رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
حين نرى شخصاً مبتلى في نفسه، أو ماله، أو عياله، أو ما شابه ذلك في القيمة، فقد يتبادر إلى الذهن أحياناً، أن هذا الابتلاء عذاب إلهي لأجل تصفيته أو تنقيته من الذنوب والآثام. وهذا التصور صحيح لكنه باعتبار ما جاء عن النبي الكريم – صلى الله عليه وسلم – في الحديث المتفق عليه أنه "ما يُصيب المسلم من نَصب، ولا وصَب، ولا هَم، ولا حَزن، ولا أَذى، ولا غَم، حتى الشوكة يُشاكها إلا كفّر الله بها من خطاياه". لكنه رغم ذلك، فهو ليس بالتصور الوحيد لمسألة الابتلاءات والفتن.
وفي هذا السياق، ربما تساؤل هاهنا يفرض نفسه قائلاً: هل الله سبحانه بحاجة لأن يعذب عباده أو يفتنهم ليغفر لهم؟ حاشا لله أن يكون الأمر كذلك. فكيف نفهم الأمر إذن، أو كيف نفهم مسألة الابتلاء والفتن؟ ولكي نفهم المسألة بشكل أكثر وضوحاً وعمقاً، سنتطرق إلى بعض أمثلة ووقائع، ربما تساعدنا على فهم سر الابتلاءات أو المغزى منها في عالم البشر.
من المسائل المهمة المتعلقة بالابتلاء، بالإضافة إلى كونه تصفية وتنقية للإنسان من الذنوب والخطايا، فهو تربية وتهيئة وإعداد لمسؤوليات أكبر، أو إن صح التعبير وكان أكثر دقة، ليتحمل المبتلى الأمانة، التي تتنوع في عالم البشر. تلك الأمانة التي أبت السماوات والأرض والجبال أن يحملنها، وحملها الإنسان.
فتنة الملك طالوت
معاناة بني إسرائيل كانت كبيرة مع ملك ظالم جبار هو جالوت. حتى إذا بلغوا حداً لا يطاق من المعاناة والعذاب، ذهبوا إلى نبيهم وسألوه أن يدعو الله ليخلصهم من هذا الظالم. فكانت القصة المعروفة، واختيار طالوت، صاحب العلم والجسم، ملكاً عليهم، فكان أول اختبار لهم على صدقهم وقدرتهم على تحمل المسؤولية والأمانة.
فشل كثيرون منهم في الاختبار الأول باعتراضهم على اختيار طالوت ملكاً عليهم بحجة أنه لم يؤت سعة من المال! لاحظ معي معيارهم في اختيار القائد. المال قبل العلم، والحكمة، والكفاءة، والقوة أو القدرة. كانت أول صدمة لطالوت بعد اختياره ملكاً ونزول أمر القتال. فكيف يقاتل عدواً شرساً مثل جالوت بأمثال هؤلاء الجند، وهم بعد لم يجمعوا صفوفهم؟ تساؤل منطقي وواقعي. لكن بعد عدة نقاشات جرت بينهم وبين نبيهم، استقر الأمر، وبدأ طالوت يجمع جنوده ويجهز جيشه للمعركة المرتقبة، وهو لم ينس ما جرى منهم واعتراضهم عليه.
الأمر في ذهن طالوت أنه بحاجة لضبط وربط وتمحيص، فالمهمة التي هم بصدد القيام بها ليست سهلة. ولأنها كذلك، فهي إذن تحتاج إلى أصحاب عزائم، وبأس، وولاء، وطاعة. فلا مجال للخلاف والمشاكسة والمعارضة لأجل المعارضة. كان لابد من اختبارهم، فكانت قصة النهر الذي سيمر الجيش عبره بعد قليل. (فلما فصل طالوت بالجنود قال: إن الله مبتليكم بنهر. فمن شرب منه فليس مني، ومن لم يطعمه فإنه مني، إلا من اغترف غرفة بيده. فشربوا منه إلا قليلاً منهم ).
