رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
لم يعد خافيا على أحد أن مظاهرات 30 يونيو عام 2013 التي تمر ذكراها الأولى بعد عام في مثل هذا اليوم والتي دبرها السيسي وآخرون بالتآمر مع دول إقليمية وعالمية وعلى رأسها إسرائيل وأمريكا وبعض الدول العربية. إنما كان المراد الحقيقي منها القضاء على ثورة 25 يناير 2011 في مصر مع القضاء على جماعة الإخوان المسلمين متمثلا بالانقلاب على شرعية الرئيس المنتخب الدكتور محمد مرسي على أسس ديمقراطية شهد بها الداني والقاصي لأول مرة بعد الحكومات العسكرية السابقة ولو أنعمنا النظر قليلا وتذكرنا أن إسرائيل والغرب لن يسمحوا استراتيجيا بنجاح أي ثورة تفضي إلى الديمقراطية في بلادنا عموما والمتاخمة منها لما يدعي الكيان الصهيوني خصوصا بأي حال من الأحوال لضمان مصالحهم وأمن هذا الكيان الذي هو خنجر مسموم في قلب الأمة العربية والإسلامية. لما وجدنا عجبا في ذلك أبداً والدليل على ما نقول هو ما صرح به المفكر اليهودي المغربي الأصل في حلقة يوم الأربعاء 18/6/2014 لبرنامج بلا حدود في قناة الجزيرة جاكوب كوهين إذ أبان لأحمد منصور والسامعين الدور الذي قامت به إسرائيل والغرب في إفشال الثورة المصرية وإسقاط حكم الإخوان المسلمين في مصر لأن ذلك يشكل خطرا عليهم حيث كان مشروع الإخوان يتمثل في الهوية العربية ثم قطع العلاقة مع إسرائيل مستقبلا. وبالتالي بدأ العمل لمناهضة ذلك والإعداد لانقلاب عسكري. وأضاف: أنه بوصول السيسي لرئاسة مصر تشعر إسرائيل بالارتياح بعد أن أسهمت في إيصال نظام حليف بل وخادم لها إلى سدة الحكم ليقوم بتنفيذ إرادتها! أقول: بل قامت بعض الاحتفالات في إسرائيل ابتهاجا بالأمر ووزعت الحلوى فرحا بذلك! ولاشك أننا قرأنا ما قاله المحلل العسكري الصهيوني "روني دانئيل" في حوار له على القناة الصهيونية الثانية حيث كشف أن السيسي أبلغ إسرائيل بالانقلاب العسكري قبل ثلاثة أيام ولم يخف وجود اتصالات مكثفة منذ فترة بين السيسي والبرادعي والحكومة الصهيونية وقال: إن الانقلاب جيد لإسرائيل بل هو مطلب ملح لأمنها وأضاف: إن إسرائيل وعدت بالمساعدة للاعتراف بالحكم الجديد من قبل الدول الغربية. ونصحت السيسي بضرورة هدم الأنفاق الموصلة إلى غزة وقد فعل الجيش المصري ذلك!.. كما أننا لا ننسى أن هيلاري كلينتون قد كشفت مع قناة الجزيرة أنه قد تم التآمر على حكومة الرئيس مرسي ودبر الانقلاب لذلك. وكان أحد كبار قادة الجيش الإسرائيلي قد قال بعد ذلك: لا عجب أن ينقلب الشعب على مرسي لأن هذا الشعب تعود على الطرب والغناء والرقص ومرسي يريد أن يؤخره عن التقدم أربعمائة سنة كما نشرت مجلة المجتمع الكويتية إبان الانقلاب! ومع هذه الأشياء أمر آخر مهم جدا وهو أن إسرائيل عرفت أنها بوصول مرسي للحكم لا بد لها أن تضاعف حجم موازنة الأمن وتطوير الجيش كما قامت بتدشين بناء جدار أسمنتي على الحدود مع مصر بكلفة 455 مليون دولار وغير ذلك من التكاليف التي سترهق الاقتصاد الإسرائيلي أما في حالة الانقلاب فقد أسهم السيسي بدعم هذا الاقتصاد من خلال درء التحديات التي حسب لها الصهاينة ألف حساب في حال بقاء مرسي بل كانت ستضطر إلى سياسة تقشف اقتصادية أما بعد السيسي فقد ألغتها كما أنه يجب ألا ننسى تشاور السيسي مع أوباما هاتفيا مرات قبل الانقلاب وبعده وإن كل هذا إنما يصب في مصلحة إسرائيل التي تآمرت وتتآمر على مصر وثورتها السابقة واللاحقة وهي نفسها التي تتآمر على الدول العربية عموما كما قال جاكوب في حديثه السابق مؤكدا أن هناك طرقا متعددة لإرغام الدول العربية على الخضوع للإملاءات الإسرائيلية وعدم تجاوز خطوطها الحمراء وأن إسرائيل نجحت