رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
انتفضت محافظة قفصة الواقعة على بعد 400 كيلو متر جنوب غرب العاصمة تونس، من جديد، حيث أعلن المكتب التنفيذي الجهوي (المناطقي) لاتحاد الشغل إضراباً عاماً يوم الأربعاء 27 نوفمبر 2013، وليوم واحد احتجاجا على استثناء مدينة قفصة من مشاريع صحية جديدة أعلنتها الحكومة في قرار المجلس الوزاري ليوم 21 نوفمبر 2013 القاضي بإحداث عدد من كليات الطب ببعض الجهات واستثناء منطقة قفصة. فخرج نحو ألفي متظاهر تجمعوا أمام مقر حزب النهضة الحاكم وأضرموا فيه النار، كما ألقوا بمحتوياته في الشارع وأحرقوها، وكانت الشرطة أطلقت صباحا قنابل الغاز المسيل للدموع لتفريق عشرات من المتظاهرين اقتحموا مقر الولاية، وتجمع نحو ستة آلاف متظاهر أمام المقر مرددين هتافات معادية للحكومة مثل «الشعب يريد إسقاط النظام».
ويأتي هذا الإضراب العام في مدينة قفصة للرد على سياسة التهميش والإقصاء، التي تعاني منها المحافظة، رغم أنها تدر آلاف المليارات من عائدات الفوسفات على المجموعة الوطنية منذ الاستقلال ولم يجن أبناؤها من ذلك إلا التلوث البيئي والأمراض المستعصية، ومن أجل مطالبة الحكومة بإعطاء هذه المحافظة الأهمية القصوى لتحسين الوضع الصحي في جميع معتمدياتها لما آل إليه القطاع من تدهور انعكس سلبا على صحة سكانها، من جراء التلوث البيئي الناجم عن استخراج الفوسفات، والتأكيد على حق هذه المحافظة في إقامة مشاريع تنموية على أراضيها، وحل معضلة البطالة المزمنة لأبنائها، وإخراجها من دائرة التهميش.
لم يتغير شيء في وضع محافظة قفصة بعد الثورة، علماً بأنها كانت المحافظة السباقة التي اندلعت فيها انتفاضة شعبية كبيرة في عام 2008 في عهد الديكتاتورية، سميت بانتفاضة الحوض المنجمي، والتي شكلت الخميرة الحقيقية للثورة في نهاية 2010 وبداية عام 2011.فانتفض سكان هذا المعقل العمالي، الذي غالباً ما كان متمرداً ضد النظام الديكتاتوري السابق في انتفاضة شعبية متماسكة ساخطة وفخورة، في مواجهة إستراتيجية السلطة القائمة على الحصار والتنكيل البوليسي. وفي عهد الاستعمار الفرنسي، جرت أعمال استخراج الثروات الجوفية (الفوسفات) هنا وفق الطريقة النموذجية للأنماط الاستعمارية: مصادرة الأراضي عبر استملاكها بالقوّة من السكان المحليين؛ استغلال الموارد الطبيعية بشكل مكثّف؛ استخراج المواد عبر استنزاف حياة الناس وإنتاج الكثير من النفايات الملوّثة؛ علاقات عمل وسلطة مستندة على التحالفات الزبائنية، والعصبيات القبلية والعائلية.
في عهد الديكتاتورية تتمّ إدارة الخمسة آلاف وظيفة هذه في شركة فوسفات قفصة، إضافةً إلى الأموال المخصّصة للتكييف، بالتعاون الوثيق مع الاتحاد العام التونسي للشغل، وحزب (التجمع الدستوري الديمقراطي) الحاكم سابقاً، من أجل المحافظة على الاستقرار في هذه المنطقة الجنوبية المحرومة من كل مشاريع التنمية الحقيقة، بفضل عمليّات توزيع، وإن شحيحة، لجزء من الأرباح الضخمة التي تعطيها صناعة الفوسفات، وذلك وفق توازنات دقيقة قبليّة وأسريّة يضمنها القادة المحليّون في النقابة المركزية والحزب الحاكم «التجمّع الدستوري الديمقراطي ».وها هم سكان قفصة ينتفضون من جديد في عهد حكم الإخوان المسلمين، بسبب استمرار السياسة عينها من التهميش والإقصاء.
