رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
منذ قديم الزمان وحتى يرث الله الأرض ومن عليها يبقى الإنسان شغوفًا بمعرفة الغيب والتنبؤ بأحداث المستقبل، وطالما زعم الكهنة والعرّافون والمنجمون التنبؤ بأحداث المستقبل ليخدعوا الناس ويقبضوا ثمن نبوءاتهم أموالا ومناصب وشهرة. وقد حسم الإسلام هذا الأمر بالتأكيد على أن الله تعالى وحده (عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ) وأنه (لَّا يَعْلَمُ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا الله) وأنه (وَعِندَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لاَ يَعْلَمُهَا إِلاَّ هُوَ) وأنه لم يطلع حتى رسله وملائكته على الغيب كله (وَمَا كَانَ الله لِيُطْلِعَكُمْ عَلَى الْغَيْبِ وَلَكِنَّ الله يَجْتَبِي مِن رُّسُلِهِ مَن يَشَاءُ) فهو (عَالِمُ الْغَيْبِ فَلَا يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَدًا) بل إن رسول الله الذي كان يتلقى الوحي من السماء يعلن للناس (قُل لاَّ أَقُولُ لَكُمْ عِندِي خَزَآئِنُ الله وَلا أَعْلَمُ الْغَيْبَ وَلا أَقُولُ لَكُمْ إِنِّي مَلَكٌ إِنْ أَتَّبِعُ إِلاَّ مَا يُوحَى إِلَيَّ) و(وَلَوْ كُنتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ لاَسْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَيْرِ وَمَا مَسَّنِيَ السُّوءُ إِنْ أَنَاْ إِلاَّ نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ) كما استنكر رب العالمين أولئك الذين يزعمون معرفة الغيب (أَفَرَأَيْتَ الَّذِي كَفَرَ بِآيَاتِنَا وَقَالَ لَأُوتَيَنَّ مَالًا وَوَلَدًا أَاطَّلَعَ الْغَيْبَ أَمِ اتَّخَذَ عِندَ الرَّحْمَنِ عَهْدًا) و(أَعِندَهُ عِلْمُ الْغَيْبِ فَهُوَ يَرَى) و(أَمْ عِندَهُمُ الْغَيْبُ فَهُمْ يَكْتُبُونَ).
لكن الله سبحانه وتعالى أطلعنا على ما يريد إطلاعنا عليه من الغيب كيوم القيامة وأهواله (من غير توقيت أو تفاصيل كاملة) وأوصاف الجنة والنار (وصفًا جزئيًا أيضًا) كما ذكر بعض الأحداث المستقبلية بشكل غير محدد زمانًا أو مكانًا كانتصار الروم على الفرس (غُلِبَتِ الرُّومُ. فِي أَدْنَى الْأَرْضِ وَهُم مِّن بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ. فِي بِضْعِ سِنِينَ) و(لتدخلن المسجد الحرام إن شاء الله آمنين محلقين رءوسكم ومقصرين لا تخافون) وموت أبي لهب على الكفر وغير ذلك، ليس للحصر أو التفصيل التاريخي بل لحكمة أرادها الله عزّ وجلّ. وبعض هذه النبوءات أتت بشكل اختلف عليه المفسرون: هل حدث أم لم يحدث بعد (وقضينا إلى بني إسرائيل في الكتاب لتفسدن في الأرض مرتين) ولكن العبرة هي ليس فيما حصل فقط ولكن في سنة الله في بني إسرائيل (وإن عدتم عدنا). ولعل نبوءات الرسول الله صلى الله عليه وسلم والتي أوحيت إليه بالقدر والتوقيت الذي أراده الله تعالى، جاءت لبث الأمل والتفاؤل في صدور المسلمين كبشارته لـ سراقة بن مالك بسواري كسرى وبشارته بفتح فارس وقت حفر الخندق وبشارته بفتح القسطنطينية، أو لتحذير من فتنة كقوله لعمار بن ياسر (تقتلك الفئة الباغية).
