رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
التخطيط هو توظيف كل الطاقات والإمكانات للوصول إلى أهداف محددة في زمن معين، وللتخطيط في الإسلام خصائص لا توجد في غيره، أهمها ما يلي:
1. زمان الخطة هوالمعاش والمعاد، وصولا إلى عمارة الدنيا والنعيم في الآخرة.
2. وجوب الأخذ بكل الأسباب الأرضية، واليقين في العناية الربانية.
3. الحفاظ على الثوابت والمبادئ والقيم الأخلاقية.
4. الجمع بين دقة الاتباع وجودة الإبداع، حيث تنطلق معالم التخطيط وأهدافه الكلية تنطلق من النصوص الشرعية والاجتهادات العقلية معا لإصلاح الوقائع اليومية، وللمصيب أجران في الاجتهاد، وللمخطئ أجر؛ مما يشجع على الإبداع، ويجمع بين الأصالة والمعاصرة.
ولا شك أن واقعنا في مصر خاصة وأمتنا العربية والإسلامية عامة أحوج ما تكون إلى فقه معالم التخطط الإسلامي في هذه المرحلة المفصلية، حيث يُصنع التاريخ من جديد، وقد اخترنا لقرائنا الكرام وأحبابنا في الله عز وجل من درس الهجرة منهجًا في التخطيط لإصلاح مستقبل مصرنا وأمتنا العربية والإسلامية، وتبدو معالم هذا التخطيط في نقطتين: الأخذ بكل الأسباب الأرضية المباحة شرعا، واليقين بالعناية الربانية حيث يقول سبحانه: (اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَوْلِيَاؤُهُمُ الطَّاغُوتُ يُخْرِجُونَهُمْ مِنَ النُّورِ إِلَى الظُّلُمَاتِ أُولَٰئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ) (البقرة:157)، فمع الإيمان والعمل يحقق الإنسان - بإذن الله - الأمل، ويصل إلى الأفضل دائما، ومع الكفر يأتي الخلل والتراجع إلى الأسفل.
أولاً: التخطيط في الهجرة والأخذ بكل الأسباب وتوظيف الطاقات.
لقد بدا درس الهجرة معلما واضحا في هذه الهداية الربانية للرسول صلى الله عليه وسلم في التخطيط للهجرة والأخذ بكل الأسباب الأرضية، ولم يعتمد قط على أنه رسول الله ولن يضيعه فترك الأخذ بكل الأسباب، بل بدا التوظيف واضحا لكل الطاقات والإمكانات البشرية والمادية، ويبدو ذلك فيما يلي:
1- توظيف الطاقات البشرية باختيار أفضل الصحابة ليكون صاحبه في الهجرة.
2- توظيف الشباب حيث تم اختيار عبد الله بن أبي بكر ليتسمَّع الأخبار ويأتي بها إلي الرسول صلى الله عليه وسلم.
3- توظيف العمال مثل عامر بن فهيرة مولى أبي بكر، حيث كان يرعى غنما ويأخذها لإعفاء وإنهاء أثر المشاة لخدمة مشروع الهجرة.
4- توظيف النساء ومنهن أسماء بنت أبي بكر التي وظفت لحمل الطعام إلى الغار، كما حاور أم معبد وكان لها دور مهم في توفير الطعام.
5- توظيف الفرسان الشجعان حيث اختار عليا لشجاعته الفائقة أن يبيت مكانه لرد الأمانات.
6- توظيف غير المسلم لخبرته وأمانته، حيث استعان النبي صلى الله عليه وسلم بعبد الله بن أريقط الليثي الذي وصفته الروايات بأنه كان هاديا خريتا أي عارفاً بالطرق غير المعتادة.
7- توظيف عنصر الزمن: ذهب النبي صلى الله عليه وسلم في الهاجرة ـ حين يستريح الناس في بيوتهم ـ إلى أبي بكر رضي الله عنه ليبرم معه مراحل الهجرة، وخروجه للهجرة في عتمة الليل حين ساد الهدوء ونام عامة الناس، واستكن في غار ثور ثلاثة أيام؛ حتى يهدأ الطلب، وتقل الملاحقة في المنطقة.
