رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
قبل كل قول، أتقدم بأحرِّ التعازي القلبية إلى الشعب الكويتي الشقيق وإلى أسر ضحايا الفعل الإجرامي البشع الذي أودى بحياة العشرات من المصلين في أول جمعة رمضانية وهم وقوفا في خشوع لله عز وجل، ذلك الفعل الذي تجرمه كل الشرائع السماوية والقوانين الوضعية، علينا جميعا أن نتحد من أجل اجتثاث كل من تسول له نفسه بالعبث بأمن أوطاننا، علينا، نحن الشعب كافة في كل بقعة من بقاع الجزيرة العربية، أن نتحول إلى رجال أمن لحماية مجتمعنا ووطننا من العابثين والمتربصين بأمن وسلامة مجتمعاتنا.
نعترف أن بيننا خلاف مذاهب دينية نشأت وتجذرت منذ ألف سنة وما انفككنا نستدعيها عندما نختلف على أمر من أمور الدنيا.
إن اختلاف مذاهبنا وطرائق ممارساتنا الدينية لا يدفعنا إلى الاقتتال، اختلافنا في طاعة الله لا يجب أن يؤدي بنا إلى حرق أوطاننا وجعلها مسرحا للغير يعبث بأمنها واستقرارها ليزرع بيننا الأحقاد والكراهية والثأر الأعمى.
(2)
منذ أسابيع قليلة مضت، قام أفراد من الخلايا النائمة بتفجيرات استهدفت المصلين في دور العبادة في القطيف والدمام ونجران في المملكة السعودية، وفي البحرين ألقت السلطات الأمنية القبض على البعض منهم الذين يحملون أدوات التفجير والقتل والدمار بقصد تهريبها إلى دول الجوار العربي، واليوم تفجيرات في الكويت، والحبل على الجرار.
السؤال.. من قام بتلك الأعمال الإجرامية في ديارنا؟ إنهم أفراد الخلايا النائمة في المنطقة وحُمّلت المسؤولية، كما جاء في البيانات الصادرة عن تلك الأعمال "الدولة الإسلامية" أي داعش.
نعم، إنه تنظيم داعش الإيراني المتواجد بيننا، الهدف من ذلك تحقيق أهداف دول لا تريد بأمتنا العربية خيرا.
(3)
يقدر المتابعون لأمن الخليج العربي بأن دول مجلس التعاون الخليجي تعرضت لأكثر من 150 حادثا إرهابيا منذ احتلال العراق عام 2003 وحتى نهاية عام 2011، وتعرضت المنطقة بعد ذلك لهزة "الربيع العربي" والذي لم تسلم منه معظم دول المنطقة، لكن حكومات الخليج العربي تعاملت مع أحداث الربيع بعقلانية واستطاعت أن تحتوي آثار ذلك الحراك الذي استهدف دولا خليجية.
لكن بقيت في الساحة الخليجية خلايا نائمة تديرها وتمولها وتدربها قوى أجنبية ومنها إيران، كما تذكر الصحافة الخليجية وتصريحات بعض القيادات السياسية.
المؤسف جدا أن بعض عناصر تلك الخلايا، إن لم يكن معظمهم، من أهل الوطن وهم يشكلون الذراع القوية في الداخل من أجل تحقيق أهداف قوى خارج الحدود.
انجرار تلك الخلايا المحلية في الظاهر، كان بدافع تحقيق مطالب سياسية واجتماعية، بعضها مطالب عادلة، منها على سبيل المثال المساواة في الحقوق والواجبات بين كافة أفراد الشعب، والقضاء على الفساد والمفسدين، وإصلاح القضاء ليكون قضاء عادلا ومستقلا، وإلى غير ذلك من المطالب المشروعة.
إنها ذرائع حق لكن يراد بها باطل، فهل تقدم حكوماتنا في الخليج العربي لتحقيق الحق لإنهاء الذرائع والقضاء على مروجيها الباحثين عن إثارة الفتن والضغائن؟
(4)
منذ تسلم الملك سلمان بن عبد العزيز آل سعود زمام القيادة في المملكة العربية السعودية في 23 يناير 2015 والخلق ينظرون جميعا ماذا عساه أن يفعل، داخليا وعربيا ودوليا، في ظل الظروف الصعبة التي تحيط بالعالم العربي والإسلامي؟
في الداخل قام بثورة إدارية سلمية لا سابقة لها في تاريخ المملكة، وأعاد تنظيم جهاز الدولة الأعلى، وسلم القيادة لشباب قادرين على العطاء، ولاقت هذه الثورة الإدارية ترحيبا شديدا في أوساط الشعب العربي السعودي والمحبين لها في الخارج.