كما شهدت محافظة قابس في جنوب شرق تونس إضراباً عاماً ليوم واحد (الأربعاء 27 نوفمبر 2013)، شاركت فيه النقابات والأحزاب بما في ذلك عناصر من «النهضة». وطالب الأهالي بالتصدي للبطالة والفقر والتهميش وإنشاء كلية طب ومستشفى جامعي في المحافظة. علماً بأن الحكومة التي تقودها حركة النهضة الإسلامية، أعلنت الأسبوع الماضي، عن مشاريع تتعلق بإحداث ثلاث كليات للطب في محافظات الكاف (شمال غرب تونس) وسيدي بوزيد (وسط غربها)، ومدنين (جنوبها) وكلية لطب الأسنان في القصرين (وسط غربها) وكلية صيدلة في جندوبة (شمال غربها). وكنتيجة لسياسة التهميش هذه أغلقت كل الإدارات والمحال التجارية في مدينة قابس باستثناء بعض الصيدليات والمخابز، وخرج آلاف من سكان المدينة في تظاهرة للتنديد بـ«حرمان» المنطقة كلية للطب، مع العلم بأن الأمراض السرطانية تنتشر فيها من جراء التلوث الناتج من «المجمع الكيميائي» الذي تملكه الدولة. وسار المشاركون في التظاهرة التي انطلقت من أمام المقر الجهوي للاتحاد العام التونسي للشغل، نحو 15 كيلو مترا رافعين لافتات تندد بـ"قرار الحكومة الجائر (الذي) حرم قابس كلية الطب".
وفي حركة رمزية؛ وضع المتظاهرون حجر الأساس لكلية الطب على قطعة أرض خصصتها البلدية لهذا المشروع منذ 2004.
وشهدت محافظة سليانة، شمال غرب تونس، إضراباً عاماً شمل أغلب القطاعات والمنشآت العامة والخاصة، يوم الأربعاء 27نوفمبر، حيث شارك نحو 4000 من سكان المدينة في تظاهرة رددوا خلالها هتافات معادية لحركة النهضة الإسلامية الحاكمة، ولرئيس الوزراء علي العريض الذي قمع، عندما كان العام الماضي وزيرا للداخلية، الاحتجاجات الشعبية في سليانة. ويأتي الإضراب العام لإحياء ذكرى مرور سنة على قمع قوى الأمن احتجاجات شعبية عارمة في نهاية شهر نوفمبر 2012، أصيب خلالها أكثر من 300 شخص برصاص (الرش) المخصص لصيد الحيوانات، أثناء اشتباكات مع قوات مكافحة الشغب، وطالب المتظاهرون بملاحقة من تسبب بإصابة أبناء الجهة برصاص الرش الذي أفقد عدداً منهم البصر.
ويحمل الأهالي رئيس الوزراء علي العريض الذي كان وزيراً للداخلية آنذاك مسؤولية ما حدث لأبنائهم، ويطالبون بمحاسبته، ورشق عشرات المتظاهرين بالحجارة سيارات قوى الأمن ورجال الأمن الذين منعوهم من الاقتراب من مديرية الحرس الوطني، فردت عليهم الشرطة بقنابل الغاز المسيل للدموع. وتبادل المتظاهرون ورجال الأمن التراشق بالحجارة، فيما كانت سيارات الشرطة طاردت المتظاهرين في شوارع المدينة لتفريقهم، وقام المتظاهرون بقطع الطريق الرئيسي في المدينة بالحجارة والقضبان الحديد والإطارات التي أضرموا فيها. وكانت وزارة الداخلية التونسية أعلنت في بيان يوم الخميس 28 نوفمبر 2013، عن «إصابة أكثر من خمسين من عناصرها بينهم إصابتان خطرتان»، خلال التظاهرة التي شهدتها محافظة سليانة وسط البلاد، احتجاجاً على غياب التنمية وفرص العمل للشباب.
