رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
ماذا بعد رمضان ؟
يأتي حديثنا هنا عمَّا ينبغى أن يكون عليه المسلم بعد رمضان على النحو الموجز الآتي
في أمور :
الاستقامة والدعاء بالقبول
استدامة أعمال البر والتقوى
خوف العاقبة :
عدم الاغترار:
الحرص على إدامة بل إدمان ذكر الله تعالي :
الحذر من الانتكاسة :
دوام النفور من الكبائر :
الوفاء بالدين إكمالا للعدة
الإكثار من صوم النفل بعد تحقيق الفرض
ودونك هذه الأمور بشيء من التفصيل :
1- الاستقامة والدعاء بالقبول
عن سفيان بن عبد الله رضي الله عنه قال: قلت يا رسول الله (ص) قل لي في الإسلام قولاً لا اسأل عنه أحداً غيرك" قال (ص) قل: آمنت بالله ثم استقم"( ) [رواه مسلم]
سؤالُ الله قبول العمل الصالح من صدق الإيمان؛ بنى إبراهيم - عليه السلام - الكعبةَ ودعا ربَّه: رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ [البقرة: 127]. والثباتُ على الدين من عزائمِ الأمور؛. وكان النبي - صلى الله عليه وسلم يكثر في الدعاء: (يا مقلب القلوب ثبت قلبي على دينك، يا مصرف القلوب! صرف قلبي على طاعتك) ، وأهل الإيمان يقولون: {رَبَّنَا لا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا} [آل عمران:8]
ولهذا كان السلف الصالح رضي الله عنهم يدعون الله أن يُبلغهم شهر رمضان ويستعدِّون لاستقباله ستَّة أشهر ويُودِّعون شهر رمضان ويدعون الله تعالى أن يتقبَّله منهم ستَّة أشهر وعلى هذا يكون العام كله عندهم رمضان،كان للحسن بن صالح جارية فباعها إلى قوم ، فلما مضى وقت من الليل أيقظتهم ، فقالوا أسفرنا؟ (أى هل طلع الفجر؟) ، فقالت ألا تتهجدوا؟! قالوا : لا نقوم إلا لصلاة الفجر ، فجاءت الحسن تبكى وتقول : ردنى ، لقد بعتنى لأناس لا يصلون إلا الفريضة. فردها
2 - استدامة أعمال البر والتقوى
من قيام ليل إلى تلاوة وغيرها في النصوص الآتية دليل على عموم قيام الليل في رمضان وبعد رمضان قال تعالى :"وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْناً وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلَاماً *وَالَّذِينَ يَبِيتُونَ لِرَبِّهِمْ سُجَّداً وَقِيَاماً" الفرقان/64
وقال تعالى :"أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ آنَاء اللَّيْلِ سَاجِداً وَقَائِماً يَحْذَرُ الْآخِرَةَ وَيَرْجُو رَحْمَةَ رَبِّهِ قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُوْلُوا الْأَلْبَابِ" الزمر/9} وقال تعالى :" وَالْمُسْتَغْفِرِينَ بِالأَسْحَارِ"آل عمران/17. وقال تعالى :" وَبِالْأَسْحَارِ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ"الذاريات/18 ، وفي هاتين الآتين الأخيرتين جاء الحديث عن صورة من صور قيام الليل ولا سيما الثلث الأخير وذلك بالاستغفار ، وجاء التعبير مرة بالجملة الاسمية المفيدة للثبات والدوام ، كما في آية آل عمران ومرة بالجملة الفعلية المفيدة للتجدد والحدوث كما في آية الذاريات ، والشاهد أن ذلك جاء عاريا من قيد زمان رمضان مما يدل على الاستمرار والدوام ، وعن قيام الليل والتهجد فيه ثبت عن المصطفى صلوات الله وسلامه عليه إدامة ذلك على مدار العام "في الصحيح عن عائشة - رضي الله عنها - " مَا كَانَ رَسُولُ اللهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ- يَزِيدُ فِي رَمَضَانَ وَلاَ فِي غَيْرِهِ عَلَى إِحْدَى عَشْرَةَ رَكْعَةً، يُصَلِّي أَرْبَعاً فَلاَ تَسْأَلْ عَنْ حُسْنِهِنَّ وَطُولِهِنَّ، ثُمَّ يُصَلِّي أَرْبَعاً فَلاَ تَسْأَلْ عنْ حُسْنِهِنَّ وَطُولِهِنَّ، ثُمَّ يُصَلِّي ثَلاَثاً. صحيح مسلم كتاب صلاة المسافرين وقصرها. باب صلاة اللَّيل وعدد ركعات النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ في اللَّيل، وأنَّ الوتر ركعة، وأنَّ الرّكعة صلاة صحيحة. عَنْ عَائِشَةَ، قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ-: "أَحَبُّ الأَعْمَالِ إِلَى الله أَدْوَمُهَا وَإِنْ قَلَّ".واقتدت به أم المؤمنين عَائِشَةُ – رضي الله عنها كما في الصحيح فكَانَتْ إِذَا عَمِلَتِ الْعَمَلَ لَزِمَتْهُ وجاء التوجيه النبوي بالحرص على ذلك ولو قليلا.
عَنْ عَائِشَةَ، أَنَّهَا قَالَتْ: كَانَ لِرَسُولِ اللهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ- حَصِيرٌ، وَكَانَ يُحَجِّرُهُ مِنَ اللَّيْلِ فَيُصَلِّي فِيهِ، فَجَعَلَ النَّاسُ يُصَلُّونَ بِصَلاَتِهِ، وَيَبْسُطُهُ بِالنَّهَارِ، فَثَابُوا ذَاتَ لَيْلَةٍ: فَقَالَ: "يَا أَيُّهَا النَّاسُ عَلَيْكُمْ مِنَ الأَعْمَالِ مَا تُطِيقُونَ ، فَإِنَّ الله لاَ يَمَلُّ حَتَّى تَمَلُّوا، وَإِنَّ أَحَبَّ الأَعْمَالِ إِلَى الله مَا دُووِمَ عَلَيْهِ وَإِنْ قَلَّ ".
وَكَانَ آلُ مُحَمَّدٍ -صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ- إِذَا عَمِلُوا عَمَلاً أَثْبَتُوهُ.صحيح مسلم كتاب صلاة المسافرين وقصرها. باب فضيلة العمل الدَّائم من قيام اللَّيْل وغيره والأمر بالاقتصاد في العبادة وهو أن يأخذ منها ما يطيق الدَّوام عليه. والحكمة في ذلك أن المديم للعمل يلازم الخدمة فيكثر التردد إلى باب الطاعة كل وقت ليجازي بالبر لكثرة تردده، فليس هو كمن لازم الخدمة مثلا ثم انقطع. وأيضا فالعامل إذا ترك العمل صار كالمعرض بعد الوصل فيتعرض للذم والجفاء، ومن ثم ورد الوعيد في حق من حفظ القرآن ثم نسيه، والمراد بالعمل هنا الصلاة والصيام وغيرهما من العبادات.
وعن التلاوة جاء الحديث في القرآن الكريم عن تجدد ذلك وحدوثه دوما فقال تعالى:" إِنَّ الَّذِينَ يَتْلُونَ كِتَابَ اللَّهِ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَأَنفَقُوا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِرّاً وَعَلَانِيَةً يَرْجُونَ تِجَارَةً لَّن تَبُورَ* لِيُوَفِّيَهُمْ أُجُورَهُمْ وَيَزِيدَهُم مِّن فَضْلِهِ إِنَّهُ غَفُورٌ شَكُورٌ"فاطر/29-30} وهكذا فلنحافظ على ما هدانا الله تعالى إليه من أعمال البر والتقوى، فذلك دليل قبول الصيام والقيام .فالطاعة بعد الطاعة دليل قبول الأولى.كما أن المعصية بعد المعصية عقوبة على المعصية الأولى، والمعصية بعد الطاعة دليل عدم قبول الطاعة والعياذ بالله . فلنحافظ على ما اعتدنا عليه من أعمال البر والخير قَالَ الله تَعَالَى: {إنَّ اللهَ لا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأنْفُسِهِمْ} . [الرعد (11) ] . أي: لا يغير نعمة أنعمها على قوم حتى يُغِّيروا ما بأنفسهم فيعصوا ربهم.
