدر الله. ومما روي عن العالم العامل عبد القادر الجيلاني قوله: أنا أغالب الأقدار بالأقدار.
لكن الله سبحانه وتعالى من خلال آيات القرآن الكريم والهدي النبوي كان دومًا يوجّه المسلمين للتفكير والعمل بما هو من واجبهم وتحت مسؤوليتهم وليس بما سيأتي في الغيب مما لا يعلمه ولا يقدر عليه إلا الله. فقد أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم المسلمين بالتفكير في مخلوقات الله ونهاهم عن التفكير بذاته (تفكروا في خلق الله ولا تتفكروا في ذاته فتضلوا)، كما أنه أجاب الرجل الذي سأله (متى الساعة؟) بـ(وماذا أعددت لها؟) فتوقيت الساعة ووقوع أشراطها وعلاماتها لا علم لنا به ولا سلطة لنا عليه، وعلينا ألا نعلّق أمور حياتنا وواجباتنا عليه، بل إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال (إذا قامت الساعة وفي يد أحدكم فسيل فليغرسها) وفي هذا الحديث رسائل مهمة لنا فالفسيل يحتاج بضع سنوات حتى يؤتي ثمره فقد يفكر أحدنا: وما فائدة غرس الفسيل إذا قامت الساعة وانتهى العالم؟ فيأمره الحديث الشريف: قم بواجبك ولا تنتظر نتائجه فأنت محاسب على ما تقدر ولست محاسبا على ما ليس في مدى علمك أو قدرتك.
تبقى قضية أحاديث النبوءات: المهدي والمسيح الدجال وعودة السيد المسيح وقيام الساعة...ما الغاية من تلك الأحاديث (أو ما صحّ منها) وماذا ينبغي لنا أن نفعل تجاهها؟ وفي فترة الثورة السورية وكثرة القتل والفتن، يأتي كثير من الناس بأحاديث عما سيحصل في "آخر الزمن" من مقدمات لظهور الدجال وعودة المسيح عليه السلام وبالتالي ظهور علامات الساعة ثم تأتي روايات الناس على تفاصيل ما سيحصل، ومَنْ سيقاتل مَنْ ومَنْ سينتصر... والناس تقرأ ذلك وكأنها تتفرج على فيلم درامي تنتظر انتصار البطل في النهاية. أرى في هذا الأسلوب مشاكل عدة فكثير من الأحاديث التي تروى ليست صحيحة كما أن بعضها يستعمل المجاز وقد لا يكون تفسيره واضحا، لذلك يلجأ البعض إلى إسقاطه على الواقع إسقاطا غير دقيق والبعض يستطرد في مقاربة عبارات الحديث للوقائع على الأرض فيقع في متاهات لا طائل منها بل تشغلنا عن واجباتنا، وأحيانا يكون التأويل لتحقيق مأرب كمن يريد تبرير تحالف مع أمريكا ضد روسيا فيؤول أحلاف المسلمين في الحديث على أنهم الدولة الفلانية التي سنتحالف معها ضد "عدو مشترك". لا أنكر أن بعض هذه الروايات قد تنعش الآمال وتزيد التفاؤل بالنصر ولكن شعورنا هذا إن لم يرافقه استعداد كامل للقيام بالمهمة حسب القوانين الطبيعية كمن يتناول جرعة مخدر ليعيش في عالم وردي بعيدا عن الواقعية، ومنتظرا تحقق النبوءات حتى يأتي الفرج.
في واقع الأمر ربما تكون بعض النبوءات المذكورة في الأحاديث مرتبطة بما نعمله كسبب ونتيجة وليس ارتباطا بزمن محدد فبعضنا يفهم الحديث الشريف (لو أنكم تتوكلون على الله تعالى حق توكله لرزقكم كما يرزق الطير: تغدو خماصًا – أي خاوية البطون - وتروح بطانا – أي ممتلئة البطون) كما لو أن الرزق مكتوب لتلك الطيور سواء بحثت عنه أم لم تبحث بينما أفهم أن الله كتب لها رزقها إن قامت بما عليها من مجهود للبحث عنه فالحديث ذكر (تغدو وتروح) ولم يقل أنها رابضة في أعشاشها تنتظر السماء تمطر عليها بالطعام.