لا تزال تونس تعاني من أزمة سياسية خانقة تعززت بتعطل الحوار الوطني، وطول مرحلة الانتقال الديمقراطي أكثر من اللزوم، وعدم إنجاز الدستور الديمقراطي، وتعطل عمل الحكومة رغم عدم التصريح بذلك رسمياً، وتدهور الوضع الأمني.
وترافق مع هذه الأزمة السياسية، وتنامي الإرهاب في تونس، وجود أزمة اقتصادية واجتماعية تزداد حدة في كل يوم بسبب غلاء المعيشة وتدهور المقدرة الشرائية للمواطنين وارتفاع نسبة البطالة. فالاقتصاد التونسي مرتبط عضويا بالاقتصاد في بلدان الاتحاد الأوروبي، ولاسيَّما فرنسا وإيطاليا وألمانيا، وإسبانيا، باعتبارهم الشركاء الاقتصاديين الأوائل، إذ تعاني هذه البلدان من نسبة نمو منخفضة، الأمر الذي يؤثر على الصادرات التونسية والسياحة في اتجاه تونس إضافة إلى التأثير السلبي على تحويلات التونسيين في الخارج. ويجمع الخبراء التونسيون في المجال الاقتصادي أن الأزمة الاقتصادية في الداخل، وانعكاس الأزمة الاقتصادية العالمية على الوضع في تونس، أديا إلى تراجع الاستثمار بصفة عامة الداخلي والخارجي الخاص والعام رغم التحسن الطفيف الذي سجله الاستثمار الأجنبي المباشر مقارنة بالسنة الماضية والشيء نفسه على مستوى الاستهلاك فقد تراجع نتيجة تدهور المقدرة الشرائية، إضافة إلى ارتفاع معدل البطالة الذي وصل إلى نسبة 19 في المئة، وهي بطالة نوعية بحكم أن أكثر من ثلث العاطلين هم خريجو الجامعة، ومعدل التضخم رغم تراجعه النسبي مقارنة بالسنة الماضية.وإذا اقترنت البطالة مع التضخم فهما من سمات الركود الاقتصادي وهي أسوأ الوضعيات الاقتصادية.
الاستيطان نقيضٌ لحل الدولتين
أكد التصويت الأمريكي على قرار مجلس الأمن رقم 2334، الذي يدين الاستيطان الصهيوني في فلسطين المحتلة، تماهي مواقف... اقرأ المزيد
925
| 30 ديسمبر 2016
الاختراق الصهيوني الكبير لتونس
شكلت جريمة اغتيال الشهيد محمد الزواري الذي كان ينتمي إلى حركة النهضة الإسلامية ،وأصبح ينشط لاحقًا مع حركة... اقرأ المزيد
1876
| 23 ديسمبر 2016
هل يكرّس قانون المالية مبدأ العدالة الجبائية؟
لاحديث هذه الأيام في تونس سوى عن قانون المالية لسنة 2017،الذي أثار جدلاً في الشارع التونسي،وانتقل إلى سجال... اقرأ المزيد
1092
| 16 ديسمبر 2016
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