3- خوف العاقبة
قيل قديما : ابن آدم مبتلى في أربعة أشياء ضعف البشرية وتكليف العبودية وإخفاء السابقة وإبهام العاقبة. وليكن معلوما أنّ أصل الدين خوف العاقبة، فمن خافها لم يزل به الخوف حتى يأمن. عن محمد بن نعيم قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «ما جاءني جبريل - عليه السلام - إلا وهو رعد فرقاً وخوفاً من الجبار - عز وجل -» وقيل: لما ظهر على إبليس ما أظهر من المخالفة والطرد بعد القرب والعبادة، طفق جبريل وميكائيل عليهما السلام يبكيان فأوحى الله إليهما ما لكما تبكيان هذا البكاء وإني لا أظلم أحداً قالا: يا رب لا نأمن مكرك أي: ما نأمن أن تقضي علينا بالبعد بعد القرب، وبالشقاوة بعد السعادة فقال: الله تعالى هكذا كونا لا تأمنا مكري. وعن عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - أنه خرج إلى صلاة الجمعة فلقيه إبليس في صورة شيخ عابد فقال: له إلى أين يا عمر؟ فقال له: إلى الصلاة، فقال: قضينا الصلاة وفاتتك الجماعة، والجمعة فعرفه فمسكه بتلابيبه وخنقه وقال له: ويلك ألم تك رأس العابدين وقدوة الزاهدين، فأُمرت بسجدة واحدة فأبيتَ واستكبرتَ وكنتَ من الكافرين، وطُردت وأبعِدت إلى يوم القيامة فقال: تأدب يا عمر هل كانت الطاعة بيدي أم الشقاوة بمشيئتي، إني كنت أبسط سجادة عبادتي تحت قوائم العرش، ولم أترك في السماوات بقعة إلا فيها سجدة وركعة ومع هذا القرب قيل لي: أخرج منها فإنك رجيم وإن عليك لعنتي إلى يوم الدين، فإن كنت يا عمر أمنت مكر الله فإنه لا يأمن مكر الله إلا القوم الخاسرون، فقال له عمر: اذهب فلا طاقة لي بكلامك" شرح البخاري للسفيري = المجالس الوعظية في شرح أحاديث خير البرية (1/ 300)
وعن سفيان الثوري -رحمه الله- أنه خرج إلى مكة حاجاً فكان يبكي من أول الليل إلى آخره في المحمل فقال له شيبان الراعي: يا سفيان، ما بكاؤك إن كان لأجل المعصية فلا تعصه ، فقال: يا شيبان ليس بكائي ، من أجل المعصية ولكن خوف العاقبة، لأني رأيت شيخاً كبيراً كتبنا عنه العلم، - والعياذ بالله - وكان تُلْتمس بركته ويُستقى به الغيث، فلما مات تحول وجهه عن القبلة ومات على الشرك كافراً، فما أخاف إلا من سوء الخاتمة فقال له: إن ذلك من شؤم المعصية والإصرار على الذنوب، فلا تعص ربك طرفة عين. شرح البخاري للسفيري = المجالس الوعظية في شرح أحاديث خير البرية (1/ 300)
لقد أتم الله علينا النعمة بصوم شهر رمضان وقيامه والقبول بيد الله عـزَّ وجلَّ وحده رُويَ عن عليٍّ - رضي الله عنه - أنَّه كانَ ينادي في آخرِ ليلةٍ من شهرِ رمضانَ: يا ليتَ شِعْرِي! مَن هذا المقبولُ فنهنِّيه؟ ومَن هذا المحرومُ فنُعَزِّيه؟وروي عن ابنِ مسعودٍ مثله أيُّها المقبولُ هنيئًا لكَ، أيها المردودُ جبرَ اللَّه مُصيبتك.عن عليٍّ رضي الله عنه: «كُونُوا لقبول العمل أشدَّ اهتمامًا منكم بالعمل، ألم تسمعُوا الله - عز وجل - يقول: {إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ} » .قال مالك بنُ دينار: الخوفُ على العمل أن لا يُقبل أشدُّ من العمل.وعن فضالةَ: لأن أعلم أن الله تقبّل مني مثقال حبةِ خردلٍ، أحبُّ إليَّ من الدنيا وما فيها، لأن الله تعالى يقول:" إنما يتقبل الله من المتقين " ومن ذا الذي يستطيع أن يقطع لنفسه بالتقوى مع قوله تعالي " فلا تزكوا أنفسكم هو أعلم بمن اتقى " لقد علم الله من كل نفس ما هي صانعة وإلى ما هي صائرة فلا تزكوا أنفسكم فلا تبرئوها من الآثام ولا تمدحوها بحسن الأعمال. فهو أعلم بكم أيها المؤمنون علم حالكم من أول خلقكم إلى آخر يومكم فلا تزكوا أنفسكم رياء وخيلاء ولا تقولوا لمن لم تعرفوا حقيقته أنا خير منك أو أنا أزكى منك أو أتقى منك فإن العلم عند الله فلا تنسبوا أنفسكم إلى الزكاة والطهارة من المعاصي ولا تثنوا عليها واهضموها فقد علم الله الزكي منكم والتقي أولا وآخرا قبل أن يخرجكم من صلب أبيكم آدم وقبل أن تخرجوا من بطون أمهاتكم ، وفيه إشارة إلى وجوب خوف العاقبة فإن الله يعلم عاقبة من هو على التقوى "هُوَ أَعْلَمُ بِكُمْ إِذْ أَنشَأَكُم مِّنَ الْأَرْضِ وَإِذْ أَنتُمْ أَجِنَّةٌ فِي بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ فَلَا تُزَكُّوا أَنفُسَكُمْ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اتَّقَى"النجم/32} ومع إنكاره تعالى على من يُزكى نفسه بين يديه عزَّ وجلَّ "ألم تر إلى الذين يزكون أنفسهم بل الله يزكى من يشاء ولا يظلمون فتيلاً " وعلى هذا ينبغي أن يكون قلب المسلم بعد رمضان وجلاً مشفقاً لأنه لا يدرى هل قُبٍل منه الصوم أم لا ؟! قال تعالي في وصف عباد خُلَّص له " إن الذين هم من خشية ربهم مشفقون والذين هم بآيات ربهم يؤمنون والذين هم بربهم لا يشركون والذين يؤتون ما آتوا وقلوبهم وجلة أنهم إلى ربهم راجعون أولئك يسارعون في الخيرات وهم لها سابقون " عن عائشة رضي الله عنها قالت: سألت رسول الله r عن هذه الآية: }والذين يؤتون ما آتوا وقلوبهم وجلة{( ). أهم الذين يشربون الخمر ويسرقون؟ قال: "لا يا ابنة الصديق، ولكنهم الذين يصومون ويصلون ويتصدقون وهم يخافون أن لا تقبل منهم. أولئك الذين يسارعون في الخيرات وهم لها سابقون"( ). الإشفاق كمال الخشية من الله عـزَّ وجلَّ والخشية درجة أعلى من الخوف إذ لا تتأتي إلاَّ مع العلم ولذلك وصف الله تعالي العلماء بها فقال " إنما يخشى الله من عباده العلماء " " أمَّا الشفقة فهي كمال الخشية من الله تعالي مع رقة وضعف وقد ذكر الله تعالي عن أهل الجنة تذكرهم ما كانوا عليه في الدنيا في سورة الطور " إنا كنا قبل في أهلنا مشفقين فمنَّ الله علينا ووقانا عذاب السموم إنا كنا من قبل ندعوه إنه هو البر الرحيم " ولذا كانت السيدة عائشة - رضي الله عنها - عندما تقرأ هذه الآية تقول اللهم مُنَّ علينا وقنا عذاب السموم اللهم آمين . وَوَصْف الله تعالي لقلوبهم بأنها وجلة بعد الأعمال الصالحة كما في حديث رسول الله صلي الله عليه وآله وسلم لعائشة وختام الآية بقوله تعالي " أنهم إلى ربهم راجعون " يؤذن بخوفهم العاقبة إذ الأعمال بالخواتيم كما في صحيح البخاري ولقد كان السلف رضي الله عنهم على الحسنات من أن تُردَّ عليهم أشفق منَّا على السيئات أن نُعذَّب عليها كما يقول الحسن رضي الله عنه وعن أبي بكرة رَضِيَ الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال:« لا يقولن أحدكم صمت رمضان كله أو قمت رمضان كله الله أعلم أكره التزكية على أمته أو قال لا بد من رقدة أو من غفلة» .وعن النبي صلى الله عليه وسلم قال:« لا يقولن أحدكم إني صمت رمضان» . قال منصور بن عمار -رحمه الله-: إذا دنا موت العبد قسم حاله على خمسة أقسام المال للوارث، والروح لملك الموت، واللحم للدود، والعظم للتراب، والحسنات للخصوم.فماذا يبقي ؟؟!!
4- عدم الاغترار
قال ابن القيم - رحمه الله -: "إذا أرادَ اللهُ بعبدٍ خيرًا سلبَ رؤيةَ أعماله الحسنةِ من قلبه، وسلبَ الإخبارَ بها من لسانه، وشغَلَه برؤية ذنبه". مع الصيام والقيام والزكاة والاعتكاف والتلاوة وغيرها من أعمال البر التي وقعت في شهر رمضان إلاَّ أنا لا ندخل على الله تعالي بأعمالنا فرحمة الله أرجي عندنا من عملنا ومغفرته أوسع من ذنوبنا عَنْ عَائِشَةَ, زَوْجِ النّبِيّ صلى الله عليه وسلم أَنّهَا كَانَتْ تَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللّهِ صلى الله عليه وسلم: «سَدّدُوا وَقَارِبُوا. وَأَبْشِرُوا. فَإِنّهُ لَنْ يُدْخِلَ الْجَنّةَ أَحَداً عَمَلُهُ». قَالُوا: وَلاَ أَنْتَ؟ يَا رَسُولَ اللّهِ قَالَ: «وَلاَ أَنَا. إِلاّ أَنْ يَتَغَمّدَنِيَ اللّهُ مِنْهُ بِرَحْمَةٍ. وَاعْلَمُوا أَنّ أَحَبّ الْعَمَلِ إِلَىَ اللّهِ أَدْوَمُهُ وَإِنْ قَلّ» . ثُمَّ علام الاغترار ؟! ولولا فضل الله وعونه ما كان منَّا الصيام ولا القيام ولا غيره من هذه الأعمال الصالحة أولم نُقرْ بذلك في مساء كل يوم "الحمد لله الذي أعانني فصمت ورزقني فأفطرت." ومعنى هذا أنه لولا عون الله تعالى لك لما قمت بهذا الركن من أركان الإسلام وغيره من الأعمال الصالحة وألوان الطاعات ومن حداء الصحابة [ اللهم لولا أنت ما اهتدينا ولا تصدقنا ولا صلينا فأنزلن سكينة علينا وثبت الأقدام إن لاقينا ] ومن أقوال أهل الجنة " الحمد لله الذي هدانا لهذا وما كنا لنهتدي لولا أن هدانا الله لقد جاءت رسل ربنا بالحق ونودوا أن تلكم الجنة أورثتموها بما كنتم تعملون " فعلام الاغترار إذا مادام العمل لا تُوفَّق له إلاَّ بالله تعالى ؟ قال موسى عليه السلام يوم الطور: يا رب إن أنا. صليت فمن قبلك وإن أنا تصدقت فمن قبلك وإن بلغت رسالاتك فمن قبلك فكيف أشكرك؟ قال: يا موسى الآن شكرتني.
