رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
لم تكن تلك الطالبة بالجامعة اللبنانية تمثل نفسها، بل كانت لسان حال أمة عظيمة تحولت إلى أمة هامشية يجلس كثير من مثقفيها في المقاهي وهم يدخنون الشيشة، ويلومون غيرهم على تأخرهم، بينما غيرهم براء مما ينسب إليهم.. قالت الطالبة في ندوة خاطبها النائب البريطاني المعروف جورج غلوي عن فشل الوحدة العربية وكان ذلك موضوع الندوة على ما يبدو: (لن تكون هناك وحدة عربية طالما هناك قوى عظمى إقليمية ودولية تعارض هذه الوحدة)، وسمت الطالبة إيران وتركيا وأمريكا.. لكن غالوي انتفض غاضباً بسبب سياسة الهروب إلى الأمام في إطار البحث عن حجج وذرائع نرمي بها أسباب فشلنا.. قال غالوي معقبا إن إيران أو أمريكا لا تمنع العرب من الاتحاد إن أرادوا، لكن العرب لا يريدون ذلك.. ويضيف: إن كانت هناك من رسالة أبعث بها إلى العرب، فهي أن السبب الوحيد الذي يمنعهم من الاتحاد منذ أربعين عاما هم العرب أنفسهم.. يقول غالوي إن أمريكا لا يمكنها التحكم في شوارع بروكلين، فهي لا يمكنها الوقوف في وجه وحدة اللبنانيين مثلا أو وحدة لبنانية سورية.. وأضاف: (ما دام العرب يجلسون في المقاهي يدخنون الشيشة ويلقون على غيرهم باللائمة على الخواجة ويلومون بريطانيا وإسرائيل، سيبقون على حالة تشتتهم وتفرقهم وبالتالي سيبقون في حالة ضعف شديد، بينما يقوم الآخرون بسرقة ثرواتهم، وهذا أمر واضح لا يحتاج لعقلية أنيشتاين لنفهمه، يجب على العرب أن يتوقفوا عن التفكير في من هو الشيعي ومن هو السني ومن هو اللبناني ومن هو السوري ومن هو الخليجي ومن هو المغاربي.. العرب 350 مليون نسمة يتحدثون لغة واحدة ويعبدون إلها واحدا، نحن في أوروبا نتحدث 150 لغة، يجب أن يفكر العرب في القوة التي يمتلكونها، لكن طالما هم متفرقون ويلومون الآخرين فلن يتقدموا أبداً).. غالوي يقول إن في البرلمان البريطاني 650 عضوا ولو سئلوا واحدا واحدا عن الفرق بين السني والشيعي، فلن نجد واحدا منهم يعرف الفرق ولا يهمهم إن كان العرب يصلون أو يصومون، بل كل ما يهمهم أن يظلوا متفرقين، بل يظلوا متشاكسين يقتل بعضهم بعضا، وفي هذه الحالة تبقى إسرائيل مسيطرة ويتمكنون كذلك من سرقة البترول والغاز وكل ما حباكم الله به.. ختم غالوي معتذرا لأنه انفعل وهو يجيب على تلك الطالبة.
إذا لم نضع لأنفسنا في حدود استعداداتنا وحاجاتنا وواجباتنا وكذلك طموحاتنا أهدافاً بعيدة وقريبة واضحة، فإننا لن نتقدم قيد أنملة.. كان رئيس الوزراء البريطاني الأسبق، ونستون تشرشل، يوما متأخرا عن اجتماع لمجلس الوزراء، فاستعار سيارة ابنته وانطلق مع مرافقه بسرعة تجاوزت المسموح. أوقفه شرطي وحرر له مخالفة رغم علمه بهوية تشرشل وسبب الاستعجال. أما ابنته فتأخرت عن محاضرتها في الجامعة بسبب اضطرارها إلى البحث عن وسيلة مواصلات أخرى، مما دفع الأستاذ إلى منعها من دخول الصف بسبب التأخير. التقى تشرشل وابنته مساء وكانا متكدرين، أبلغها بما حصل معه وأبلغته بما حصل معها، فابتسم وقال: (بوجود نظام كهذا، الكلمة الأولى فيه للقانون، أستطيع أن أقول إن بريطانيا تمكنها الآن المشاركة في الحرب العالمية الثانية).