والإيمان بالغيب جزء أساسي من عقيدة المسلم (الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ) لكن الغيب من علم الله وليس من علم البشر أو غيرهم من الخلق فالبشر خلقوا لغاية محددة (وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعبد ونِ) وعبادة الله تقتضي طاعته في إقامة العدل في الأرض والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. ومن البديهي أن الله تعالى يحاسب الناس على قدر ما أعطاهم من قدرة ومسؤولية فهو يحاسبنا بما نملك ولا يحاسبنا فيما لا نملك وقد سنّ لنا سننا وقوانين طبيعية كي نسير عليها، وقد يُخَيّل لملحد أن إيماننا بالقضاء والقدر معارض لقوانين الطبيعة، كما قد يُخَيّل لمؤمن أن عملنا لن يؤثر في المستقبل (الغيب القادم) ولن يغيّر ما سيكون عليه الواقع لأن ذلك مكتوب في علم الله الأزلي، لكن الفريقين مخطئان فنحن لا نعلم الغيب ولسنا مسؤولين أو محاسبين على أمر لا نملكه ولا حتى على تحقيق النتائج من العمل ولكننا محاسبون ومأجورون على النوايا أولًا ثم على بذل الجهد المطلوب لتحقيق الهدف، وهناك نصوص كثيرة في الحديث وفي الأثر بأن الدعاء يَرُدُّ القضاء ففي حديث النبي صلى الله عليه وسلم (إن الدعاء ينفع مما نزل ومما لم ينزل، فعليكم عباد الله بالدعاء)، وقال صلى الله عليه وسلم (لا يرد القضاءَ إلا الدعاءُ)، وقال أيضًا (لا يزال القضاء والدعاء يعتلجان - أي: يتصارعان - ما بين الأرض والسماء) وقال أيضًا (الدعاء يرد القضاء، وإن البر يزيد في الرزق، وإن العبد ليحرم الرزق بالذنب يصيبه) وقال أيضًا (لا يرد القضاءَ إلا الدعاءُ، ولا يزيد في العمر إلا البرُّ) بل إن المسلم حين يدعو اللهَ عليه أن يفعل ذلك وهو موقن بالإجابة وفي الحوار الطريف بين الفاروق عمر بن الخطاب وأبي عبيدة بن الجراح حين كان متجهًا إلى الشام وسمع بوقوع الطاعون فيها فأراد أن يعود خوفا على من معه فاستنكر أبو عبيدة ذلك وقال لـ عمر: أتفرّ من قدر الله؟ فأجابه عمر: نعم... أفرّ من قدر الله إلى قدر الله. ومما روي عن العالم العامل عبد القادر الجيلاني قوله: أنا أغالب الأقدار بالأقدار.
لكن الله سبحانه وتعالى من خلال آيات القرآن الكريم والهدي النبوي كان دومًا يوجّه المسلمين للتفكير والعمل بما هو من واجبهم وتحت مسؤوليتهم وليس بما سيأتي في الغيب مما لا يعلمه ولا يقدر عليه إلا الله. فقد أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم المسلمين بالتفكير في مخلوقات الله ونهاهم عن التفكير بذاته (تفكروا في خلق الله ولا تتفكروا في ذاته فتضلوا)، كما أنه أجاب الرجل الذي سأله (متى الساعة؟) بـ(وماذا أعددت لها؟) فتوقيت الساعة ووقوع أشراطها وعلاماتها لا علم لنا به ولا سلطة لنا عليه، وعلينا ألا نعلّق أمور حياتنا وواجباتنا عليه، بل إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال (إذا قامت الساعة وفي يد أحدكم فسيل فليغرسها) وفي هذا الحديث رسائل مهمة لنا فالفسيل يحتاج بضع سنوات حتى يؤتي ثمره فقد يفكر أحدنا: وما فائدة غرس الفسيل إذا قامت الساعة وانتهى العالم؟ فيأمره الحديث الشريف: قم بواجبك ولا تنتظر نتائجه فأنت محاسب على ما تقدر ولست محاسبا على ما ليس في مدى علمك أو قدرتك.