5- الحرص على إدامة بل إدمان ذكر الله تعالي
فأعظم الصائمين-بل المسلمين- أجراً أكثرهم لله ذكراً كما في الحديث " أن رجلاً سأل رسول الله صلَّى الله عليه وآله وسلَّم فقال: أي الجهاد أعظم أجراً؟ قال: «أَكْثَرُهُمْ لله تَبَارَكَ وَتَعَالَى ذِكْراً» قال: فأي الصائمين أعظم أجراً؟ قال: «أَكْثَرُهُمْ لله تَبَارَكَ وَتَعَالَى ذِكْراً» ثم ذكر الصلاة والزكاة والحج والصدقة كل ذلك رسول الله - صَلَّى الله عَلَيْه وَآَلِه وَسَلَّم - يقول: «أَكْثَرُهُمْ لله تَبَارَكَ وَتَعَالَى ذِكْراً» فقال أبو بكر لعمر رضي الله تعالى عنهما: يا أبا حفص ذهب الذاكرون بكل خير فقال رسول الله - صَلَّى الله عَلَيْه وَآَلِه وَسَلَّم - : «أَجَلْ» . وَفِي " صَحِيحِ مُسْلِمٍ " عَنْ عَائِشَةَ، قَالَتْ: «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَذْكُرُ اللَّهَ عَلَى كُلِّ أَحْيَانِهِ» . وَقَالَ أَبُو الدَّرْدَاءِ: الَّذِينَ لَا تَزَالُ أَلْسِنَتُهُمْ رَطْبَةً مِنْ ذِكْرِ اللَّهِ، يَدْخُلُ أَحَدَهُمَا الْجَنَّةَ وَهُوَ يَضْحَكُ، وَقِيلَ لَهُ: إِنَّ رَجُلًا أَعْتَقَ مِائَةَ نَسَمَةٍ، فَقَالَ: إِنَّ مِائَةَ نَسَمَةٍ مِنْ مَالِ رَجُلٍ كَثِيرٌ، وَأَفْضَلُ مِنْ ذَلِكَ إِيمَانٌ مَلْزُومٌ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ، وَأَنْ لَا يَزَالَ لِسَانُ أَحَدِكُمْ رَطْبًا مِنْ ذِكْرِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ. وَقَالَ مُعَاذٌ: لَأَنْ أَذْكُرَ اللَّهَ مِنْ بُكْرَةٍ إِلَى اللَّيْلِ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ أَنْ أَحْمِلَ عَلَى جِيَادِ الْخَيْلِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ مِنْ بُكْرَةٍ إِلَى اللَّيْلِ. جامع العلوم والحكم ت الأرنؤوط (2/ 514ولهذا رأينا في القرآن الكريم بعد كثير من التكاليف الشرعية يأتي الأمر بالذكر الكثير لله تعالي ومن ذلك بعد الصلاة يقول تعالي "فإذا قضيتم الصلاة فاذكروا الله قياما وقعوداً وعلى جنوبكم فإذا اطمأننتم فأقيموا الصلاة … " وفي الحج يقول تعالي " فإذا قضيتم مناسككم فاذكروا الله كذكركم آباءكم أو أشدَّ ذكرا " فقد كان من عادة العرب في الجاهلية أن يتخذوا من موسم الحج فرصة للتفاخر بالآباء والأجداد وتعداد مآثرهم ومفاخرهم حتى إن ذلك ليغلب على ذكرهم لله تعالي فقلبوا بذلك الأمر ولذا تدرج الله تعالي بهم فدعاهم إلى ذكره عـزَّ وجلَّ وإن لم يَزد ذكرهم لله تعالي على ذكرهم لآباءهم فلا يقل ولا ينقص عنه وفي الجهاد يقول تعالي " إذا لقيتم فئة فاثبتوا واذكروا الله كثيراً لعلكم تفلحون " . وفي الجمعة يقول تعالي " فإذا قضيت الصلاة فانتشروا في الأرض وابتغوا من فضل الله واذكروا الله كثيراً لعلكم تفلحون " وفي سورة الأحزاب بيان لصفات الشخصية المسلمة الحقة المستجمعة لخصال الخير والمتأبية على خصال الشر هذه الصفات جاءت مرتبة ترتيباً تصاعدياً حتى جاء الذكر الكثير في أعلاها قال تعالي " إن المسلمين والمسلمات والمؤمنين والمؤمنات والقانتين والقانتات والصادقين والصادقات والصابرين والصابرات والخاشعين والخاشعات والمتصدقين والمتصدقات والصائمين والصائمات والحافظين فروجهم والحافظات والذاكرين الله كثيرا والذاكرات أعدَّ الله لهم مغفرة وأجراً عظيما " .هذا وممَّا يُعين على الذكر الكثير الأخوَّة في الله ولهذا دعا موسي عليه السلام ربه أن يجعل له من أخيه من أبيه وأمه أخا له في الله تعالى فقال " رب اشرح لي صدري ويسِّر لي أمر ي واحلل عقدة من لساني يفقه قولي ، واجعلي وزيرا من أهلي هارون أخي أُشدد به أزري وأشركه في أمري " لماذا قال " كي نُسبحك كثيرا ونذكرك كثيرا إنك كنت بنا بصيرا قال قد أوتيت سؤلك يا موسي " وتلك دعوة مُجرَّبة فلنحرض عليها ولاحظ الهدف منها عند موسي عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام لم يكن الهدف منها العصبية ولا الحزبية ولا القومية ولكن الذكر الكثير والتسبيح الكثير وقد آتاه الله تعالى سؤله
6- الحذر من الانتكاسة
إن الطفل بعد أن تتم فترة رضاعته وبعد أن يستوفي حقه من ذلك تماما على النحو الذي فصَّل الله عـزَّ وجلَّ في كتابه فقال " والوالدات يرضعن أولادهن حولين كاملين لمن أراد أن يتم الرضاعة " . أقول بعد هذه الفترة ،لا يرجع الوالدان به بعد ذلك إلى الرضا ع من جديد ولا يسمحان له بالعود إلى ذلك لأن هذا يعنى انتكاسة لا يُسمح للطفل بها أبدا بهذه الانتكاسة تربية للعزيمة وتقوية للإرادة لدى الطفل وكما أن الأمر هكذا بالنسبة للطفل فهو هكذا للنفس فنحن في رمضان أخذنا أنفسنا بالعزيمة وقمنا بفطامها عن المعاصي وأعاننا المولى عـزَّ وجلَّ على ذلك فحبس عنَّا شياطين الجن كما في الحديث الصحيح عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ، أَنَّ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قَالَ: «إِذَا جَاءَ رَمَضَانُ فُتِّحَتْ أَبْوَابُ الْجَنَّةِ، وَغُلِّقَتْ أَبْوَابُ النَّارِ، وَصُفِّدَتِ الشَّيَاطِينُ» صحيح مسلم كتاب الصيام. باب فضل شهر رمضان. فينبغى أن نحذر الانتكاسة بعد رمضان بالعود إلى المعاصي من جديد فإنها انتكاسة ما بعدها انتكاسة
والنفس كالطفل إن تهمله شبَّ على حب الرضاع وإن تفطمه ينفطم
ولنحذر نقض غزلنا بعدما أبرمناه قال تعالى :"وَلاَ تَكُونُواْ كَالَّتِي نَقَضَتْ غَزْلَهَا مِن بَعْدِ قُوَّةٍ أَنكَاثاً تَتَّخِذُونَ أَيْمَانَكُمْ دَخَلاً بَيْنَكُمْ أَن تَكُونَ أُمَّةٌ هِيَ أَرْبَى مِنْ أُمَّةٍ إِنَّمَا يَبْلُوكُمُ اللّهُ بِهِ وَلَيُبَيِّنَنَّ لَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مَا كُنتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ"النحل: 92 يحذر الله المؤمنين أن يكونوا بهذه الصفة، والذي يوعد الوعد ومن ثم يخلف ولا ينفذ، أو يعقد العقد ومن ثم يتحلل منه ولا يعطيه شبهه الله بامرأة خرقاء حمقاء كانت في الجاهلية تغزل غزلها إلى أن تعمل منه ثوباً، ومن ثم تنقض هذا الثوب، ومن ثم ترجع تغزله مرة أخرى، ومن ثم تنقضه! أتكون مثلها كلما عقدت عقداً نقضته، وكلما عاهدت عهداً غدرت به؟! فيقول لنا: {وَلا تَكُونُوا كَالَّتِي نَقَضَتْ غَزْلَهَا مِنْ بَعْدِ قُوَّةٍ أَنكَاثًا} [النحل:92] من بعد ما كنتم أقوياء بالإيمان فارقتم ذلك بالمعاصي ورجعتم القهقري!