ذكر بعض المفسرين أن عدد من شرب من الجيش بلغ قرابة ستة وسبعين ألفاً من مجموع ثمانين ألفاً هم كل جيش طالوت ! ما يعني أنه لم تبق معه سوى فئة قليلة لكنها وفق معايير طالوت، فئة مخلصة صادقة، التزمت بتعليمات القائد، فتيقن حينها بعد مشهد الاختبار والابتلاء والتصفية، أنه بهذه الفئة القليلة المخلصة سيتمكن بإذن الله من تحقيق الإنجاز المطلوب، لأنهم من بقي وأظهر التزاماً وتحملاً للمسؤولية والأمانة. فكم من فئة قليلة غلبت فئة كثيرة بإذن الله. هكذا هو قانون النصر الإلهي منذ قديم الزمن. ولقد كان من بين الفئة القليلة تلك، نبي الله فيما بعد، داود عليه السلام، الذي قاتل تحت راية طالوت، فكان له شرف قتل عدوهما جالوت. هذا مشهد أول في موضوعنا.
قصة الإسراء والمعراج
مشهد ثان مثير يهز الوجدان هزاً.. إنه مشهد الإسراء والمعراج. الرحلة الكونية في اللازمن التي قام بها النبي الكريم - صلى الله عليه وسلم – والتي أصر بعدها أن يُحدّث الناس بها في اليوم التالي للرحلة، حتى كانت زوجته أم هانئ ترجوه ألا يفعل، لأنها كانت تدرك صعوبة استيعاب مثل هذا الأمر في مكة. إذ كيف يسافر شخص من مكة إلى بيت المقدس، ثم يحدثهم بالعروج إلى السماوات، والرجوع بعد ذلك على نفس الخط إلى مكة، وكل ذلك في ليلة واحدة، وقوافلهم تسير عبر الصحاري قرابة الشهرين من الزمن (إنّ هذا لشيءٌ عُجاب).
لكن حدث فعلاً وخرج عليه الصلاة والسلام صبيحة الرحلة الكونية، وأخبر أهل مكة بذلك. وكان من الطبيعي أن يقع التكذيب، لكن ليس هذا بالمهم عند رسول الله، لأن المهم عنده – صلى الله عليه وسلم - وقتئذ هم الذين أسلموا ولم يكن الإيمان قد استقر بعدُ في قلوبهم، فكانت القصة نوعاً من الفتنة والابتلاء لهم. فحدث على إثر سماعهم لها، أن ارتد كثيرون منهم عن الإسلام.. فأن يحدث مثل هذا الارتداد عن الدين الآن، خيرٌ من أن يحدث في قادم الأيام، حين الدولة قائمة، وتكون بحاجة لكل طاقاتها في مواجهة التحديات والصعاب.
لم يكن النبي الكريم – عليه الصلاة والسلام – ليرضى دخول أصحاب القلوب غير العامرة ولا المستقرة بالإيمان في صفوف الفرقة الأولى من المسلمين، التي كان عليه الصلاة والسلام يقوم على إعدادها وفق مواصفات معينة، ستكون في قادم الأيام على قدر من المسؤولية كبير، وتتحمل الأمانة العظيمة المنتظرة.
اصطفاء أهل بدر
أما المشهد الثالث فكان في معركة بدر، التي لا ريب في أنها كانت معركة بإدارة وترتيب إلهي دقيق، بدءاً من اختيار الثلاثمائة وثلاثة عشر صحابياً للقيام بمهمة اعتراض قافلة قريش وضرب اقتصادها، مروراً بتحفيز المشركين للخروج، ومن ثم رؤية كل طرف للآخر على أنهم قلة قليلة، وتهيئة ميدان المعركة وخروج صناديد وقادة قريش لمصيرهم المنتظر وغير ذلك من مشاهد قبل وأثناء المعركة.
المشهد الذي أريد الوقوف عنده، هو عدد جيش المسلمين. إنهم من كانوا أهلاً ليكون لهم هذا الاصطفاء الإلهي من دون المسلمين الآخرين في المدينة. ولم لا؟، وقد مكثوا بالمدرسة المحمدية طوال الفترة المكية، مروا باختبارات وابتلاءات عديدة لم تذكرها كتب السير، لكنهم دون شك، وصلوا إلى درجة يريد الله أن يكافأهم عليها، فكان قدرهم المشاركة في المعركة، دون أي إعداد منهم لها، لا مادياً ولا معنويا. فنجحوا رغم ذلك في الاختبار أو الابتلاء الأخير، وصبروا في المعركة، وحدث ما حدث.