يجب أن نرتفع إلى مستوى إسلامنا وعالمنا وعصرنا لنؤدي رسالتنا ودورنا في هذا العالم والعصر، ولنسهم في خدمة الحق والعدل وسائر القيم العليا، وخدمة أنفسنا وأمتنا وأوطاننا، وخدمة الإنسانية، ولنظفر في دنيانا وآخرتنا بمرضاة الله عزَّ وجلَّ.. فهل نحن فاعلون؟ فهدف العولمة مثلا توحيد أنماط عيش الناس وأذواقهم ورغباتهم وسلوكهم، وحتى طرق تفكيرهم ونظرتهم إلى أنفسهم، فليس غريبا أن تتعلق قلوب وأفئدة أبنائنا الصغار بـ"الهامبورغ" و"البيتزا هت" و"كنتاكي" و"البيبسي كولا" و توم آند جيري" و"باربي" وهلمجرا.. وتقوم فلسفة العولمة على ثقافة الاستهلاك وإشاعة الروح الفردية والتنافس في الكسب المادي، حيث لا فرق البتة بين الإنسان والحيوان.
يقول المفكّر الإسلامي، مالك بن نبي، يرحمه الله: "لكل حضارة منتجاتها التي تتولد عنها، ولكن لا يمكن صُنع حضارة بمجرد تبني منتجات حضارة ما، فشراء ما تنتجه الحضارة الغربية، لم يجعل الدول المشترية تكسب حضارةً أو قيماً، إذ الحضارة ليست تكديس منتجات، بل هي فكرٌ ومثلٌ وقيمٌ لابد من كسبها أو إنتاجها. وهذا ما يريده الغرب، يريد مستهلكين فقط، فإن انتقلت الحضارة إلى هذه الأسواق كما هي في الغرب فمن يشتري هذه البضاعة المُزجاة التي يدفعها كل من رآها لرداءتها؟
لا بد أن يغير القوم ما بأنفسهم حتى يغير الله ما بهم من حال بئيس، قيل إن مؤسسة إسلامية أقامت معرضا في بريطانيا للدعوة والتعريف بالإسلام.. وقال رجل بريطاني لأحد القائمين على المعرض: أنا لا أحب التنظير الذي اعتاد عليه المسلمون.. لقد عشت في إحدى البلدان الإسلامية عدة سنوات وأعرف كل شيء عن الإسلام، وهو دين رائع، نظم العلاقة مع الآخر، مسلما أو غير مسلم، ويعلمك كيف تعبد ربك بشكل واضح وكيف تتعامل مع والديك وزوجتك وأطفالك وجارك والمجتمع عموما وغير ذلك، لكنكم ما تمارسونه مختلف تماما، فأنتم، تكذبون، وتسرقون، وتسبون، ولا تحترمون الوقت، وفوضويون، ولا تحترمون النظام، وعنصريون، وتنتقصون من قدر الآخر، وتأكلون الأموال بالباطل، ولا تهتمون بالنظافة، وتحترمون الغني، وتحتقرون الفقير، ويطبق القانون عندكم على البعض دون البعض الآخر.. وختم بقوله: عودوا إلى كتابكم العظيم وطبقوا ما فيه، فإن أحسنتم التطبيق ستجدون الناس يدخلون في دينكم أفواجا دون الحاجة لمثل هذه المعارض والصرف، لأن قومنا يهمهم التطبيق والعمل الملموس أكثر من التنظير.
