رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
كل عام وأنتم بخير، فقد شارف عام 2012 على الانتهاء وسيبدأ بعد غد عامُ جديد، نرجو الله أن يكون عام خير وبركة على أمتنا العربية والإسلامية، وأن يحفظها المولى من كل سوء، وأن يديم الاستقرار على هذا البلد الكريم وأن يحفظ أهله وقادته، إنه على الإجابة قدير، وبعباده خبير بصير. وقد يكون من المفيد ونحن على أبواب عام جديد أن نستذكر ما طرأ على ملامح الاقتصاد القطري من تغيرات وتبدلات فيما مضى من شهور العام 2012، وأبدأ هذه السلسلة من المقالات بالحديث عن مستويات معدل التضخم في قطر كما يقيسه المؤشر المعروف باسم الرقم القياسي لأسعار المستهلك، وهو المؤشر الذي يصدر شهرياً عن جهاز الإحصاء.
المعروف أن معدل التضخم هو مؤشر يقيس ما يطرأ على أسعار المستهلك من تغيرات في فترات منتظمة مقارنة بما كانت عليه في نفس الفترة من العام السابق. وهو بذلك من المقاييس الاقتصادية المهمة جداً لاتصاله بحياة الناس كافة سواء في ذلك الأفراد أو المؤسسات، وله علاقة بالميزانيات وبالقوة الشرائية للنقود ومستويات المعيشة. كما أنه يحظى باهتمام بعض أجهزة الدولة وفي مقدمتها إدارة حماية المستهلك التي تراقب مستويات أسعار السلع والخدمات المقدمة للمستهلكين وتحرص على ضبطها ومعاقبة التجار المخالفين لقوائم الأسعار التي تصدر عنها، كما يحظى باهتمام من مصرف قطر المركزي الذي يرسم - بناء عليه- سياسته النقدية بما يساعد على الحيلولة دون خروج المعدل عن السيطرة.
ووفقاً للبيانات التي صدرت مؤخراً عن جهاز الإحصاء فإن معدل التضخم في قطر قد بلغ مستوى 2.6% في شهر نوفمبر الماضي. ومعنى ذلك أن مستويات أسعار المستهلك في شهر نوفمبر كانت أعلى مما كانت عليه في نوفمبر 2011 بما نسبته 2.6%، وهو معدل منخفض إذا ما قيس بالمعدلات السائدة في العالم، ويعكس في المتوسط استقراراً في مستويات الأسعار بوجه عام خلال السنة المنتهية بنهاية نوفمبر 2012، وإن كان هذا الاستقرار يختلف في درجته من مجموعة إلى أخرى بين مجموعات السلع والخدمات المكونة لسلة قياس المعدل. فمجموعة الغذاء والمشروبات ارتفعت أسعارها في المتوسط عن نوفمبر 2011 بما نسبته 3.1%، بينما ارتفعت أسعار مجموعة الإيجار والوقود بنسبة 1.9%، وارتفعت أسعار مجموعة النقل والاتصالات بما نسبته 1.7%. وهذه المجموعات الثلاث مجتمعة تشكل في أهميتها للمستهلك ما نسبته 65.9%، أي ما يقرب من ثلثي مجمل إنفاقه على السلع والخدمات. وهناك مجموعات أخرى تشكل ثلث الإنفاق المتبقي وأهمها مجموعة التسلية والترفيه والثقافة وتشكل 10.9% من إنفاق المستهلك في قطر في المتوسط، وقد ارتفعت أسعار هذه الفئة بما نسبته 5.8% عن نوفمبر 2011، يليها مجموعة الأثاث والمنسوجات التي ارتفعت أسعارها بنسبة 2.4%، ثم مجموعة السلع والخدمات المتفرقة وارتفعت أسعارها بنسبة 3.3%، فمجموعة الملابس والأحذية وارتفعت أسعارها بنسبة 2%، فمجموعة العناية الطبية وارتفعت أسعارها بنسبة 1%.
