رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
تسود الاقتصاد العالمي تغيرات كبيرة وجذرية ستكون لها انعكاسات مهمة على بنية المجتمعات في العقديين القادمين، فطبيعة رأس المال في القرن الحادي والعشرين لا تشبه طبيعته في بداية النهضة الصناعية ولا منتصف القرن التاسع عشر الذي تميز بابتكارات واختراعات غيرت وجه الحياة على الأرض، كما أنها تختلف عن رأس مال القرن العشرين.
الطور الحالي لرأس المال بدأت جذوره في التكون قبل ثلاثين عاما تقريبا وازدادت وتائر نموه في الأعوام الأخيرة، بحيث تشكل نظاما اقتصاديا له سمات محددة وتسيره عوامل تختلف عن القوانين التي حددها مفكرو الاقتصاد الرأسمالي الكلاسيكي "آدم سميث" و "ديفيد ريكاردو"، بل إن الطور الحالي ركن جانبا الفلسفة الاقتصادية لفترة ما بعد الكساد العظيم ومنظرها الرئيسي "جون مينارد كينز"والتي توجد التوازن المطلوب للنمو بين الأنشطة الاقتصادية للقطاعين العام والخاص.
وإذا ما أخذنا على سبيل المثال أحد المفاهيم المتعارف عليها في الاقتصاد والخاصة بانخفاض الأسعار خلال فترات الركود الاقتصادي، فإننا سنجد أن هذه العلاقة لم تعد قائمة في الطور الجديد من النظام الاقتصادي الحالي، كما هو مفترض، ففي الوقت الذي يمر الاقتصاد العالمي بأزمة حقيقية ويتباطأ النمو الاقتصادي بسبب الكساد وما ينجم عنه من انخفاض في الطلب على السلع والخدمات، فإن أسعار هذه السلع والخدمات ترتفع في ظاهرة فريدة تلغي من الناحية العملية مفاهيم اقتصادية اعتمدت على مدى ثلاثمائة عام تقريبا.
لقد أدت الأزمات المتعاقبة إلى انخفاض الطلب في الأسواق العالمية كما هو متوقع ومنطقي نتيجة لتراجع القدرة الشرائية للمستهلكين وارتفاع معدلات التضخم والبطالة، إلا أن الطور الحالي من النظام الرأسمالي كان له رأي آخر، فرأس المال المالي المغامر والذي يقود قاطرة الاقتصاد العالمي في الوقت الحاضر يقوم بعمليات مضاربة تؤدي إلى ارتفاع الأسعار بصورة مصطنعة ولا تعبر عن قوانين الاقتصاد الخاصة بالعرض والطلب.
وفي هذا الصدد تمكن الإشارة إلى أسعار بعض السلع المهمة، فمعدلات العرض والطلب على النفط تتميز بوجود توازن يمكن من خلاله تسعير النفط بصورة متوازنة عند مستوى يتراوح ما بين 70 – 80 دولارا للبرميل كما ترغب البلدان الأعضاء في منظمة "الأوبك" إلا أن الأسعار ظلت مرتفعة بنسبة %40 فوق هذا المعدل برغبة من المضاربين والمجمع المالي العالمي والذي تفوق قدراته المالية ما يتوفر للبلدان المنتجة للنفط من إمكانات مالية وتسويقية، إذ ينطبق ذلك أيضاً على فقاعة الذهب الذي يتذبذب بصورة مستمرة وتنتقل من خلاله الثروات من خانة إلى أخرى.
وإذا ما تساءلنا عن وجود تفاوت أو نقص في إمدادات المواد الغذائية في الأسواق العالمية، فإن الجواب سيكون بالنفي، فالإنتاج العالمي من هذه المواد، بما فيها الرئيسية منها، كالقمح والأرز والسكر والزيوت تفي باحتياجات الأسواق، وبالأخص في فترة الركود الحالية، إلا أن طموحات رأس المال المالي ومضارباته تؤدي إلى تجاوز القوانين والأنظمة وارتفاع الأسعار بصورة مفتعلة وتحقيق أرباح خيالية.
من الواضح أن الطور الحالي للرأسمالية لا يعترف بالأنظمة السابقة لتسيير الاقتصاد، بل إنه يحاول فرض أجندته الخاصة المتميزة بالفوضى والتلاعب بأسعار السلع وخلق مشتقات مالية يمكن من خلالها الاستحواذ على مدخرات الأفراد وامتصاص ثروات البلدان الصاعدة واستثماراتها وأصولها الخارجية.