تبقى قضية أحاديث النبوءات: المهدي والمسيح الدجال وعودة السيد المسيح وقيام الساعة...ما الغاية من تلك الأحاديث (أو ما صحّ منها) وماذا ينبغي لنا أن نفعل تجاهها؟ وفي فترة الثورة السورية وكثرة القتل والفتن، يأتي كثير من الناس بأحاديث عما سيحصل في "آخر الزمن" من مقدمات لظهور الدجال وعودة المسيح عليه السلام وبالتالي ظهور علامات الساعة ثم تأتي روايات الناس على تفاصيل ما سيحصل، ومَنْ سيقاتل مَنْ ومَنْ سينتصر... والناس تقرأ ذلك وكأنها تتفرج على فيلم درامي تنتظر انتصار البطل في النهاية. أرى في هذا الأسلوب مشاكل عدة فكثير من الأحاديث التي تروى ليست صحيحة كما أن بعضها يستعمل المجاز وقد لا يكون تفسيره واضحا، لذلك يلجأ البعض إلى إسقاطه على الواقع إسقاطا غير دقيق والبعض يستطرد في مقاربة عبارات الحديث للوقائع على الأرض فيقع في متاهات لا طائل منها بل تشغلنا عن واجباتنا، وأحيانا يكون التأويل لتحقيق مأرب كمن يريد تبرير تحالف مع أمريكا ضد روسيا فيؤول أحلاف المسلمين في الحديث على أنهم الدولة الفلانية التي سنتحالف معها ضد "عدو مشترك". لا أنكر أن بعض هذه الروايات قد تنعش الآمال وتزيد التفاؤل بالنصر ولكن شعورنا هذا إن لم يرافقه استعداد كامل للقيام بالمهمة حسب القوانين الطبيعية كمن يتناول جرعة مخدر ليعيش في عالم وردي بعيدا عن الواقعية، ومنتظرا تحقق النبوءات حتى يأتي الفرج.
في واقع الأمر ربما تكون بعض النبوءات المذكورة في الأحاديث مرتبطة بما نعمله كسبب ونتيجة وليس ارتباطا بزمن محدد فبعضنا يفهم الحديث الشريف (لو أنكم تتوكلون على الله تعالى حق توكله لرزقكم كما يرزق الطير: تغدو خماصًا – أي خاوية البطون - وتروح بطانا – أي ممتلئة البطون) كما لو أن الرزق مكتوب لتلك الطيور سواء بحثت عنه أم لم تبحث بينما أفهم أن الله كتب لها رزقها إن قامت بما عليها من مجهود للبحث عنه فالحديث ذكر (تغدو وتروح) ولم يقل أنها رابضة في أعشاشها تنتظر السماء تمطر عليها بالطعام.
أمر آخر مهم فمقياس الزمن أمر نسبي فحين قال رسول الله صلى الله عليه وسلم (بعثت أنا والساعة كهاتين) مشيرًا بإصبعيه السبابة والوسطى، كدلالة على اقتراب الساعة لم يقصد أياما أو شهورا أو سنين أو حتى قرونا فهو في حديث آخر يتكلم عن قرون من الزمن تأتي بعده (خير الناس قرني، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم، ثم يجيء أقوام) لذلك يجب ألا نفسّر اقتراب الساعة تفسيرا زمنيا محددا حسب أفهامنا... فيوم عند الله بألف سنة وبخمسين ألف سنة واقتراب الساعة لا يعني بالضرورة أننا سنرى نهاية العالم ولا أبناؤنا ولا أبناؤهم ولنتذكر أن قيامة أحدنا موته.
لن ننكر ما صحت روايته من الأحاديث ولكن لن نتأوله ولن نتوقف كثيرا على تصور المستقبل واستقراء أحداثه والتنبؤ بتوقيتها وعلاماتها، فلو شاء الله لأعلمنا بها ولكنه – لحكمة أرادها – لم يفعل ذلك، ولكن سنشغل أنفسنا بواجبنا وهو (وماذا أعددت لها؟) وسنسير على قاعدة سيدنا علي بن أبي طالب (اعمل لدنياك كأنك تعيش أبدًا واعمل لآخرتك كأنك تموت غدا) فالعمل من مسؤوليتنا والغيب من مسؤولية الله عز وجل.