في اختراق الأنظمة العربية ومثال ذلك تدخل مصر في ليبيا بطائرات مصرية ربما لدعم الجنرال حفتر مع أن السيسي زعم أن جيش مصر إنما هو لمصر فقط وكذلك التلميح الذي جاء للتغيير في تونس فهو يريد أن تكون مصر قائدة الثورات المضادة باعتبارها أكبر دولة عربية ومدعومة من بعض دول الخليج أي أنه يلعب الدور الهادم وليس الخادم في الشرق الأوسط وأما من باب الخصوص فقد أكد جاكوب بالنسبة للأزمة السورية أن لإسرائيل مصلحة في بقاء الأسد ونظامه كما هو لأنه يخضع لها ويقبل بخطوطها الحمر واستدل أنها احتلت الجولان منذ أربعين سنة ولم يطلق النظام عليها رصاصة واحدة. وبين أنه حتى لو خرجت سورية من أزمتها فستخرج مدمرة وستخضع للتناقضات الاجتماعية إلى الأبد ولكن مع ذلك -وكما أشرنا في مقالات سابقة - كيف أن نتنياهو يفضل بقاء الأسد وهو الذي فرح بقدوم السيسي كذلك لأنهما يتقاربان في الأهداف للتعامل مع إسرائيل وكذلك لتعاطي السيسي مع الحالة السورية الحكومة. أو الثورة وثمة بعض التشابه له مع بشار فكلاهما دخلا انتخابات رئاسية مضمونة النجاح كما رتب لها خارجيا وإقليميا ولم يكن لكل منهما منافس إلا من قبيل ذر الرماد في العيون وهو أمر مفبرك ومطبوخ مسبقا وكلاهما يتعاملان مع شعبيهما بعقلية مسلحة دكتاتورية قاتلة غير أن عاموس جلبوع المحلل العسكري الإسرائيلي اعتبر أن الأسد إنما جرى انتخابه رئيسا بأغلبية مطلقة على مواطن تقع تحت سيطرته التي تمت على خلفية مساعدة إيران وحزب الله والدعم الروسي القوي أما المواطن الأخرى في سورية فمازالت المعارضة تسيطر عليها ولكن السؤال المهم هو: ما مدى انعكاس الانقلاب على سورية والجواب: أن السيسي سيبقى على اتصال بالأسد للتنسيق السري حتى ولو أظهر نفسه الآن حياديا إذ لابد للشريكين أن يخدما أهداف إسرائيل والغرب. وإذا علمنا أن الخارجية المصرية استدعت شخصيات سورية معارضة لحضور ندوة في الخارجية المصرية فهو إنما لتعرف أنهم مراقبون للأحداث. ولكن المرجح أنه بحجة مقاومة الإرهاب سيكون التنسيق بينهما قويا ضد الثورة السورية سيما وأننا تأكدنا من وجود لجنة مشتركة بين البلدين لملاحقة الأحرار خصوصا الإخوان المسلمين وبالمقارنة فإنه في الحال الذي كان فيه الرئيس مرسي يقف موقفا واضحا من ظلم الأسد ثم دعا إلى مقاطعة وإغلاق السفارة المصرية في دمشق وطرد السفير السوري من القاهرة بل وجنح إلى موافقة العلماء في القاهرة- قبل الانقلاب بأيام -على الجهاد في سورية مما عجل في اتخاذ القرار بإطاحة حكمه. فإن الحال عند السيسي هو أنه أعاد كل شيء مع دمشق كما كان وهو يعرف اتصالات بشار بالحكم العسكري في مصر قبل مرسي. وصرحت حكومة الانقلاب بأن الجيش السوري الحكومي هو رفيق السلاح في حرب أكتوبر عام 1973!وينسى أولئك حوالي ألفي مجزرة قد ارتكبها هذا الجيش العقائدي الطائفي وأما من جانب آخر فكما أحسن مرسي التعامل مع الجالية السورية في مصر وهي حوالي مائتي ألف وسهل لهم كل شيء وخصوصا التعليم فإن السيسي قابل الجالية بالتعامل السيئ الذي لا يدل على نخوة ورحمة العروبة والإسلام وحدثت تصرفات يندى لها الجبين وإن كنا نرى بوادر التحسن مؤخرا ربما لتدخل السعودية التي تدعم السيسي وهذا قضاء الله وقدره. ولا نظن أن الانقلاب يأتي بخير على الشعب السوري والثورة السورية. إلا أن يوفق الله ثوار دعم الشرعية في مصر أن يقلبوا الموازين. وعلى كل حال فإن الشعب السوري سوف يحتمل كل هذه المصائب وتكالب قوى الشر في العالم حتى الرمق الأخير وسيكون في النهاية هو الأقوى وإن فقدان العدل في مصر وسورية لهو التربة الخصبة لدوام الثورات والبراكين كما كان يقول الدكتور مصطفى السباعي رحمه الله.