قال كعب: من صام رمضان وهو يحدث نفسه إذا أفطر من رمضان لم يعص الله دخل الجنة بغير مسألة ولا حساب ومن صام رمضان وهو يحدث نفسه إذا أفطر عصى ربه فصيامه عليه مردود.وذلك للحديث الصحيح " الْأَعْمَالُ بِالنِّيَّةِ وَلِامْرِئٍ مَا نَوَى فَمَنْ كَانَتْ هِجْرَتُهُ إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ فَهِجْرَتُهُ إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَمَنْ كَانَتْ هِجْرَتُهُ لِدُنْيَا يُصِيبُهَا أَوْ امْرَأَةٍ يَتَزَوَّجُهَا فَهِجْرَتُهُ إِلَى مَا هَاجَرَ إِلَيْهِ"صحيح البخاري كِتَاب الْعِتْقِ. باب الْخَطَإِ وَالنِّسْيَانِ فِي الْعَتَاقَةِ وَالطَّلَاقِ وَنَحْوِهِ وَلَا عَتَاقَةَ إِلَّا لِوَجْهِ اللَّهِ.ولأنه بات مصرا على معصية الله تعالى وقد جاء فى وصف المتقين عدم الإصرار على المعصية ، قال تعالى: وَسَارِعُواْ إِلَى مَغْفِرَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ * الَّذِينَ يُنفِقُونَ فِي السَّرَّاء وَالضَّرَّاء وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ *وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُواْ فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُواْ أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُواْ اللّهَ فَاسْتَغْفَرُواْ لِذُنُوبِهِمْ وَمَن يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلاَّ اللّهُ وَلَمْ يُصِرُّواْ عَلَى مَا فَعَلُواْ وَهُمْ يَعْلَمُونَ *أُوْلَـئِكَ جَزَآؤُهُم مَّغْفِرَةٌ مِّن رَّبِّهِمْ وَجَنَّاتٌ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَنِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ "آل عمران:133-136،
7- دوام النفور من الكبائر
الذنوب منها ما الكبار ومنها الصغار ، ولا بد للمسلم من مجاهدة نفسه حتى يسلس له منها الانقياد والمرء بجبلته يقع في المعصية عنْ أَنَسٍ رَضِيَ الله عنه قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللّهِ صلى الله عليه وسلم: «كُلّ بَنِي آدَمَ خَطّاءٌ. وَخَيْرُ الْخَطّائِينَ التّوّابُونَ" .وقد ادخر الله تعالي عنده خيرا كثيرا باقيا وما عنده تعالى هو خير وأبقي لقوم من أبرز صفاتهم ومحاسنهم اجتنابهم للكبائر فقال تعالى:" وَمَا عِندَ اللَّهِ خَيْرٌ وَأَبْقَى لِلَّذِينَ آمَنُوا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ *وَالَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الْإِثْمِ وَالْفَوَاحِشَ وَإِذَا مَا غَضِبُوا هُمْ يَغْفِرُونَ *وَالَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِرَبِّهِمْ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ * وَالَّذِينَ إِذَا أَصَابَهُمُ الْبَغْيُ هُمْ يَنتَصِرُونَ.."الشورى:36-39" وفي النجم جاء في وصف من سيجزيهم الله بالحسنى أنهم " الذين يجتنبون كبائر الإثم والفواحش إلاَّ اللمم … ". واللمم صغائر الذنوب وعلى هذا فالمسلم مطالب بالمجاهدة لنفسه حتى لا يقع في الكبائر فيغفر الله تعالي له الصغائر مطالب بأن يعيش روح رمضان من رمضان حتى رمضان القادم مجتنباً للكبائر فيمحو الله عنه ما يرتكب من صغائر يدل على ذلك قوله تعالي " إن تجتنبوا كبائر ما تُنهون عنه نُكفر عنكم سيئاتكم وندخلكم مدخلاً كريماً ". والمقصود بالسيئات هنا الصغائر فاجتناب الكبائر _ مع القيام بالأعمال الصالحة من مثل الصوم والصلاة وغيرها _ يُكفِّر الصغائر لهذه الآية الكريمة السابقة وكما في الحديث الشريف عنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه أَنّ رَسُولَ اللّهِ صلى الله عليه وسلم كَانَ يَقُولُ "الصّلَوَاتُ الْخَمْسُ. وَالْجُمُعَةُ إِلَى الْجُمُعَةِ. وَرَمَضَانُ إِلَى رَمَضَانَ. مُكَفّرَاتٌ مَا بَيْنَهُنّ. إِذَا اجْتَنَبَ الْكَبَائِرَ" . ولئن كان الجو العام في رمضان يساعد على الاستقامة والنفور من الكبائر لتصفيد الله تعالي لشياطين الجن عنَّا فأولى بنا أن نكون أشدَّ حذراً بعد رمضان لإطلاق سراحهم وعودتهم إلى الغواية من جديد " لأزينن لهم في الأرض ولأغوينهم أجمعين ، إلاَّ عبادك منهم المخلصين " ومن هنا يتوجب على المسلم النفور من الكبائر لتسلم له الأعمال الصالحة ولا تبطل ويضيع أجرها عليه لقوله تعالي " يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول ولا تبطلوا أعمالكم " فكما أن الحسنات يذهبن السيئات فكذلك السيئات يذهبن الحسنات " " لئن أشركت ليحبطن عملك ولتكونن من الخاسرين " . وعلى هذا فما الكبائر ؟ التي إذا اجتنبها المسلم من رمضان إلى رمضان مع أدائه للأعمال الصالحة المفروضة كفَّر ذلك عنه – السيئات الصغيرة _ وغيرها . الكبيرة : هي كل ما ورد فيه حد أو وعيد شديد وهذه فرصة ندعو فيها الإخوة والأخوات إلى قراءة كتاب : "الكبائر " للإمام الذهبي رحمه الله فقد جمع فيه قرابة السبعين كبيرة وهو كتاب يسير بثمن بخس دراهم معدودة لكنه عظيم النفع والفائدة وثّمَّة كتاب آخر في بابه عنوانه " الزواجر عن اقتراف الكبائر " جمع فيه صاحبه قرابة الثلاثمائة كبيرة مع أصولها من الكتاب والسنة وأقوال العلماء عن أخطارها وأضرارها فهما كتابان لا نظير لهما في بابهما وذلك حتى يتأتَّى للمسلم اجتناب الكبيرة لا بد له أن يعرف الكبيرة أولاً فقد يقع فيها وهو لا يدرى ! ولهذا كان ابن مسعود رضي الله عنه يسأل رسول الله صلي الله عليه وآله وسلم عن أعظم الذنوب ؟! وذلك ليتركها ويتجنبها فعن عبد الله قال: «سألتُ النبيّ صلى الله عليه وسلم: أيّ الذْنبِ أعظمُ عندَ الله؟ قال: أن تجعلَ للّهِ ندّاً وهوَ خَلَقَكَ. قلتُ إنّ ذلك لعظيم, قلتُ: ثمّ أيّ؟ قال: وأن تَقْتُلَ وَلَدَكَ تخافُ أن يَطعمَ معك, قلت: ثم أيّ؟ قال: أن تُزاني حَليلةَ جارِك» . وكما قال عمر رضي الله عنه عرفت الشـرَّ لا للشر ولكن لتَوَقِّيه. ومن العيب على المرء أن يظل غفلا جاهلا
ولا تعرفون الشر حتى يُصيبكم ولا تعرفون الأمر إلا تدبرا.
8- الوفاء بالدين إكمالا للعدة
من أفطر بعض أيام رمضان بسبب مرض أو سفر- رجالا أو نساء – والمرأة إذا أفطرت بسبب حيض أو نفاس - فذلك دين لله تعالي يجب الوفاء به لقوله تعالي " ومن كان مريضاً أو على سفر فعدة من أيام أخر "
وَالصِّيَامُ كالصلاة كِلَاهُمَا فَرْضٌ وَاجِبٌ وحق مؤكد ، وَدَيْنٌ ثَابِتٌ يُؤَدَّى أَبَدًا وَإِنْ خَرَجَ الْوَقْتُ الْمُؤَجَّلُ لَهُمَا، وَمَنْ لَزِمَهُ حَقٌّ لِلَّهِ أَوْ لِعِبَادِهِ لَزِمَهُ الْخُرُوجُ مِنْهُ، وَقَدْ شَبَّهَ عَلَيْهِ السَّلَامُ حَقَّ اللَّهِ تَعَالَى بِحُقُوقِ الْآدَمِيِّينَ وَقَالَ ((دَيْنُ اللَّهِ أَحَقُّ أَنْ يُقْضَى)) وَرُوِيَ عَنْهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ وُجُوهٍ أَنَّهُ كَانَ يَسْتَعِيذُ بِاللَّهِ مِنْ غَلَبَةِ الدَّيْنِ وَغَلَبَةِ الرِّجَالِ،
غير أم المرأة تقضي الصوم ولا تقضي الصلاة .للحديث الصحيح في الصحيحين عَنْ مُعَاذَةَ بنت عبد الله العدوية قَالَتْ: سَأَلْتُ عَائِشَةَ - رضي الله عنها - فَقُلْتُ: مَا بَالُ الْحَائِضِ تَقْضِي الصَّوْمَ وَلاَ تَقْضِي الصَّلاَةَ؟
فَقالَتْ: أَحَرُورِيَّةٌ( ) أَنْتِ؟
قُلْتُ: لَسْتُ بِحَرْورِيَّةٍ، وَلَكِنِّي أَسْأَلُ.