8- توظيف عنصر المكان: حيث اختار النبي صلى الله عليه وسلم أن يخرج من خوخة في دار أبي بكر ليلًا حتى لحقا بغار ثَوْر في اتجاه اليمن.، واتجه صلى الله عليه وسلم إلى غار ثور في جهة الجنوب من مكة، وليس في جهة الشمال حيث الطريق إلى يثرب؛ لصرف الأنظار، وتعمية الأبصار، وتظليل الكفار.
9- توظيف الدواب في اختيار راحلتين قويتين تعينان على السفر الطويل، كما تم توظيف الغنم في إخفاء الأثر وإخفاء معالم الحركة لرسول الله أو من يقوم بدور بالاتيان بالأخبار أو الطعام أو الهداية.
10- الاهتمام بالجانب الصحي حيث كان الطعام يأتي طازجا على يد أسماء بنت أبي بكر، ولما لدغت الحية أبا بكر تفِل عليها النبي صلى الله عليه وسلم فبرأت، ولما طلب شاةً من أم معبد غسل ضرع الشاة قبل حملها، ولما توجه إلى المدينة وكانت قد اشتهرت بالحمى دعا لها النبي صلى الله عليه وسلم.
11- توظيف القيم الأخلاقية الإسلامية: أبقى النبي صلى الله عليه وسلم عليًا لرد الأمانات وترك المشركين في حيرة بين ترديهم في المساوئ الأخلاقية وترقي النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه في المكارم الأخلاقية .
هذه مجرد نماذج تدل على أعظم صور التخطيط السليم وعدم التواكل على أنه عبد الله ورسوله ولن يضيعه، ووظف الموارد البشرية والحيوانية والمكانية والزمانية والقيم الأخلاقية فماذا كانت النتيجة؟ هذا ما سأتناوله في العناية الربانية.
ثانياً: نجاح التخطيط بالعناية الربانية:
إن نجاح التخطيط يبدو من النتائج التي تتحقق في أرض الواقع لكن التخطيط الإسلامي يتعدى هذا البعد الأرضي المادي إلى الفوز في الدنيا والآخرة وإصلاح المعاش والمعاد كما قال سبحانه: (رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ) (البقرة: من الآية 201)، غير أن نتائج الإسلام تعتمد على الأرزاق التي يمنحها رب العباد لمن شاء، وهذا جزء من الإيمان بعنصره السادس ، وهو أن نؤمن بالقدر خيره وشره، وعليه فإن نتائج الأخذ بالأسباب جاءت كاملة من رب الأرباب في التخطيط للهجرة؛ حيث كان هناك النجاح الأكبر بالانتقال من الدعوة إلى الدولة، ومن العبادة إلى القيادة، ومن الجماعة المستضعفة بمكة إلى الدولة الراسخة بالمدينة، مع صور عديدة من العناية من أول الرحلة إلى آخرها، منها ما يلي:
1- خرج النبي صلى الله عليه وسلم من باب بيته الرئيسي مارًا بين أربعين من فرسان العرب وقد أجمعوا على قتله، وتفريق دمه في القبائل، لكن عناية الله أعمت أبصارهم.
2- إن إيثار أبا بكر وتحمله عن النبي صلى الله عليه وسلم ليسد الجحور حتى لا يلدغ النبي صلى الله عليه وسلم فلدغ هو،ـ فجعل الله تعالى في ريق النبي صلى الله عليه وسلم شفاء ناجعا من لدغة الحية.
3- لما استكن النبي وصاحبه في الغار واشتد المشركون في الطلب وتعقّبوا كل مكان يمكن أن يختبئ فيه سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم، ووصلوا إلى باب الغار واشتد الأمر على أبي بكر، فعاجله النبي صلى الله عليه وسلم بأن عناية الله تحوطنا كما قال سبحانه: (لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا) (التوبة: من الآية40).
4- أن يجري الله تعالى اللبن في شاة أم معبد ولم تكن شاة تُحلب فكانت العناية الربانية في إدارار اللبن منها.