عرفهم الناس منذ ذلك الوقت إلى يوم الناس هذا بالبدريين. وكانوا صفوة الناس يومذاك، مثلما كانت الملائكة التي نزلت في المعركة، من خيار أهل السماء في تلك الفترة. وما كان اختيار الرسول - صلى الله عليه وسلم - لأولئك النفر ليكونوا في مهمة اعتراض قافلة قريش، إلا لحكمة إلهية سيعلمها الناس بعد حين من الدهر قصير. ذلك أن المهمة التي بدت يسيرة بادئ الأمر، تطورت – كما أسلفنا - لتكون مواجهة عسكرية مع قريش، دون أي استعداد نفسي أو بدني لازم لقتال عنيف، سيكون فيه دماء وآلام ومصاعب، لن تتحملها سوى نفوس مصطفاة معينة، فكانوا هم، وبالتالي عرفهم الناس بالبدريين.
اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم
البدريون الذين اصطفاهم الله لمهمة التفريق بين الحق والباطل وكسر شوكة الشرك والكفر في أولى المواجهات، كافأهم الله بعد ذلك بشيء يتمناه كل مسلم، كما جاء في الصحيح حين عاتب الفاروق عمر، حاطب بن أبي بلتعة، لأنه أخبر قريشاً بخبر تجهيز الرسول - صلى الله عليه وسلم - لفتح مكة، فسأل أن يضرب عنقه لأنه نافق، فقال له الرسول - صلى الله عليه وسلم: "إِنّهُ قد شهد بدراً، وما يدرِيك، لعل اللّه أَن يكون قد اطَّلع على أهل بدر، فقال اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم".
إن النظرة الإيجابية للابتلاءات والفتن هي المغزى من حدوثها، لأنها اصطفاء وتربية وإعداد لأمور عظيمة قادمة، حتى وإن اشتدت الابتلاءات وضاقت على الإنسان، فالنتيجة المرجوة بعد الصبر عليها والتعامل الحكيم معها، ستكون مذهلة إلى الدرجة التي يسعى المبتلى بعد رؤية النتيجة في الآخرة، أن يرجع إلى الدنيا تارة أخرى ليعيش تلك المحن والفتن والابتلاءات، لعظيم نتيجة الصبر عليها. (قال يا ليت قومي يعلمون بما غفر لي ربي وجعلني من المكرمين). فليس كل أحد يبتليه الله، أو إن أردنا دقة في التعبير، ليس كل أحد يصطفيه الله في هذه الدنيا. وإن كان هذا لا يعني تمني الفتن والابتلاءات والمحن، بل الأصل أن نسأل الله العافية من الفتن، ما ظهر منها وما بطن.
لكن إن جاءت محنة أو فتنة وأصابت أحداً منا، فليسأل الله الصبر والثبات أمامها. والأمر بالطبع ليس سهلاً كسهولة الكلام والكتابة والتنظير، ولكن تذكير النفس والآخرين بذلك ربما يفيد في زمن، كثرت الفتن والابتلاءات والمحن من حولنا بصور وأشكال متنوعة، والتي نسأل الله العظيم أن يخرجنا منها سالمين، وأن يجنبنا شرورها، ويثبت قلوبنا على دينه وطاعته.