لقد أتاحت مجموعة من التغيرات الجذرية في النظام الاقتصادي العالمي لرأس المال المالي الهيمنة في العلاقات الدولية وإخضاع السياسات الاقتصادية لخدمة توجهاته الرامية إلى تركيز الثروة في أيدي المجمع المالي، ففي الولايات المتحدة يملك 1% من السكان فقط أكثر من %40 من الثروة، وباعتبار الاقتصاد الأمريكي أكبر اقتصاد في العالم، فإنه من الصعب تصور مدى تركز الثروة هناك والتي ولدت المزيد من العاطلين عن العمل والمعتاشين على المساعدات الاجتماعية.
وضمن هذه التغيرات العالمية تأتي مسألة انتهاء الحرب الباردة وانفراد الولايات المتحدة بقيادة العالم وتراجع تأثيرات رأس المال الصناعي والناجم عن التغيرات الهيكلية المرافقة للنقلة النوعية في تقنية المعلومات والاتصالات واقتصاد المعرفة القائم على التقنيات الحديثة.
وبدلا من أن يؤدي ذلك إلى تقليص الفوارق واتساع الفئة الوسطى في المجتمع وتسخير هذه التقنيات لرفع مستويات المعيشة، فإن رأس المال المالي سخر هذه التغيرات لتعميق الفوارق وتركيز الثروات وجر فئات واسعة في المجتمعات الغربية نحو الاستثمار في الفقاعات، كفقاعة العقار والأسهم من خلال تقديم التسهيلات التمويلية التي تفوق قدراتهم المالية واستحداث مشتقات مالية بمعادلات رياضية معقدة يصعب التعامل معها بوضوح وشفافية.
لذلك، فإن الطور الجديد لا يكتفي باستغلال موارد البلدان الأخرى في الأطراف كما هي الحال مع رأس المال، وإنما يستغل في الوقت نفسه وبنفس المعدل الفئات العاملة ومدخراتها في بلدان المركز المتطورة اقتصاديا، وهو ما يمنحه صفة الشمولية، حيث أتاحت له التقنيات الحديثة وسرعة إنجاز المعاملات من خلال شبكة الإنترنت المتقدمة جدا السائدة في المعاملات المالية في العالم ربط الأسواق العالمية بشبكة من الاتصالات التي فرض عليها سيطرته الكاملة، متجاوزا في ذلك الحدود القائمة وعابرا القارات بفضل عولمة الاقتصاد العالمي الذي تحول من الناحية العملية إلى سوق واحدة كبيرة وبقيادة مالية تتحرك من خلال أجهزة كمبيوتر متقدمة والتي يمكن من خلالها التحكم في الأسعار وإدارة الثروات وإنهاء المعاملات المالية والتجارية في غضون ثوان معدودة.
على الجانب الآخر فرض هذا التطور النوعي للمجتمع تصنيفا آخر للفئات الاجتماعية المتضررة، ففي السابق كانت القوى العاملة هي التي تشكل المقابل المضاد لرأس المال، أما في ظل الطور الجديد، فإن فئات اجتماعية واسعة انضوت لمواجهة مبالغات رأس المال المالي واتجهت مباشرة إلى عقر دار القوة المالية المهيمنة في "وول ستريت" وحي المال في لندن وغيرها في أكثر من ألف مدينة في 92 بلدا.
والمفارقة الأخرى، هي أنه لا يجمع هذه الفئات الاجتماعية فكر أو أيدلوجية معينة، كما هي الحال في السابق، وإنما اجتمعت كافة هذه الفئات المتفاوتة في أفكارها وتوجهاتها السياسية على توجيه رسالة قوية إلى تحالف المجمع المالي- السياسي مفادها ضرورة الانتباه إلى الهوة السحيقة التي يقودون المجتمع إليها من خلال إفقار هذه الفئات وضم ملايين من العاملين لصفوف البطالة وتسخير التقنيات الحديثة لزيادة الأرباح، بدلا من رفع مستويات المعيشة.