أمر آخر مهم فمقياس الزمن أمر نسبي فحين قال رسول الله صلى الله عليه وسلم (بعثت أنا والساعة كهاتين) مشيرًا بإصبعيه السبابة والوسطى، كدلالة على اقتراب الساعة لم يقصد أياما أو شهورا أو سنين أو حتى قرونا فهو في حديث آخر يتكلم عن قرون من الزمن تأتي بعده (خير الناس قرني، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم، ثم يجيء أقوام) لذلك يجب ألا نفسّر اقتراب الساعة تفسيرا زمنيا محددا حسب أفهامنا... فيوم عند الله بألف سنة وبخمسين ألف سنة واقتراب الساعة لا يعني بالضرورة أننا سنرى نهاية العالم ولا أبناؤنا ولا أبناؤهم ولنتذكر أن قيامة أحدنا موته.
لن ننكر ما صحت روايته من الأحاديث ولكن لن نتأوله ولن نتوقف كثيرا على تصور المستقبل واستقراء أحداثه والتنبؤ بتوقيتها وعلاماتها، فلو شاء الله لأعلمنا بها ولكنه – لحكمة أرادها – لم يفعل ذلك، ولكن سنشغل أنفسنا بواجبنا وهو (وماذا أعددت لها؟) وسنسير على قاعدة سيدنا علي بن أبي طالب (اعمل لدنياك كأنك تعيش أبدًا واعمل لآخرتك كأنك تموت غدا) فالعمل من مسؤوليتنا والغيب من مسؤولية الله عز وجل.
رسائل اعتداءات إيران على دول مجلس التعاون
حذّرت في مقالي الأسبوع الماضي في الشرق-"حذار أن ننجر إلى حرب ليست حربنا"-برغم استفزازات إيران واستمرارها بقصف أهداف... اقرأ المزيد
45
| 15 مارس 2026
لا ناقة ولا جمل.. لماذا يدفعون الخليج إلى الحرب؟
«هذه حرب لا ناقة لي فيها ولا جمل»، قالها الحارث بن عباد لبني شيبان عندما طلبوا منه الانضمام... اقرأ المزيد
57
| 15 مارس 2026
علاقتنا بالمسجد الأقصى
الحديث عن المسجد الأقصى ليس مُجرّد حديث عن مسجد ضمن الأوقاف الإسلامية، بل هو حديث عن قضية من... اقرأ المزيد
45
| 15 مارس 2026
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية




مساحة إعلانية
سوبر مان، بات مان، سبايدر مان، وكل ما أضيف إلى "مان" من أفلام الخيال العلمي التي أنتجتها هوليود، كلها من مخرجات الحداثة، التي تغالي في قيمة الفرد، وتسرّب إلى الجماهير مفهوم الفرد المخلّص الذي ينقذ المجموع بعيدا عن الحل الجماعي. الركون إلى فكرة انتظار الفرد المخلص وأن شخصًا ما أو عدة أشخاص بيدهم الحل لكل أزماتهم ومشكلاتهم، هي آفة يكاد لا يخلو منها مجتمع من المجتمعات، وكلما تفاقمت أزمات مجتمع منها كلما ازداد تعلقا بفكرة الفرد المخلص، سواء كان هذا الانتظار والترقب ناتجا عن انتظار تقلبات المناخ السياسي التي يمكن أن تسفر عن ظهور شخصية تقود المجتمع إلى بر الأمان، أو كان هذا الانتظار والترقب متعلقًا بالنبوءات الدينية. لكن أين عمل المجموع؟ أين الحلول الجماعية؟ هنا يكون الخرق والتصدع الفكري. نعم لا نستطيع أن ننكر المسؤولية الفردية، ولا قيمة الجهد الفردي، فرب فكرة فردية عاشت الأمم والبشرية في ظل ثمارها، والمخترعات والاكتشافات تمت معظمها عن طريق أفراد، لكن هذه الجهود الفردية لم تكن لتؤتي ثمارها لو لم تجد حاضنة اجتماعية أو علميةوجهودا جماعية تقوم بها وتعمل عليها. حتى أنبياء الله ورسله، لم يأت أحدهم ليمسح على رؤوس الناس فيتغير وجه الحياة، بل بذلوا جهودهم من أجل إيجاد الثلة المؤمنة التي تقوم بأعباء تبليغ الرسالة بعمل جماعي يرتكز على منهج رصين. وفي سورة الكهف، نقرأ في خواتيمها قصة ذي القرنين، ذلك الملك الصالح الذي جاب مشارق الأرض ومغاربها، هذه القصة التي حكاها القرآن الكريم تحمل توجيهات إدارية قوية في معالجة الأزمات، أبرزها التوازن بين الحل الفردي والحل الجماعي، وعدم الركون إلى فكرة الشخص المخلص. يأتي ذو القرنين قومًا تمثلت أزمتهم في الهجمات والغارات الهمجية لقوم يأجوج ومأجوج، الذين يتدفقون من بين الجبلين فيعيثون في الأرض فسادًا. عندما عاينوا قوة وبأس ذلك الملك رأوا فيه الشخص المخلّص الذي يمكن أن يرفع عنهم ما هم فيه من معاناة، ومن أجل ذلك طلبوا منه حمايتهم على أن يجعلوا له جُعلًا من المال. الشاهد من القصة، أن ذا القرنين ترفّع عن أخذ المقابل، لكنه أشركهم معه في العمل، وجعلهم جزءًا من الحل لا الاكتفاء بوضعية المتفرج، فحدّد لهم خطة عملية يعملون عليها بأيديهم تحت مراقبته وإدارته ورعايته. أمرهم بجمع قطع الحديد ووضعها بعضها فوق بعض بين السدين، إلى أن يحاذي الحديد رؤوس الجبلين طولا وعرضا، ثم أمرهم بأن يضرموا فيه النار، حتى إذا اشتعل كله أمرهم بصب النحاس المذاب عليه حتى يزداد صلابة، فلا يستطيع المعتدون المرور من بين السدين أو تسلق هذا المرتفع الشاهق. كانت الفكرة فردية من قِبل ذي القرنين، لكن التنفيذ كان بأيديهم، ليخرج العمل في النهاية جماعيًا بامتياز، لا يقوم به فرد وحده مهما بلغت قوته، وتلك هي كلمة السر في عمليات النهوض أو مواجهة الأزمات. لقد استوقفنتني حكاية جاءت بها كتب الطبقات والتراجم عن أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه، قال لأصحابه يومًا: تمنوا، فقال رجل: أتمنى لو أن هذه الدار مملوءة ذهبًا أنفقه في سبيل الله -عز وجل- فقال: تمنوا، فقال رجل: أتمنى لو أنها مملوءة لؤلؤًا وزبرجدًا وجوهرًا أنفقه في سبيل الله -عز وجل- وأتصدق به، ثم قال: تمنوا، قالوا: ما ندري ما نقول يا أمير المؤمنين؟ قال عمر: لكني أتمنى لو أن هذه الدار مملوءة رجالا مثل أبي عبيدة بن الجراح. لقد أدرك عمر قيمة الرجال والعمل الجماعي، فلم يتمن شخصًا مثل أبي عبيدة، ولكنه تمنى أشخاصًا وجمعًا مثل أبي عبيدة، فهكذا الأوطان تنبى بجهود جماعية، حتى وإن قادها الفرد وأرشدها وأنار لها الطريق. ومع كل حدث ساخن في المنطقة يعمد فئام من أمتنا إلى إسقاط نبوءات الساعة الواردة في النصوص النبوية وتنزيلها على الواقع بلا روية، وخاصة المتعلقة بظهور المهدي المنتظر، يستبشرون وهم قعود لا يبذلون ولا يعملون، كل بضاعتهم انتظار المخلص، لكنهم لا يعلمون أن المهدي لن يقود أمة من الكسالى الضائعين، بل يأتي ليحكم أمة عرفت الطريق، تحتاج فقط إلى من يكون رأسًا فيها.