حين نتحدث عن قوة الوطن نفكر في اقتصاده ومؤسساته ومكانته بين الدول. لكن ما مسؤوليتنا تجاه كل هذا؟ وما الذي نقدمه نحن الذين نعيش في هذا الوطن ونستفيد من أمنه وفرصه وما تحقق فيه؟ هذا ما فكرت فيه وأنا أقرأ خطاب سمو الأمير الشيخ تميم بن حمد آل ثاني أمام مجلس الشورى. توقفت عند العلاقة بين صمود الدولة وكفاءة مؤسساتها ومسؤولية أفرادها. فكل واحد منا يتخذ قرارات تؤثر في غيره. ومن مجموع هذه الأدوار يتشكل جانب من قوة الوطن. نستيقظ كل صباح ونذهب إلى أعمالنا. يذهب أبناؤنا إلى مدارسهم ونجد احتياجاتنا متاحة ونكمل يومنا. ومع الوقت نعتاد هذا الانتظام حتى ننسى ما يتطلبه من جهد وتخطيط. لكن وقت التحديات تظهر قيمة الاستعداد وتنكشف أهمية ما بنيناه قبلها. وهنا أسأل نفسي عن علاقتنا بالاستقرار الذي نعيشه. هل ندرك مسؤوليتنا في المحافظة عليه؟ أعتقد أن الإجابة تظهر في تعاملنا مع واجباتنا ومع الموارد التي بين أيدينا ومع مصالح الناس التي ترتبط بقراراتنا. وحين دعا الخطاب إلى مراجعة البرامج وفق أثرها في المجتمع والاقتصاد استوقفني سؤال. ماذا تحقق للناس بسبب ما نفعله؟ قد ننشغل بإثبات أننا أنجزنا المطلوب. لكن هل عالجنا حاجة؟ وهل أحسنا استخدام ما لدينا؟ وهل نقبل تغيير ما لم يحقق الغرض منه؟ هذه المراجعة تحتاج إلى صدق مع أنفسنا. فقد نستمر في أمر لأننا اعتدناه. لكن المسؤولية تقتضي أن نسأل عن جدواه وأن نقدم المصلحة العامة على راحة الاستمرار. وتظهر أمانة المسؤولية أيضا في تقييم الأداء. حين نعطي الجهد حقه ونربط الفرص بالكفاءة نعزز ثقة الإنسان بمؤسسته. فالإنصاف يؤثر في شعوره بقيمة عمله وفي استعداده لتقديم المزيد. أما التعليم فأراه سؤالا عن الإنسان الذي نريد أن يشارك في بناء قطر. هل نمنح أبناءنا مساحة للسؤال والتجربة وتحمل نتائج اختياراتهم؟ وهل نساعدهم على فهم احتياجات وطنهم واستخدام معرفتهم لخدمته مع الحفاظ على لغتهم وهويتهم. ويمتد هذا الاهتمام بالإنسان إلى دور مجلس الشورى في مناقشة قضايا المجتمع. فالتشريعات تمس حياتنا اليوم وتؤثر في فرص أبنائنا غدا. كما أن تمسك قطر بالحوار والحلول السلمية يتصل بأمن الناس وقدرتهم على بناء مستقبلهم. بعد خطاب سمو الأمير بقي معي سؤال واحد. نحن نعرف ما نتمناه لقطر. لكن ما الذي نقدمه من أجلها؟ الإجابة تبدأ من موقع كل منا ومن مسؤوليته التي يؤديها وهو يعرف أن أثرها يصل إلى غيره.