والملاحظ أن الزيادة في الأسعار كما عبر عنها معدل التضخم قد جاءت محدودة، رغم أن الفترة شهدت زيادة في الرواتب والأجور للقطريين بنسبة 60%، وهي زيادة كانت كفيلة في ظروف مختلفة بإحداث زيادة في الطلب على السلع والخدمات، يترتب عليها زيادة في الأسعار وهو ما لم يحدث. فلماذا بقي معدل التضخم مستقراً ولم تطرأ عليه إلا زيادة محدودة إذا ما قورن بمعدل التضخم في العام السابق الذي كان في حدود 2%؟
الحقيقة أن ذلك يرجع إلى تباطؤ نمو القطاعات غير النفطية، وتباطؤ نمو السكان، واستمرار وجود فائض كبير من الوحدات السكنية رغم ما يجري من عمليات هدم في إطار برامج التخطيط العمراني. وقد سجل مؤشر مجموعة الإيجار زيادة في أسعاره بنسبة 1.9% عن نوفمبر 2011، وهذه المجموعة كبيرة الوزن وتشكل بمفردها ثلث الإنفاق الاستهلاكي. ومن جهة أخرى ارتفعت أسعار بعض المجموعات كالنقل والاتصالات، ومجموعة الأحذية والملابس بنسبة 2% فقط أو أقل، مستفيدة في ذلك من التحسن الذي طرأ على سعر صرف الريال مقابل العملات غير الدولارية كاليورو والين والإسترليني، حيث أدى هذا التحسن إلى انخفاض أسعار السلع المستوردة بتلك العملات.
من جهة أخرى يشكل انخفاض معدلات فائدة الاقتراض من البنوك إلى أدنى مستوى تاريخي له عامل ضغط إضافي على أسعار السلع والخدمات المختلفة، وكان ارتفاع تلك المعدلات إلى 10% أو أكثر في فترات سابقة مبرراً لزيادة الأسعار.
وإذا نظرنا إلى عام 2013، فإننا سنجد أن المعدل العام للتضخم مرشح لأن يظل دون مستوى 3% سنوياً، وذلك لنفس الاعتبارات المشار إليها أعلاه حيث إن الزيادة التي ستطرأ على الإيجارات ستكون محدودة لاستمرار وجود الفائض في المعروض من الوحدات السكنية. كما أن سعر صرف الدولار-ومن ثم الريال- مرشح للاستقرار إن لم يكن الارتفاع أمام العملات الأخرى بما يحافظ على أسعار السلع المستوردة. وستظل معدلات الفائدة منخفضة في ظل احتمالات تباطؤ النمو الاقتصادي العالمي وعدم خروج أوروبا من دوامة أزمة الديون. الجدير بالذكر أن معدل التضخم في شهر نوفمبر كان قد انخفض إلى 2.6% من 2.7% في نوفمبر، وهو ما يعكس ضعف العوامل المحفزة لارتفاع الأسعار في هذه الفترة.
وفي سياق متصل بهذا الموضوع أشير إلى ما جرت عليه العادة من استبعاد مجموعة الإيجار والوقود من الرقم القياسي للأسعار –رغم أهميتها النسبية المرتفعة في إنفاق المستهلك- وذلك لحساب رقم معدل للتضخم لا تظهر فيه آثار التغيرات الاستثنائية والكبيرة في بند الإيجار. ولقد كان لهذا الاستبعاد ما يبرره في السابق عندما كانت تلك التغيرات كبيرة ومؤثرة كما حدث في فترة الطفرة حتى منتصف عام 2008، أما وقد تقلصت تلك التغيرات إلى حد كبير فإن عملية الاستبعاد ستصبح من دون معنى حيث إن معدل التضخم بعد الاستبعاد لن يختلف كثيراً عنه قبل الاستبعاد.
وأود أن أختم هذا الموضوع بالحديث عن مؤشر آخر هو الرقم القياسي لأسعار المنتجين، ذلك أن هذا الرقم يُستخدم في الدول الصناعية كمؤشر آخر على معدل التضخم إلى جانب الرقم القياسي لأسعار المستهلك، إلا أن هذا الأمر لا يصلُح في قطر باعتبار أن معظم المواد المنتجة التي يقيسها الرقم هي مواد للتصدير كالنفط والغاز والبتروكيماويات، حيث تتحدد أسعار هذه المنتجات وفقاً للبورصات العالمية للسلع. وعليه فإن من الخطأ أخذ التغير في الرقم القياسي لأسعار المنتجين كمقياس للتضخم في قطر، حيث إن أرقامه ستكون مختلفة تماماً عن أرقام أسعار المستهلك، والأخذ بها يكون مضللاً. وقد أشرت إلى هذه الملاحظة في مؤتمر الإحصاء الأخير وطالبت بأن يؤكد جهاز الإحصاء على أن الهدف من إنتاجها هو استخدامها في حساب الناتج المحلي الإجمالي بالأسعار الثابتة. وأرجو أن يلتفت الأخوة في مصرف قطر المركزي إلى هذه الملاحظة عند إعداد تقريرهم السنوي.