أهمية تنمية وإدارة الموارد البشرية
تُعد الموارد البشرية الركيزة الأساسية لنجاح المؤسسات وتحقيق أهدافها، إذ إن العنصر البشري هو المحرك الرئيس للإنتاج والتطوير... اقرأ المزيد
96
| 05 يونيو 2026
رمز QR.. مسح سريع وخسارة كبيرة
أصبح رمز الاستجابة السريعة (QR) جزءًا من تفاصيل يومنا؛ نمسحه لقراءة قائمة طعام، أو لدفع رسوم موقف سيارة،... اقرأ المزيد
102
| 05 يونيو 2026
كيف نردع المتنمرين ؟
إن التنمر ينتشر غالبا بين الأطفال والمراهقين، سواء في المدرسة أو بين أبناء الأقارب أو غيرهم، وذلك يرجع... اقرأ المزيد
78
| 05 يونيو 2026
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية




مساحة إعلانية
في زمنٍ كانت فيه قطر ترسم ملامح مستقبلها بثقة الرجال الكبار، برز اسم عبدالله بن حمد العطية كأحد أهم العقول الوطنية التي لعبت دوراً محورياً في صناعة نهضة الدولة الحديثة، وتحويل قطاع الطاقة إلى قصة نجاحٍ عالمية تُروى باحترام وإعجاب. لم يكن الراحل مجرد وزير أو مسؤول تنفيذي في قطاع النفط والغاز، بل كان رجل دولة من الطراز الرفيع، جمع بين الرؤية الإستراتيجية والحنكة السياسية والقدرة الفائقة على إدارة الملفات المعقدة في واحدة من أكثر الصناعات حساسية وتأثيراً في العالم. وعلى مدى أكثر من ثلاثين عاماً من متابعتي الصحفية لقطاع الطاقة في جريدة الشرق، عرفت عبدالله بن حمد العطية عن قرب، فوجدت فيه نموذجاً فريداً للمسؤول الذي يعمل بصمت، ويتحدث بلغة الإنجاز لا الشعارات. كان يؤمن بأن بناء قوة قطر الحقيقية يبدأ من حسن استثمار مواردها، ولذلك كرَّس جهده وعلاقاته وخبراته لترسيخ مكانة الدولة في الأسواق العالمية للطاقة. في عهده، شهدت قطر التحول الأكبر في صناعة الغاز الطبيعي المسال، حتى أصبحت واحدة من أهم الدول المصدّرة للطاقة في العالم، وصار اسمها حاضراً بقوة في القرارات الاقتصادية الدولية. كما لعب دوراً بارزاً في تعزيز حضور قطر داخل منظمة أوبك والمحافل العالمية، حيث كان يحظى باحترام واسع بين كبار المسؤولين وصناع القرار في قطاع الطاقة الدولي. تميَّز رحمه الله بشخصية قيادية تجمع بين الحزم والهدوء، وبين الدبلوماسية والقدرة على اتخاذ القرار في الأوقات الصعبة. وكان قريباً من الجميع، يقدّر الكفاءات، ويحترم العمل المهني، ويؤمن بأن نجاح الوطن مسؤولية مشتركة. لقد كان عبدالله بن حمد العطية واحداً من رجالات مرحلة التأسيس الكبرى، والذين ساهموا بإخلاص في نقل قطر من دولةٍ ناشئة في قطاع الطاقة إلى قوة اقتصادية عالمية ذات تأثير وثقل دولي. واليوم، وبرحيله، تفقد قطر اسماً كبيراً من أسماء جيل البناء، لكن سيرته ستبقى حاضرة في ذاكرة الوطن، وفي كل إنجاز تحقق على أرض هذه البلاد. رحم الله عبدالله بن حمد العطية رحمةً واسعة، وأسكنه فسيح جناته، وجزاه عن قطر وأهلها خير الجزاء.