عربيا، أنهى وإلى الأبد خلافات خليجية ــ خليجية، كادت أن تمزق المنظومة الخليجية، وأعاد تفعيل الحراك الوطني في سوريا بما يحقق مصالح الشعب السوري وتحقيق طموحاته المستقبلية، وكما تطالعنا وسائل الإعلام تجري اتصالات هادئة بين جمهورية مصر والمملكة لتفكيك حصار غزة، وإعادة النظر في شأن الإخوان المسلمين الذين لا يحملون سلاحا في وجه الدولة من أجل توحيد الجبهة الداخلية لمواجهة أعاصير سياسية عنيفة تحوم على تخوم الوطن العربي.
في المجال الدولي، أسس لعلاقات متصاعدة نحو الأحسن مع تركيا وروسيا الاتحادية وفرنسا، بمعنى آخر أنها دبلوماسية سعودية حية يوجه بوصلتها الملك سلمان آل سعود.
(5)
لقد فعَّلَ الملك سلمان آل سعود دبلوماسية القوة لأول مرة في تاريخ المملكة، بإعلانه الشجاع بدء عمليات "عاصفة الحزم" لتحرير اليمن من المليشيات المسلحة التي تتلقى الدعم والتأييد، بلا تحفظ، من إيران وإعادة الشرعية إلى صنعاء بعد أن تغلبت عليها مليشيات الحوثي وعلي عبد الله صالح.
كانت "عاصفة الحزم" بارقة أمل لعصر عربي جديد تقوده المملكة العربية السعودية، وتحالفت معها أكثر من اثنتي عشرة دولة عربية وإسلامية لدحر الحوثي وعلي المخلوع وإخراجهما من كل المدن والأرياف اليمنية وتجريد تلك المليشيات من السلاح، حتى لا يبقى إلا سلاح الدولة.
إن هذا العمل الشجاع لاقى ترحيبا من الجماهير العربية في كل أرجاء الوطن العربي إلا الحاقدين، وراح البعض منهم يطالب بتمدد عاصفة الحزم لتشمل سوريا والعراق وليبيا.
إنها بيعة شعبية عربية لقيادة المملكة من أجل النهوض بهذه الأمة من عثرتها.
(6)
أخشى ما أخشاه، والمحبون للقيادة السعودية الجديدة الشابة، أن يخضعوا للضغوط التي تمارس عليهم اليوم من أجل إيقاف العمليات العسكرية في اليمن قبل تحقيق الهدف الرئيسي الذي قامت من أجله عاصفة الحزم، أذكّر بأن بيدهم قرارا أمميا يؤيد عملياتهم الحربية هناك. إنه قرار مجلس الأمن 2216 الصادر تحت الفصل السابع من الميثاق.
إن المحاولات الجارية اليوم من قبل ولد الشيخ ممثل الأمين العام للأمم المتحدة لتسويق النقاط السبع وفرضها على الشرعية اليمنية ودول التحالف بقيادة السعودية تشكل خطورة على المملكة ومصداقيتها ومكانتها الدولية لو قبلت أي نقطة من تلك النقاط.
وللتوضيح تدعو الفقرة الثالثة في النقاط السبع إلى انسحاب القوات المتحاربة من مناطق الاقتتال... "هل يعقل يا ولد الشيخ أحمد أن تطلب من أهل عدن وتعز والضالع المدافعين عن أعراضهم وممتلكاتهم بالانسحاب إلى بيوتهم أسوة بالغزاة الحوثيين القادمين من الشمال؟!". كما أن الفقرة الرابعة تجرد قوات التحالف من مسؤولياتها وتفتح الباب على مصراعيه للعابثين باليمن.
آخر القول:
الرئيس عبد ربه منصور عليه أن يستيقظ من سباته، ويقلع عن سلبياته، ولا يضع قوات التحالف في مأزق بتصرفاته وإدارته غير المسؤولة.