5- لما أخذ النبي صلى الله عليه وسلم بكل أسباب التخفي برحلته وتكفل شياطين الجن بإخبار قريش بشعر فعُرف مكانه وطريقه، فسبق إليه سراقة بن مالك على فرس جموح فساخت يدا الفرس في الأرض حتى بلغتا الركبتين فخر سراقة عنه ثم زجرها فنهضت فتكرر هذا الأمر والرسول صلى الله عليه وسلم يقول: ارجع ولك سوارا كسرى.
6- لما ذهب النبي صلى الله عليه وسلم إلى المدينة، وفيها من الأوبئة الكثير، ومن الثمر القليل دعا الله تبارك وتعالى للمدينة بضعفي ما بمكة من البركة المدينة وكانت فرحتهم بأن العناية الربانية أدركتهم عكس ما أشيع في مكة والمدينة بأن هذه أرض الحمى لن تحمل فيه النساء، وسيضعف فيها الرجال، وستهلكهم الأمراض فصارت يثرب "طيبة" أي طيبة الهواء والماء والغذاء والأخلاق.
هذا غيض من فيض أنهار العناية الربانية التي يكرم الله بها من يأخذون بالأسباب.
ثالثاً: واقعنا العربي المعاصر بين الأسباب الأرضية والعناية الربانية:
لا يخالجنا أدنى شك أننا إذا أخذنا بأسباب التخطيط السليم الذي يوظف قطرة الماء وهي عندنا بفضل الله أنهار تجري في الأرض، وأمطار تنزل من السماء وشمس تشرق كل صباح تضاعف النماء، وأرض مليئة في أعماقها بالمعادن النفيسة كما قال تعالى: (وَأَنْزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاس) (الحديد: من الآية 25)، أنزله الله من السماء وأودعه في جوف الأرض وأودع البترول والغاز والخيرات الجمة التي تحتاج لتخطيط وإرادة وحسن توكل على الله تعالى، فأرضنا بفضل الله خصبة ومياهنا عذبة، ورجالنا ونساؤنا مبدعون عاملون مخلصون إذا توفرت لهم الحرية والكرامة والعزة والمكانة، وسوف نجد بإذن الله انطلاقة فتية وحركة سوية، نحو الاستثمار في الزراعة والصناعة والتجارة والبحث والتأليف والابتكار والابداع والاختراع مما نثق في وعد الله تبارك وتعالى الذي قال: (وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَىٰ آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ وَلَٰكِنْ كَذَّبُوا فَأَخَذْنَاهُمْ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ) (الأعراف: 96) إنه ليس قطرات من البركات بل فتوحات من هذه البركات، وليست من الأرض دون السماء بل من السماء والأرض.
إنني أدعو كل مصري وعربي بل كل مسلم في أرض الله أن يتجه إلى إدراك طاقته الداخلية وموارده الخارجية التي من الله بها عليه، وأن يوظفها في مشروع صغير أو كبير حسب ما أنعم الله عليه لننتقل إلى ميدان العمل كما قال الإمام الشهيد حسن البنا: إن ميدان القول غير ميدان العمل، وإن ميدان العمل غير ميدان الجهاد، وإن ميدان الجهاد الحق غير ميدان جهاد الباطل، فلتبدأ المشاريع أفرادا ومجموعات، وسوف نسعى بكل جهدنا إلى تذليل كل العقبات أمام الشباب والفتيات والرجال والنساء المسلمين وغير المسلمين لنصنع في كل بلد سلاما اجتماعيا نؤدي فيه حقوق المواطنة الأربعة وهي للناس رعاية وللأرض عمارة، وللقانون طاعة، وللسلطة "الشرعية" معاونة، فيما لا يخالف شرعا ثم نثق تمام اليقين أن رب العالمين لن يخذلنا وهو سبحانه الذي وعد ولا مخلف لوعده، ومن أوفى بعهده من الله، حيث قال سبحانه مخاطبا المؤمنين في كل مكان وزمان: (وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَىٰ لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا وَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذَٰلِكَ فَأُولَٰئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ) (النور: 55).