قَالَتْ: كَانَ يُصِيبُنَا ذَلِكَ فَنُؤْمَرُ بِقَضَاءِ الصَّوْمِ وَلاَ نُؤْمَرُ بِقَضَاءِ الصَّلاَةِ" [رواه البخاري، ومسلم]( ).الحيض خلقة في النساء، وطبع معتاد معروف منهن.هذا الحديث دليل على أن الحائض ومثلها النفساء – بالإجماع – لا يحل لهما الصوم، وأنهما تفطران أيام الحيض من رمضان وتقضيان.وقد ورد في الصحيح ما يقر المرأة على ترك التكاليف الشرعية من صلاة وصيام وغيرها خلال فترة الحيض وكذا النفساء عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ - رضي الله عنه - قَالَ خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي أَضْحَى أَوْ فِطْرٍ إِلَى الْمُصَلَّى فَمَرَّ عَلَى النِّسَاءِ فَقَالَ يَا مَعْشَرَ النِّسَاءِ تَصَدَّقْنَ فَإِنِّي أُرِيتُكُنَّ أَكْثَرَ أَهْلِ النَّارِ فَقُلْنَ وَبِمَ يَا رَسُولَ اللَّهِ قَالَ تُكْثِرْنَ اللَّعْنَ وَتَكْفُرْنَ الْعَشِيرَ مَا رَأَيْتُ مِنْ نَاقِصَاتِ عَقْلٍ وَدِينٍ أَذْهَبَ لِلُبِّ الرَّجُلِ الْحَازِمِ مِنْ إِحْدَاكُنَّ قُلْنَ وَمَا نُقْصَانُ دِينِنَا وَعَقْلِنَا يَا رَسُولَ اللَّهِ قَالَ أَلَيْسَ شَهَادَةُ الْمَرْأَةِ مِثْلَ نِصْفِ شَهَادَةِ الرَّجُلِ قُلْنَ بَلَى قَالَ فَذَلِكِ مِنْ نُقْصَانِ عَقْلِهَا أَلَيْسَ إِذَا حَاضَتْ لَمْ تُصَلِّ وَلَمْ تَصُمْ قُلْنَ بَلَى قَالَ فَذَلِكِ مِنْ نُقْصَانِ دِينِهَا" ( ).مع هذا الحديث الإجماع قائم على ترك المرأة – حال حيضها ونفاسها - الصوم والصلاة وكونهما لا يجبان عليها، ويجب عليها قضاء الصيام؛ لأدلة أخر.منها حديث معاذة العدوية. وكون المرأة تؤمر بقضاء الصوم دون الصلاة نصا على خلاف الرأي والقياس كما قَالَ أَبُو الزِّنَادِ : إِنَّ السُّنَنَ وَوُجُوهَ الْحَقِّ لَتَأْتِي كَثِيرًا عَلَى خِلَافِ الرَّأْيِ فَمَا يَجِدُ الْمُسْلِمُونَ بُدًّا مِنْ اتِّبَاعِهَا مِنْ ذَلِكَ أَنَّ الْحَائِضَ تَقْضِي الصِّيَامَ وَلَا تَقْضِي الصَّلَاةَ، مع أن القياس وجوبها كالصوم، لأن كلا منهما عبادة تركت لعذر، ولكن ثبت الحكم على خلاف هذا القياس لحكمة يعلمها الله عز وجل، والمسلمة تلتزم ذلك تعبدا له سبحانه. ومثله قول علي: لو كان الدين بالرأي لكان باطن الخف أحق بالمسح من أعلاه" ونظائر ذلك في الشرع كثير.
وهذا من رحمة الله تعالى بالنساء فإن الصلاة تتكرر كلّ يوم، والحيض يتكرر كل شهر غالباً. فإلزامها بقضاء الصلاة فيه مشقة..، والصوم عبادة سنوية ليس في قضائها مشقة، بل فيه مصلحة للمرأة، والله عليم حكيم( ).والمشقة المرفوعة بعدم مشروعية قضاء المرأة صلاة أيام حيضها لأنه يكون غالباً في كل شهر ستاً أو سبعاً وقد يمتد إلى عشرة أيام وحاصل ضرب عشرة أيام في اثني عشر شهرا يكون المجموع مائة وعشرين يوما مع قسمتها على ثلاثين عدد أيام الشهر فيلزم قضاء صلوات أربعة أشهر من السنة وذلك في غاية المشقة
9- الإكثار من صوم النفل
قال تعالى " فإذا فرغت فانصب " مع الوفاء بالفرض وإتمامه فلئن كان وقت المفروض من الصوم قد انتهى فما أكثر أيام النوافل فيما نستقبل من أيام ومن ذلك 1- صوم يومي الاثنين والخميس من كل أسبوع ففيهما تعرض الأعمال على رب العالمين كما في الحديث الشريف عن عائشة قالت:كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصوم شعبان ورمضان ويتحرى صوم الاثنين والخميس .2- الأيام الثلاثة البيض من كل شهر كصدقة عن عافية البدن كل يوم عن أبي هريرةَ رضيَ اللّهُ عنه قال «أوصاني خليلي بثلاثٍ لا أدعهنّ حتى أموت: صومِ ثلاثةِ أيّامٍ من كل شهر, وصلاةِ الضّحى, ونوم على وِتر» . عن أَبَي ذَرٍّ رضي الله عنه قال : قالَ رسولُ الله - صَلَّى الله عَلَيْه وَآَلِه وَسَلَّم - : «يَا أَبَا ذَرٍّ إذَا صُمْتُ من الشهرِ ثلاثةَ أيامٍ فَصُمْ ثلاثَ عَشْرَةَ وأرْبَعَ عَشْرَةَ وخَمْسَ عَشْرَةَ" . عن موسى بن طلحة ، قال: أُتِي النبي - صَلَّى الله عَلَيْه وَآَلِه وَسَلَّم - بأرنب قد شواها رجلٌ فلما قدمها إليه، قال يا رسول الله: إني رأيت بها دماً، فتركها رسول الله - صَلَّى الله عَلَيْه وَآَلِه وَسَلَّم - فلم يأكلها وقال لمن عنده: كلوا فإني لو اشتهيتها أكلتها، ورجل جالس فقال رسول الله - صَلَّى الله عَلَيْه وَآَلِه وَسَلَّم - : «ادن فكل مع القوم. فقال: يا رسول الله إني صائم. قال: فهلا صمت البيض قال: وما هُنَّ؟ قال: ثلاث عشرة وأربع عشرةَ وخمس عَشرةَ» .وعلى هذا فالأيام البيض في الأحاديث السابقة هي الثالث عشر والرابع عشر والخامس عشر من كل شهر عربي كما وضحها الحديث السابق 3-يوم عرفة فإن صومه يكفر ذنوب سنتين ـ عن أبي قتادة قال: قال رسول الله - صَلَّى الله عَلَيْه وَآَلِه وَسَلَّم - : «صوم عرفة كفارة سنتين سنة ماضية وسنة مستقبلة وصوم عاشوراء كفارة سنة» .4- وأيام العشر الأول من ذي الحجة ـ عن ابنِ عَبّاسٍ رضي الله عنهما قال قال رَسُولُ الله - صَلَّى الله عَلَيْه وَآَلِه وَسَلَّم - : «مَا مِنْ أيّامٍ الْعَمَلُ الصّالِحُ فيهَا أحَبّ إلَى الله مِنْ هَذِهِ الأيّامِ يَعْني أيّامَ الْعَشْرِ قالُوا يارَسُولَ الله وَلاَ الْجِهَادُ في سَبِيلِ الله؟ قالَ وَلاَ الْجِهَادُ في سَبِيلِ الله قالَ إلاّ رَجُلٌ خَرَجَ بِنَفْسِهِ وَمَالِهِ فَلَمْ يَرْجِعْ مِنْ ذَلِكَ بِشَيْءٍ» .5- ويوم عاشوراء فإن صومه يكفر ذنوب سنة كما مر في الحديث. 6- وأيام الأشهر الحرم . 7- وصوم داود أحب الصيام إلى الله تعالي كان يصوم يوماً ويُفطر يوماً عن عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما قال: بلغ النبي - صَلَّى الله عَلَيْه وَآَلِه وَسَلَّم - أني أصوم أسرد وأصلي الليل قال: فأرسل إليه وإمّا لقيه قال:» ألم أخبر أنك تصوم لا تفطر وتصلي الليل فلا تفعل فإن لعينك حظاً ولنفسك حظاً ولأهلك حقاً, صم وأفطر وصل ونم وصم من كل عشرة أيام يوماً ولك بأجر تسعة قال: إني أقوى من ذلك يا رسول الله قال: صم صيام داود إذاً قال: وكيف صيام داود يا نبي الله؟ قال: كان يصوم يوماً ويفطر يوماً ولا يفر إذا لاقى قال: قال ومن لي بهذا يا نبي الله؟" . لاحظ قول الرسول صلي الله عليه وآله وسلم عن أخيه داود عليه السلام إنه مع صومه المتواصل إلاَّ أنه لا يقعد به عن فرض ولا يُصيبه بضعف فيخور عند الشدائد يقول صلي الله عليه وآله وسلم " ولا يفر إذا لاقى " . 8- وصوم ستة أيام من شهر شوال فعَنْ أَبِي أَيّوبَ الأَنْصَارِيّ رَضِيَ اللّهُ عنه أَنّ رَسُولَ اللّهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ: «مَنْ صَامَ رَمَضَانَ وَأَتْبَعَهُ سِتّاً مِنْ شَوّالٍ. كَانَ كَصِيَامِ الدّهْرِ» . وصومها مستحب عند الشافعي وأحمد وداود ومن وافقهم لهذا الحديث الشريف وعند أحمد يستوى التتابع في صومها وعدمه ، وعند الشافعية والأحناف التتابع أفضل عقب العيد قلت : صوم هذه الأيام في أي وقت من شهر شوال تقع به الفضيلة وكيفما وقع الصوم بصوم يومين في العشر الأولى وآخرين في العشر الوسطى وآخرين في العشر الأخيرة من الشهر أو بصوم الاثنين والخميس بنية الأيام الستة أو بصوم ستة أيام متتالية من أول الشهر أو من وسطه أو من آخره المهم أن تقع في شهر شوال والكل يقع عليه " اسم " التتابع وتحصل به فضيلة صيام الدهر قال العلماء " إنما كان ذلك كصيام الدهر لأن رمضان بعشرة أشهر والأيام الستة بشهرين في الصحيح " صيام شهر رمضان بعشرة أشهر ، وصيام ستة أيام بشهرين فذلك صيام السنة " وثمَّة المعيار الذي يتم عليه الأجر بين يدي الله عـزَّ وجلَّ عن ثوبان مولى رسول الله - صَلَّى الله عَلَيْه وَآَلِه وَسَلَّم - أنه: سمع رسول الله - صَلَّى الله عَلَيْه وَآَلِه وَسَلَّم - يقول: «جعل الله الحسنة بعشرٍ فشهرٌ بعشرةِ أشهرٍ وستة أيام بعد الفطر تمام السنة» . هذا وبالله التوفيق وكل عام أنتم بخير.
