رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
رغم ضراوة الحرب التي أُعلنت على الربيع العربي والانتكاسات التي لاحقته على مدار العام، فإننا نودعه ونحن مطمئنون إلى أن جذوة الربيع لم تنطفئ، بدليل أن رايته لا تزال مرفوعة في تونس.
(1)
حين يحلف الرئيس التونسي المنتخب باجي قايد السبسي اليمين الدستورية أمام البرلمان اليوم فسوف يستقبل كثيرون الخبر باعتباره إعلانا عن نهاية الثورة وطي صفحة الربيع العربي هناك. وربما خطر لبعضهم أن تونس بصدد العودة إلى حكم الدستوريين الذي أسقطته الثورة في عام 2011. وليس ذلك مجرد تخمين أو استنتاج لأن تلك رسالة جرى بثها وتعميمها على الكافة منذ فاز حزب «نداء تونس» بأغلبية الأصوات في الانتخابات التشريعية التي جرت في شهر أكتوبر الماضي. وهو ما أنعش رعاة الثورة المضادة، ورفع معنويات أركانها وعناصرها في مختلف أنحاء العالم العربي، إلا أن تلك الرسالة عبرت عما تمناه هؤلاء بأكثر مما عبرت عن القراءة الصحيحة لخرائط الواقع التونسي وحقيقة المتغيرات التي طرأت عليه بعد الثورة.
ما تمناه هؤلاء لم يكن كله وهما، لأنه استند إلى مسوغات لا تخلو من صحة. فالرئيس التونسي الجديد (السبسي) قادم من حقبة الرئيسين بورقيبة وبن علي التي انقلبت عليها الثورة. وشرعيته مستمدة من تاريخ ما بعد الاستقلال (عام 1956) وأغلب الذين صوتوا له وماكينته الحزبية والإعلامية من عناصر الدستوريين والتجمعيين وهما حزبا الرئيسين سابقي الذكر، وقد هزم الرجل في الانتخابات الرئاسية منافسه الدكتور المنصف المرزوقي الذي ينتسب إلى شرعية الثورة. صحيح أيضا أن حزب نداء تونس أزاح حركة النهضة المنسوبة إلى الإسلام السياسي من رأس قائمة القوى الممثلة في البرلمان. كما أن ممثلي حزب النداء الذين وصل عددهم إلى 90 نائبا أغلبهم من الدستوريين (60 نائبا) في حين أن الباقين يتوزعون بين اليساريين وغير المصنفين. إلا أن تقييم المشهد التونسي بناء على تلك المعلومات يظل قاصرا، لأنه يعني الاكتفاء بالنظر إلى المشهد من زاوية واحدة وتجاهل زواياه الأخرى.
(2)
حين تجاوزت تونس الفترة الانتقالية وعبرتها بأمان، فإن ذلك كان أهم إنجاز سمح باستمرار الثورة وضمن للربيع العربي أجواءه العطرة. إذ خلال تلك الفترة حدث أمران مهمان للغاية، الأول أن المجتمع حضر في المشهد السياسي من خلال مؤسساته الفاعلة التي أصبحت شريكة في القرارات السياسية وقادرة على منازلة السلطة وتحديها، الأمر الثاني أن الصراع والتجاذب ظل مدنيا طول الوقت، في حين ظلت القوات المسلحة خارج المشهد وليست طرفا فيه.
حين تم اغتيال اثنين من قادة المعارضة (شكري بلعيد ومحمد البراهمي) فإن ذلك أغضب الشارع التونسي وأدى إلى إسقاط حكومتين متتاليتين وانتهى بخروج حركة النهضة من السلطة وتشكيل حكومة تكنوقراط من خارج الأحزاب. وحين هاجم نفر من الإرهابيين المسلحين مخيما للجنود في جبل الشعانبي في محافظة القصرين المحاذية للحدود الجزائرية، وأدى ذلك إلى قتل 15 عسكريا من التونسيين فإن ذلك أحدث صدمة لدى الرأي العام، لم تعالجها الحكومة بتصريحات وإجراءات تراوحت بين إدانة الإرهاب وتشديد الحملة على عناصره وإلقاء القبض على أعداد من المشتبهين، وإنما طرحت مسألة المسؤولية الأدبية والسياسية الأمر الذي أدى إلى استقالة قائد الجيش اللواء محمد صالح الحامدي من منصبه، رغم أنه كان قد أمضى سنة واحدة في منصبه، وكان بوسعه أن يتذرع بأنه حديث العهد بالمنصب ولا يتحمل مسؤولية التقصير في حماية الجنود المرابطين على الحدود. إلا أن استقالته كانت إعمالا لقيمة غائبة فرضت عليه أن يتحمل المسؤولية عن مقتل 15 من جنود الجيش الذي يتولى قيادته، رغم أنه لم يكن مضطرا لذلك من الناحية القانونية.