لا يسمعون فيها لغواً
لاحِظ معي أنّ الله عز وجل يكافئ عباده المتقين في الجنة، ليس فقط كما نتخيل من جزاءات مادية... اقرأ المزيد
459
| 03 سبتمبر 2026
لن يضروكم إلا أذى
دعوة الإسلام قضت عشرة أعوام مكية بقيادة النبي الكريم، صلى الله عليه وسلم، تؤسس وتبني دون دخول في... اقرأ المزيد
381
| 26 أغسطس 2026
إن الإنسان لربه لكنود
حين يقسم الله عز وجل بمخلوق من مخلوقاته العظيمة، كالسماء والأرض والنجوم والأوقات وغيرها، فإنما ذلك لبيان حقيقة... اقرأ المزيد
339
| 19 أغسطس 2026
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
د. عـبــدالله العـمـادي
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
نعلم جميعًا أن كأس الخليج هي المظهر الأبرز لوحدة شعوب دول مجلس التعاون، ولصِلات الأخوة التي تربطنا باليمن والعراق. وأنها قمة شعبية نتحاور فيها، خليجيًا، بلغة كرة القدم. ولعل دور الإعلام هو الدور الأهم في ترسيخ مفاهيم وحدة المصير والعيش المشترك، وسأناقشه في نقاط كالتالي: 1 - على الخطاب الإعلامي أن يكون رياضيًا مطلقًا، فالَّلعبُ أداءٌ يُـظْهِـرُ مدى تقدُّم كرة القدم في الدول المشاركة. ولذلك، ينبغي أن يرتكز التحليل الرياضي على تبيين الجوانب الفنية، وعوامل القوة والضعف، والحالات التي أخطأ فيها المدربون واللاعبون والحكام، بحيث يُستفاد من ذلك في زيادة الوعي الرياضي وتثقيف العقل الجمعي للناشئة والشباب. 2 - لا أحد يستطيع منع التعصب المعتدل في تشجيع الجماهير لفرقها الوطنية، إلا أن دور الصحافة ووسائل الإعلام لا ينبغي أن يُمارس بهذه الصورة، وإنما يكون الرافعة التي يُستند إليها في تهذيب النفوس، وتقوية الروح الرياضية، والتقريب بين الشعوب. والملاحظ في بعض صحافتنا الخليجية أنها تُقوّي النزعات التعصبية بعناوينها ومقالاتها الرنانة التي لا تخدم إلا زيادة توزيعها، لكنها تُسهم في إضعاف الروح الرياضية وتؤثر سلبًا في نفوس بعض قرائها. 3 - حبذا لو استثمر الإعلام البطولة في الدعاية للاستثمار، وتشجيع التجارة البينية، والسياحة من خلال مقالات تستخدم خطابًا بسيطًا يتحدث عن الدول المشاركة واقتصاداتها وقوانينها التشجيعية لغير مواطنيها، فهذا مجال يخدم ما تسعى إليه الشعوب وقياداتها الحكيمة في دول مجلس التعاون. 4 - ما أروع لو تبنّى الإعلاميون الخليجيون خطابًا مرافقًا للخطاب الرياضي، فيه دعوة للمشاركة في البنى الرياضية الأكاديمية في دولنا، وتشجيع الهيئات الرياضية الرسمية على إيفاد الشباب للدراسة فيها، كأسباير على سبيل المثال، لأن الدارسين هم القادة الرياضيون والمجتمعيون في بلادهم، وستكون دراستهم مجالًا لتمتين الروابط بين شعوبنا مستقبلًا. كلمة أخيرة: نتمنى لمنتخبنا الوطني والمنتخبات المشاركة التوفيق، وتقديم صورة مشرقة عن كرة القدم في بلداننا، تُسهم في استكمال الصورة الحضارية التي ترسمها الجماهير.