2544
| 16 أكتوبر 2026
في دوري نجوم بنك الدوحة، لم تعد المشكلة في حجم الإنفاق على المحترفين بقدر ما أصبحت في نوعية الاختيارات. أسماء تصل بسير ذاتية لامعة وتجارب سابقة تمنح الجماهير الأمل، ثم يبدأ الموسم لنكتشف أن الفارق بين ما كنا ننتظره وما نشاهده داخل الملعب أكبر بكثير مما ينبغي. السؤال هنا ليس: كم دفع النادي؟ بل: ماذا أخذ مقابل ما دفعه؟ لسنا ضد التعاقد مع أسماء كبيرة، ولا نقلل من قيمة الخبرة، لكننا ضد تحويل السيرة الذاتية إلى شهادة ضمان، وأن يصبح الاسم أهم من الحاجة الفنية. فالمحترف جاء ليصنع الفارق، لا ليكون مجرد اسم في قائمة الفريق أو مادة للترويج عند الإعلان عن الصفقة. المشكلة أن بعض التعاقدات لا تبدو مقنعة منذ البداية، سواء من حيث ملاءمة اللاعب لاحتياجات الفريق أو قدرته على تقديم الإضافة الفنية المنتظرة. والأكثر إثارة للاستغراب أن الأخطاء تتكرر، وكأن بعض الأندية لم تستفد من تجاربها السابقة، ولم تراجع آليات الاختيار والتقييم بالشكل المطلوب. وتكشف المفارقة بين محترفي السد والغرافة، بما تحمله بعض التعاقدات من أسماء كبيرة وتكاليف مرتفعة، ومحترفي الشحانية ولوسيل الذين يقدمون مردودًا فنيًا مقنعًا بإمكانات أكثر واقعية، عن خلل يستحق التوقف أمامه في آليات الاختيار والاستقطاب. فكيف تنفق بعض الأندية مبالغ كبيرة على أسماء لامعة، ثم لا تجد منها العائد الفني المنتظر، في حين تنجح أندية بإمكانات أقل في الحصول على مردود أفضل؟ هنا لا تكون المشكلة في المال، بل في القرار الذي يسبق التعاقد، وفيمن يتحمل مسؤولية الاختيار. وهنا لا يمكن تحميل اللاعب وحده المسؤولية؛ فهناك إدارة تتولى التفاوض، وجهاز فني يحدد الاحتياجات، ومنظومة يفترض أن تقيّم وتختار وفق معايير فنية واضحة. ونجاح الصفقة أو فشلها يجب ألا يُقاس باسم اللاعب أو تاريخه فقط، بل بمدى الحاجة إليه، وانسجامه مع الفريق، وحجم الإضافة التي يقدمها داخل الملعب. وعندما يفشل التعاقد في تحقيق أهدافه، فمن حق الجماهير أن تعرف أين كان الخلل، ومن المسؤول عن القرار. لسنا بحاجة إلى محترفين أكثر شهرة بقدر حاجتنا إلى محترفين أكثر تأثيرًا. وهذه ليست رفاهية، بل مسؤولية تجاه الأندية والجماهير والبطولة نفسها. فإلى متى تبقى بعض التعاقدات أكبر من مردودها، وتبقى المحاسبة أصغر من حجم الخطأ؟
2331
| 15 أكتوبر 2026
قد يكون من أهم إنجازات الدولة خلال الأزمات ما لا يشعر الناس بحدوثه: خدمة لم تنقطع، وسلعة لم تختفِ، وعمل استمر، وحياة يومية حافظت على انتظامها رغم الخطر. ومن هذه الزاوية أقرأ خطاب حضرة صاحب السمو الشيخ تميم بن حمد آل ثاني، أمير البلاد المفدى، حفظه الله، في افتتاح دور الانعقاد السنوي الخامس والخمسين لمجلس الشورى. فقد كشف سموه عما يقف وراء هذا الانتظام، من استعداد طويل وقرارات مدروسة وجهود مؤسسية، ثم حدد المسؤوليات اللازمة لصونه وتطويره. وفي تقديري، فإن إحدى أعمق دلالات الخطاب تكمن في وصل الدفاع عن الوطن بكفاءة إدارة شؤونه؛ فحماية السيادة، واستمرار الخدمات، وحسن