هوامش:
( ) صحيح مسلم 38.
صحيح البخاري كِتَاب الرِّقَاقِ. باب الْقَصْدِ وَالْمُدَاوَمَةِ عَلَى الْعَمَلِ.
صحيح البخاري، كِتَاب الرِّقَاقِ. باب الْقَصْدِ وَالْمُدَاوَمَةِ عَلَى الْعَمَلِ.
المائدة / 27
النجم / 32
النساء /49
المؤمنون 57 – 61
( ) سورة المؤمنون، الآية: 60
( )رواه الترمذي (9/19) وقوله: (أولئك الذين) هكذا في رواية الترمذي، وفي القرآن (أولئك يسارعون) والحديث صححه الألباني (صحيح الترمذي 3/79، 80)
فاطر/28
الطور / 26 – 28
صحيح ابن خزيمة
مسند اسحاق بن راهوية
مسلم في صحيحه كتاب صفة القيامة والجنة والنار باب لن يدخل احداً عمله الجنة …
مصنف ابن أبي شيبة كان الربيع بن خُثيم يدعو به
الأعراف /43
مسند أحمد
النساء / 103
البقرة / 200
الأنفال / 45
الجمعة /10
الأحزاب 35
طه/25-36
البقرة / 233
سنن ابن ماجة كتاب / الزهد باب ذكر التوبة
النجم / 32
النساء 31
مسلم في صحيحه كتاب / الطهارة ـ باب الصلوات الخمس والجمعة إلى الجمعة ورمضان إلى رمضان مكفرات لما بينهن ما اجتنبت الكبائر
الحجر / 39- 40
محمد / 33
الزمر / 65
البخاري في صحيحه كتاب التفسيرـ باب قوله تعالى: {فَلاَ تَجْعَلُواْ للّهِ أَندَاداً وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ } (البقرة: 22)
البقرة / 185
( )الحرورية: نسبة إلى قرية في العراق قرب الكوفة نزل فيها أول فرقة من الخوارج الذين خرجوا على علي رضي الله عنه. ويقال لمن اعتقد رأي الخوارج. حروري، وكان تشددهم في الدين ورأيهم الخاص أن الحائض تقضي الصلاة كالصوم.
( ) مسند الإمام أحمد كما أخرجه البخاري (1/421)، ومسلم (335). في صحيحه كتاب الحيض. باب وجوب قضاء الصوم على الحائض دون الصلاة. نيل الأوطار كتاب التيمم. أبواب الحيض. باب الحائض لا تصوم ولا تصلي وتقضي الصوم دون الصلاة
( ) رواه البخاري (1/405)، 4/191)في صحيحه كِتَاب الْحَيْضِ. باب تَرْكِ الْحَائِضِ الصَّوْمَ ، وأخرجه مسلم (132) (79، 80) عن ابن عمر وأبي هريرة رضي الله عنهما
صحيح البخاري كتاب الصوم. باب: الحائض تترك الصوم والصلاة.
أخرجه احمد وأبو داود والدار قطني ورجال إسناده ثقات
( ) انظر: أعلام الموقعين (2/60)
النسائي في السنن الكبرى كتاب الصيام
البخاري في صحيحه كتاب التهجد ـ باب صلاةِ الضّحى في الحَضَر
السنن الكبرى للبيهقي
النسائي في السنن الكبرى
النسائي في السنن الكبرى كتاب الصيام
سنن أبي داود كتاب الصيام باب في صوم العشر
النسائي في السنن الكبرى كتاب الصيام باب فضل صوم عشرة أيام من الشهر
مسلم في صحيحه كتاب الصيام /باب استحباب صوم ستة أيام من شوال إِتباعاً لرمضان
صحيح الترغيب 1/ 421 والجامع الصغير رقم 3094
النسائي في السنن الكبرى
رجال من الذهب (2)
كان قد كتب عمروُ بن العاص إلى أمير المؤمنين عمرَ بن الخطّاب يستمدّه بثلاثة آلاف فارسٍ فأمدّه بخارجة... اقرأ المزيد
675
| 04 نوفمبر 2016
رجال من الذهب (1)
في السلسلة الصَّحِيحَةِ بِرَقْم: 2288 قَال النَّبيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ "وَالَّذِي نَفْسُ محَمَّدٍ بِيَدِه: لاَ تَقُومُ السَّاعَةُ... اقرأ المزيد
5107
| 03 نوفمبر 2016
قبض النبي (صلى الله عليه وسلم) قبل الأمة
في صحيح مسلم قَالَ رَسُولُ اللهِ — صلى الله عليه وسلم —: "إِنَّ اللهَ إِذَا أَرَادَ رَحْمَةَ أُمَّةٍ... اقرأ المزيد
1633
| 21 أكتوبر 2016
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
حين تبنّى الأمير الوالد المغفور له بإذن الله صاحب السمو الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني، فكرة إنشاء قناة الجزيرة عام 1996، لم يكن يؤسس مجرد قناة إخبارية تضاف إلى قائمة أرقام الفضائيات، بل كان يضع حجر الأساس لمشروع إنساني ووطني وعروبي وإسلامي، يتجاوز حدود الجغرافيا، ويعيد للعربي حقه في أن يرى العالم بعينيه، ويسمع أخبار أمته بلغته، دون أن يبقى أسيرًا للرواية الغربية، يستجدي منها الحقيقة، أو ينتظر منها إنصافًا قد يأتي وغالبًا لا يأتي. ليس لأني قطري أقول إن الجزيرة أعادت للعقل العربي ثقته، وللمشاهد احترامه، وللإنسان البسيط مكانه المُغتصب. فلم تعد القضايا العربية مجرد أحداث ترويها عواصم العالم وفق مصالحها، بل أصبح للعرب منبر يحمل روايتهم إلى العالم، ويسائل الأقوياء، ويواجه الروايات المتناقضة، ويمنح المظلوم حق الصوت بعدما اعتاد الآخرون الحديث نيابة عنه. ولأن الحقيقة ليست دائمًا موضع ترحيب، فقد دفعت قطر ثمن احتضان هذا المشروع. تعرضت لضغوط سياسية وإعلامية كبيرة ووصل الأمر إلى المطالبة بإغلاق الجزيرة بل والتدخل في خطها التحريري. لكن صاحب السمو الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني، رحمه الله، أدرك أن استقلالية الجزيرة ليست تفصيلًا إداريًا يمكن التفاوض عليه، بل هي جوهر المشروع وروحه وسبب احترامه. ولعل أعظم ما في هذا المشروع أن استقلاليته لم تكن شعارًا يُرفع، بل مبدأ خُلق ليصمد أمام الضغوط والأزمات. وهنا تتجلى قيمة القيادة التي تدرك أن النفوذ الحقيقي لا يتحقق بإسكات الأصوات، وإنما بإتاحة المجال لها. ثم جاءت السنوات الأخيرة بما حملته من حروب وتحولات وتحالفات واضطرابات، لتضع الجزيرة أمام اختبار أكثر صعوبة. فالوصول إلى القمة إنجاز نعم، لكن البقاء عليها مسؤولية أشد وأثقل، فكيف حين تكون في مواجهة قوى تسعى إلى التحكم بالرواية، أو حجب ما لا تريد للعالم أن يراه؟ وهنا تبرز مسؤولية الاستمرار التي حملها حضرة صاحب السمو الشيخ تميم بن حمد آل ثاني أمير البلاد المفدى حفظه الله في صون الإرث الذي أسسه الأمير الوالد رحمه الله، والمحافظة على استقلالية هذا الصرح، رغم تعاظم التحديات وتبدل موازين القوى. فالإنجاز ليس أن تحمي المشروع حتى ينجح فحسب، بل أن تحمي مبادئه بعد أن يصبح مؤثرًا إلى الحد الذي يثير قلق القوى الكبرى. لقد أثبتت الجزيرة أن القوة الناعمة قد تبلغ من التأثير ما لا تبلغه أدوات القوة التقليدية. فالكاميرا التي تنقل مأساة طفل، والميكروفون الذي يحمل صرخة مظلوم، والصورة التي تفضح انتهاكًا، قد تغيّر وعي الملايين، وتفرض على أصحاب القرار مواجهة أسئلة كانوا يبقونها في الظلام. غير أن هذه المسيرة لم تُكتب بالحبر وحده، بل امتزجت بدماء صحفيين ومصورين ومراسلين قضوا وهم يؤدون رسالتهم، نحسبهم شهداء عند الله. وآخرين ما زالوا يواجهون الخطر، ويواصلون العمل بإيمان مهني بأن الحقيقة تستحق التضحية. ولكل من عمل خلف الشاشة وأمامها نصيب أصيل من هذا الإنجاز وهذا ما أكده الشيخ ناصر بن فيصل آل ثاني مدير شبكة الجزيرة في كلمته أمام حضرة صاحب السمو الشيخ تميم بن حمد آل ثاني أمير البلاد المفدى الأحد الماضي 1-11-2026. أما نحن القطريين وبعد ثلاثين عامًا يحق لنا أن نفخر بأن من أرضنا انطلقت تجربة إعلامية غيّرت وجه الإعلام العربي، وأصبح لها حضور وتأثير يتجاوز حدود الوطن. وهو فخر يشترك معنا فيه كل عربي وجد صوته، وكل إنسان وجد في الجزيرة نافذة لقضيته. إن الجزيرة ليست مجرد قناة تبث من قطر، بل مسؤولية تاريخية حملتها قطر، وأمانة مهنية دفع ثمنها رجال ونساء من أعمارهم ودمائهم. وفي ذكراها الثلاثين، لا نحتفي بثلاثة عقود من البث، بل بثلاثة عقود من الدفاع عن الإنسان والحق في أن يعرف، وأن يسمع، بل وأن يُسمَع. رحم الله مؤسس هذا المشروع العظيم، وحفظ الله من صان استمراره، ورحم من رحلوا وهم يحملون الحقيقة إلى العالم. فالجزيرة لم تكن يومًا مجرد شاشة، بل كانت، وما زالت، شاهدًا على عصر، وصوتًا للإنسان، ورسالةً أكبر من الحدود.
