رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

Al-sharq

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

الشرق

مساحة إعلانية

مساحة إعلانية

المهندس سفيان خالد

- الخبير التأميني / سفيان خالد – ACII

مساحة إعلانية

مقالات

147

المهندس سفيان خالد

تأمين الحريق.. بين مبلغ الوثيقة والخسارة الفعلية

30 أغسطس 2026 , 11:34م

عندما يقع حريق كبير في متجر أو مستودع، يكون المشهد الأول واضحًا: نيران، دخان، بضائع تالفة وخسائر قد تكون بملايين الريالات. وفي وسط هذه الصدمة، قد يفتح صاحب المنشأة وثيقة تأمين الممتلكات التي تشمل خطر الحريق، وينظر إلى مبلغ التأمين المكتوب فيها، ويعتقد أن هذا هو المبلغ الذي ستدفعه شركة التأمين إذا تعرضت الممتلكات لخسارة كلية.

لكن في الواقع، المسألة ليست بهذه البساطة:

من واقع إحدى حالات الحريق التي تناولتها خلال عملي في الخبرة التأمينية، كان أحد المواقع التجارية مؤمنًا عليه بمبلغ يتجاوز 20 مليون ريال. وبعد وقوع حريق كبير، أصبح السؤال الأساسي: هل يعني وجود هذا الرقم في الوثيقة أن المؤمن له يستحق أكثر من 20 مليون ريال تلقائيًا؟

الإجابة كانت: لا.

فبعد مراجعة وثيقة التأمين، ومستندات المخزون، وحركة البضائع والبيانات المقدمة في المطالبة، تم تقدير قيمة البضاعة التي أمكن إثبات وجودها في الموقع وقت الحريق بنحو ستة ملايين ريال، ثم أصبح صافي مبلغ التأمين المستحق قرابة خمسة ملايين ريال بعد تطبيق نسبة التحمل الواردة في الوثيقة. وانتهى النزاع لاحقًا إلى اعتماد هذه النتيجة الفنية في تحديد مبلغ التأمين المستحق.

هذه الحالة تحمل درسًا تأمينيًا مهمًا لكل صاحب نشاط تجاري: مبلغ التأمين ليس شيكًا جاهزًا بقيمة الوثيقة.

مبلغ التأمين ليس قيمة التعويض

عندما نقرأ في الوثيقة أن المخزون أو الممتلكات مؤمن عليها بمبلغ معين، فهذا الرقم يمثل في الأساس الحد المالي للتغطية وفق البنود والشروط المتفق عليها. أما عند وقوع الحادث، فيبدأ سؤال مختلف تمامًا: ما الذي كان موجودًا فعلًا وقت الحريق؟ وما قيمته؟ وما الذي تضرر منه؟ وما الذي يستطيع المؤمن له إثباته؟

في الحالة المشار إليها، كانت الوثيقة تغطي أكثر من موقع وبإجمالي مبالغ تأمين كبيرة، وكان أحد المواقع محل الحريق مؤمنًا بمبلغ يزيد على 20 مليون ريال. ومع ذلك، لم يكن مجرد وجود هذا الرقم كافيًا لتحديد قيمة المطالبة.

وهنا يظهر الفرق الذي قد يغيب عن بعض المؤمن لهم بين مبلغ التأمين والخسارة الفعلية.

لو كان لديك مخزون مؤمن عليه حتى عشرة ملايين ريال، ثم أثبتت المستندات أن البضاعة التي تعرضت فعليًا للحريق تساوي أربعة ملايين، فلا تصبح العشرة ملايين مستحقة لمجرد أنها مكتوبة في الوثيقة. وفي المقابل، فإن تحديد مبلغ تأمين أقل من القيمة الحقيقية للممتلكات قد يخلق مشكلة أخرى عند وقوع الخسارة.

لذلك فإن اختيار مبلغ التأمين يجب ألا يكون مجرد رقم يوضع عند إصدار الوثيقة، وإنما يحتاج إلى مراجعة دورية تتناسب مع طبيعة النشاط وتغير حجم المخزون والممتلكات.