الميديا الغربية تحت ضغط الحقائق
رغم ارتباط الميديا في الغرب بالنظم السياسية في عموم أدائها لوظائفها لاسيما عندما يرتبط الموضوع بالشؤون المتعلقة بالآخر،... اقرأ المزيد
981
| 08 سبتمبر 2024
صراع البحر الأحمر.. مرحلة كسر العظم
كثير من المؤشرات تؤكد أن أفريقيا هي الميدان الأكثر سخونة للصراع الدولي على الموارد، والممرات البحرية الدولية. والمتصارعون... اقرأ المزيد
801
| 01 سبتمبر 2024
تحديات ما بعد الحرب والأزمة السياسية
فيما تسابق الحكومة الأمريكية ممثلة في الحزب الديمقراطي الحاكم الزمن لاهثة لإضافة أي إنجاز خارجي تدعم به حملتها... اقرأ المزيد
1200
| 25 أغسطس 2024
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
هي ليست عربية ولا حتى مسلمة، ولا تربطها بغزة رابطة دم أو دين أو لغة، ومع ذلك استطاعت في مباراة كرة قدم واحدة أن ترسل رسالة أخلاقية دوّى صداها أبعد بكثير من حدود المستطيل الأخضر. في مباراة منتخب إيرلندا أمام دولة الكيان، لم يتعامل اللاعبون الإيرلنديون مع الأمر وكأنه تسعون دقيقة من كرة القدم تنتهي بصافرة الحكم ثم يعود الجميع إلى منازلهم. ارتدى اللاعبون الشارات السوداء تضامنًا مع الفلسطينيين، وخفضوا رؤوسهم أثناء عزف نشيد المحتل، وغابت المصافحة المعتادة قبل المباراة. وقبلها أعلن حارس المنتخب غافين بازونو انسحابه ورفض المشاركة، مؤكدًا أن قراره جاء انطلاقًا من موقف ومبدأ. حتى مدرب المنتخب الإيرلندي تحدث بوضوح عن رفض ما يجري في غزة، في وقت أصبحت فيه الكلمات الواضحة نفسها تحتاج إلى شجاعة. لم تكن القضية إذن تسجيل هدف في مرمى إسرائيل، مع أن المباراة انتهت بثلاثية إيرلندية نظيفة، وإنما كانت في كيفية استخدام الرياضة لإيصال موقف إلى العالم من دون أن يتحول الملعب إلى فوضى، ومن دون شعارات جوفاء أو استعراض مؤقت ومن غير خجل كثير من المنتخبات العربية للأسف. والشارع الإيرلندي كان حاضرًا قبل المباراة كذلك. احتجاجات وأعلام فلسطينية، ومطالبات بمقاطعة المباريات، ورسالة مفتوحة وقّعها أكثر من 160 رياضيًا إيرلنديًا تطالب لاعبي المنتخب بعدم مواجهة إسرائيل. حتى الاتحاد الإيرلندي لكرة القدم سبق أن طالب بوقف مشاركة إسرائيل دوليًا، وسط جدل واسع داخل البلاد بشأن استمرار المباريات. هؤلاء فعلوا ذلك من أجل غزة. وهنا يأتي السؤال المؤلم: ونحن ؟؟ أين نحن من غزة؟ أين الشارع العربي؟ أين الجماهير؟ أين الرياضيون؟ أين المشاهير؟ أين أصحاب الملايين من المتابعين؟ وأين ذلك الصوت الذي كان يملأ الدنيا عندما كانت القضية في بدايتها؟ أخشى أن أخطر ما يمكن أن يحدث لغزة ليس فقط استمرار القتل والدمار والتجويع، وإنما أن يصبح كل ذلك بالنسبة إلينا خبرًا عاديًا. أن نرى الصورة ثم نتجاوزها. أن نقرأ عدد الضحايا ثم ننتقل إلى خبر آخر. أن تصبح غزة فقرة ثابتة في نشرات الأخبار بعدما كانت جرحًا مفتوحًا في وجدان الأمة. لقد طال الزمن، وكثرت الصور، وتكررت المشاهد، وربما أصاب البعض شيء من الاعتياد. وهنا تكمن الكارثة. لأن المأساة عندما تطول لا تصبح أقل مأساوية، والطفل الذي يجوع اليوم ليس أقل قيمة من الطفل الذي أبكانا قبل عام أو عامين، والأم التي تفقد أبناءها اليوم لا يخفف من مصابها أن العالم شاهد آلاف القصص المشابهة قبلها. في غزة شعب يعيش تحت دمار هائل وحصار ومعاناة إنسانية ممتدة، وسط اتهامات دولية بالغة