عليه أن يكون على قدر التحدي ومواجهة الأخطار لإنقاذ اليمن ودول الجوار، وإلا عليه أن يتنحى ولا مجال للمساومة.
الحكومة الشرعية اليمنية والحوثيون ودعاة الانفصال
شُغِل الإنسان العربي الغيور بحال أمته الذي يسير من سيئ إلى أسوأ. في أقصى بلاد المغرب العربي ثبّتت... اقرأ المزيد
1305
| 03 يونيو 2025
بركان سياسي أوروبي يثور ضد إسرائيل والعرب يتفرجون !
تتسع دوائر الرفض العالمي لحرب الإبادة الجماعية التي تمارسها إسرائيل ضد الشعب الفلسطيني، وعلى وجه التحديد في قطاع... اقرأ المزيد
1350
| 27 مايو 2025
سورية الشرع والعراق السوداني وفلسطين محمود عباس
سورية الجديدة بقيادة الشرع ورفاقه ما برحت تواجه عواصف داخلية وخارجية واقليمية وهي صامدة تعمل ليل نهار من... اقرأ المزيد
2175
| 29 أبريل 2025
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
هل أصبح الاستمتاع بموسم التخييم يحتاج إلى مئات الآلاف من الريالات؟ وهل باتت فخامة الكرفانات وحجم التجهيزات مقياسًا للمتعة والمكانة الاجتماعية؟ أم أننا أمام سباق في البذخ بدأ يُخرج هذا الموسم عن غايته الحقيقية وجماله؟ ما نشهده في السنوات الأخيرة يستحق التوقف والمراجعة. أسعار خيالية لبعض الكرفانات، وتجهيزات للدراجات النارية المخصصة للبر تتجاوز أحيانًا تكلفة تجهيز سيارات نستخدمها طوال العام، فضلًا عن الأثاث والديكورات والكماليات التي تُرصد لها ميزانيات ضخمة من أجل إقامة مؤقتة لا تتجاوز بضع ساعات أو ربما أيام. ليس في تحسين المخيم أو تجميله أو توفير الراحة لأهله وضيوفه ما يُعاب، بل إن حسن الترتيب والنظافة وجمال المكان أمور مطلوبة، لكن حين تبلغ تكلفة تجهيز المخيم مئات الآلاف من الريالات، هنا يطرح سؤال: أين تنتهي الرفاهية ويبدأ الإسراف؟ المشكلة ليست في قدرة البعض على الإنفاق، وإنما في تحول المظاهر إلى منافسة تدفع آخرين إلى عمل ماهو اكثر وأكبر، حتى يصبح المخيم مقياسًا للمكانة الاجتماعية بدلًا من أن يكون مكانًا للراحة. والأخطر أن تنتقل هذه الثقافة إلى الأبناء، فيربطون السعادة بالفخامة والمتعة بكثرة الإنفاق، بدلًا من تقدير البساطة وحسن التدبير. وموسم التخييم في قطر أكبر من أن نختزله في هذه المظاهر، فهو موعد سنوي ينتظره أهل قطر بفارغ الصبر، الصغير قبل الكبير، وفرصة لاجتماع العائلات والأصدقاء وإقامة المناسبات، حتى أصبح موسمًا اجتماعيًا وسياحيًا يستقطب زوارًا من خارج الدولة، وهذه المكانة تفرض علينا أن نحافظ على روحه وأهدافه. ومن هنا تأتي أيضاً أهمية الضوابط التي وضعتها الدولة ونظّمتها وزارة البيئة والتغير المناخي، وما شهدته من تحديثات هذا الموسم، وفي مقدمتها الحظر التام لقيادة الدراجات النارية أو استخدامها داخل الروض، ومنع استخدامها في جميع مناطق التخييم من الساعة العاشرة مساءً حتى الخامسة صباحًا، إلى جانب تنظيم التصاريح وتحديد مواقع التخييم وتعزيز الرقابة الميدانية لحماية البيئة والحياة الفطرية وسلامة المخيمين. وهذه الإجراءات لا ينبغي النظر إليها باعتبارها قيودًا على الترفيه، بل ضمانات لاستمراره. فمن حق الأسرة أن تستمتع بالهدوء، ومن حق الجار أن تُحترم خصوصيته، ومن حق الجميع أن يجدوا بيئة آمنة ونظيفة، بعيدًا عن ضوضاء المحركات والقيادة المتهورة والتعدي على المساحات الطبيعية. ومن المؤسف أن ينفق الإنسان مبالغ طائلة على جمال مخيمه، ثم يُفسد جمال المكان بسلوك يزعج جيرانه أو يضر بالبيئة أو يعرض الآخرين للخطر. فالرقي لا يُقاس بفخامة التجهيزات وحدها، وإنما بحسن التصرف واحترام الحقوق وحفظ الخصوصيات. فلنحافظ على هذا الموسم بعيدًا عن الإسراف والإزعاج والتجاوزات، ولنجعل منه نموذجًا للمتعة المسؤولة التي تجمع بين راحة الإنسان واحترام الآخرين وصون البيئة.