6315
| 30 مايو 2026
أعادت أزمة مضيق هرمز الأخيرة التذكير بحقيقة اقتصادية مهمة، وهي أن تكلفة البناء لا تتحدد فقط بأسعار المواد الخام، بل تتأثر أيضاً بأمن الممرات البحرية وكفاءة سلاسل الإمداد العالمية. فعندما يتعطل أحد أهم طرق التجارة في العالم، لا يقتصر التأثير على قطاع النقل والطاقة، بل يمتد تدريجياً إلى قطاعات اقتصادية عديدة، وفي مقدمتها قطاع البناء والتشييد. وخلال الأزمة ارتفعت تكاليف الشحن والتأمين البحري بصورة ملحوظة، وقفزت علاوات مخاطر الحرب إلى مستويات غير معتادة، كما ارتفعت أجور النقل نتيجة زيادة المخاطر وتقلص عدد السفن العاملة على بعض المسارات البحرية. ومثل هذه الزيادات لا تبقى محصورة في قطاع النقل، بل تنتقل تدريجياً إلى أسعار السلع والمواد المستوردة، بما في ذلك العديد من مواد البناء والمعدات المستخدمة في المشاريع الإنشائية. وتزداد أهمية هذه المسألة في ظل استمرار النهضة العمرانية التي تشهدها دولة قطر. فالمشاريع السكنية والتجارية ومشاريع البنية التحتية تعتمد على الكيابل الكهربائية وأنظمة التكييف والتبريد والمصاعد والمعدات الميكانيكية والكهربائية ومواد التشطيب وغيرها من المنتجات المرتبطة بسلاسل توريد عالمية. وأي ارتفاع في تكلفة هذه المنتجات ينعكس بصورة مباشرة على ميزانيات المشاريع وتكاليف التنفيذ، الأمر الذي يجعل استقرار سوق مواد البناء جزءاً أساسياً من استدامة التنمية الاقتصادية والعمرانية. وتجدر الإشارة إلى أن دولة قطر تمتلك بنية لوجستية متطورة وموانئ حديثة وشبكات نقل متقدمة، وقد أثبتت خلال السنوات الماضية قدرة عالية على التكيف مع التحديات الخارجية والحفاظ على انسيابية الإمدادات وتلبية احتياجات السوق المحلية. إلا أن المتغيرات العالمية المتسارعة تؤكد أهمية مواصلة تطوير أدوات إدارة المخاطر وتعزيز مرونة سلاسل التوريد استعداداً لأي مستجدات مستقبلية. ورغم الجهود الكبيرة التي تبذلها الجهات المعنية لضمان استقرار الأسواق وتأمين احتياجات المشاريع، فإن المرحلة الحالية تمثل فرصة لتعزيز عدد من الإجراءات الاستباقية التي تزيد من مرونة السوق وتحد من تأثره بالأزمات الخارجية. ويأتي في مقدمة هذه الإجراءات تعزيز المخزون الاستراتيجي لبعض مواد البناء والمستلزمات الإنشائية ذات الطلب المرتفع، بما يضمن استمرار توافرها عند حدوث اضطرابات مؤقتة في الإمدادات العالمية ويحد من التقلبات الحادة في الأسعار. كما يمكن دراسة منح مرونة مؤقتة لبعض رسوم مكافحة الإغراق المفروضة على منتجات محددة لا يتوافر لها إنتاج محلي كافٍ، وذلك خلال الظروف الاستثنائية فقط. فحماية الصناعة الوطنية هدف مهم، إلا أن الأزمات تتطلب أحياناً حلولاً متوازنة تضمن استمرار المشاريع التنموية وتخفف الضغوط السعرية على السوق. ومن أهم الدروس التي أفرزتها الأزمة أهمية التنويع الجغرافي لمصادر التوريد وبناء شراكات استراتيجية طويلة الأمد مع الشركات والمصانع الموثوقة في مختلف الأسواق العالمية. فهذه الشراكات لا تسهم فقط في تقليل مخاطر تعطل الإمدادات، بل تساعد أيضاً على المحافظة على جودة المنتجات واستقرار الأسعار من خلال عقود تضمن استمرارية التوريد وفق مواصفات واضحة وشروط تجارية مستقرة. كذلك فإن تسريع إجراءات