5742
| 23 سبتمبر 2026
قد يدخل رجلان إلى اجتماع واحد، ويقدم كل منهما عرضًا متقاربًا في السعر والجودة، ثم يخرج أحدهما بصفقة جديدة، بينما يخرج الآخر من دونها. وقد لا يكون الفارق في العرض نفسه، بل في تفاصيل صغيرة: طريقة الاستقبال، ونبرة الحديث، والقدرة على الاستماع، واحترام الوقت، والشعور الذي تركه كل منهما لدى الحاضرين. فالناس في عالم الأعمال لا يشترون منتجًا أو خدمة فقط، بل يختارون أيضًا الشخص الذي يطمئنون إلى التعامل معه. وقد يربح رجل الأعمال صفقة بقوة السعر أو النفوذ، لكنه لا يضمن تكرارها إلا إذا شعر الطرف الآخر بالتقدير والثقة. ومن هنا يصبح حسن التعامل جزءًا من النجاح التجاري، لا مجرد صفة شخصية جميلة. وعندما نتحدث عن نجاح رجل الأعمال، تتجه الأنظار عادةً إلى حجم استثماراته وعدد مشروعاته وأرباحه. غير أن لديه رأس مال آخر لا يظهر في الميزانية: رصيده لدى الناس. هذا الرصيد يتكوّن من كلمة صادقة، ووعد تم الوفاء به، ومستحق دُفع في موعده، وموقف حُفظت فيه كرامة إنسان. وقد تفتح السمعة الطيبة لصاحبها فرصًا لا يصل إليها بالمال وحده. والاختبار الحقيقي لأخلاق رجل الأعمال لا يكون دائمًا في قاعة الاجتماعات الكبرى، بل في تعامله مع من لا ينتظر منهم مصلحة مباشرة: موظف الاستقبال، والسائق، والعامل، وصاحب الشركة الصغيرة. ففي هذه المواقف تظهر شخصية الإنسان بعيدًا عن المجاملات والمصالح. وقد ينسى الناس ما قيل في الاجتماع، لكنهم يتذكرون من استقبلهم باهتمام، ومن أنصت إليهم، ومن تركهم ينتظرون بلا اعتذار، أو ظل ينظر إلى هاتفه أثناء حديثهم. ومن أهم التفاصيل احترام الوقت والكلمة. قد يحدث ما يسبب التأخير، لكن الاعتذار والإبلاغ المبكر يصنعان فرقًا. وحين يقول رجل الأعمال إنه سيرد غدًا، أو يسدد مستحقًا في تاريخ محدد، تصبح كلمته جزءًا من سمعته. وإذا تعذر التنفيذ، فالمصارحة المبكرة أفضل من الصمت والتسويف. فالناس قد يتفهمون تغير الظروف، لكنهم لا يتقبلون تجاهلهم. وتزداد أهمية ذلك مع الموردين والشركات الصغيرة. فقد تكون الدفعة المتأخرة بندًا بسيطًا لدى مؤسسة كبيرة، لكنها قد تعني رواتب شهر كامل لدى شركة صغيرة. لذلك، لا ينبغي أن يستخدم القوي قدرته المالية للضغط على الأضعف أو تأخير حقوقه. فدفع المستحقات في مواعيدها ليس إجراءً ماليًا فقط، بل معيار يكشف عدالة المؤسسة وطريقة تفكير قيادتها. أما في التفاوض، فليس النجاح أن يخرج أحد الطرفين منتصرًا والآخر مثقلًا بالشعور بالغبن. صحيح أن كل طرف يسعى إلى أفضل شروط ممكنة، لكن الصفقة التي يشعر بعدها أحدهما بأنه استُغل قد تتم مرة واحدة ولا تتكرر. المفاوض الذكي لا يسأل فقط: كم ربحت؟ بل يسأل أيضًا: هل سيرغب الطرف الآخر في التعامل معي مجددًا؟ فالصفقة الجيدة تحفظ المصالح وتترك الباب مفتوحًا لعلاقة أطول. ومن حسن التعامل ألا تتغير أخلاق رجل الأعمال إذا لم تتم الصفقة. فقد لا يتفق الطرفان اليوم، لكنهما قد يلتقيان في فرصة أخرى غدًا. أما تجاهل الرسائل أو إظهار الضيق لمجرد أن الاتفاق لم يكتمل، فقد يغلق بابًا كان يمكن أن يُفتح لاحقًا. وتظهر شخصية رجل الأعمال بوضوح عند الخلاف. ففي أوقات النجاح يسهل إظهار الهدوء، لكن الأخلاق المهنية تُختبر عند تأخر المشروع، أو وقوع خسارة، أو تقصير موظف، أو اختلاف الشركاء. هنا يظهر الفرق بين الحزم والإهانة؛ فالحزم يعالج المشكلة ويحفظ مكانة الإنسان، أما الإهانة فتضيف إلى المشكلة