8697
| 27 أكتوبر 2026
سنشهدُ يومَ غدٍ مباراةً كبيرةً تجمع قامتين رياضيتين لهما امتداد راسخ في وجداننا الوطني، وحضور طاغٍ في صفوف جماهير كرة القدم، هما العربي والريان. فالناديان الكبيران بجماهيرِهِما وتاريخهما بعثا الروح في ملاعبنا منذ انطلاقة الدوري عندما حطما أسوار الجمود والتراجع والغياب عن البطولات فقدم فَريقاهما لجَمْهورَيْهِما ما أثلج الصدور، أداءً فنياً وروحاً قتالياً وتصميماً على استمرار الألق والتألق، فاندفع الجمهوران إلى الملاعب كالسيل الهادر باعثين فيها الحياة بعد سنواتٍ من غيابِها عنها. ويكفي دليلا على الحجم الضخم لهما ولجمهوريهما أن المباراة بدأت قبل انطلاق صافرة البداية بأيام حين تحولت مواقع التواصل الاجتماعي إلى مربعات خضراء يقوم فيها مشجعوهما وعشاقهما بالحملات التي تحث الجماهير على الحضور، وبالتحليلات للجوانب الفنية في أداء فريقيهما، وبمقاطع مصورة بإبداع ووعي لدعم اللاعبين نفسياً. الحديث عن الناديين ذو شُجُونٍ لأنـه يناقش جزءاً من وعينا الرياضي الـمرتبط بهما وببعضِ الأنديةِ الجماهيريةِ الأخرى. فقد كان حضورهما، طوال سنواتٍ، حضوراً كالغِـيابِ لا يليقُ بضخامةِ حضورِهِما في النفوسِ، مما أقفرَ الـملاعبَ التي صارت، كالجماهيرِ، تعيشُ على ذكرياتِ الأمجادِ الغابرةِ. وكان كثيرونَ يتوقعونَ للناديينِ الظهورَ بنفسِ الـمستوياتِ الفنيةِ الهزيلةِ، لكن الأحلامَ تجسدت واقعاً في القلعةِ العرباويةِ، وانتفضَ الأسدُ الرياني هادراً بزئيرِ صحوتـهِ، وإذْ بالـملاعبِ ترتعشُ فرحاً وهي تحتضنُ الأمواج الجماهيريةُ، العرباويةُ والريانيةُ، التي تلاطمَت فيها مُرجِـعَـةً إلى دورينا تَوَهجاً وأَلَقاً افتقدناهما حتى كادَ القُنُوطُ يُخَـيمُ على نفوسِنا. نحتاج لوقفة ندرس فيها الحالة المتقدمة، فنياً وجماهيرياً، للناديين. فهذه الحالة جديرة بأن تقرأ بتأنٍ لأنها تبين لنا الكيفية التي يتم بواسطتها الخلاص من العوامل المعطلة للتقدم في إدارة الأندية الكبيرة، وهو أمر يمكن استثماره في وضع رؤى يسترشد بها مستقبلاً، وتنعكس إيجاباً على الحركة الرياضية، بعامة، وعلى كرتنا، بخاصة. نحن واثقون من حضور جماهيري يعكس تواجد الناديين في شارعنا الرياضي، ومتأكدون من أن الفريقين سيقدمان أداءً مُبهراً يبعث الرضا في قلوب مشجعيهما، ولا نشك للحظة بأن الأحلام العرباوية والأسد الرياني سيرسمان لوحات فنية وأخلاقية رياضية تكون موضع فخر بلادنا ورياضييها. كلمة أخيرة: طالَ الغيابُ لكنَ العَوْدَ أحْمَـدُ، فهنيئاً لـملاعبِنا وجماهيرِ كرتِـنا بعودةِ العربي والريانِ ليَخُطا ملامح الـمجد الكروي من جديد.