خلال الفترة الانتقالية لم تكن السلطة هي الفاعل الوحيد في الساحة السياسية، حتى الرئيس المرزوقي ذاته كان دوره هامشيا، ولكن الفاعل الأول ظل متمثلا في القوى المدنية التي ظلت راعية للحوار وضابطة لحركة الشارع. وقد تمثلت في الرباعي المتمثل في اتحاد الشغل واتحاد رجال الأعمال وهيئة المحامين ورابطة حقوق الإنسان. وظل التوافق بين تلك القوى الأربع مصدرا للكثير من القرارات التي اتخذت بل والقوانين التي صدرت وأهمها القانون الانتخابي.
في هذا الصدد فإن الدور الذي لعبته حركة النهضة في تحقيق التوافق الوطني والحفاظ على السلم الأهلي كان له إسهامه الكبير في إنجاح المرحلة الانتقالية. إذ رغم تمتعها بالأغلبية مع «الترويكا» في الجمعية التأسيسية، الأمر الذي كان يمكنها من التحكم في توجيه دفة الفعل السياسي بما يكرس نفوذها ويخدم مصالحها. إلا أنها مارست طول الوقت مرونة مشهودة أعطت الأولوية للوفاق الوطني وحماية الديمقراطية، ومن ثم الحفاظ على مسيرة الثورة.
الإنجاز الكبير الذي تحقق خلال المرحلة الانتقالية تمثلت في المصادقة على الدستور الجديد الذي وافقت عليه أغلب القوى السياسية في الجمعية التأسيسية وخارجها، وتكمن أهمية ذلك الدستور في أنه ضمن أبرز الحقوق والحريات وكرس الفصل بين السلطات وحصن المجتمع ضد تغول السلطة وطغيانها.
(3)
ما لا ينتبه إليه كثيرون أن الدستور الجديد أضعف سلطة رئيس الدولة، في حين قوى من الحكومة، وكما قال لي أحد الخبراء الذين شاركوا في وضعه فإن المقارنة بين نفوذ كل منها تشير إلى أن الرئيس أصبح يملك 20٪ من السلطات في حين تستحوذ الحكومة على 80٪ منها، ذلك أن الرئيس طبقا للدستور لا يستطيع أن يتخذ قرارا دون استشارة رئيس الحكومة. بل إن المادة 77 منه حصرت اختصاصات الرئيس في «ضبط السياسات العامة في مجالات الدفاع والعلاقات الخارجية والأمن القومي المتعلق بحماية الدولة من التهديدات الداخلية والخارجية، لكنها نصت على أن ذلك يتم «بعد استشارة رئيس الحكومة». وسلطات الرئيس في التعيين تشمل مفتي الجمهورية وموظفي رئاسة الجمهورية فقط. أما التعيينات المتعلقة بالوظائف العليا العسكرية والدبلوماسية فإنها تتم بعد استشارة رئيس الحكومة. أما تعيين محافظ البنك المركزي فإنه يتم باقتراح رئيس الحكومة وبعد مصادقة الأغلبية المطلقة لمجلس النواب (المادة 78) ــ ولرئيس الجمهورية أن يعلن الطوارئ في حالة الخطر الداهم، لكن ذلك مشروط باستشارة رئيس الحكومة ورئيس مجلس النواب وإخطار رئيس المحكمة الدستورية (المادة 80)
في كل الأحوال فإن رئيس الحكومة يظل شريكا في ضبط السياسة العامة للدولة (المادة 91) ويده مطلقة بعد ذلك في تشكيل الوزارة وإنشاء الوزارات، إلا أنه مطالب بالتشاور مع رئيس الجمهورية فقط بالنسبة لوزارتي الخارجية والدفاع (المادة 89) في حين أن الرئيس لا علاقة له بأية تعيينات أخرى في الدولة، بما في ذلك إنشاء الوزارات أو إلغائها.