18009
| 03 نوفمبر 2026
تسعى الدول، بلا استثناء تقريبًا، إلى حجز موقع أفضل على خريطة التجارة الدولية، وبناء مزايا تنافسية تمكنها من زيادة صادراتها والحصول على نصيب أكبر من الأسواق العالمية. ومع التحولات السريعة في هيكل التجارة الدولية، يلاحظ النمو المتزايد للخدمات الرقمية، مثل البرمجيات والحوسبة السحابية والخدمات المالية والاستشارية والبحث والتطوير. ففي عام 2025 تجاوزت قيمة الصادرات العالمية من هذه الخدمات 5.4 تريليون دولار، وأصبحت تمثل نحو 56 % من إجمالي صادرات الخدمات عالميًا. الدخول إلى هذا السوق لا يحتاج إلى موانئ ضخمة أو قاعدة سكانية كبيرة بقدر حاجته إلى بنية رقمية متقدمة، وكفاءات بشرية، وبيئة تنظيمية موثوقة، وقدرة على الوصول إلى الأسواق الخارجية. و عند النظر إلى قطر نجد أنها تبدأ من موقع متقدم بالفعل في هذا المجال، فقد سجلت في عام 2026 نحو 98.4 نقطة من أصل 100 في مؤشر تنمية تكنولوجيا المعلومات والاتصالات الصادر عن الاتحاد الدولي للاتصالات، محققة سادس أعلى نتيجة بين 159 اقتصادًا. تجربة سنغافورة تستحق التأمل، فرغم ضيق مساحتها ومحدودية سوقها المحلية، أصبح الاقتصاد الرقمي يمثل نحو 18.6 % من ناتجها المحلي الإجمالي في 2024، بعدما كان 14.9 % قبل خمس سنوات. ولم تتحقق هذه النتيجة من خلال شركات التكنولوجيا وحدها، وإنما من خلال انتشار التكنولوجيا داخل التمويل والتجارة والصناعة والخدمات، إلى جانب بناء شركات قادرة على الوصول إلى الأسواق الخارجية. محدودية السوق الداخلية لا تمنع الدولة من بناء قطاع رقمي كبير إذا نجحت في تحويل العالم نفسه إلى سوق لمنتجاتها وخدماتها. وفي قطر تتوافر بالفعل عناصر تجعل هذا الطموح واقعيًا. البنية الرقمية ورأس المال، والأهم توفر الطاقة. وهذه النقطة تستحق اهتمامًا خاصًا؛ فاقتصاد الذكاء الاصطناعي ومراكز البيانات يحتاج إلى كميات كبيرة من الكهرباء، وإلى استثمارات طويلة الأجل. وهنا يمكن لقطاع الطاقة القطري أن يؤدي دورًا يتجاوز الحصول على عائدات تصدير الغاز، عبر دعم صناعات رقمية جديدة تعتمد على الطاقة كأحد أهم مدخلاتها. وقد بدأت ملامح هذا الاتجاه تظهر بالفعل، فقد وقعت شركة «ميزة» في سبتمبر 2026 عقدًا تتجاوز قيمته مليار ريال، هذه في حقيقتها صفقة تصدير، حتى وإن لم تغادر قطر شحنة مادية واحدة. الخدمة تُنتج في قطر، والعميل العالمي يحصل عليها ويدفع مقابلها. ومع تكرار هذا النوع من العقود، يمكن أن تتوسع قائمة الصادرات القطرية لتشمل القدرة الحاسوبية والخدمات السحابية إلى جانب الصادرات التقليدية. هناك المزيد من الأمثلة على نجاح ذلك النوع من التوجه الاقتصادي، فقد أُطلقت شركة Qai، كما دخلت في شراكة مع Brookfield تستهدف استثمارات بقيمة 20 مليار دولار في البنية التحتية للذكاء الاصطناعي داخل قطر وأسواق دولية مختارة. وفي الوقت نفسه توسعت الحوافز الموجهة لقطاع التكنولوجيا ومراكز البيانات والحوسبة السحابية والأمن السيبراني. هذه الخطوات تعطي فرصة حقيقية لانتقال قطر من منتج للطاقة ومستخدم للتكنولوجيا، إلى إنتاج خدمات رقمية يمكن بيعها عالميًا. ولا أعتقد أن الاقتصاد الرقمي ينبغي أن يكون بديلًا لصادرات الغاز. فالغاز مصدر قوة كبير للاقتصاد القطري، وليس عبئًا يجب التخلص منه. الفكرة الأكثر جدوى هي استخدام جزء من القوة التي وفرها هذا القطاع في بناء مصادر دخل إضافية. وتنسجم هذه الفرص مع الأجندة الرقمية 2030، التي تستهدف إضافة نحو 40 مليار ريال إلى الناتج غير الهيدروكربوني، وتوفير نحو 26 ألف فرصة عمل. إن الأهمية الاقتصادية لهذا التوجه لا تقتصر على تنمية القطاع الرقمي داخل قطر، بل تمتد إلى قدرته على المنافسة في الأسواق العالمية. وهنا سيكون التحدي الحقيقي هو تحويل الاستثمارات في البنية التحتية والتكنولوجيا إلى خدمات رقمية قابلة للتصدير، بما يفتح أمام الاقتصاد القطري أسواقًا جديدة ومصادر إضافية للدخل. السباق العالمي على الذكاء الاصطناعي والحوسبة السحابية ما زال في بداياته، قطر أثبتت خلال العقود الماضية أنها قادرة على بناء مكانة عالمية في سوق الطاقة. والفرصة المتاحة اليوم هي أن تستخدم ما راكمته من رأس مال وطاقة وبنية أساسية في بناء مصدر قوة آخر، بحيث تصبح الخدمات الرقمية والقدرات الحاسوبية جزءًا مما يعرف العالم قطر به ويشتريه منها.