8646
| 08 مارس 2026
تعيش منطقة الشرق الأوسط مرحلة شديدة الحساسية، حيث تتقاطع المصالح الدولية والإقليمية في مشهد معقد يجعل أي توتر قابلاً للتحول إلى مواجهة أوسع. ومع تصاعد التوتر بين إيران من جهة والولايات المتحدة وإسرائيل من جهة أخرى، تجد دول الخليج نفسها في قلب معادلة أمنية دقيقة. فهذه المنطقة ليست مجرد مساحة جغرافية في خريطة الصراعات، بل مركز اقتصادي واستراتيجي يعتمد عليه العالم في الطاقة والتجارة والاستقرار الإقليمي. في مثل هذه الظروف، يبرز دور المؤسسات الوطنية التي تتحمل مسؤولية حماية الأمن والاستقرار. فوجود مؤسسات دفاعية قوية ومهنية يشكل أحد أهم عناصر حماية الدولة من التهديدات الخارجية، كما يعزز الثقة داخل المجتمع بأن أمن البلاد في أيدٍ قادرة على صونه. إن الجاهزية العسكرية والانضباط المهني لا يمثلان فقط قوة ردع، بل رسالة واضحة بأن أمن الدول الخليجية ليس أمراً يمكن العبث به أو استخدامه كورقة ضغط في صراعات الآخرين. غير أن الخطر الأكبر في أي تصعيد عسكري يتمثل في استهداف البنية التحتية المدنية. فالمرافق الحيوية مثل الطاقة والكهرباء والمياه والمطارات ليست أهدافاً عسكرية بالمعنى التقليدي، بل هي شرايين الحياة اليومية للمجتمعات. وعندما تتحول هذه المنشآت إلى أهداف في النزاعات، فإن النتائج لا تصيب الحكومات وحدها، بل تمس حياة الناس بشكل مباشر. فتعطّل هذه المرافق يعني اضطراب الاقتصاد، وتعطّل الخدمات، وتهديد الاستقرار الاجتماعي. لقد بنت دول الخليج خلال عقود طويلة بنية تحتية متطورة واقتصادات حديثة تعتمد على الاستقرار والانفتاح. ولم يكن هذا التقدم نتيجة الصدفة، بل جاء نتيجة سياسات تنموية واستثمارات كبيرة هدفت إلى تحسين مستوى الحياة للمواطنين وبناء مستقبل أكثر ازدهاراً. ولذلك فإن تحويل هذه الإنجازات إلى أهداف في صراعات إقليمية يمثل تهديداً حقيقياً لمصالح الشعوب التي تعتمد على هذه الموارد في حياتها اليومية. ومن المهم في هذا السياق فهم طبيعة العلاقات الإقليمية بواقعية. فالعلاقة بين إيران ودول الخليج ليست علاقة خالية من التوتر، لكنها أيضاً ليست علاقة صراع دائم لا يمكن تجاوزه. فقد شهدت هذه العلاقة عبر السنوات مراحل مختلفة من التوتر والتهدئة، وهو أمر طبيعي في العلاقات الدولية بين الدول المتجاورة. لكن تحويل الخلافات السياسية إلى صراع عسكري مفتوح قد يؤدي إلى نتائج لا يمكن السيطرة عليها. كما أن المشهد الإقليمي لا يخلو من محاولات بعض الأطراف استثمار التوترات القائمة لتحقيق أهداف سياسية واستراتيجية. ومن بين هذه الأطراف الحكومة الإسرائيلية بقيادة بنيامين نتنياهو، التي ترى في تصاعد المواجهة مع إيران فرصة لإعادة ترتيب التحالفات الإقليمية بما يخدم رؤيتها الأمنية والسياسية. غير أن دول الخليج تدرك أن الانجرار إلى صراعات واسعة قد يحمل مخاطر كبيرة على استقرارها الداخلي ومسارها التنموي. فهذه الدول استطاعت خلال فترة زمنية قصيرة بناء نماذج اقتصادية ناجحة ومجتمعات مستقرة نسبياً في منطقة تعاني من كثرة الأزمات. ولهذا فإن الحفاظ على هذا الاستقرار يتطلب سياسات متوازنة تقوم على الحكمة وتجنب التصعيد غير الضروري. إن التحدي الحقيقي اليوم لا يكمن في اختيار طرف ضد آخر، بل في حماية مصالح الشعوب والحفاظ على استقرار المنطقة. فدول الخليج ليست بحاجة إلى أن تتحول إلى ساحة مواجهة بين القوى الإقليمية والدولية، بل إلى أن تواصل مسارها التنموي وأن تحافظ على أمنها واستقرارها بعيداً عن حسابات الصراعات الكبرى. كلمة أخيرة: الخليج ليس ساحة حرب، بل منطقة تسعى شعوبها إلى الأمن والتنمية والاستقرار. وحماية هذا الهدف تتطلب تغليب صوت العقل والحكمة على منطق التصعيد والمواجهة. فحين تكون مصلحة الشعوب هي البوصلة، يصبح الطريق واضحاً نحو مستقبل أكثر أمناً وازدهاراً للمنطقة بأسرها. [email protected]