(وَيَقُولُونَ مَتَىٰ هُوَ قُلْ عَسَىٰ أَنْ يَكُونَ قَرِيبًا) (الإسراء: من الآية 51).
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية



مساحة إعلانية
ربما كان الجيل الذي سبق غزو الرقمنة ومواقع التواصل الاجتماعي هو الأكثر إدراكًا لحجم التباين بين الزمنين فيما يتعلق بالسلام النفسي، بين زمن كان الإنسان يقترب من حقيقة نفسه بلا زينة مصطنعة، وزمن تصطاد هذه الشبكة روحه ووقته وسكينته وتبعده عن ذاته كما بين المشرقين. على الرغم من محاسنها التي لا يستطيع أحد إنكارها، أصبحت مواقع التواصل الاجتماعي عالمًا بديلًا للإنسان، فالحياة فيها، والرضا من خلالها، والتعاسة أيضًا، والإشباع الروحي يتحقق بعلامات الإعجاب ويُستجدى بتعليقات المتابعين. لقد أصبحت صفحات المرء وعدد متابعيه هي هويته المعبرة عنه، بطاقته التعريفية بصرف النظر عن تقييم المحتوى الذي يقدمه، فانقلب تعريف الإنسان من جوهره إلى ظاهره. مواقع التواصل آخر عهده بالليل، وأول عهده بالصباح، وبينهما نوم قد يعرض له انعكاساتها على نفسه التعسة، تتدفق فيه الأسئلة: كيف أبدو أمامهم، كيف أرضي أذواقهم، كيف أزيد من الإعجابات والتعليقات، كيف أبرز نفسي وألمعها، كيف أتخطى بأعداد المتابعين فلانًا وفلانًا، بل ويجعل تفاعل الجماهير هي الميزان الذي يزن بها نفسه، فإن قل اضطرب قلبه وتوهم النقص في قيمته وأنه خسر شيئًا من ذاته. أصبح هناك ولع غير مبرر بعرض التفاصيل اليومية من المطبخ، وبيئة العمل، والمواصلات، وأماكن التنزه والسفر، واللحظات الرومانسية بين الأزواج كأنهم يقومون بتمثيل عمل درامي، وقد يكون بينهما من الأزمات ما الله به عليم. غدت تلك الصفحات سوقًا للمتاجرة بالأحزان والأزمات، وأضحت ميدانًا للنقاشات والجدل العقيم الذي لا يراد من خلاله إلا إثبات الذات. مواقع التواصل الاجتماعي خلقت للإنسان بيئة صورية يصنع مفرداتها كما يحب، على حساب الانسحاب من بيئته في الواقع، فأصبح تواصله محصورًا مع عناصر هذه البيئة الجديدة، في الوقت الذي ينقطع عن أهل وذويه في البيت الواحد. وإن من المشاهد المضحكة المبكية، أن ترى أفراد الأسرة كل منهم يجلس على هاتفه دون أن يشعر بالآخر على مدى ساعات، بينما تجده غارقا في عالمه الافتراضي يتفاعل مع المتابعين بعلامات الإعجاب والتعليقات. ومن أشد مثالبها استلاب الرضا من القلوب، فعندما يعرض الناس أجمل لحظاتهم وألوان النعم التي يعيشون فيها وأحسن ما في حياتهم، يرى الناظر هذه الصورة البراقة، فيحسب أن الناس جميعا سعداء إلا هو، وأنهم بلغوا القمم بينما لا يزال هو قابعًا في السفح، فتولد لديه هذه المقارنة