والغريب في الأمر، وهو ما يحدث بصورة نادرة، أن مطالب الألف مدينة في 92 بلدا، هي نفس المطالب، وكأن العالم استيقظ فجأة ليجد أن رأس المال المالي وممثليهم من قادة المصارف ومؤسسات الاستثمار الدولية والمضاربين في البلدان الغربية قد توحدوا لإفقارهم ومصادرة مدخراتهم، مما وحد مطالبهم من "وول ستريت" في نيويورك - حيث انضم إلى المحتجين ابن ثالث أغنياء العالم الملياردير "وارن بافيت"- إلى لندن وباريس وفرانكفورت في الغرب وحتى نيوزيلندا في أقصى الشرق مرورا بالعواصم والمدن الأوروبية والإفريقية والآسيوية، حيث تركزت مطالب المحتجين على ضرورة وقف جشع رأس المال والفساد المالي وتوفير الوظائف والخدمات الاجتماعية.
قفزة في الموازنات الخليجية
صدرت الموازنات السنوية لدول مجلس التعاون الخليجي لعام 2014 بمستويات إنفاق قياسية، مما يعكس الأبعاد التنموية والمعيشية التي... اقرأ المزيد
671
| 23 فبراير 2014
فقاعة "بيتكوين"
بعد أن طوى العالم معظم تداعيات الأزمة المالية العالمية بكل تداعياتها ومآسيها، وبعد أن اتضحت الكثير من المعالم... اقرأ المزيد
687
| 09 فبراير 2014
خصوصية التنمية الخليجية
تعتبر دول مجلس التعاون الخليجي الست الأفضل من بين بلدان الشرق الأوسط في التنمية بشقيها الاقتصادي والاجتماعي، إذ... اقرأ المزيد
582
| 02 فبراير 2014
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
هل الطريق إلى المدرسة مجرد مسافة نقطعها كل صباح، أم أنه وقت يمكن أن نستثمره مع أبنائنا؟ سؤال يستحق أن نتوقف عنده ونحن نشاهد المبادرة الجميلة «وصل عيالك» التي أطلقتها مشكورة وزارة التنمية الاجتماعية والأسرة، لتشجيع أولياء الأمور على توصيل أبنائهم إلى المدارس. وأرى أن هذه المبادرة تؤكد وعي الجهات الاجتماعية بأهمية التفاصيل الصغيرة في حياة الأسرة، فقيمتها الحقيقية تتجاوز بكثير مسألة إيصال الطالب من باب المنزل إلى باب المدرسة، إلى معنى أعمق بكثير؛ وهو استثمار هذا الوقت في الاقتراب من أبنائنا، والاستماع إليهم، والحديث معهم، واستعادة شيء أصبح نادرًا في حياتنا المعاصرة: الحضور الحقيقي مع أبنائنا. نعيش اليوم حياة سريعة ومزدحمة، الأب والأم لديهما أعمال والتزامات ومواعيد، والهاتف لا يتوقف، ورسائل العمل تلاحقنا حتى خارج أوقات الدوام، وأصبحت الأسرة أحيانًا تجتمع في مكان واحد، لكنها لا تجتمع فعلًا؛ كل شخص حاضر بجسده وغائب بذهنه. لذلك قد تكون عشر دقائق أو ربع ساعة في السيارة مع ابنك، وأنت حاضر معه فعلًا، أهم من ساعات طويلة تقضيها بجانبه وأنت منشغل بهاتفك أو عملك أو عالم آخر بعيد عنه. وهنا تكمن روعة الطريق إلى المدرسة. في الصباح الباكر يكون ذهن الطفل هادئًا بعد قضاء راحة ونوم، وأنت بجواره في مساحة صغيرة لا تلفاز فيها ولا مجلس مزدحم ولا مقاطعات كثيرة. تحدثه، وتسأله: ماذا لديك اليوم؟ ما المادة التي تحبها؟ ما الذي يزعجك في المدرسة؟ ماذا تتمنى أن تصبح؟ من أقرب أصدقائك؟ ولماذا تحب هذا المعلم ولا ترتاح لذاك؟ لا تجعل المشوار تحقيقًا يوميًا معه، بل اترك الحديث يأتي بعفويته. فقد تبدأ القصة بجملة بسيطة جدًا يقولها طفلك في السيارة، ثم تكتشف خلفها عالمًا كاملًا لم تكن تعرف عنه شيئًا. وربما تسمع من ابنك في السيارة شيئًا لن يقوله لك وهو جالس أمامك في البيت. فالطفل أحيانًا لا يحتاج إلى جلسة رسمية عنوانها «تعال أريد أن أتحدث معك»، بل يحتاج إلى لحظة آمنة وعفوية يشعر فيها أنك قريب منه وتسمعه دون محاكمة أو استعجال. وبين إشارة مرور وأخرى قد يخبرك عن صديق يضايقه، أو معلم يحبه، أو موقف أخافه، أو فكرة تشغله، أو حلم يريد الوصول إليه.أما رحلة العودة من المدرسة فلها حكاية أخرى. يركب ابنك السيارة وقد عاش عدة ساعات بعيدًا عنك، محملًا بالمواقف والأسئلة والضحكات وربما الغضب والحزن أيضًا. يريد أن يخبر أحدًا بما حدث: «اليوم المعلم قال لنا…»، «فلان فعل كذا…»، «تعرف ماذا حدث في الفصل؟»، «اليوم حصلت على درجة…». قد تبدو لنا هذه التفاصيل صغيرة، لكنها بالنسبة إليه حياته التي يعيشها الآن.وكلما اعتاد أن يجد أذنك في الأشياء الصغيرة، زادت احتمالية أن يبحث عنك عندما تأتي الأشياء الكبيرة. وهذه في رأيي إحدى أجمل رسائل مبادرة «وصل عيالك»؛ أن تذكرنا بأن التربية ليست دائمًا محاضرات طويلة ولا جلسات مخططًا لها، وأن بناء العلاقة مع الأبناء قد يحدث في تفاصيل صغيرة جدًا كنا نظن أنها مجرد وقت ضائع في الطريق. لكن من المهم جدًا ألا نحول جمال هذه الفكرة إلى لوم للآباء والأمهات الذين لا يستطيعون توصيل أبنائهم. فالبيوت تختلف، وظروف العمل تختلف، وأوقات الدوام تختلف، وهناك من يعتمد على الحافلة المدرسية أو السائق، وهناك أم أو أب يبدأ عمله قبل بداية المدرسة أو يعمل في مكان بعيد، وعدم توصيل الأبناء لا يعني أبدًا التقصير في حقهم فهم يكدحون من اجل هذه العائلة ومستقبل الابناء.المبادرات الجميلة يفترض أن تفتح لنا أبوابًا لا أن تصدر علينا أحكامًا. الرسالة الأوسع والأهم هنا: ابحث عن وقت تكون فيه حاضرًا فعلًا في حياة ابنك.إن استطعت أن يكون ذلك في الطريق إلى المدرسة، فلا تهدر هذه الدقائق. أغلق إشعارات الهاتف واترك الهاتف جانبًا لانه من أسباب دمار العائلة وإشغالها، واسمعه اكثر من ان تكلمه لأن أبناءنا، خصوصًا في سنوات النشأة، لا يحتاجون منا إلى عدد كبير من الساعات بقدر حاجتهم إلى لحظات يشعرون فيها أن آباءهم وأمهاتهم موجودون من أجلهم فعلًا. وقد تكون عشر دقائق في طريق المدرسة قصيرة جدًا في حساب الزمن، لكنها في ذاكرة ابنك، وفي علاقتك به، طريق طويل يستحق أن نسلكه.