توسيع صلاحيات رئيس الحكومة لا يعني تركيز السلطة التنفيذية في يديه. لأن الدستور خصص بابه السادس لإنشاء مجموعة من الهيئات المستقلة التي ينتخب مجلس النواب أعضاءها. ولا سلطان عليها لرئيس الدولة أو رئيس الحكومة. واحدة لإجراء الانتخابات والاستفتاءات والثانية لضمان حرية التعبير والإعلام والثالثة للدفاع عن حقوق الإنسان، والرابعة للتنمية المستدامة، أما الخامسة فهي مختصة بمكافحة الفساد. (المواد من 125 إلى 130).
(4)
أهم ما في الدستور أنه حصن المجتمع من تغول السلطة، وأشركه في إدارة البلد، بحيث أصبح الجميع شركاء في حمل المسؤولية، الأمر الذي طوى صفحة الزعيم الأوحد والحزب الواحد والإدارة المتسلطة الممسكة بكل الخيوط. وما كان لكل ذلك أن يحدث لولا رياح الربيع العربي التي رفعت صوت المجتمع عاليا وأشهرت رغبته في التغيير والإصلاح دفاعا عن مصيره.
كان مفهوما في ظل هذه الظروف المستجدة أن تسفر الانتخابات التشريعية عن تشكيل مجلس للنواب ضم أبرز القوى السياسية الفاعلة بمختلف اتجاهاتها، ويمكن اعتباره أقوى مجلس تشريعي في تاريخ تونس، وربما في العالم العربي المعاصر، ولم يكن التنوع فيه مقصورا على تعدد القوى السياسية فحسب، وإنما شمل التخصصات أيضا. إذ ذكرت إحدى الدراسات أنه ضم 36 محاميا و30 جامعيا و35 أستاذا في التعليم الثانوني و26 من العمال و27 من رجال الأعمال و16مهندسا و11 طبيبا و12 موظفا حكوميا...إلخ.
هذا المعمار الجديد في تونس وفي العالم العربي بأسره. وضع الأساس لجمهورية ديمقراطية حقيقية تكفل سلطة المجتمع وتحمي كرامة المواطن في سياق حفظها للحقوق والحريات، وتقبل بالتداول السلمي للسلطة. إن شئت فقل إن ذلك المعمار يؤسس للاستثناء التونسي ويحقق للتوانسة ما فشلت ثورات أخرى في تحقيقه في العالم العربي.
لو قال قائل إنني فصلت في عرض النصف الملآن من الكوب لما جانبه الصواب. وقد دفعني إلى ذلك أنني لاحظت تسابق بعض الأبواق الإعلامية وأنظمة الثورة المضادة على اعتبار أن ما جرى في تونس نهاية للربيع العربي، ثم إنني دهشت للخفة التي اتسمت بها قراءة المشهد وحصره في حدود التهليل لتراجع حظوظ حركة النهضة في مجلس النواب، بحيث أصبحت تحتل المرتبة الثانية وليست الأولى في عدد الأعضاء، ناسين أن ذلك التراجع يبقى على النهضة كبديل مطروح أمام الشعب التونسي في أي انتخابات قادمة.
أدري أن ثمة أخطاء وقعت فيها حكومتا النهضة في المرحلة الانتقالية، وأن خطر الإرهاب لا يزال يهدد تونس، وأن الأزمة الاقتصادية تمسك بخناق البلد إلى حد مؤرق. وأفهم أن ثمة إحباطا في أوساط الشباب الذين لم تحقق لهم الثورة طموحاتهم. ولا أستبعد أن يحاول الدستوريون إعادة عجلة التاريخ إلى الوراء، كما أنني أسمع الكثير عن ضغوط المال الخليجي الذي صار نشطا في مجال الحرب على التاريخ وتشجيع الثورة المضادة. إلى غير ذلك مما قد يبدو ضمن مكونات النصف الفارغ من الكوب المسكون بأسباب القلق ومسوغاته. إلا أنني أذكر الجميع بأن عمر الثورة التونسية لم يتجاوز أربع سنوات فقط لا غير، وإننا لا نعرف في التاريخ ثورة ولدت كاملة الأوصاف. بقدر ما نعرف أن ما أنجزته الثورة التونسية حتى الآن يعد نجاحا لم تبلغه ثورة أخرى في المحيط العربي أو محيط الجوار. وفي كل الأحوال فإن أكثر ما همني في الأمر أن راية الربيع العربي لا تزال مرفوعة ترفرف في فضاء تونس معلنة عن بزوغ الفجر الجديد، الذي صرنا نرى بأعيننا الحشود التي تحشد لحصاره وإجهاض أحلامه.