اعتماد الموردين الجدد والمواد البديلة يمنح المقاولين والمطورين خيارات أوسع عند حدوث أي نقص أو تأخير في الإمدادات، ويعزز قدرة السوق على التكيف مع المتغيرات دون تعطيل المشاريع. ومن المبادرات الجديرة بالدراسة إنشاء منصة وطنية لأسعار مواد البناء يتم تحديثها بشكل دوري، بما يوفر معلومات دقيقة وشفافة عن أسعار المواد الرئيسية في السوق، ويساعد المستثمرين والمقاولين على اتخاذ قرارات أفضل، ويحد من المبالغات السعرية، ويوفر مؤشرات مهمة لصناع القرار لمتابعة تطورات السوق. أما على المدى البعيد، فإن مشروع السكك الحديدية الخليجية ينبغي أن يُنظر إليه باعتباره مشروع أمن اقتصادي بقدر ما هو مشروع نقل. فربط دول الخليج بموانئ تقع على بحر العرب أو البحر الأحمر عبر شبكة حديثة لنقل البضائع سيوفر مسارات بديلة للإمدادات عند تعطل الملاحة أو ارتفاع تكلفتها، ويمنح اقتصادات المنطقة مرونة أكبر في مواجهة الأزمات المستقبلية. لقد كشفت أزمة مضيق هرمز أن استقرار الأسواق لا يعتمد فقط على توافر المواد، بل على قدرة سلاسل الإمداد على التكيف مع المتغيرات. ومن هنا فإن الاستثمار في التنويع، والشراكات الاستراتيجية، والشفافية، والبنية اللوجستية المتقدمة، لم يعد خياراً إضافياً، بل ضرورة لضمان استدامة التنمية واستقرار قطاع البناء في المستقبل.
2778
| 31 مايو 2026
قبل سنوات، كان الادخار عادة راسخة لدى كثير من الأسر، وكان الاحتفاظ بجزء من الدخل للمستقبل أمرًا بديهيًا. أما اليوم، فقد أصبح من المألوف أن نسمع عن أحدث سيارة، أو أغلى ساعة، أو وجهة السفر القادمة، بينما يتراجع الحديث عن الادخار والاستثمار والتخطيط المالي طويل الأجل. وفي الوقت الذي ارتفعت فيه مستويات الدخل وتحسنت فيه مستويات المعيشة، برزت ظاهرة تستحق التأمل؛ فالكثير من الناس أصبحوا ينفقون أكثر مما كانوا يفعلون في السابق، ليس فقط على احتياجاتهم الأساسية، بل على المظاهر وأنماط الحياة التي يشاهدونها من حولهم يوميًا. وهنا يبرز سؤال مهم: لماذا أصبحنا ندخر أقل وننفق أكثر على المظاهر؟ وهل المشكلة في حجم الدخل أم في طريقة إدارة المال وتحديد الأولويات؟ لقد غيرت وسائل التواصل الاجتماعي كثيرًا من السلوكيات المالية. فلم يعد الإنسان يقارن نفسه بمن حوله فقط، بل أصبح يقارن نفسه يوميًا بآلاف الأشخاص الذين يشاهد تفاصيل حياتهم وسفرهم وسياراتهم ومقتنياتهم الفاخرة على مدار الساعة. ومع صعود المؤثرين وصناع المحتوى، أصبح التركيز على المظاهر والعلامات التجارية والسفر والمقتنيات باهظة الثمن أكثر حضورًا من أي وقت مضى. ولا تكمن المشكلة في وسائل التواصل الاجتماعي أو في نجاح المؤثرين، بل في غياب الوعي لدى بعض المتابعين بأن ما يُعرض على الشاشات هو جزء محدود ومنتقى من الواقع. فوسائل التواصل الاجتماعي جعلت المقارنة أسهل من أي وقت مضى، لكنها لم تجعل بناء الثروة أسهل. ومن المهم هنا التفريق بين الثروة والاستهلاك. فهناك من يمتلك ثروات كبيرة أو استثمارات ناجحة أو أصولًا متراكمة عبر سنوات طويلة من العمل والاجتهاد، ومن الطبيعي أن ينفق على ما يرغب فيه من ساعات فاخرة أو سيارات مميزة أو مقتنيات ثمينة دون أن يشكل ذلك عبئًا على أوضاعه المالية. فهذه الفئة بنت ثروتها أولًا ثم