34230
| 01 سبتمبر 2026
في بداية أي موسم، يذهب الحديث عادةً إلى الفرق المرشحة والأسماء الكبيرة، لكنني أفضل أن أقرأ أول جولتين من زاوية مختلفة: ماذا فعل كل مدرب بفريقه؟ النتائج في هذه المرحلة قد تخدع، أما شكل الفريق داخل الملعب فيكشف الكثير. ومن خلال ما ظهر حتى الآن، أرى أن الفارق الحقيقي لا يكمن دائمًا في جودة اللاعبين، بل في قدرة المدرب على تحويل هذه الجودة إلى فريق واضح في أدواره؛ يعرف كيف يبني الهجمة، ومتى يضغط، وكيف يتحول بعد فقدان الكرة، وماذا يفعل عندما لا تسير المباراة وفق خطته. السد، مثلًا، أظهر قوة هجومية لافتة، لكنني لا أرى أن عدد الأهداف وحده يكفي للحكم على جاهزية الفريق. الأهم هو قدرته على فرض أفضلية واضحة أمام منافس يغلق المساحات ويجبره على تغيير أسلوبه. هنا تحديدًا تبدأ قيمة المدرب في الظهور: هل يملك الفريق الحلول عندما لا تسير المباراة وفق السيناريو الذي يفضله؟ أما بقية الفرق، فالصورة ما زالت بحاجة إلى قراءة أعمق، ليس لأن الإمكانات غائبة، وإنما لأن المسافة بين ما تملكه هذه الفرق وما تقدمه داخل الملعب ما زالت موجودة بدرجات مختلفة. الدحيل والغرافة والريان والوكرة تملك من الخبرة والجودة ما يجعل سقف التوقعات أعلى، ولذلك سيكون المطلوب من مدربيها ترجمة هذه القدرات إلى أداء أكثر وضوحًا واستمرارية طوال الموسم. وفي المقابل، تبدو المهمة مختلفة عند العربي والأهلي ولوسيل والسيلية، حيث لا يتعلق الأمر فقط بالنتائج، وإنما ببناء ملامح فريق يمكن أن تتطور هويته مع الجولات. أما قطر، فأراه الحالة الأكثر إثارة للتساؤلات. الخسارة أمام السد ليست مفاجئة، لكن طريقة فقدان الفريق لتوازنه تضع ماركيز لوبيز أمام مسؤولية واضحة: ماذا فعل عندما بدأت المباراة تخرج من يده؟ وأين كانت الحلول التي تعيد للفريق توازنه؟ لا أعتقد أن الإمكانات وحدها يمكن أن تكون عذرًا دائمًا، خصوصًا عندما تكون المشكلة في كيفية إدارة المباراة والتعامل مع تحولاتها. وفي المقابل، كان الشحانية بقيادة المدرب الوطني يونس علي، والشمال بقيادة المدرب الإسباني ديفيد براتس، من أكثر الفرق التي لفتت انتباهي في أول جولتين، من خلال تنظيم واضح وجرأة في التعامل مع المباراة، مع قدرة جيدة على قراءة مجرياتها والتفاعل معها، وهو ما منح الفريقين حضورًا وملامح واضحة داخل الملعب. وهنا تظهر قيمة العمل التدريبي؛ فليس المطلوب أن يمتلك كل فريق لاعبين بنفس الجودة أو الإمكانات، وإنما أن يعرف المدرب ما يملكه فريقه جيدًا، ويضع له أسلوب لعب واضحًا يتناسب مع هذه الإمكانات، ويستطيع من خلاله استخراج أفضل ما لدى لاعبيه. لذلك، فإن الجولة الثالثة بالنسبة لي ليست مجرد جولة جديدة في حسابات النقاط، وإنما فرصة لمعرفة أي الفرق تستطيع تثبيت ما قدمته في أول جولتين. هل سيحافظ الفريق الذي ظهر بشخصية واضحة على مستواه؟ وهل تستطيع الفرق التي ما زالت تبحث عن شكلها أن تجد حلولًا أكثر وضوحًا؟ كلمة أخيرة: الجولات المقبلة ستكشف أي المدربين نجح فعلًا في تحويل ما يملكه فريقه إلى شخصية وأسلوب يمكن الاعتماد عليهما.