ما هي السيناريوهات المحتملة لأزمة كورونا؟
مضى قرابة الشهر منذ أن انتشر الكورونا في قطر بشكل مؤكد، في منتصف شهر مارس الماضي عندما صدرت... اقرأ المزيد
2840
| 12 أبريل 2020
نظرة على واقع ومستقبل الأوضاع الاقتصادية
المحنة التي نمر بها هذه الأيام سوف تنبثق منها إيجابيات عديدة في الأجل الطويل بعد مرور ثلاثة أسابيع... اقرأ المزيد
1229
| 05 أبريل 2020
كيف قام مصرف قطر المركزي بما يلزم في مواجهة الأزمة؟
لم يتخلف مصرف قطر المركزي عن القيام بواجباته المنوطة به في ظل الأوضاع المستجدة التي فرضها تفشي وباء... اقرأ المزيد
4509
| 29 مارس 2020
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
هي ليست عربية ولا حتى مسلمة، ولا تربطها بغزة رابطة دم أو دين أو لغة، ومع ذلك استطاعت في مباراة كرة قدم واحدة أن ترسل رسالة أخلاقية دوّى صداها أبعد بكثير من حدود المستطيل الأخضر. في مباراة منتخب إيرلندا أمام دولة الكيان، لم يتعامل اللاعبون الإيرلنديون مع الأمر وكأنه تسعون دقيقة من كرة القدم تنتهي بصافرة الحكم ثم يعود الجميع إلى منازلهم. ارتدى اللاعبون الشارات السوداء تضامنًا مع الفلسطينيين، وخفضوا رؤوسهم أثناء عزف نشيد المحتل، وغابت المصافحة المعتادة قبل المباراة. وقبلها أعلن حارس المنتخب غافين بازونو انسحابه ورفض المشاركة، مؤكدًا أن قراره جاء انطلاقًا من موقف ومبدأ. حتى مدرب المنتخب الإيرلندي تحدث بوضوح عن رفض ما يجري في غزة، في وقت أصبحت فيه الكلمات الواضحة نفسها تحتاج إلى شجاعة. لم تكن القضية إذن تسجيل هدف في مرمى إسرائيل، مع أن المباراة انتهت بثلاثية إيرلندية نظيفة، وإنما كانت في كيفية استخدام الرياضة لإيصال موقف إلى العالم من دون أن يتحول الملعب إلى فوضى، ومن دون شعارات جوفاء أو استعراض مؤقت ومن غير خجل كثير من المنتخبات العربية للأسف. والشارع الإيرلندي كان حاضرًا قبل المباراة كذلك. احتجاجات وأعلام فلسطينية، ومطالبات بمقاطعة المباريات، ورسالة مفتوحة وقّعها أكثر من 160 رياضيًا إيرلنديًا تطالب لاعبي المنتخب بعدم مواجهة إسرائيل. حتى الاتحاد الإيرلندي لكرة القدم سبق أن طالب بوقف مشاركة إسرائيل دوليًا، وسط جدل واسع داخل البلاد بشأن استمرار المباريات. هؤلاء فعلوا ذلك من أجل غزة. وهنا يأتي السؤال المؤلم: ونحن ؟؟ أين نحن من غزة؟ أين الشارع العربي؟ أين الجماهير؟ أين الرياضيون؟ أين المشاهير؟ أين أصحاب الملايين من المتابعين؟ وأين ذلك الصوت الذي كان يملأ الدنيا عندما كانت القضية في بدايتها؟ أخشى أن أخطر ما يمكن أن يحدث لغزة ليس فقط استمرار القتل والدمار والتجويع، وإنما أن يصبح كل ذلك بالنسبة إلينا خبرًا عاديًا. أن نرى الصورة ثم نتجاوزها. أن نقرأ عدد الضحايا ثم ننتقل إلى خبر آخر. أن تصبح غزة فقرة ثابتة في نشرات الأخبار بعدما كانت جرحًا مفتوحًا في وجدان الأمة. لقد طال الزمن، وكثرت الصور، وتكررت المشاهد، وربما أصاب البعض شيء من الاعتياد. وهنا تكمن الكارثة. لأن المأساة عندما تطول لا تصبح أقل مأساوية، والطفل الذي يجوع اليوم ليس أقل قيمة من الطفل الذي أبكانا قبل عام أو عامين، والأم التي تفقد أبناءها اليوم لا يخفف من مصابها أن العالم شاهد آلاف القصص المشابهة قبلها. في غزة شعب يعيش تحت دمار هائل وحصار ومعاناة إنسانية ممتدة، وسط اتهامات دولية بالغة الخطورة لإسرائيل بشأن ما ارتُكب بحق المدنيين الفلسطينيين. ومع ذلك، نجد أن صوت التضامن يأتي أحيانًا من دبلن أقوى من أصوات كثيرة في عواصم أقرب إلى غزة جغرافيا ودينًا ولغةً وتاريخًا. وهذه ليست مقارنة هدفها جلد الذات، وإنما إيقاظها. الإيرلندي الذي يرفع علم فلسطين لا يقول لنا: انظروا إليّ. بل ربما يسألنا من حيث لا يدري: إذا كانت غزة حرّكت ضميري وأنا على بعد آلاف الكيلومترات، فكيف أصبحت بعيدة عن ضمائركم وأنتم أهلها وإخوتها؟ لسنا مطالبين بأن نتحول جميعًا إلى سياسيين، ولا أن تتوقف الحياة، ولا أن يصبح كل إنسان خطيبًا أو ناشطًا. لكننا مطالبون بأبسط شيء: ألا ننسى. ألا تصبح صور الأطفال أرقامًا. ألا يصبح الجوع خبرًا. ألا يصبح الموت مشهدًا مألوفًا. وألا تتحول فلسطين من قضية حاضرة في الوجدان العربي والإسلامي إلى ذكرى موسمية نستحضرها فقط عندما يقع حدث كبير. ما فعلته إيرلندا يثبت أن الموقف لا يحتاج دائمًا إلى منصة سياسية ولا إلى خطاب طويل. أحيانًا تكفي شارة سوداء. أحيانًا يكفي رأس ينحني رفضًا. أحيانًا يكفي لاعب يقول: لن أشارك. وأحيانًا يكفي جمهور يرفع علمًا ليذكّر العالم بأن هناك شعبًا لم يُنسَ. لكن السؤال الذي يجب أن يؤلمنا قليلًا بل كثيرًا: إذا كانت إيرلندا ما زالت تتذكر غزة بهذا الوضوح، فبأي عذر نسمح نحن لأنفسنا أن ننساها؟ غزة ليست خبرًا قديمًا. غزة ليست «ترندًا» انتهى. وغزة، قبل كل شيء، ليست بعيدة عنا. هي منا.. ونحن أولى الناس بألا نتركها وحدها. وإلا بذلك تكون إيرلندا هي المسلمة ونحن …..
4314
| 29 سبتمبر 2026
لا يوجد إعلام رياضي خليجي واحد، وإنما إعلام خاص بكل دولة من دول مجلس التعاون. ورغم أهمية القضية وتأثيراتها السلبية على مستقبل الرياضة في خليجنا العربي، إلا أنها لم تنل ما تستحقه من البحث والدراسة، وسأناقشها من أربع زوايا. الزاوية الأولى: إن الإعلام في دولنا خال من الروح الخليجية، فهو يُعنى بالفعاليات والإنجازات الرياضية المحلية، ويركز عليها بشكل مطلق، وإذا ورد خبر رياضي خليجي فإنه يرد ضمن الأخبار غير المحلية ودون عناية به أو تمييز له. الزاوية الثانية: إنه إعلام خبري يهتم بنقل الخبر، ويفتقر إلى المقالات التحليلية العلمية. فمعظم المقالات تدور حول موضوعات تتعلق بجوانب شخصية لكتابها، ولا تقدم رؤى وأفكاراً تساعد في نشر الوعي الرياضي، أو تسهم في تخليق قاعدة جماهيرية مثقفة رياضياً تتيح إعداد جيل يبرز فيه إعلاميون وصحفيون رياضيون مستقبلاً. الزاوية الثالثة: إنه إعلام لا يُعنى بالدور التنموي الكبير للرياضة كأداة تغيير مجتمعي فعالة. فلا نجد اهتماماً بغير الجانب التنافسي لها كنشاطات بدنية، وقلما عثرنا باهتمامات بجوانبها الاجتماعية كالتوعية بالمسؤولية الاجتماعية أو التنشئة الأخلاقية للناشئة والشباب، وتنمية المشاعر الوطنية المرتكزة إلى الإسلام الحنيف والعروبة. الزاوية الرابعة: إنه إعلامُ اللعبة الواحدة، فمعظمُ موادهِ وتغطياتِـهِ تدور حول كرةِ القدمِ، وهذا أمر يعوقُ السعي لتأسيسِ قواعد شعبية للعبات الأخرى، ويؤثِّـرُ سلباً على إنجاح الفعاليات والبطولات الدولية جماهيرياً عندما تُقامُ في إحدى دولِـنا الستِّ. نبضةٌ خليجيةٌ: خليجنا واحد، عبارة تعني أننا شعب واحد في ست دول، وأن تنمية إنساننا هي مهمة خليجية نعمل جميعاً لإنجاحها، وحبذا لو انطلقنا في ذلك من الرياضة وإعلامها.