مشكلة أخرى. يستطيع رجل الأعمال أن يرفض عرضًا، أو ينهي عقدًا، أو يتخذ قرارًا صعبًا من دون رفع صوته. ومن أكثر الأخطاء ضررًا توبيخ الموظف أمام زملائه أو العملاء. فإذا كان هناك خطأ يستحق التصحيح، فالأفضل مناقشته على انفراد، أما التقدير فيمكن أن يكون أمام الجميع. وقد ينسى الموظف مكافأة حصل عليها، لكنه يتذكر طويلًا مديرًا حفظ له مكانته في موقف صعب. وهنا يأتي الإتيكيت بوصفه تعبيرًا عن التقدير، لا مجموعة من المظاهر المتكلفة. فهو لا يقتصر على أناقة الملبس أو ترتيب الجلوس، بل يبدأ بأن يعرف رجل الأعمال أسماء ضيوفه وصفاتهم، ويقف لاستقبالهم، ويعرّف الحاضرين بعضهم إلى بعض، ويضع هاتفه جانبًا، ولا يقاطع المتحدث أو يحتكر الحوار. ومن اللباقة ألا يبدأ اللقاء بالحديث المباشر عن الصفقة، بل يترك مساحة قصيرة للترحيب والتعارف، ويختار مكانًا يناسب ضيوفه، ويراعي اختلاف الثقافات والعادات، ثم يشكرهم بعد اللقاء. وفي الاجتماعات، لا يترك الانطباع الأفضل من يتحدث أكثر، بل من يعرف متى يتكلم ومتى يستمع؛ فالإنصات الحقيقي قد يكشف فرصة لم تكن ظاهرة في العرض المكتوب. ولا تكتمل جودة التعامل من دون حفظ الأسرار. ففي مجالس الأعمال تناقش أوضاع مالية وخطط مستقبلية وخلافات داخلية. ومن ينقل هذه المعلومات ليبدو واسع الاطلاع قد يجذب الانتباه مؤقتًا، لكنه يفقد ثقة الناس تدريجيًا. فمن يتحدث أمامك عن أسرار غيرك، سيجعلك تتساءل: ماذا سيقول عني عندما أغادر؟ وعلى رجل الأعمال أن يختار من يمثله بعناية. فقد يكون هو لبقًا، لكن مديرًا متعاليًا أو مساعدًا سيئ الأسلوب يستطيع أن يهدم في دقائق صورة بُنيت خلال سنوات. فالناس ينسبون تصرف الموظف إلى المؤسسة وصاحبها، ولذلك يجب أن يصبح حسن التعامل ثقافة واضحة، لا سلوكًا يظهر في حضور المالك ويختفي في غيابه. ومع ذلك، فإن حسن التعامل لا يعني المجاملة على حساب المصلحة أو العدالة. فلا يصح توظيف شخص غير مؤهل إرضاءً لصديق، أو منح عقد لمن لا يستحقه، أو السكوت عن تقصير متكرر. يمكن الاعتذار عن طلب، ورفض وساطة، وإنهاء تعاون، من دون خصومة أو إساءة. فالوضوح المهذب أفضل من موافقة مؤقتة تنتهي بخلاف أكبر. ولعل من المفيد أن يراجع رجل الأعمال نفسه بعد كل لقاء مهم، فيسأل: هل كنت واضحًا؟ هل استمعت جيدًا؟ هل راعيت وقت الآخرين ومكانتهم؟ وهل سيشعرون بالارتياح إذا تعاملوا معي مرة أخرى حتى لو لم تتم الصفقة؟ هذه الأسئلة البسيطة قد تكشف ما لا يظهر في التقارير والأرقام. في النهاية، لا تُبنى السمعة بحملة إعلامية، بل بمواقف صغيرة تتكرر كل يوم: وعد تم الوفاء به، ومستحق دُفع في موعده، وموظف عومل بإنصاف، ومورد لم تُستغل حاجته، وضيف شعر بأن وقته محل تقدير. رجل الأعمال الناجح لا يسأل فقط: ماذا ربحت من هذه الصفقة؟ بل يسأل أيضًا: ما الانطباع الذي تركته بعد انتهائها؟ فالصفقة قد تضيف رقمًا إلى أرباح العام، أما الثقة فتضيف إلى اسمه قيمة لا تظهر في الميزانية، لكنها تفتح له أبوابًا قبل أن يطرقها. وفي عالم تتقارب فيه الأسعار والمنتجات، قد تصبح طريقة التعامل هي الميزة التي لا يستطيع المنافسون تقليدها بسهولة. وقد سمعت من والدي، أحمد حامد المرواني، رحمه الله، هذه الحكمة الشعبية: «تاخذ بالطيب من الناس اللي ما تقدر تاخذه بالقوة». وهي حكمة تختصر الكثير في عالم الأعمال؛ فما يُبنى بالاحترام يدوم، وما يُنتزع بالقوة قد يتحقق مرة، لكنه لا يصنع ثقة ولا علاقة طويلة.