الخطورة لإسرائيل بشأن ما ارتُكب بحق المدنيين الفلسطينيين. ومع ذلك، نجد أن صوت التضامن يأتي أحيانًا من دبلن أقوى من أصوات كثيرة في عواصم أقرب إلى غزة جغرافيا ودينًا ولغةً وتاريخًا. وهذه ليست مقارنة هدفها جلد الذات، وإنما إيقاظها. الإيرلندي الذي يرفع علم فلسطين لا يقول لنا: انظروا إليّ. بل ربما يسألنا من حيث لا يدري: إذا كانت غزة حرّكت ضميري وأنا على بعد آلاف الكيلومترات، فكيف أصبحت بعيدة عن ضمائركم وأنتم أهلها وإخوتها؟ لسنا مطالبين بأن نتحول جميعًا إلى سياسيين، ولا أن تتوقف الحياة، ولا أن يصبح كل إنسان خطيبًا أو ناشطًا. لكننا مطالبون بأبسط شيء: ألا ننسى. ألا تصبح صور الأطفال أرقامًا. ألا يصبح الجوع خبرًا. ألا يصبح الموت مشهدًا مألوفًا. وألا تتحول فلسطين من قضية حاضرة في الوجدان العربي والإسلامي إلى ذكرى موسمية نستحضرها فقط عندما يقع حدث كبير. ما فعلته إيرلندا يثبت أن الموقف لا يحتاج دائمًا إلى منصة سياسية ولا إلى خطاب طويل. أحيانًا تكفي شارة سوداء. أحيانًا يكفي رأس ينحني رفضًا. أحيانًا يكفي لاعب يقول: لن أشارك. وأحيانًا يكفي جمهور يرفع علمًا ليذكّر العالم بأن هناك شعبًا لم يُنسَ. لكن السؤال الذي يجب أن يؤلمنا قليلًا بل كثيرًا: إذا كانت إيرلندا ما زالت تتذكر غزة بهذا الوضوح، فبأي عذر نسمح نحن لأنفسنا أن ننساها؟ غزة ليست خبرًا قديمًا. غزة ليست «ترندًا» انتهى. وغزة، قبل كل شيء، ليست بعيدة عنا. هي منا.. ونحن أولى الناس بألا نتركها وحدها. وإلا بذلك تكون إيرلندا هي المسلمة ونحن …..
4293
| 29 سبتمبر 2026
لا يوجد إعلام رياضي خليجي واحد، وإنما إعلام خاص بكل دولة من دول مجلس التعاون. ورغم أهمية القضية وتأثيراتها السلبية على مستقبل الرياضة في خليجنا العربي، إلا أنها لم تنل ما تستحقه من البحث والدراسة، وسأناقشها من أربع زوايا. الزاوية الأولى: إن الإعلام في دولنا خال من الروح الخليجية، فهو يُعنى بالفعاليات والإنجازات الرياضية المحلية، ويركز عليها بشكل مطلق، وإذا ورد خبر رياضي خليجي فإنه يرد ضمن الأخبار غير المحلية ودون عناية به أو تمييز له. الزاوية الثانية: إنه إعلام خبري يهتم بنقل الخبر، ويفتقر إلى المقالات التحليلية العلمية. فمعظم المقالات تدور حول موضوعات تتعلق بجوانب شخصية لكتابها، ولا تقدم رؤى وأفكاراً تساعد في نشر الوعي الرياضي، أو تسهم في تخليق قاعدة جماهيرية مثقفة رياضياً تتيح إعداد جيل يبرز فيه إعلاميون وصحفيون رياضيون مستقبلاً. الزاوية الثالثة: إنه إعلام لا يُعنى بالدور التنموي الكبير للرياضة كأداة تغيير مجتمعي فعالة. فلا نجد اهتماماً بغير الجانب التنافسي لها كنشاطات بدنية، وقلما عثرنا باهتمامات بجوانبها الاجتماعية كالتوعية بالمسؤولية الاجتماعية أو التنشئة الأخلاقية للناشئة والشباب، وتنمية المشاعر الوطنية المرتكزة إلى الإسلام الحنيف والعروبة. الزاوية الرابعة: إنه إعلامُ اللعبة الواحدة، فمعظمُ موادهِ وتغطياتِـهِ تدور حول كرةِ القدمِ، وهذا أمر يعوقُ السعي لتأسيسِ قواعد شعبية للعبات الأخرى، ويؤثِّـرُ سلباً على إنجاح الفعاليات والبطولات الدولية جماهيرياً عندما تُقامُ في إحدى دولِـنا الستِّ. نبضةٌ خليجيةٌ: خليجنا واحد، عبارة تعني أننا شعب واحد في ست دول، وأن تنمية إنساننا هي مهمة خليجية نعمل جميعاً لإنجاحها، وحبذا لو انطلقنا في ذلك من الرياضة وإعلامها.