في الخوف من القانون
حين يصبح القانون مصدرا للخوف والقلق فإنه يفقد شرعيته ويجهض المراد منه. ذلك أننا نفهم أن القانون وسيلة... اقرأ المزيد
2642
| 03 يونيو 2017
عن البيئة المنتجة للإرهاب
هل أصبح التعصب مشكلة مصرية؟ ــ هذا السؤال نبهتني إليه بعض الكتابات والتعليقات التي حفلت بها الصحف ومواقع... اقرأ المزيد
1042
| 29 مايو 2017
في ضرورة المراجعة
بعد الفاجعة التي شهدتها محافظة المنيا، ما عاد هناك بديل عن إعادة التفكير والمراجعة. لا أجادل في أن... اقرأ المزيد
687
| 28 مايو 2017
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
خطاب ليس ككل الخِطابات، بل كان مصارحة وطنية صريحة من حضرة صاحب السمو الشيخ تميم بن حمد آل ثاني، أمير البلاد المفدى ورسالة حازمة تستوجب من كل مواطن ومقيم أن يتوقف عندها طويلًا، وأن يدرك أن المرحلة التي نعيشها ليست كسابقاتها، وأن ما ينتظر العالم من تحديات وتقلبات لا يترك مجالًا للاستهانة أو التراخي أو الاتكال على المكتسبات. لقد خاطب سموه شعبه بوضوح القائد الذي لا يجامل في الحقائق، ولا يخفي التحديات، بل يراهن على وعي شعبه ونضجه وحسه بالمسؤولية. وهذا ما عهدناه من قيادتنا، صراحة في الخطاب، وشفافية في الموقف، ومصارحة مباشرة للمواطن، إيمانًا بأن الشعوب الواعية شريكة في حماية أوطانها. إننا أمام عالم مضطرب، تتبدل فيه الموازين، وتتصاعد فيه الأزمات، وتضيق معه مساحة المنطق والعقل. ولم يعد أحد يستطيع الجزم بمآلات الأحداث، أو كيف ستأتي الأزمات وتنتهي. وحتى الدول التي عاشت عقودًا من الرخاء والاستقرار لم تعد بعيدة عن هذه التحولات. وقطر، رغم ما تنعم به من أمن وازدهار، ليست جزيرة معزولة عن العالم، ولا استقرارها مبررًا للغفلة عما يدور حولها. والحقيقة أن الدولة منذ سنوات لم تتوقف عن التنبيه إلى التحديات والاستعداد للمستقبل، والتأكيد على أن قطر تستحق الأفضل من أبنائها. فقد استثمرت في الإنسان القطري، ووفرت له من الأمن والتعليم والصحة والرفاه والخدمات ما وضعه في مصاف أكثر شعوب العالم رفاهية في وقت قصير جداً. ولم يكن ذلك امتيازًا بلا مسؤولية، بل رهانًا على مواطن يكون عند الشدائد بحجم وطنه، وعند المسؤولية بمستوى ما أُودع فيه من ثقة وإمكانات. وهنا يجب أن نواجه أنفسنا بسؤال لا يحتمل المجاملة: ماذا قدمنا نحن لقطر مقابل كل ما قدمته لنا؟ وهل أدينا واجباتنا بالقدر نفسه الذي نطالب فيه بحقوقنا؟ وهل نحن مستعدون حقاً لكل ما يجري حولنا؟ انتهت مرحلة مواطن يكتفي بالانتفاع من مكتسبات وطنه دون صيانته، ولا بموظف يرى في وظيفته راتبًا وساعات حضور وانصراف، ولا بمسؤول يؤجل القرارات ويتنصل من المسؤوليات. فالتقصير اليوم ليس مجرد خلل إداري، بل ثغرة في جدار امن الوطن وامانه. ولا تقتصر المسؤولية على المواطن وحده، بل تشمل كل مقيم يعيش على أرض قطر وينعم بأمنها واستقرارها. فالمقيم شريك في البناء والإنتاج، والإخلاص في العمل واحترام القانون وصيانة الممتلكات العامة واجبات لا تستثني أحدًا. وإذا كان المواطن يحمل مسؤولية الانتماء والمصير، فإن المقيم يحمل أمانة تجاه بلد فتح له أبواب العيش والعمل والاستقرار. فنهضة قطر مسؤولية كل يد تعمل على أرضها. وليعلم الجميع أن الدفاع عن الوطن لا يكون بالبندقية وحدها؛ فكل موقع عمل ثغر، وكل أمانة مسؤولية، وكل تقصير خسارة. المعلم يدافع بعلمه، والطبيب بإخلاصه، والموظف بإتقانه، والمسؤول بنزاهته، والإعلامي بكلمته. فالكلمة الصادقة سلاح، والموقف المسؤول سلاح، وحماية المال العام سلاح، والإنتاج والانضباط والإخلاص أسلحة تحمي مستقبل الوطن. لقد مرت على الأمم عصور رخاء وشدة، وهذه سنة الحياة، لكن التاريخ لا يخلد من استمتعوا بالنعم فحسب، بل يسجل من حافظوا عليها حين اشتدت الظروف، ومن سهروا وتعبوا وضحوا براحتهم ليبقى وطنهم قويًا عزيزًا. إن قطر اليوم لا تحتاج منا مزيدًا من عبارات الحب والولاء بقدر ما تحتاج ترجمتها إلى وقفة صادقة وعمل وإنجاز ومسؤولية. فالولاء الذي لا يظهر في إتقان العمل، والانتماء الذي لا يترجم إلى عطاء، كلمات لا تحمي المكتسبات. لقد أعطتنا قطر الكثير، وحان الوقت الذي لا نسأل فيه ماذا نريد منها، بل ماذا تستحق منا. فالأوطان لا تضعف حين تقل مواردها فقط، بل حين يتراجع شعور أبنائها بالمسؤولية. والمرحلة لا تحتمل متفرجين، والتاريخ لن ينتظر المتقاعسين.
12207
| 20 أكتوبر 2026
هناك قضية أراها مهمة جدًا، ولا ينبغي غضّ الطرف عنها، تتعلق بالتعليم الجامعي لأبناء المقيمين في دولة قطر، وما تتحمله أسرهم من أعباء مالية قد تحول بين هؤلاء الشباب وبين استكمال دراستهم وبناء مستقبلهم. المقيمون جزء أساسي من مجتمعنا، ويشكّلون النسبة الأكبر من سكان دولة قطر، ويشاركوننا العمل والبناء، ويسهمون في تسيير شؤون الحياة في مختلف المجالات الإدارية والمهنية والخدمية، في القطاعين العام والخاص. وما داموا يعيشون بين ظهرانينا، ويشاركوننا مسيرة التنمية، فإن معاناتهم تستحق أن تجد آذانًا صاغية، خصوصًا حين تتعلق بتعليم أبنائهم ومستقبلهم. كثير من هؤلاء الأبناء وُلدوا وترعرعوا في قطر، وتلقّوا تعليمهم في مدارسها، حتى وصلوا إلى أبواب الجامعة. وهنا تبدأ المعاناة؛ فالقبول في الجامعات الوطنية تحكمه شروط ومنافسة، وقد لا تتاح الفرصة لكل طالب، فتتجه الأسرة إلى خيارات جامعية أخرى، لتجد نفسها أمام رسوم تفوق قدرتها المالية. وحتى حين يتاح القبول، قد تبقى تكلفة الدراسة عائقًا أمام استكمالها. ولنتصور أسرة يبلغ دخلها الشهري خمسة عشر أو ثمانية عشر ألف ريال، تدفع منه إيجار السكن، وتغطي مصاريف المعيشة وتعليم الأبناء والتزامات الحياة اليومية. كيف تستطيع تحمّل رسوم جامعية مرتفعة، خصوصًا إذا وصل اثنان أو ثلاثة من أبنائها وبناتها إلى الجامعة في وقت واحد؟ هنا يجد الأب نفسه أمام معادلة صعبة بين تأمين احتياجات أسرته وتمويل دراسة أبنائه. والتقسيط، وإن كان يخفف العبء، يحتاج هو الآخر إلى مراجعة؛ فتوزيع الرسوم على دفعتين خلال الفصل الدراسي قد لا يحل المشكلة. المطلوب ترتيبات أكثر مرونة، تراعي الدخل الشهري والالتزامات الفعلية، وتمنح الأسرة قدرة واقعية على الوفاء. أقول ذلك لأنني أرى هذه المعاناة لدى أسر قريبة مني، وأسمع ما يؤلم القلب من آباء وأمهات يشغلهم مستقبل أبنائهم. شباب لديهم الرغبة والاستعداد والاجتهاد، لكن الإمكانات المالية تقف أمام طموحاتهم. ومن المؤلم أن يتوقف مسار شاب أو شابة عند الثانوية لعجز الأسرة عن تحمّل تكلفة الجامعة. ومن هنا، أرفع هذه الرسالة إلى وزارة التربية والتعليم والتعليم العالي، وإلى الجامعات والجهات المعنية، نحتاج إلى خطة واضحة توسّع فرص التعليم الجامعي الميسّر لأبناء المقيمين في القطاعين العام والخاص، من خلال مراجعة الرسوم، وتوفير منح جزئية تراعي دخل الأسرة وعدد أبنائها الملتحقين بالجامعة، وتقديم خصومات للأشقاء، واعتماد أقساط شهرية مريحة. كما يستحق الأمر دراسة تسهيل إنشاء مؤسسات جامعية وطنية تقدم تعليمًا جيدًا لأبناء المقيمين برسوم معقولة، وتشجيع الشراكات التي تسهم في تمويل دراسة الطلبة المستحقين، وتمنح الأسر خيارات تتناسب مع إمكاناتها. قطر التي جعلت التعليم ركيزة أساسية في نهضتها، قادرة على إيجاد حلول تحفظ جودته وتوسّع فرص الوصول إليه. وتعليم هؤلاء الشباب يفتح أمامهم أبواب العمل والعطاء، ويعزز إسهامهم في المجتمع الذي نشأوا فيه. معاناة هذه الأسر تستحق الالتفات والعمل؛ فلا ينبغي أن يبقى الوالدان قلقين كلما اقترب أبناؤهما من إتمام المرحلة الثانوية، ولا أن تتحول فرحة النجاح إلى سؤال موجع: كيف سندفع رسوم الجامعة؟ إنه ملف جدير بالاهتمام، ويستحق التعامل معه بجدية.
11040
| 22 أكتوبر 2026
تصلك الدعوة رسمية الصياغة، تحمل عبارة "مؤتمر صحفي"، وتصل إلى المدربين رسائل تبشّرهم بـ"التكريم" و"الاعتماد"، فيحضر الجميع متوقعين أن يعرفوا ماذا سيُعلن، ومن سيُكرَّم، وعلى أي أساس، ثم يخرجون دون أن يعرفوا شيئًا من ذلك. والمشكلة ليست في ضعف التنظيم وحده، بل في غموض يحيط بالمنصة نفسها، فلا تعرف إن كنت أمام إطلاق مبادرة، أم إعلان سياسة، أم احتفال بروتوكولي لالتقاط الصور. في القاعة طاولة وكرسيان، المشهد المألوف لأي مؤتمر صحفي. لكن الكرسيين بقيا فارغين، فلم يجلس عليهما أحد، ولم يُفتح باب للأسئلة، ولم تكن في القاعة صحافة أصلًا. والمؤتمر الصحفي ليس ديكورًا، بل عقد ضمني تقول فيه المؤسسة: هذا ما نفعله، واسألونا عنه. فإذا غاب السؤال غابت المساءلة، وصار "المؤتمر الصحفي" مجرد اسم على بطاقة دعوة. أما المدربون، فقد دُعوا إلى ما قيل إنه حفل تكريمهم. ترك كثير منهم أعمالهم وحضروا، ثم جلسوا على الكراسي طوال الفعالية دون أن تُنادى أسماؤهم، وفي النهاية وُجّهوا إلى مبانٍ مختلفة ليستلموا