4926
| 22 سبتمبر 2026
جميل هذا التعاون الذي بدأته مؤسسة حمد الطبية في تحويل المواطنين للعلاج في مستشفيات القطاع الخاص، وهي خطوة تستحق الإشادة؛ لما تحققه من تخفيف الضغط على المستشفيات الحكومية، وتسهيل حصول المواطنين على الخدمات العلاجية، فضلًا عن دعم القطاع الصحي الخاص وتنشيط الحركة الاقتصادية. إنها منظومة يستفيد منها الجميع: الدولة والمواطن والمستشفى. منذ أيام، كانت لي تجربة شخصية بعد تحويلي من مؤسسة حمد الطبية إلى مستشفى «ذا فيو» لمتابعة حالتي مع أحد الأطباء. والحقيقة أن المستشفى يتمتع بمستوى راقٍ من حيث المبنى والتجهيزات والخدمات، لكنني خرجت بملاحظتين مهمتين أتمنى أن تأخذهما مؤسسة حمد الطبية بعين الاعتبار. الأولى: ربط الملفات الطبية. لا يُعقل أن يدخل المريض على الطبيب في المستشفى الخاص ليبدأ بسرد تاريخه المرضي من الصفر، وكأنه يروي قصة قصيرة! فقد ينسى بعض التفاصيل، أو يعجز عن شرح حالته بدقة، خصوصًا إذا كانت لديه أمراض مزمنة أو عمليات سابقة أو يتناول أدوية متعددة. المريض المحوَّل من مؤسسة حمد الطبية إلى القطاع الخاص يجب أن ينتقل بملفه الطبي وتاريخه العلاجي، لا أن يبدأ رحلته العلاجية من الصفر. لذلك، من الضروري أن تتضمن اتفاقيات التعاون ربطًا إلكترونيًا آمنًا يتيح للطبيب المعالج الاطلاع على الملف الصحي للمريض، بما يشمل تاريخه المرضي ونتائج فحوصاته وعملياته السابقة والأدوية التي يتناولها، وفق الضوابط المعتمدة لحماية خصوصية المرضى. فهذا الربط لا يضمن استمرارية الرعاية وسلامة المريض فحسب، بل يوفّر أيضًا وقت الطبيب، الذي قد تكون عيادته مزدحمة بالمراجعين، ويساعده على فهم الحالة بصورة أشمل وأدق، واتخاذ القرار العلاجي المناسب دون إضاعة الوقت في استعادة معلومات يفترض أن تكون متاحة أمامه منذ البداية. الثانية: توفير خدمة الترجمة الطبية ليس كل المواطنين يجيدون اللغة الإنجليزية، وليس كل من يتحدث بها قادرًا على فهم المصطلحات الطبية الدقيقة. ومع وجود أطباء لا يتحدثون العربية، تصبح الترجمة الطبية المتخصصة ضرورة لضمان فهم المريض لتشخيصه وخطته العلاجية وتعليمات الطبيب، لا مجرد خدمة إضافية. ومن المهم أن تتوافر هذه الخدمة عند الحاجة، من خلال مترجمين مؤهلين قادرين على نقل المعلومات الطبية بدقة، حتى لا يؤدي سوء الفهم إلى أخطاء في تناول الأدوية أو اتباع التعليمات العلاجية. إن نجاح هذه المبادرة لا يقتصر على تحويل المريض إلى مستشفى خاص، بل يتطلب ضمان استمرارية الرعاية الطبية وسهولة التواصل بين الطبيب والمريض. شكرًا لمؤسسة حمد الطبية على هذه الخطوة، وأتمنى أن تؤخذ هاتان الملاحظتان بعين الاعتبار لاستكمال منظومة التعاون وتحقيق الفائدة المرجوة منها للجميع.
3090
| 24 سبتمبر 2026