2559
| 02 أكتوبر 2026
تُولي دولة قطر اهتمامًا بالعنصر البشري القطري، وتحرص على تأهيله وتمكينه وتطوير قدراته، غير أن بعض الجهات الحكومية لا تزال لا تستفيد بالصورة المطلوبة من أصحاب الخبرات الطويلة. فعندما يصل الموظف القطري إلى مسمى «خبير» أو «استشاري»، بعد سنوات من العمل والتدرج وتحمل المسؤوليات، يفاجأ أحيانًا بأنه أصبح بلا عمل واضح، ولا تُسند إليه مهام تتناسب مع خبراته ومسماه الوظيفي. وهنا يبرز السؤال: لماذا يتحول هذا المسمى في بعض الجهات إلى محطة انتظار بدلًا من أن يكون مرحلة جديدة للعطاء؟ ولماذا يُركن موظفون كانوا بالأمس القريب مديرين ورؤساء أقسام وأصحاب قرار، ثم يُتركون بعد ترقيتهم إلى مرتبة خبير أو استشاري بلا ملفات محددة، ولا مشاركة حقيقية في اللجان والدراسات وصناعة القرار؟ إن مسمى «خبير» أو «استشاري» ليس درجة شرفية تُمنح للموظف في نهاية مساره الوظيفي، بل وظيفة تخصصية لها غاية محددة. فالخبير يفترض أن يقدم الرأي الفني المبني على التجربة والمعرفة، وأن يراجع المشروعات والسياسات، ويحلل المشكلات، وينقل خبرته إلى الموظفين الجدد. أما الاستشاري، فينبغي أن يُسهم في إعداد الدراسات، وتقديم البدائل، وتقويم الأداء، ودعم القيادات في اتخاذ القرار وتطوير أساليب العمل. والمفارقة المؤلمة أن الخبير أو الاستشاري غير القطري غالبًا ما يُستفاد منه بصورة أفضل؛ فيشارك في إعداد الدراسات، ويسهم في صياغة التوصيات والقرارات، ويكون قريبًا من أصحاب القرار، بينما قد يُبعد الخبير القطري، وهو الأعرف ببيئة العمل وتاريخ المؤسسة واحتياجات المجتمع. وهذه ليست مطالبة بإقصاء الخبرات الوافدة التي نقدر دورها، بل دعوة إلى تحقيق التوازن وإعطاء الخبرة الوطنية المكانة والدور اللذين تستحقهما. وهذا الوضع لا يضر الموظف وحده، بل يضر الجهة والدولة؛ لأنه يهدر خبرة تراكمت على مدى عشرات السنين، ويضعف نقل المعرفة بين الأجيال، ثم يدفع بعض المؤسسات إلى الاستعانة بخبراء من الخارج للقيام بأعمال يستطيع أبناء الوطن إنجازها بكفاءة. فالخبرة الوطنية ليست عبئًا إداريًا، وإنما رأس مال مؤسسي يجب المحافظة عليه وحسن توظيفه. ولنضرب مثلاً في الولايات المتحدة وعدد من الدول الأوروبية، لا تتوقف الاستفادة من أصحاب الخبرات عند عمر معين أو مغادرة المنصب القيادي؛ فنراهم في البرلمانات ومجالس الإدارات والمؤسسات والشركات ومراكز الأبحاث والجامعات والمعاهد. أما في دولنا، فكثيرًا ما يغادر المسؤول منصبه فتُطوى معه خبرته، ثم نعود إلى استقدام الخبرة من الخارج بتكاليف مرتفعة. لذلك، نأمل من الوزارات والمؤسسات الحكومية التي يسري عليها قانون الموارد البشرية تفعيل ما قرره هذا القانون من ارتباط الوظيفة بواجبات ومسؤوليات محددة، وإلزام كل جهة بإعداد بطاقة وصف وظيفي واضحة للخبير والاستشاري، ووضع خطة سنوية لمهامهما، وإشراكهما في اللجان والدراسات وبرامج التدريب ونقل المعرفة، وتقييم أدائهما على أساس مخرجات قابلة للقياس، مثل إعداد دراسة، أو مراجعة سياسة، أو تدريب مجموعة من الموظفين. فالتكريم الحقيقي للموظف القطري صاحب الخبرة أن يمنح دورًا يليق بعطائه، ويضمن استمرار خبرته في خدمة الدولة والأجيال القادمة.
1167
| 28 سبتمبر 2026