شهاداتهم بأنفسهم. والتكريم رسالة اعتراف قيمتها في علنيتها، ومن يُستدعى من عمله ليُكرَّم ثم يُصرف إلى مكتب آخر، لا يشعر بالتقدير، بل يشعر بأنه رقم في قائمة الحضور. والمفارقة أن من عوملوا بهذه الطريقة هم المدربون أنفسهم، أي من يُفترض أن تقوم عليهم السياسة المعلنة كلها. والأغرب من طريقة التسليم هو مضمونه. فقد حصل المدربون على تصنيفات دون أن يُعلَن على أي أساس صُنِّفوا، وكثير منهم يتساءلون: لماذا وُضعنا في هذا التصنيف؟ وما الفائدة التي ستعود علينا منه؟ فالتصنيف بلا معايير معلنة يشبه أن يتسلم طالب درجته النهائية دون أن يعرف كيف وُزّعت الدرجات ولا ماذا تعني لمستقبله؛ قد تكون عادلة، لكنه لن يثق بها ولن يعرف كيف يتحسن. والتصنيف العادل يجيب قبل تطبيقه لا بعده عن ثلاثة أسئلة: 1. ما المعايير: الخبرة، أم الساعات التدريبية، أم المؤهلات، أم التقييم الميداني؟ 2. ما المستويات، وما الفرق بينها؟ 3. ما الأثر: فرص تدريبية، أم أولوية في التكليف، أم مسار للترقي؟ ثم عُرضت سياسة للتعليم المستمر والتعلم مدى الحياة (Lifelong Learning) كأنها توجه حديث. والحقيقة أن اليونسكو جعلت هذا المفهوم حجر الأساس في السياسات التعليمية منذ تقرير "تعلّم لتكون" (Learning to Be) عام 1972، ثم نصّ عليه الهدف الرابع من أهداف التنمية المستدامة عام 2015. أي أننا أمام مفهوم عمره أكثر من خمسين عامًا، فأين كانت الجهة المعنية بالتعليم والتدريب طوال هذه العقود؟ لا عيب في أن تتبنى مؤسسة سياسة متأخرة، فالتأخر خير من الغياب. العيب أن تُقدَّم المتأخرة على أنها سابقة، وأن يُغلَّف اللحاق بالركب بلغة الريادة. الحوكمة أولًا ما جرى ليس أخطاء تنظيمية منفصلة، بل عَرَض لخلل في الحوكمة، وهي في أبسط معانيها: أن يعرف الناس ما الذي يُقرَّر، وعلى أي أساس، ومن المسؤول عنه. وحين يغيب السؤال عن المؤتمر، والمعايير عن التصنيف، وتتوزع المسؤولية بين مبانٍ وإدارات لا يجمعها أحد، فنحن أمام غياب لهذه الأسس الثلاثة معًا. وقد يكون وراء ذلك خوف من السؤال، أو تقديم للصورة على المضمون، أو ضعف في التنسيق الداخلي، ولا شيء من ذلك يبرر النتيجة. والمؤسسة التي تطالب المدربين بالجودة والمعايير، أولى بأن تطبّقها على نفسها أولًا. والمطلوب ليس كثيرًا: • سَمِّ الحدث باسمه، فالمؤتمر الصحفي تحضره الصحافة ويُفتح فيه السؤال. • أعلن بوضوح: مبادرة أم سياسة أم إطار عمل، بجدول زمني ومؤشرات قياس. • كرّم المدعوين على المنصة، لا في ممرات المباني. • انشر معايير التصنيف وآثاره وآلية التظلم قبل التطبيق. • اعترف بالمرجعية الدولية، فهي تمنح السياسة مصداقية ولا تنتقص منها. الوضوح ليس ترفًا إداريًا، بل احترام للجمهور وأساس للثقة. والمدرب الذي لا يعرف لماذا دُعي، ولا لماذا صُنِّف، ولا ماذا يُنتظر منه، لن يكون شريكًا في أي سياسة، مهما كان عنوانها لامعًا.
3696
| 22 أكتوبر 2026