استخدام المال العام، وأمانة تقييم الموظفين، تتكامل في بناء دولة تستطيع مواجهة الخطر ومواصلة التنمية. وهنا تتسع قراءة الصمود لتشمل ما يجري داخل المؤسسة، وما تتخذه من قرارات، وما تحققه من نتائج. أوضح سمو الأمير أن قطر حملت خلال الأزمة ثلاث مسؤوليات متزامنة: حماية سيادتها، والوفاء بدورها في أمن الطاقة والاقتصاد العالمي، وإبقاء أبواب الدبلوماسية مفتوحة. وحدد سموه عناصر الاستراتيجية التي أدارت بها الدولة هذه المسؤوليات، من الدفاع عن الوطن بحزم دون الانجرار إلى الحرب، إلى المحافظة على الخدمات وسلاسل التزويد والحياة الاقتصادية، والعمل لوقف إطلاق النار وفتح الممرات المائية والعودة إلى التفاوض. وتكشف هذه المضامين عن دقة الموازنة التي اضطلعت بها الدولة. فإدارة هذه المسؤوليات معًا تتطلب وضوح الأهداف، والتنسيق بين الجهات، وضبط الخيارات تحت الضغط. وبذلك يصبح استمرار الحياة اليومية تعبيرًا ملموسًا عن نجاح عمل واسع، يشترك فيه الدفاع والأمن والدبلوماسية والاقتصاد. وقد نسب سموه استمرار الحياة الطبيعية إلى جهود القوات المسلحة والأجهزة الأمنية، وإلى أكثر من عقد من الإعداد والتدريب والتجهيز. وتمنح هذه الإشارة الاستعداد قيمته الحقيقية؛ فما يُبنى في سنوات الاستقرار تظهر جدواه عندما يحمي الناس ويتيح لهم مواصلة حياتهم في أصعب الظروف. ومن هنا يمكن استخلاص معيار مهم لتقييم السياسات: بعضها تتحقق قيمته في ضرر جرى تجنبه. فالمخزون الذي يمنع نقصًا، وخطة الإمداد التي تحول دون انقطاع، والتجهيز الذي يحمي منشأة، تحقق نتائج قد لا تستوقف الناس، لكنها أساسية لاستقرار المجتمع والاقتصاد. وقد يصعب قياس كلفة الأزمة التي مُنعت، لكن أثرها يظهر في حياة استمرت. في الجانب المالي، ذكر سمو الأمير انخفاض إجمالي الإيرادات خلال النصف الأول من العام بنسبة 42%، مقابل انخفاض المصروفات العامة بنسبة 14%، مع المحافظة على الخدمات الأساسية والأولويات التنموية. وأوضح سموه أن الدولة اتخذت هذا القرار حرصًا على استمرار الزخم الاقتصادي. وتتجاوز دلالة هذه الأرقام بيان حجم الضغط على الموازنة؛ إذ تكشف عن اختيار اقتصادي يحمي النشاط الذي تحتاجه البلاد للتعافي. فالخدمات الأساسية تسند حياة المجتمع، والمشاريع التنموية تدعم أعمال الشركات وفرص العمل، واستمرارهما يحد من انتقال الصدمة إلى مجالات أوسع. وقد نسب سموه إمكان استيعاب تداعيات الأزمة إلى سياسات سبقتها، شملت تعزيز الاحتياطيات وخفض الدين العام وإعداد الموازنة على أسعار نفط متحفظة وتنمية الإيرادات غير النفطية. وفي قراءة هذه العلاقة، تبدو الاحتياطيات رصيدًا يحفظ للدولة مساحة القرار؛ فهي تتيح التعامل مع تراجع الإيرادات دون الاضطرار إلى التخلي سريعًا عن الأولويات التنموية. لكن سمو الأمير قرن هذه المساحة بواجب مواصلة الانضباط المالي ورفع كفاءة الإنفاق ومراجعة البرامج وفق أثرها الفعلي في المجتمع والاقتصاد. وهذا توجيه يضع مسؤولية واضحة على الجهات المنفذة: أن تثبت قيمة ما تنفقه، وأن تراجع