5760
| 06 نوفمبر 2026
ليست كل فرصة تستحق أن نقتنصها، حتى لو بدت مربحة. فقد يجد رائد الأعمال أمامه عقداً كبيراً، أو سوقاً جديداً، أو فرصة للتوسع السريع، وتكون المؤشرات مشجعة، ومع ذلك يصبح قبولها قراراً خاطئاً. فالفرصة الجيدة لا تعني بالضرورة قراراً جيداً؛ إذ قد يكون توقيتها غير مناسب، أو تتطلب التزامات تفوق العائد الذي تبرره، أو تستند إلى افتراضات لم تُختبر بعد. وهنا تكمن إحدى مفارقات ريادة الأعمال: فالجرأة التي تفتح أبواب النجاح قد تقود إلى الفشل إذا تحولت إلى اندفاع لا تحكمه الحسابات. وليس المطلوب أن يخشى رائد الأعمال المخاطرة، فدونها يصعب الابتكار والنمو، وإنما أن يميز بين قرار ينطوي على قدر مقبول من عدم اليقين وآخر يراهن فيه على أن تسير الأمور جميعها كما يتمنى. لقد اعتدنا الاحتفاء برواد الأعمال الذين يتوسعون بسرعة ويدخلون أسواقاً جديدة، لكننا نادراً ما نسأل عن جودة القرارات التي صنعت هذا النمو. فليس كل توسع نجاحاً، وليس كل تراجع فشلاً؛ وقد يكون تأجيل الاستثمار أحياناً أكثر حكمة من التعجل في تنفيذه. فالفرق بين المخاطرة المحسوبة والتهور ليس في الجرأة على اتخاذ القرار، بل في الانضباط الذي يسبقه. وقد طورت الباحثة سارا ساراسفاثي، من جامعة فرجينيا، ضمن أبحاثها في ريادة الأعمال، مبدأ «الخسارة الممكن تحملها» (Affordable Loss). ويقوم على أن رائد الأعمال لا ينبغي أن يعتمد فقط على تقدير الأرباح المتوقعة، بل عليه أن يحدد مسبقاً مقدار الموارد التي يستطيع خسارتها إذا لم تنجح التجربة. وهذا لا يلغي أهمية دراسة الجدوى، وإنما يضيف إليها سؤالاً حاسماً: ما الثمن الذي نقبل دفعه مقابل تجربة قد لا تنجح؟ عندما تصبح الفرصة أكبر من المشروع. لنفترض أن شركة قطرية تعمل في خدمات الصيانة، وتحقق إيرادات سنوية تبلغ أربعة ملايين ريال، عُرض عليها عقد بقيمة 12 مليون ريال. تبدو الفرصة استثنائية، لكنها تتطلب توظيف عمالة إضافية، وشراء معدات، وتقديم ضمانات مصرفية، مع احتمال تأخر تحصيل المستحقات. ورغم جاذبية الأرباح المتوقعة، تكشف الدراسة عن أن شروط العقد تنقل إلى الشركة أعباء مالية وتشغيلية كبيرة، وقد تؤثر في جودة خدماتها لعملائها الحاليين. هنا يتخذ صاحب المشروع قراراً قد يبدو غير متوقع: يرفض التوقيع بالشروط الأصلية، ويقترح تقسيم التنفيذ إلى مراحل وتخفيف الالتزامات المسبقة، حتى لو أدى ذلك إلى انخفاض هامش الربح. وإذا لم يقبل العميل، فإنه ينسحب. هذه حالة افتراضية من بيئة الأعمال القطرية، لكنها توضح درساً مهماً: ليست قيمة العقد هي التي تحدد جودته، بل العائد الذي يحققه مقارنة بالمخاطر والالتزامات المصاحبة له. لا تنخدع بالأرباح المتوقعة قد تبدو الأرقام مشجعة في دراسة الجدوى، لكن التوقعات ليست حقائق مؤكدة. فالأسعار قد تتغير، وتكاليف التشغيل قد ترتفع، والعملاء قد يتأخرون في السداد، والمنافسة قد تكون أشد مما تشير إليه الدراسات الأولية. ولهذا لا يكفي إعداد سيناريو متفائل، بل ينبغي اختبار القرار في ظروف أقل ملاءمة. فماذا يحدث إذا انخفضت المبيعات عن المتوقع؟ أو تأخر تنفيذ المشروع؟ أو ارتفعت تكاليفه بنسبة مؤثرة؟ وتكمن أهمية هذا الاختبار في كشف نقاط الضعف قبل الالتزام، وتحديد ما إذا كان الأفضل تعديل حجم الاستثمار، أو تغيير توقيته، أو إعادة التفاوض على شروطه. فدراسة الجدوى الجيدة لا تكتفي بتوضيح أسباب النجاح المحتمل، بل تكشف أيضاً الظروف التي قد تجعل القرار غير مجدٍ. اختبر الفكرة قبل أن تدفع ثمنها كاملاً من المبادئ المهمة في الإدارة الريادية تحويل الافتراضات إلى اختبارات محدودة قابلة للقياس. فمن يريد إطلاق منتج جديد ليس مضطراً إلى استئجار مصنع أو تكوين مخزون كبير قبل التأكد من وجود طلب حقيقي. يمكنه البدء بنموذج أولي، أو إنتاج كمية محدودة، أو الحصول على طلبات شراء مؤكدة قبل التوسع. والاختبار الجيد لا يهدف إلى تأكيد قناعة صاحب المشروع، بل إلى اكتشاف ما قد يكون خاطئاً فيها بأقل تكلفة ممكنة. فقد تكشف تجربة صغيرة عن ضعف الطلب قبل أن يتحول إلى خسارة كبيرة. المنافسة… ما قد تغفله التوقعات المتفائلة قد ينجح رائد الأعمال في تقدير تكاليف مشروعه، ويتأكد من وجود طلب على منتجه، ثم يفاجأ بأن السوق لا يمنحه الحصة التي توقعها. فوجود الطلب لا يعني بالضرورة أن العملاء سيختارونه، خصوصاً عندما يواجه منافسين يتمتعون بعلاقات راسخة مع العملاء، أو تكاليف أقل، أو قدرة أكبر على خفض الأسعار. وهنا يقع بعض رواد الأعمال في خطأ شائع، حين يبنون توقعاتهم على حجم السوق، دون أن يدرسوا نصيبهم الواقعي منه. فقد يكون السوق كبيراً وينمو بسرعة، لكن ذلك لا يضمن نجاح كل من يدخله. ولهذا لا يكفي أن يسأل رائد الأعمال: هل يوجد طلب على المنتج؟ بل ينبغي أن يسأل أيضاً: لماذا سيشتري العميل مني بدلاً من المنافس؟ وهل أستطيع المحافظة على هذه الميزة إذا خفض المنافسون أسعارهم أو قدموا خدمة أفضل؟ وتزداد المخاطرة عندما يعتمد المشروع على السعر المنخفض وحده لجذب العملاء، دون امتلاك ميزة في الجودة أو الكفاءة أو الخدمة. فقد ينجح هذا الأسلوب مؤقتاً، لكنه قد يتحول إلى منافسة سعرية تستنزف الأرباح. فالفرصة الاستثمارية لا تُقاس بحجم الطلب وحده، بل بقدرة المشروع على الحصول على حصة مربحة منه والمحافظة عليها في مواجهة المنافسين. أربعة معايير تفصل المخاطرة المحسوبة عن التهور يمكن التمييز بين المخاطرة المحسوبة والمغامرة غير المدروسة من خلال أربعة معايير مترابطة. أولها حد الخسارة، أي تحديد حجم الخسارة المحتملة في ظروف سلبية معقولة، ومقارنتها بالموارد التي يمكن تخصيصها للمشروع دون الإضرار بالأنشطة القائمة. وثانيها القدرة على الاستمرار، ويقصد بها توافر الموارد المالية والتشغيلية اللازمة للوفاء بالالتزامات إذا تأخرت النتائج أو تغيرت ظروف السوق. أما المعيار الثالث فهو التحقق من الطلب والميزة التنافسية، فلا يكفي وجود سوق للمنتج أو الخدمة، بل ينبغي التأكد من وجود عملاء مستعدين للشراء، وسبب واضح يجعلهم يفضلون المشروع على منافسيه. ويأتي المعيار الرابع، وهو إمكانية التراجع، ليحدد مدى سهولة تعديل الاستثمار أو تقليصه أو إيقافه إذا لم تتحقق النتائج، والتكاليف المترتبة على ذلك. وتكمن قيمة هذه المعايير في أنها تنقل النقاش من الحماس للفكرة إلى تقييم شروط تنفيذها، وتساعد على الاختيار بين المضي في الاستثمار أو تنفيذه تدريجياً أو إعادة تصميمه. متى يتحول الإصرار إلى خطأ إداري؟ من أصعب القرارات التي يواجهها رائد الأعمال الاعتراف بأن مشروعاً لم يحقق النتائج المتوقعة. فبعد استثمار الوقت والمال والجهد، قد يشعر أن التوقف يعني ضياع كل ما أنفقه. وهنا يظهر ما يعرف في الاقتصاد السلوكي بمغالطة التكاليف الغارقة، عندما تؤثر الأموال التي أُنفقت ولا يمكن استردادها في قرار الاستمرار، رغم أنها لا ينبغي أن تحدد جدوى الإنفاق المستقبلي. ولذلك فإن السؤال الصحيح ليس: كم أنفقنا حتى الآن؟ بل: هل ما سننفقه من اليوم فصاعداً يبرره العائد المحتمل والمخاطر المتبقية؟ وقد يكون الاستمرار في بعض المشروعات قراراً سليماً إذا ظهرت مؤشرات جديدة تدعم نجاحها، بينما يصبح التوقف في مشروعات أخرى ضرورة اقتصادية. فالقرار الرشيد لا يستند إلى الرغبة في إثبات صحة الاختيار السابق، وإنما إلى مقارنة البدائل المتاحة في الوقت الحاضر. كما أن الاقتراض ليس تهوراً في ذاته، والتوسع السريع ليس خطأً دائماً؛ فكلاهما قد يكون مناسباً إذا استند إلى مبررات اقتصادية واضحة وإدارة فعالة للمخاطر. من ثقافة المغامرة إلى ثقافة القرار تحتاج الاقتصادات الحديثة إلى رواد أعمال مستعدين لتجربة أفكار جديدة، ودخول أسواق غير مألوفة، وتطوير منتجات وخدمات تخلق قيمة اقتصادية حقيقية. لكن تشجيع ريادة الأعمال لا ينبغي أن يتحول إلى تمجيد للمغامرة دون تمييز. فالمجتمع الذي يحتفي بسرعة النمو وحدها قد يغفل أهمية المشروعات التي تتطور بتدرج، وتتعلم من تجاربها، وتبني ميزتها التنافسية على أسس متينة. كما أن نجاح قرار محفوف بمخاطر غير مدروسة لا يجعله قراراً سليماً بالضرورة، تماماً كما أن خسارة مشروع مدروس لا تعني أن صاحبه كان متهوراً. فالنتائج تتأثر بعوامل لا يمكن السيطرة عليها بالكامل، أما جودة القرار فتُقاس بالمعلومات والبدائل والتقديرات المتاحة وقت اتخاذه. ولهذا فإن بناء بيئة ريادية ناضجة يتطلب تغيير السؤال الذي نطرحه على أصحاب المشروعات. فبدلاً من الاكتفاء بالسؤال عن حجم الاستثمارات وعدد الفروع ومعدلات النمو، ينبغي أن نسأل عن جودة القرارات التي أنتجت هذا النمو. فليست كل خسارة فشلاً، لكن الخسارة التي تحرم رائد الأعمال من فرصة المحاولة مجدداً تكشف خللاً في إدارة المخاطرة. والنجاح الحقيقي لا يقاس بما يحققه المشروع في فرصته الأولى وحدها، بل بقدرته على التعلم والتطور واغتنام الفرص التالية.
1260
| 03 نوفمبر 2026