شعورًا بالمرارة ومنها ينبت الحسد أو اليأس، وكلاهما نار تأكل السلام النفسي أكلًا. مواقع التواصل عودت النفس على العجلة، فالإيقاع سريع، وكل شيء فيها يجري جريًا، الخبر، الصورة، والرأي، لا تدع للإنسان فرصة للتأمل الذي يستلزم حضوره السكون، فالسلام النفسي لا يولد في الضجيج والصخب والزحام، بل ينشأ في لحظات الصمت عندما يجلس المرء مع نفسه للمصارحة والمكاشفة. لقد جعلت هذه المواقع الإنسان في حال دائم من التمثيل والتصنع والتكلف، يختار كلماته وصوره وأطروحاته ليس على أساس الصدق والفائدة المرجوة، بل على أساس تحقيق القبول لدى الناس، فيطول عليه الأمد فينسى وجهه الأول، ويعيش بشخصيتين إحداهما على الشاشة والأخرى في الخفاء، وهذا الانشطار لا شك يصيبه بالاضطراب. الرضا لا ينال بالتصفيق ولا يشترى بعدد المتابعين، لكنه ثمرة معرفة الإنسان لنفسه وقبوله بعيوبها ومحاسنها، وسعيه إلى إصلاحها لا تجميل صورتها. وأنا ها هنا لا أرمي إلى إظهار مواقع التواصل كآلة آثمة، لأن العيب في اليد التي تسيء استخدامها، فهي كالسيف يكون أداة عدل أو أداة ظلم، بحسب من يحمله. وحتى يسترد المرء سلامه النفسي في زمن الشاشات، فعليه أولًا أن يدرك أن ما يراه ليس كل الحقيقة، وأن الحياة أوسع بكثير من هذه الصورة، وأعمق من سطر في منشور. عليه أن يفتش عن قيمته الحقيقية في إنجازه الحقيقي لا في حضوره الافتراضي. عليه أن يدرك أنها مجال لا حياة، حيّز للزيارة لا للإقامة، فمن ثم يضع لها حدًا معلومًا من وقته، فلا يتركها تأكل يومه، ويقتل لهفته تجاه التعرف على الإعجابات والتعليقات الجديدة كل دقيقة، فيجدر به أن يدرب نفسه على الفصام الجزئي مع هذه المواقع، ويصغي إلى نفسه حتى لا تذوب في أصوات الخارج.
5559
| 15 فبراير 2026
راقب المشهد في أي مجمع تجاري في عطلة نهاية الأسبوع. ستري عائلة خليجية صغيرة تتمشى. الأب والأم يمشيان في الأمام بكامل أناقتهما، وخلفهما بمسافة مترين تمشي «المربية» وهي تحمل الطفل، وتدفع العربة، وتحمل حقيبة الحفاضات. وإذا بكى الطفل، لمن يمد يده؟ إلى المربية. وإذا نطق كلماته الأولى، بأي لغة (أو لهجة مكسرة) يتحدث؟ بلغة المربية. هذا المشهد، رغم تكراره حتى أصبح مألوفاً، هو «جرح» غائر في كرامة الأسرة الخليجية. نحن، وبدافع الحاجة والرفاهية وانشغالنا في وظائفنا، لم نستقدم عمالة لتساعدنا في «أعمال المنزل» فحسب، بل ارتكبنا خطأً استراتيجياً فادحاً: لقد قمنا بـ «تعهيد» (Outsourcing) مهمة التربية. لقد سلمنا «مفاتيح» عقول وقلوب أطفالنا لأشخاص غرباء. المشكلة ليست في وجود المساعدة، فالدين والواقع يبيحان ذلك. المشكلة