2529
| 30 أكتوبر 2026
قد يبدو مستغرباً أن تشتري قطر، وهي من أكبر منتجي الغاز الطبيعي المسال ومصدريه في العالم، الغاز من الولايات المتحدة بعقود تمتد لعقود. فهل تحتاج دولة تمتلك احتياطيات هائلة إلى الغاز المستورد؟ أم أن الصفقة تعكس تحولاً أعمق في طريقة إدارة تجارة الطاقة؟ في تقديري، لا تكمن أهمية هذه الخطوة في الشراء نفسه، بل فيما قد تضيفه إلى قدرة قطر للطاقة على الوصول إلى الأسواق والوفاء بالتزاماتها. ففي صناعة الغاز، لا تكفي وفرة الاحتياطيات وحدها؛ إذ تكتسب مرونة التوريد وإدارة المخاطر أهمية متزايدة إلى جانب الإنتاج. ففي 22 أكتوبر 2026، أعلنت قطر للطاقة توقيع اتفاقيتين طويلتي الأجل مع شركة شينيير إنرجي الأمريكية لشراء ما يصل إلى أربعة ملايين طن من الغاز الطبيعي المسال سنوياً، بدءاً من عام 2031 وحتى نهاية عام 2054. وتتوزع الكميات بالتساوي بين منشأة سابين باس في ولاية لويزيانا ومنشأة كوربوس كريستي في ولاية تكساس، بواقع مليوني طن سنوياً من كل منهما. غير أن مليون طن من كميات سابين باس مشروط باتخاذ قرار استثماري نهائي بشأن توسعة المنشأة، ولذلك لا ينبغي التعامل مع كامل الكمية المعلنة باعتبارها مضمونة دون تحفظ. ويرتبط سعر الشراء بمؤشر هنري هب الأمريكي، مضافاً إليه رسم ثابت لم تُعلن قيمته. أما التسليم فيتم على ظهر السفينة في الموانئ الأمريكية، وفق نظام (FOB). وهذا يمنح قطر للطاقة دوراً مباشراً في ترتيب نقل الشحنات، وقد يتيح مرونة في توجيهها إلى الأسواق، في حدود ما تسمح به العقود. وتشير طبيعة الاتفاقيتين إلى أن الغاز المشترى ليس بالضرورة موجهاً للاستهلاك المحلي، بل يمكن أن يدخل ضمن محفظة قطر للطاقة التجارية، ويعاد تسويقه إلى عملائها في آسيا وأوروبا وغيرها. وبذلك تجمع الشركة بين إنتاج الغاز من مواردها المحلية وإدارة إمدادات تحصل عليها من منتجين آخرين.وهنا يبرز سؤال اقتصادي مهم: هل يمكن أن يكون شراء الغاز من الخارج أكثر جدوى من الاعتماد على التوسع في الإنتاج المحلي وحده؟قد يبدو الإنتاج المحلي الخيار الطبيعي لدولة تمتلك احتياطيات ضخمة وخبرة واسعة في هذه الصناعة. غير أن المقارنة ليست بهذه البساطة؛ فزيادة الإنتاج تتطلب استثمارات كبيرة في تطوير الحقول ومنشآت التسييل والبنية التحتية، بينما تتيح عقود الشراء الحصول على إمدادات إضافية دون تحمل التكلفة الرأسمالية الكاملة لإنشاء طاقة إنتاجية مماثلة. ولا يعني ذلك أن الشراء أقل تكلفة أو أكثر ربحية بالضرورة، فلكل خيار التزاماته ومخاطره. لكن الجمع بين الإنتاج والشراء قد يمنح الشركة مرونة أكبر في توظيف رأس المال وتوزيع المخاطر والاستفادة من الفرص التجارية. وتكتسب هذه المسألة أهمية خاصة في ضوء الاضطرابات التي شهدتها المنطقة، والتي أظهرت أن امتلاك الغاز لا يضمن دائماً القدرة على تصديره. فقد تتأثر منشآت الإنتاج أو التسييل، أو تتعطل الممرات البحرية، بما ينعكس على انتظام الإمدادات. ومن هنا، فإن تنويع مصادر الغاز قد يوفر بدائل إضافية تعزز قدرة