3120
| 02 أكتوبر 2026
تُولي دولة قطر اهتمامًا بالعنصر البشري القطري، وتحرص على تأهيله وتمكينه وتطوير قدراته، غير أن بعض الجهات الحكومية لا تزال لا تستفيد بالصورة المطلوبة من أصحاب الخبرات الطويلة. فعندما يصل الموظف القطري إلى مسمى «خبير» أو «استشاري»، بعد سنوات من العمل والتدرج وتحمل المسؤوليات، يفاجأ أحيانًا بأنه أصبح بلا عمل واضح، ولا تُسند إليه مهام تتناسب مع خبراته ومسماه الوظيفي. وهنا يبرز السؤال: لماذا يتحول هذا المسمى في بعض الجهات إلى محطة انتظار بدلًا من أن يكون مرحلة جديدة للعطاء؟ ولماذا يُركن موظفون كانوا بالأمس القريب مديرين ورؤساء أقسام وأصحاب قرار، ثم يُتركون بعد ترقيتهم إلى مرتبة خبير أو استشاري بلا ملفات محددة، ولا مشاركة حقيقية في اللجان والدراسات وصناعة القرار؟ إن مسمى «خبير» أو «استشاري» ليس درجة شرفية تُمنح للموظف في نهاية مساره الوظيفي، بل وظيفة تخصصية لها غاية محددة. فالخبير يفترض أن يقدم الرأي الفني المبني على التجربة والمعرفة، وأن يراجع المشروعات والسياسات، ويحلل المشكلات، وينقل خبرته إلى الموظفين الجدد. أما الاستشاري، فينبغي أن يُسهم في إعداد الدراسات، وتقديم البدائل، وتقويم الأداء، ودعم القيادات في اتخاذ القرار وتطوير أساليب العمل. والمفارقة المؤلمة أن الخبير أو الاستشاري غير القطري غالبًا ما يُستفاد منه بصورة أفضل؛ فيشارك في إعداد الدراسات، ويسهم في صياغة التوصيات والقرارات، ويكون قريبًا من أصحاب القرار، بينما قد يُبعد الخبير القطري، وهو الأعرف ببيئة العمل وتاريخ المؤسسة واحتياجات المجتمع. وهذه ليست مطالبة بإقصاء الخبرات الوافدة التي نقدر دورها، بل دعوة إلى تحقيق التوازن وإعطاء الخبرة الوطنية المكانة والدور اللذين تستحقهما. وهذا الوضع لا يضر الموظف وحده، بل يضر الجهة والدولة؛ لأنه يهدر خبرة تراكمت على مدى عشرات السنين، ويضعف نقل المعرفة بين الأجيال، ثم يدفع بعض المؤسسات إلى الاستعانة بخبراء من الخارج للقيام بأعمال يستطيع أبناء الوطن إنجازها بكفاءة. فالخبرة الوطنية ليست عبئًا إداريًا، وإنما رأس مال مؤسسي يجب المحافظة عليه وحسن توظيفه. ولنضرب مثلاً في الولايات المتحدة وعدد من الدول الأوروبية، لا تتوقف الاستفادة من أصحاب الخبرات عند عمر معين أو مغادرة المنصب القيادي؛ فنراهم في البرلمانات ومجالس الإدارات والمؤسسات والشركات ومراكز الأبحاث والجامعات والمعاهد. أما في دولنا، فكثيرًا ما يغادر المسؤول منصبه فتُطوى معه خبرته، ثم نعود إلى استقدام الخبرة من الخارج بتكاليف مرتفعة. لذلك، نأمل من الوزارات والمؤسسات الحكومية التي يسري عليها قانون الموارد البشرية تفعيل ما قرره هذا القانون من ارتباط الوظيفة بواجبات ومسؤوليات محددة، وإلزام كل جهة بإعداد بطاقة وصف وظيفي واضحة للخبير والاستشاري، ووضع خطة سنوية لمهامهما، وإشراكهما في اللجان والدراسات وبرامج التدريب ونقل المعرفة، وتقييم أدائهما على أساس مخرجات قابلة للقياس، مثل إعداد دراسة، أو مراجعة سياسة، أو تدريب مجموعة من الموظفين. فالتكريم الحقيقي للموظف القطري صاحب الخبرة أن يمنح دورًا يليق بعطائه، ويضمن استمرار خبرته في خدمة الدولة والأجيال القادمة.
1185
| 28 سبتمبر 2026