تكمن في «تداخل الأدوار»..... «الدريول» (السائق) لم يعد مجرد سائق يوصل الأبناء، بل أصبح هو «الأب البديل» في السيارة، يسمع أحاديثهم، ويختار موسيقاهم، وربما يغطّي على أخطائهم. و»المربية» لم تعد منظفة، بل أصبحت «الأم البديلة» التي تطعم، وتناغي، وتمسح الدمعة، وتلقن القيم (أو غيابها). نحن نشتكي اليوم من أن أبناءنا «تغيروا»، وأن لغتهم العربية ركيكة، وأن «السنع» عندهم ضعيف. ولكن، كيف نلومهم ومعلمهم الأول في سنوات التأسيس (من 0 إلى 7 سنوات) لا يملك أياً من هذه القيم؟ كيف نطلب من طفل أن يكون «ابن قبيلة» أو «ابن عائلة» وهو يتربى على يد ثقافة مختلفة تماماً في الدين واللغة والعادات؟ إن «السيادة» لا تكون فقط على الحدود الجغرافية للدولة، بل تبدأ من «السيادة على المنزل». هناك مناطق «محرمة» لا يجب أن يدخلها الغريب مهما كنا مشغولين. أن تروي قصة قبل النوم، هذا «مفتاح» لا يُسلم للمربية. أن توصل ابنتك المراهقة وتستمع لثرثرتها في السيارة، هذه «فرصة ذهبية» لا تتركها للسائق. وإذا كنا نتفق جميعاً على أن القيم هي أول الهرم التربوي، فلا خلاف على أن القرآن الكريم يتربع على قمة هذا الهرم بلا منازع. وهنا، يجب أن نتوقف للمصارحة: هل يكفي أن نوكل مهمة ربط أبنائنا بكتاب الله إلى «المحفّظ» أو «المحفّظة» فقط؟ نحن لا ندعو -بالتأكيد- لترك حلقات التحفيظ، ولكن العقد لا يكتمل في صدور أبنائنا إلا إذا وضعنا نحن لمساته. كيف تهون علينا أنفسنا أن يسبقنا غريبٌ إلى تعليم فلذة أكبادنا «سورة الفاتحة»؟ هذه السورة هي «أم الكتاب»، وهي الأساس في حياة كل مسلم، ولا تجوز الصلاة إلا بها. ألا تطمع أن يكون لك أنت «أجر» كل مرة يقرأها ابنك طوال حياته؟ ألا تغار أن يكون هذا الحبل السري الروحي موصولاً بغيرك؟ لن يكتمل «عقد القرآن» في صدور أبنائنا ما لم نضع نحن، الآباء والأمهات، لبناته الأولى. فلتكن أصواتنا هي أول ما يتردد في آذانهم بآيات الله، ليكبروا وهم يحملون «القرآن» في صدورهم، و»صوت الوالدين» في ذاكرتهم. الرفاهية الحقيقية ليست في أن يخدمك الناس، بل في أن تملك الوقت والجهد لتخدم أهل بيتك، وتصنع ذكرياتهم. الطفل لن يتذكر نظافة الأرضية التي مسحتها الخادمة، لكنه سيتذكر طوال عمره «لمسة يدك» وأنت تمسح على رأسه، وصوتك وأنت تعلمه «المرجلة» أو «الحياء» أو «الفاتحة». دعونا نستعيد «مفاتيح» بيوتنا. لتبقَ المساعدة للمساعدة في «شؤون البيت» (التنظيف، الغسيل)، أما «شؤون القلب» و»شؤون العقل» و»شؤون الروح»، فهذه مملكتكم الخاصة التي لا تقبل الشراكة. لا تجعلوا أطفالكم «أيتاماً» والوالدان على قيد الحياة.