6888
| 03 سبتمبر 2026
يفترض أن يشعر الموظف بالاطمئنان عندما يدخل المدقق الداخلي إلى إدارته؛ فهو لا يأتي لإدانة أحد، بل للتأكد من سلامة الإجراءات، وحماية المؤسسة من المخاطر، ومساعدة المسؤولين على اكتشاف الخلل وتصحيحه قبل أن يتحول إلى أزمة. لكن هذا الاطمئنان يتبدل إلى خوف عندما يفقد التدقيق استقلاله، ويتحول من عين تحمي المؤسسة إلى عصا غليظة في يد الرئيس التنفيذي، يلوّح بها في وجه مَن لا يرتاح إليهم. لا يحدث ذلك عادة بقرار معلن، بل يبدأ بهدوء؛ إدارة تخضع لعمليات تدقيق متكررة، بينما تبقى إدارات أخرى بعيدة عن خططه، وملاحظة بسيطة تُضخّم هنا، في حين تمر ملاحظات أكبر هناك، وملفات قديمة تُفتح فجأة، وأسئلة توحي بأن الحكم قد صدر قبل بدء التدقيق. عندها لا تعود المشكلة في وجوده، بل في اختيار مَن يُدقَّق عليه، ومتى، ولماذا، وكيف تُفسر الوقائع وتُعرض النتائج. يحتاج الرئيس التنفيذي إلى تدقيق داخلي قوي؛ لأنه يساعده على رؤية ما قد لا يصل إليه عبر التقارير الإدارية. لكنه لا ينبغي أن يمتلك سلطة توجيهه نحو أشخاص بعينهم، أو إبعاده عن آخرين، أو التأثير في صياغة ملاحظاته. فعندما يختار مَن يخضع للتدقيق، ويتابع تفاصيله، ثم يستخدم نتائجه في قراراته تجاه الموظفين، تختلط الإدارة بالرقابة، وتضيع المسافة التي تمنح التدقيق صدقيته. وقد لا يحتاج الرئيس التنفيذي إلى إصدار توجيه صريح؛ فمدير التدقيق قد يقرأ ميوله، ويدرك مَن ينسجم معهم ومَن لا يرتاح إلى آرائهم، ثم يوجه التدقيق نحو الطرف غير المرغوب فيه، وينتقي من الوقائع ما ينسجم مع توجه الرئيس، أملاً في كسب ثقته وتعزيز موقعه. وهنا لا يعود مدير التدقيق خاضعاً للتأثير فحسب، بل يصبح شريكاً في صناعة الصورة التي يرغب الرئيس التنفيذي في رؤيتها. وكلما قدّم تقريراً يضعف شخصاً لا يرتاح إليه الرئيس، ازداد قرباً ونفوذاً، حتى تصبح قوته مستمدة من رضا الرئيس، لا من استقلاله المهني أو ثقة لجنة التدقيق. وقد يبدأ بقياس أهميته بقدرته على العثور على الملاحظات التي يريدها الرئيس التنفيذي، لا بقدرته على تقديم الحقيقة المتوازنة، فتختلط المصلحة الشخصية بالمسؤولية المهنية، ويصبح التدقيق وسيلة يستخدمها مدير التدقيق لتعزيز موقعه وإثبات ولائه. فأخطر مدير للتدقيق ليس مَن يستجيب للضغط فقط، بل مَن يسبقه، ويتوقع رغبة صاحب السلطة، ثم يستخدم صلاحياته لتحقيقها. ويكفي أن يعرف الموظف أن اختلافه مع الرئيس التنفيذي قد يعقبه تدقيق مفاجئ، أو فتح ملفات قديمة، أو تضخيم هفوة صغيرة، حتى يفهم الرسالة من دون أن ينطق بها أحد: الصمت أكثر أماناً من إبداء الرأي، والموافقة أقل كلفة من الاعتراض. ولا يتوقف الخطر عند اختيار مَن يخضع للتدقيق، بل يمتد إلى قراءة الوقائع وعرضها. فالمعلومة الواحدة قد تُكتب بوصفها ملاحظة إجرائية قابلة للتصحيح، وقد تظهر، إذا أُخرجت من سياقها، كمخالفة جسيمة. وربما يُهمَل ما يبرر القرار، أو تُقتطع مراسلة من سياقها، أو تُستخدم عبارات لا تتناسب مع حجم الملاحظة، فيبدو الخطأ البسيط كأنه تقصير متعمد. وهنا يصبح التقرير أداة لصناعة الانطباع، لا لكشف الحقيقة. فليس ضرورياً أن يتضمن معلومة كاذبة حتى يكون ظالماً؛ قد تكون وقائعه صحيحة، لكن ترتيبها، وانتقاء بعضها وإهمال الآخر، والمبالغة في تفسيرها، قد تصنع صورة مختلفة عن الواقع. فالحقيقة لا تُشوَّه بالكذب وحده، بل عندما يُقال جزء منها ويُحجب ما