استمتعت بثمارها لاحقًا. أما القضية التي تستحق النقاش فهي سعي بعض أصحاب الدخول المتوسطة أو المحدودة إلى تقليد أنماط إنفاق لا تتناسب مع أوضاعهم المالية الحقيقية. فقد ينفق البعض جزءًا كبيرًا من دخله أو مدخراته على ساعة فاخرة أو سيارة أو حقيبة من علامة تجارية عالمية أو رحلات متكررة، بينما كان بالإمكان توجيه جزء من تلك الأموال إلى الادخار أو الاستثمار أو بناء أصل يدر دخلًا مستقبليًا. إن المشكلة ليست في اقتناء السلع الكمالية بحد ذاتها، بل في أن تتحول إلى معيار للنجاح أو المكانة الاجتماعية. ولعل من أبرز مظاهر هذا التغير ما نشاهده من سباق نحو اقتناء العلامات التجارية العالمية، سواء في الساعات أو الحقائب الفاخرة أو السيارات أو غيرها من السلع الكمالية. فبعض الأشخاص يقضون سنوات طويلة في ملاحقة المظاهر الاستهلاكية، بينما يقضي آخرون السنوات نفسها في بناء محافظ استثمارية أو أصول عقارية أو مشاريع منتجة. وبعد عشر أو عشرين سنة تظهر النتائج بوضوح؛ فالأول قد يمتلك ذكريات مشتريات كثيرة، بينما يمتلك الثاني أصولًا تدر عليه دخلًا وأمانًا ماليًا واستقلالًا اقتصاديًا. وفي عالم ترتفع فيه تكاليف المعيشة وتتآكل فيه قيمة الأموال بفعل التضخم، لم يعد الادخار وحده كافيًا. ولهذا أصبحت الثقافة المالية الحديثة تقوم على ركيزتين أساسيتين: الادخار والاستثمار. فالادخار هو الخطوة الأولى نحو بناء الثروة، أما الاستثمار فهو الجسر الذي ينقل المدخرات إلى أصول منتجة. ومن الوسائل الفعالة لتعزيز ثقافة الادخار والاستثمار أن يضع الإنسان لنفسه أهدافًا مالية واضحة ومحددة، مثل شراء منزل، أو تأمين تعليم الأبناء، أو تكوين محفظة استثمارية، أو تحقيق الاستقلال المالي في مرحلة لاحقة من العمر. فوجود هدف واضح يجعل الإنسان أكثر قدرة على مقاومة الإنفاق غير الضروري، ويمنح الادخار معنى وغاية. ولا يقل أهمية عن ذلك تنمية الثقافة الاستثمارية وفهم الأدوات المالية المتاحة. وليس المقصود أن يتحول كل شخص إلى خبير في الأسواق، وإنما أن يمتلك الحد الأدنى من المعرفة التي تساعده على اتخاذ قرارات مالية أكثر وعيًا. ففي عصر تتوفر فيه المعرفة بضغطة زر، لم يعد التعلم المالي رفاهية، بل أصبح ضرورة. ليس المهم كم تكسب، بل ماذا تفعل بما تكسبه. ومن الأخطاء الشائعة أيضًا تمويل الرفاهية بالديون؛ فبعض الأشخاص يلجؤون إلى الاقتراض لشراء كماليات أو لمجاراة أنماط حياة تفوق قدراتهم المالية، فيتحول ما يبدو رفاهًا مؤقتًا إلى عبء مالي طويل الأمد. إن ترسيخ ثقافة الادخار والاستثمار يمثل أحد أهم الأسس التي تقوم عليها الاستقلالية المالية والاستقرار الاقتصادي، كما يسهم في بناء أجيال أكثر قدرة على مواجهة التحديات وتحقيق أهدافها بثقة ووعي. فالرفاه الحقيقي لا يقاس بما نظهره للناس، بل بما نملكه من أمان واستقرار وقدرة على مواجهة المستقبل بثقة واطمئنان. وليس الخطأ أن نشتري ساعة فاخرة أو سيارة مميزة أو أن نستمتع بثمار نجاحنا، وإنما الخطأ أن نجعل المظاهر أولوية قبل بناء الأساس المالي الذي يضمن لنا ولأبنائنا مستقبلًا أكثر استقرارًا وأمانًا. فالثروة لا تُبنى بالراتب وحده، بل بالانضباط المالي، والادخار المنتظم، والاستثمار الواعي والصبر.
2487
| 02 يونيو 2026