بعد الحريق تبدأ أهمية المستندات

الحريق قد يدمر البضاعة، لكنه في بعض الحالات يدمر معها أيضًا القدرة على إثبات قيمتها.

وهنا تبدأ واحدة من أكثر النقاط حساسية في مطالبات الحريق.

في الوثيقة محل الحالة التي أشرت إليها، ورد بوضوح أن المؤمن له يتحمل عند المطالبة مسؤولية إثبات قيمة الممتلكات المشمولة بالتأمين. كما تضمنت الوثيقة اشتراط الاحتفاظ بسجلات سليمة تتعلق بالمحتويات والمخزون.

ولهذا فإن قوائم المخزون، وفواتير الشراء، والسجلات المحاسبية، وحركات الإدخال والإخراج، وكشوف المخزون قبل الحادث، ليست أوراقًا ثانوية يتم البحث عنها بعد الحريق. إنها قد تصبح من أهم عناصر المطالبة.

ومن الأخطاء التي أراها خطرة أن يقول صاحب النشاط: «المستودع احترق بالكامل، وبالتالي من الطبيعي أن تدفع شركة التأمين كامل مبلغ الوثيقة».

احتراق المستودع يثبت وقوع الخسارة، لكنه لا يجيب وحده عن سؤال: ما قيمة ما كان موجودًا داخله لحظة وقوع الحريق؟ وهذه نقطة مختلفة تمامًا.

نسبة التحمل قد تغير الرقم أيضًا

هناك أمر آخر قد يفاجئ المؤمن له بعد الاتفاق على قيمة الخسارة، وهو نسبة التحمل.

نسبة التحمل هي الجزء الذي يبقى على المؤمن له وفق ما تنص عليه الوثيقة. وفي الحالة محل الخبرة، تضمنت الوثيقة نسبة تحمل محددة تُطبق على المطالبة وفق شروطها.

ولهذا لم تتوقف العملية عند تحديد قيمة البضاعة المتضررة، وإنما كان لا بد من الرجوع مرة أخرى إلى الوثيقة وتطبيق ما ورد فيها للوصول إلى صافي مبلغ التأمين المستحق.

وهنا تظهر أهمية قراءة الوثيقة قبل وقوع الحادث وليس بعده.

كثير من الناس يهتمون عند شراء التأمين بالسؤال: «كم قيمة التغطية؟» لكن من المهم أيضًا أن يسألوا: ما نسبة التحمل؟ ما الممتلكات المشمولة؟ هل هناك حدود فرعية لبعض التغطيات؟ ما المتطلبات الخاصة بالمخزون؟ وما الشروط التي يجب الالتزام بها طوال مدة التأمين؟

وماذا عن اشتراطات السلامة؟

وثائق تأمين الممتلكات التي تشمل خطر الحريق لا تتحدث عن التعويض فقط. بعض الوثائق تفرض اشتراطات مرتبطة بإدارة الخطر نفسه.

وفي الحالة التي راجعتها، تضمنت الوثيقة متطلبات متعلقة بجاهزية معدات مكافحة الحريق، وتدريب العاملين على استخدامها، وصيانة أنظمة الإنذار والإطفاء، إلى جانب اشتراطات مرتبطة بطريقة التخزين والسلامة داخل الموقع.

وجود طفاية حريق على الجدار لا يعني بالضرورة أن المنشأة أدت كل ما عليها. السؤال الحقيقي هو: هل المعدات مناسبة؟ هل تتم صيانتها؟ هل يعرف العاملون استخدامها؟ وهل طريقة التخزين نفسها تزيد من احتمالات انتشار الحريق؟

لذلك لا ينبغي النظر إلى هذه الاشتراطات على أنها متطلبات ورقية مرتبطة بإصدار الوثيقة فقط، وإنما جزء من إدارة الخطر طوال مدة التأمين.