يفسرها. ومن أخطر صور ذلك استخدام لغة غير متوازنة؛ فيُوصف الخطأ غير المقصود بأنه «تجاوز»، والاجتهاد الإداري بأنه «مخالفة»، والاختلاف في التقدير بأنه «عدم تعاون». ثم تتحول الملاحظة الصغيرة إلى قضية تمس كفاءة الموظف ونزاهته وسمعته المهنية. ولا يقع الضرر على الموظف المستهدف وحده، بل يمتد إلى المؤسسة. فعندما يرى الموظفون زميلاً كفؤاً تُفتح ملفاته لأنه اختلف مع الرئيس التنفيذي، يتعلمون أن السلامة ليست في الالتزام بالنظام، بل في تجنب الاختلاف. ويصبح الولاء للشخص أهم من الولاء للمؤسسة، وتختفي المبادرة، وتصمت أصوات كان يمكن أن تنبه إلى أخطاء حقيقية. وهنا تظهر مسؤولية المدقق الداخلي. فالمهنية لا تعني تنفيذ كل ما يُطلب منه بلا سؤال. عليه أن يسأل: هل تستند المهمة إلى تقييم موضوعي للمخاطر؟ هل تُطبق المعايير نفسها على الجميع؟ هل نحاول اكتشاف الحقيقة، أم نبحث عن أدلة تؤيد حكماً اتُّخذ مسبقاً؟ إن استقلال المدقق يُختبر عندما يستطيع القول إن الوقائع لا تبرر الاستهداف، أو إن الخلل مؤسسي ولا يتحمله شخص واحد. والتدقيق العادل لا يبحث عما يدين الموظف، بل عما يفسر الواقعة كاملة. يستمع إلى جميع الأطراف، ويفرق بين الخطأ الفردي والخلل المؤسسي، وبين سوء النية وضعف الإجراء، ويوازن بين الملاحظة وأثرها. فالتقرير المهني لا يضخّم ليرضي مَن طلب التدقيق، ولا يخفف لحماية صاحب النفوذ؛ بل يضع الحقيقة كما هي، لا أكبر ولا أصغر. لكن مطالبة المدقق بالشجاعة لا تكفي؛ فالشجاعة الفردية تحتاج إلى نظام يحميها. ومن الصعب أن يكون المدقق مستقلاً إذا كان الرئيس التنفيذي يستطيع التأثير في تعيينه وتقييمه ومكافآته وميزانيته ومستقبله. ولهذا لا تكون الاستقلالية شعاراً، بل ترتيبات واضحة تجعل الارتباط الوظيفي لمدير التدقيق الداخلي بلجنة التدقيق المنبثقة عن مجلس الإدارة. فهي التي تعتمد ميثاقه وخطته وموارده، وتتابع أداءه، وتحمي وصوله إلى المجلس، وتلتقي به بعيداً عن الإدارة التنفيذية. ولا يعني ذلك عزل التدقيق عن الرئيس التنفيذي؛ فالتعاون بينهما ضروري، لكن التعاون شيء والتبعية شيء آخر. للرئيس التنفيذي أن يطلب فحص خطر أو ملاحظة، لكن لا ينبغي له تحديد النتيجة، أو تقييد نطاق التدقيق، أو منع وصول التقرير إلى لجنة التدقيق، أو تحويله إلى أداة لمعاقبة مَن يختلفون معه. كما يجب ألا تبدأ خطط التدقيق بالأسماء، بل بالمخاطر، وأن تكون هناك معايير واضحة لاختيار مهامه، وحق عادل للجهة الخاضعة له في تقديم ردها وأدلتها، ومراجعة مستقلة لجودة عمله. فمَن يراجع الآخرين يجب أن يكون مستعداً لأن تُراجع منهجيته وأحكامه أيضاً. إن التدقيق القوي قد يكشف أخطاء مؤلمة، لكنه يفعل ذلك بعدالة. أما استخدامه لتخويف الموظفين، فقد ينجح في إسكات الأصوات، لكنه يفشل في حماية المؤسسة. وربما يمنح الرئيس التنفيذي شعوراً مؤقتاً بالسيطرة، ومدير التدقيق نفوذاً مؤقتاً، لكنه يترك ثقافة خائفة وموظفين يتجنبون قول الحقيقة. التدقيق الداخلي لم يُنشأ ليكون سيفاً في يد الإدارة، ولا سلماً يصعد به مديره نحو مزيد من النفوذ، بل ضميراً مهنياً للمؤسسة. والضمير لا يختار مَن يحاسبه بناءً على القرب أو الخصومة، ولا يغيّر صوته بحسب قوة الأشخاص. فأخطر ما يصيب التدقيق ليس أن يفشل في اكتشاف الأخطاء، بل أن يتحول إلى أداة لتخويف الموظفين، ولَيِّ الحقائق، وتضخيم الهفوات، وإسكات الحقيقة.
6390
| 06 سبتمبر 2026