برامجها على أساس النتائج. فالبرنامج الذي يحافظ على مخصصاته يحتاج إلى بيان ما يحققه بها، والمشروع الذي يتقدم في التنفيذ يحتاج إلى إظهار أثره في الغاية التي أُنشئ من أجلها. وبهذا تصبح مراجعة الإنفاق وسيلة لحماية التنمية، عبر توجيه الموارد إلى ما يخدمها بصورة أجدى. وتبرز الصلة بين السياسة الاقتصادية والإدارة حين يتناول خطاب سمو الأمير مساءلة القيادات وتقييم الأداء. فقد وجّه سموه إلى تمكين الموظفين ونقل المعرفة وتأهيل الصف الثاني، وربط الترقية والتطوير بالإنجاز والكفاءة وتكافؤ الفرص، وحذر من التطبيق الشكلي لهذه السياسات، مؤكدًا الأمانة في التقييم وأخلاق العمل. وفي تقديري، يحدد هذا التوجيه شرطًا جوهريًا لنجاح الإصلاح: صدق المؤسسة في معرفة أدائها. فإذا تجمّلت النتائج في التقارير، أو مُنحت التقديرات وفق المجاملة، بُنيت القرارات اللاحقة على صورة غير دقيقة. وقد يتجه التدريب إلى غير موضع الحاجة، أو تُسند المسؤولية إلى غير الأجدر، أو يستمر خلل لم يُعترف بوجوده. ولهذا تمتد عدالة التقييم إلى ما هو أبعد من علاقة الموظف بمديره؛ فهي تؤثر في اختيار من يدير الموارد وينفذ المشاريع ويقدم الخدمات. وإنصاف الكفاءة يحفظ حافزها، ويعزز ثقة الموظفين بأن اجتهادهم ينعكس على مسارهم المهني، ويجعل المؤسسة أقدر على تطوير أدائها. ويتصل بذلك ما أورده سموه عن قاعدة البيانات المركزية، واستكمال الربط بين الجهات وتوحيد المعايير وحماية الخصوصية. فالبيانات الموثوقة تتيح رؤية الواقع، والأمانة في التقييم تجعله أساسًا للقرار. وتكتمل قيمة التطوير حين تساعد المعلومات على كشف الخلل، وتجد داخل المؤسسة من يتحمل مسؤولية معالجته. وأكد سمو الأمير أن هدف قطر هو جعل التعافي منطلقًا لتسريع التنويع الاقتصادي وتعزيز القدرات الوطنية. وأشار سموه إلى مشاريع وفرص استثمارية تُقدر بنحو 221 مليار ريال خلال السنوات الخمس المقبلة، وإلى دور مجلس الشورى في مواكبة المرحلة بتشريعات تعزز القطاع الخاص وجاذبية الاستثمار. ومن منظور هذه القراءة، يتحدد أثر تلك الفرص أيضًا بجودة المؤسسات التي تتعامل معها؛ بوضوح الإجراءات، وكفاءة التنفيذ، وحسن المتابعة، والقدرة على معالجة العوائق. وتلك هي الحلقة التي تصل بين التوجيه الوطني والنتيجة الاقتصادية: تحويل الموارد والفرص إلى نشاط منتج وخبرات وطنية ومنافع مستدامة. وفي ختام خطابه، ربط سمو الأمير صمود الدولة بالاستعداد وتنوع الاقتصاد وكفاءة المؤسسات وتكافل المجتمع ومسؤولية الأفراد. وهذه الرابطة تمنح انتظام الحياة معناه الأعمق؛ فهو حصيلة مسؤوليات أُديت، ومكتسبات صينت، وقرارات اتُّخذت في وقتها. لقد كشف خطاب سمو الأمير عن العمل الذي جعل استمرار الحياة ممكنًا، ووضع أمام المؤسسات واجب الارتقاء به. ومن هنا يبدأ الوفاء بتوجيهات سموه في تفاصيل ملموسة: مال عام يُصان، وكفاءة تُنصف، وخلل يُعالج، وخدمة تتحسن. فحين تستمر الحياة تحت الضغط، يظهر أثر الاستعداد؛ وحين ترتقي جودتها بعد الأزمة، يظهر صدق الأداء.
1095
| 14 أكتوبر 2026