4596
| 09 مارس 2026
من أعظم النِّعم نعمة الأمن والأمان، فهي الأساس الذي تقوم عليه حياة الإنسان وتستقيم به شؤون المجتمعات وتزدهر الأوطان، وعندما يفقد الأمن تضطرب الحياة وتتبدل الطمأنينة خوفًا والاستقرار قلقًا، ولذلك فإن ما تشهده منطقتنا في هذه الأيام من حروب وصراعات مؤلمة يمثل شاهدًا حيًا ودليلًا واضحًا على أن الأمن ليس أمرًا عابرًا أو واقعًا مفروضاً، بل هو نعمة عظيمة تستحق أن تُحفظ وأن يُشكر الله عليها في كل وقت، فالمشاهد التي نراها والأوضاع التي نشهدها تذكرنا بأن الأمن هو الشريان الأساسي الذي تتدفق من خلاله الحياة في كل وطن، وبدونه تتعطل التنمية وتتراجع مسيرة التقدم ويعيش الإنسان في قلق دائم على نفسه وأسرته ومستقبله. إن استقرار الأوطان وطمأنينة الشعوب لا يتحققان صدفة، بل هما نتيجة منظومة متكاملة من الجهود الأمنية والتنظيمية التي تعمل ليل نهار عليها الدولة لحماية البلاد وصون سلامته والحفاظ على استقراره من كل الجوانب الأمنية واللوجستية، ولذلك فإن الواجب على كل مواطن ومقيم أن يستشعر عظمة هذه النعمة وأن يدرك قيمتها الحقيقية، خاصة في هذه الأيام المباركة من العشر الأواخر من شهر رمضان، وهي أيام عظيمة يتضاعف فيها الأجر ويقبل فيها المسلمون على الدعاء والاستغفار والتقرب إلى الله، ومن أعظم ما ينبغي أن يحرص عليه الإنسان في هذه الأيام أن يسأل الله دوام الأمن والاستقرار وأن يحفظ الأوطان من الفتن والاضطرابات وأن يوفق القائمين على أمنها لما فيه الخير والصلاح، فالدعاء للأوطان واستقرارها ليس مجرد كلمات تقال بل هو تعبير صادق عن وعي الإنسان بقيمة الأمن وأثره في حياة الجميع. كما أن شكر نعمة الأمن لا يقتصر على الدعاء فقط، بل يظهر كذلك في سلوك الإنسان وتصرفاته اليومية، فالمجتمع يقوم على وعي أفراده والتزامهم بالقوانين واحترامهم للأنظمة وتعاملهم المسؤول مع كل ما يمكن أن يؤثر في استقرار المجتمع، ومن مظاهر شكر هذه النعمة الابتعاد عن السلوكيات التي تعكس اللامبالاة أو الاستهتار، لأن الأمن مسؤولية مشتركة بين الدولة والمجتمع، وكل فرد في الوطن يعد شريكًا في الحفاظ على استقراره وطمأنينته. ومن الواجب أيضًا أن يقدّر الجميع الدور الكبير الذي تبذله الدولة وأجهزتها المختلفة في حماية الوطن وصون أمنه، فهناك جهود كبيرة وخطط دقيقة وإجراءات مستمرة تُبذل من أجل الحفاظ على سلامة البلاد واستقرارها، وهذه الجهود تتطلب دعم المجتمع وثقته وتعاونه، لأن الأمن لا يتحقق إلا بتكامل الجهود بين الجهات المسؤولة وأفراد المجتمع. كما ينبغي على الجميع التحلي بالوعي والمسؤولية في التعامل مع الأخبار والمعلومات، والابتعاد عن نشر الشائعات أو تداول الأخبار غير الموثوقة، فهناك جهات رسمية في الدولة مكلفة بمتابعة الأحداث ونقل المعلومات الصحيحة للمجتمع، ونشر الأخبار دون تحقق قد يؤدي إلى إثارة القلق والارتباك ويؤثر في استقرار المجتمع، ولذلك فإن الالتزام بالمصادر الرسمية والابتعاد عن تداول الأخبار دون تأكد يعد جزءًا مهمًا من المسؤولية الوطنية. وفي النهاية يبقى الأمن والأمان أعظم ما يمكن أن ينعم به أي وطن، وما يحدث الآن في المنطقة يذكرنا كل يوم بأن هذه النعمة تحتاج إلى شكر دائم ووعي حقيقي للحفاظ عليها، وأن مسؤولية حمايتها لا تقع على جهة واحدة فقط بل هي مسؤولية الجميع، مواطنين ومقيمين، بالدعاء الصادق والالتزام الواعي والتعاون الصادق مع الجهود التي تبذلها الدولة، فالأوطان الآمنة لا تُبنى فقط بالقوة والإمكانات بل تبنى أيضًا بوعي أبنائها وإحساسهم العميق بقيمة الأمن وأهميته في حياتهم ومستقبل أوطانهم.
1416
| 11 مارس 2026