1959
| 12 فبراير 2026
الأسرة هي اللبنة الأولى في بناء المجتمع، وهي الحضن الذي تتشكّل فيه القيم الأولى للإنسان. داخلها يتعلم الفرد معنى المودة والاحترام وتحمل المسؤولية، ومنها ينطلق إلى محيطه الاجتماعي أكثر توازنًا وقدرة على العطاء. وكلما كانت الأسرة متماسكة، انعكس ذلك استقرارًا على المجتمع، وكلما أصابها التفكك، ظهرت آثاره في مختلف جوانب الحياة الاجتماعية. إن ظاهرة الطلاق أصبحت من الموضوعات التي تستحق التوقف والتأمل، لا من باب اللوم أو الإدانة، وإنما من منطلق الحرص على الأسرة بوصفها كيانًا إنسانيًا واجتماعيًا بالغ الأهمية. فالطلاق تشريع أباحه الله عند تعذر الاستمرار، لكنه يظل خطوة لها آثار عميقة تتجاوز الزوجين لتصل إلى الأبناء، ثم تمتد إلى المجتمع بأكمله. لم يعد الطلاق في بعض الحالات حدثًا نادرًا كما كان في السابق، بل أصبح حاضرًا في حياة كثير من الأسر، أحيانًا لأسباب كان يمكن تجاوزها بالحوار والتفاهم. ومع تسارع إيقاع الحياة وتزايد الضغوط المعيشية والنفسية، باتت الخلافات الزوجية تظهر بشكل أسرع، وأصبحت قرارات مصيرية تُتخذ في لحظات توتر، دون منح العلاقة الزوجية ما تستحقه من صبر ومراجعة وتقدير للعواقب. بين الأمس واليوم في الماضي، كان الخلاف الأسري يُنظر إليه على أنه جزء طبيعي من الحياة الزوجية، يُعالج بالحكمة والتدرج. وكان للأسرة الممتدة دور مهم في احتواء الخلاف، من خلال النصح والتقريب وتهدئة النفوس، بعيدًا عن التصعيد. كما كان اللجوء إلى القضاء يُعد خطوة أخيرة بعد استنفاد وسائل الإصلاح، وكان الهدف الأول هو الحفاظ على الأسرة واستقرارها قدر الإمكان. أما اليوم، فقد تغيّر المشهد الاجتماعي في جوانب متعددة. تراجع دور الحوار داخل بعض البيوت، وضعف حضور النصيحة الهادئة، وأصبحت الخلافات في بعض الأحيان تنتقل سريعًا إلى المسار القانوني. ورغم الجهود الكبيرة التي تبذلها الجهات المعنية، إلا أن ثقافة التروي والصبر لم تعد حاضرة بالقدر الكافي في بعض الحالات. ومن المهم التأكيد أن الحديث لا ينصرف إلى الحالات التي يكون فيها الطلاق ضرورة إنسانية أو شرعية بسبب استحالة العشرة أو وجود أذى حقيقي، فلكل حالة ظروفها الخاصة، وإنما المقصود هو تلك الخلافات التي كان يمكن تجاوزها لو أُحسن التعامل معها في بدايتها. الأبناء… الأثر الأعمق يظل الأبناء هم الطرف الأكثر تأثرًا بانفصال الوالدين، فهم لا يشاركون في اتخاذ القرار، لكنهم يتحملون نتائجه. وقد يترك الطلاق في نفوسهم آثارًا نفسية وسلوكية تمتد لسنوات، وتنعكس على تحصيلهم الدراسي، واستقرارهم العاطفي، ونظرتهم إلى مفهوم الأسرة في المستقبل. لذلك، فإن مراعاة مصلحة الأبناء يجب أن تكون حاضرة عند معالجة أي خلاف أسري. دور الدولة والمؤسسات وانطلاقًا من إدراك خطورة التفكك الأسري، عملت الدولة على تعزيز الأطر القانونية والاجتماعية التي تُعنى بشؤون الأسرة، فأنشأت محكمة الأسرة لتكون جهة متخصصة تجمع بين الفصل القانوني والدعم الاجتماعي والنفسي. ويعكس ذلك وعيًا بأهمية الحفاظ على كيان الأسرة، والسعي إلى معالجة الخلافات بروح إنسانية متوازنة. ما نحتاجه اليوم نحن بحاجة إلى إعادة ترسيخ ثقافة الحوار داخل الأسرة، وتعزيز مفهوم الزواج بوصفه ميثاقًا قائمًا على المودة والرحمة، لا مجرد التزام قانوني. كما نحتاج إلى نشر الوعي بأهمية اللجوء إلى الإصلاح قبل اتخاذ القرارات المصيرية، ودعم المبادرات التي تُعزز الاستقرار الأسري. فالطلاق، رغم مشروعيته، يظل تجربة مؤلمة تترك أثرًا عميقًا في جسد الأسرة. وقد يكون أحيانًا الحل الأخير، لكنه لا ينبغي أن يتحول إلى الخيار الأول. إن حماية الأسرة مسؤولية مشتركة، تبدأ من وعي الزوجين، وتمتد إلى المجتمع ومؤسساته، حفاظًا على جيل أكثر استقرارًا ومستقبل أكثر تماسكًا.
921
| 12 فبراير 2026