الشركة على التعامل مع الظروف غير المتوقعة. ومع ذلك، فإن الاتفاقيتين لا تمثلان حلاً فورياً لأي نقص حالي، لأن الإمدادات لن تبدأ قبل عام 2031. ولهذا تبدو قراءتهما ضمن تخطيط طويل الأمد أكثر اتساقاً مع طبيعتهما ومدتهما، دون الجزم بأن الاضطرابات الأخيرة كانت السبب المباشر وراء توقيعهما. ومن الناحية التجارية، قد تستفيد قطر للطاقة من اختلاف أسعار الغاز بين الأسواق. فالشراء وفق مؤشر هنري هب الأمريكي، ثم البيع في أسواق ترتبط بمؤشرات سعرية أخرى، قد يوفر فرصاً لتحقيق عوائد مجزية، متى غطت أسعار البيع تكاليف الشراء والنقل والتمويل والمخاطر. غير أن تحديد الربحية الفعلية يتطلب معرفة تفاصيل مالية وتعاقدية لم يُعلن عنها. وتبرز هنا ميزة اقتصادية أخرى للاتفاقيتين، تتمثل في الجمع بين فرص تحقيق العوائد التجارية ومرونة إدارة الإمدادات. فتنوع مصادر الغاز يمنح قطر للطاقة خيارات أوسع في توجيه الشحنات إلى الأسواق المختلفة، والاستفادة من فرص الأسعار والطلب، مع تعزيز قدرتها على الوفاء بالتزاماتها تجاه العملاء. وبذلك لا تقتصر القيمة المحتملة للصفقة على العائد المباشر من بيع الغاز، بل تمتد إلى تحسين كفاءة المحفظة التجارية وتعزيز القدرة التنافسية للشركة على المدى الطويل. ولا يمكن فصل هذه الخطوة عن استثمارات قطر للطاقة في الولايات المتحدة، ومنها مشروع غولدن باس للغاز الطبيعي المسال في ولاية تكساس. فالجمع بين الاستثمار في مشاريع الإنتاج والتسييل وشراء الغاز من منتجين آخرين يعزز حضور الشركة في أسواق الطاقة العالمية، ويوسع الخيارات المتاحة أمامها. وفي رأيي، فإن هذه هي الدلالة الأهم للصفقة. فقد بنت قطر مكانتها العالمية على تطوير حقل الشمال والاستثمار في منشآت التسييل والتصدير، لكنها قد تكون اليوم بصدد إضافة بعد جديد إلى نموذج أعمالها، يقوم على إدارة محفظة عالمية من إمدادات الغاز، بدلاً من الاعتماد على تسويق إنتاجها المحلي وحده. غير أن نجاح هذا التوجه يتطلب إدارة دقيقة للأسعار والنقل والالتزامات التعاقدية، لأن تنويع المصادر لا يضمن تلقائياً ارتفاع الأرباح أو انخفاض المخاطر. فالقيمة الحقيقية للتنويع تتحقق عندما يسهم في تحسين كفاءة العمليات والعائد الاقتصادي، ويمنح الشركة قدرة أكبر على التعامل مع تغيرات السوق. إن نجاح هذه الاستراتيجية لن يقاس بعدد ملايين الأطنان التي تشتريها الشركة، بل بقدرتها على تحويل تلك الكميات إلى قيمة اقتصادية حقيقية، من خلال تحقيق عوائد مناسبة، وتعزيز موثوقية الإمدادات، وتقليل التعرض للمخاطر الجغرافية والتجارية. ولعل المفارقة الأهم أن قطر قد تشتري الغاز الأمريكي، لا لأنها تفتقر إلى الغاز، بل لأنها تسعى إلى تطوير قدرتها على إدارة تجارته عالمياً. فامتلاك الغاز يمنحها قوة الإنتاج، أما تنويع مصادره وحسن إدارة تدفقاته فيمنحانها مرونة أكبر في المنافسة والاستمرار. وفي صناعة تتغير فيها الأسواق والمخاطر بسرعة، قد تصبح القدرة على إدارة الغاز بقدر أهمية القدرة على إنتاجه.
1473
| 25 أكتوبر 2026