الحريق لا يسبب خسارة الممتلكات فقط

قد تتم السيطرة على الحريق خلال ساعات، لكن أثره على النشاط قد يستمر أسابيع أو أشهر. فالمصنع قد يتوقف عن الإنتاج، والمتجر قد يغلق أبوابه، والمخزن قد يعجز عن تزويد العملاء بالبضائع، بينما تستمر بعض الالتزامات والمصروفات.

وهنا تظهر أهمية تغطية تعرف تأمينيًا باسم «خسارة الأرباح» أو «توقف الأعمال». فهي تختلف عن تأمين الممتلكات الذي يهتم بالخسارة المادية التي تصيب المبنى أو المعدات أو المخزون؛ إذ تتعامل تغطية توقف الأعمال - وفق شروط الوثيقة وحدودها - مع الأثر المالي الناتج عن توقف النشاط أو انخفاضه بسبب حادث مؤمن عليه. ويشيع في وثائق التأمين الإنجليزية استخدام المصطلحين:

Business Interruption / Loss of Profits

وتكتسب هذه التغطية أهمية خاصة للشركات والمصانع والمتاجر والمخازن التي يعتمد دخلها على استمرار التشغيل. لذلك من المهم أن يسأل صاحب النشاط: إذا توقف العمل بعد الحريق، فهل تشمل وثيقته هذه الخسارة؟ وما حدود التغطية وفترة التعويض؟ فوجود تأمين على الممتلكات لا يعني تلقائيًا وجود تغطية لتوقف الأعمال.

بين دور مسوي الخسائر ودور الخبير التأميني

عند وقوع حريق كبير، قد تعين شركة التأمين مسوي خسائر لمعاينة الموقع، وجمع المعلومات، وطلب المستندات، ودراسة أسباب الحادث وحجم الضرر. وفي الحالة محل المقال، كان من بين نقاط الخلاف أن مكتب تسوية الخسائر طلب مستندات ومعلومات إضافية بهدف الوقوف على كيفية وقوع الحادث وحجم الأضرار الفعلية.

أما عندما يتحول الأمر إلى نزاع، فقد يصبح دور الخبير التأميني مختلفًا؛ إذ تكون مهمته دراسة الوثيقة والمستندات وأسباب الحريق والخسائر من الناحية الفنية، ثم الوصول إلى نتيجة مبنية على ما يمكن إثباته، وليس على ما يطالب به أحد الطرفين فقط.

وفي هذه الحالة تحديدًا، كان الفارق بين المبلغ المطالب به والنتيجة الفنية كبيرًا، وهو ما يوضح لماذا قد تكون الخبرة التأمينية عنصرًا حاسمًا في النزاعات المعقدة المتعلقة بالحريق.

قبل أن يقع الحريق:

ربما يكون أهم درس في هذه الحالة أن أفضل وقت لفهم وثيقة التأمين ليس بعد رؤية الدخان.

على صاحب المنشأة أن يعرف ماذا أمّن، وبأي قيمة، وكيف سيثبت قيمة ممتلكاته إذا وقعت خسارة غدًا. وعليه أن يحافظ على سجلات مخزونه، ويراجع مبالغ التأمين مع تغير حجم نشاطه، ويتعرف على نسبة التحمل، ويلتزم باشتراطات السلامة الواردة في الوثيقة.

فالوثيقة قد تكون بملايين الريالات، لكن عند وقوع الحريق لن يكون السؤال الوحيد: كم هو مبلغ التأمين؟

بل ستكون هناك أسئلة أهم: ماذا احترق؟ ما قيمته وقت الحادث؟ هل يمكن إثبات هذه القيمة؟ وماذا تقول الوثيقة عن الخسارة؟ وإذا توقف النشاط، فهل تشمل الوثيقة أثر توقف الأعمال؟

فالحماية التأمينية الحقيقية لا تبدأ عند تقديم المطالبة، بل تبدأ من فهم الوثيقة والاستعداد الجيد قبل وقوع الخطر.

اقرأ المزيد

مساحة إعلانية