الوكالات التجارية والالتزامات الوطنية
جاء التطور الاقتصادي للدولة على شكل تشريعات مرحلية تهدف إلى تعزيز كفاءة السوق وفتح أبواب جديدة للنمو، ومن... اقرأ المزيد
123
| 27 فبراير 2026
القيادة الرشيدة.. اهتمام وأولوية لحماية البيئة
يمثل يوم البيئة القطري، الذي يوافق 26 فبراير من كل عام، مناسبة وطنية مهمة، وهو يعكس ادراك الدولة... اقرأ المزيد
72
| 27 فبراير 2026
السياسة بالمدفع.. هل يُقتل الفكر بالرصاص؟
السودان اليوم ليس مجرد ساحة حرب مفتوحة، بل مرآة موجعة لأسئلة قديمة تتكرر كلما عجزت السياسة عن إدارة... اقرأ المزيد
75
| 27 فبراير 2026
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية




مساحة إعلانية
تهاوي هياكل الظلم والظلام واللاإنسانية أرثت عوالق ما زالت تتساقط في فضاء واقع ما زالت فيه ترسبات أحداث الإبادة في غزة حاضرة في الذهنية الإنسانية وجاءت إفصاحات ابستين لتتعالق معها وتخلق علاقات كانت خافية على المراقبين ومغلفة في عالم المصالح والمنافع، هذا التهاوي وترسباته يعطي دلالات على عالم يباد وعالم ينشأ من خلال الأحداث وتداعياتها ليتكوّن على ارض واقع جديد، فما حدث لأطفال أمريكا لا يختلف عما حدث لأطفال غزة تشويها وقتلا من قبل عقلية ترى انهم غير بشر وسترى البشرية أن عقلية وذهنية ما قام به ابستين وشركاؤه مماثل لما يحدث في فلسطين وأطفال ونساء غزة من إجرام وقتل وإبادة وفي الكثير من الأحيان في احتفالات تبرز نفسيات عدمت الإنسانية. تساقط فتات الإفصاحات والفيديوهات كما يتساقط فتات الأحياء المائية في وسط المياه ليتراكم ويخلق شعابا في الطبيعة هي مأوى للكائنات الحية المائية ولكن فتات إفصاحات ابستين والكيان يكوّنان حطاما لشعاب سامة شيطانية مظلمة لا يعيش فيها إلا الشياطين. أين سيتموضع العالم وإلى أي مدى سيعاد تشكيل الضمير العالمي وكيف ستتشكل المفاهيم وتتحول العداءات من الإسلاموفوبيا إلى محبة، كيف ستتمحور مفاهيم الإسلاموفوبيا والهولوكوست ومعاداة السامية وغيرها وفلسطين والفلسطينيين وكيف سيرى الناس معاناة فلسطين وغزة والضفة، من سيسقط ومن سيحاكم، وكيف سيتعامل الناس مع الدين والمبادئ، ولتقع ترسبات فظائع ابستين والنخبة أينما تقع فبعد أن تبددت هالة الظلام والهيمنة ستكون تداعياتها هي المحرك للتغيير في ذهنية العالم لتنشئ وعيا أمميا جديدا ينهي زمن الظلام. تزامن هذا التكاثف مع حشد عظيم في منطقة الخليج وجهود إبراز عظيم القوة حتى تتمكن الإدارة الأمريكية من الحصول على أفضل صفقة مع إيران. جمعت الإدارة الأمريكية كل ما لدى أمريكا من قدرات وإمكانات وبعثتها للخليج في موجات الموجة الأولى مع التهديد والوعيد إلى الغزو والنفير، وبعد ذلك التهديد والوعيد اصبح طريق التفاوض ممهدا بعد ان كان بعيد المنال، فكانت المرحلة الأولى في تحديد الموقع والمكان ووضع إطار للمفاوضات يبدو أن الإيرانيين قادرون على تحديد المكان مثل عمان، ففي الإطار التفاوضي ما زالت إيران تقول إن التفاوض والحديث عن النووي فقط كإطار عام وما زالت الخارجية الأمريكية تتحدث عن أربعة مطالب النووي وبرنامج الصواريخ البالستية واحترام سيادة الدول وعدم دعم الميليشيات. وان كانت الإدارة الأمريكية قد استفادت من رفع الضغوط على الإيرانيين وعلى نتنياهو وعلى كل من في المنطقة وصرفت الأنظار عن ملفات ابستين ففي ذهن الإدارة الأمريكية تكون قد حققت ما تصبو اليه من العودة للتفاوض وتجاوز ابستين ومن ثم أيضا سحب القوات الأمريكية إلى الولايات المتحدة فتكون مناطق النفوذ والجغرافيا قد حددت ما بين الولايات المتحدة وجغرافيا أمريكا الشمالية والجنوبية والصين وتايوان وروسيا والدونباس فإعادة رسم الخرائط قد يكون أساس التفاهمات والمواجهة الأمريكية الإيرانية لتحديد الخط الأهم خط الردع في منطقة الشرق الأوسط منطقة النفوذ ونكون على أبواب إعادة تشكيل النظام العالمي ليكون متعدد الأقطاب وقد نرى ضغطا من قبل الصين وروسيا على الولايات المتحدة للعودة للالتزام بالقانون الدولي ومنظمات الأمم المتحدة وتطبيق القانون الدولي مع تحملهم التداعيات المالية وهذا يعني الضربة النهائية في كفن الكيان.
8778
| 23 فبراير 2026
رمضان في الوعي الإسلامي ليس مجرد شهر عبادة فردية معزولة عن حركة الحياة، بل زمن تاريخي متخم بالدلالات، تداخلت فيه الروح مع الفعل، والإيمان مع الحركة، حتى أصبح عبر القرون موسماً تتجدد فيه طاقة الأمة وتتعاظم قدرتها على الإنجازات والفتوح والتوسع. ومن يتأمل مسار التاريخ يدرك أن ارتباط رمضان بالتحولات الكبرى لم يكن مصادفة زمنية، بل نتيجة طبيعية لحالة نفسية وروحية خاصة يولدها الصيام من انضباط داخلي، وصبر طويل، وشعور وفهم عميق بالغاية والمعنى. لقد كانت غزوة بدر في 17 رمضان سنة 2 هـ بقيادة النبي محمد صلى الله عليه وسلم النموذج الأول لهذا المعنى، قلة العدد وضعف الإمكانات لم يمنعا تحقق النصر، لأن العامل الحاسم لم يكن مادياً خالصاً، بل معنوياً أيضاً. ثم جاء فتح مكة في 20 رمضان سنة 8 هـ بقيادة النبي صلى الله عليه وسلم ليؤكد أن النصر قد يتحقق بأقل قدر من القتال عندما تبلغ القوة الأخلاقية والسياسية ذروتها. وفي العهد الراشد استمر هذا النسق، فشهد رمضان معركة البويب سنة 13 هـ بقيادة المثنى بن حارثة الشيباني ضد الفرس، وفتح مصر الذي اكتمل في رمضان سنة 20 هـ بقيادة عمرو بن العاص، وهي أحداث رسخت التوسع الإسلامي ووسعت آفاق الدولة. ويبرز رمضان سنة 92 هـ بوصفه عاماً استثنائياً، إذ تزامن فيه التوسع الإسلامي شرقاً وغرباً معاً. فتح السند بقيادة محمد بن القاسم الثقفي، وفتح الأندلس عبر معركة وادي لكة بقيادة طارق بن زياد تحت ولاية موسى بن نصير. هنا يتجلى البعد الحضاري لرمضان بوضوح، فالأمر لم يكن مجرد انتصارات عسكرية عابرة، بل بدايات لتشكل عوالم ثقافية جديدة امتدت قروناً. حتى الأحداث التي لم تقع معاركها الحاسمة في رمضان مباشرة، مثل القادسية بقيادة سعد بن أبي وقاص أو اليرموك بقيادة خالد بن الوليد، ارتبطت به من حيث التعبئة والاستعداد والسياق العام، مما يعكس أن الشهر كان موسماً طبيعياً للحشد النفسي والمعنوي. وفي أوروبا ارتبطت الحملات الإسلامية التي بلغت جنوب فرنسا في زمن بلاط الشهداء بقيادة عبد الرحمن الغافقي بروح التوسع التي غذّاها هذا المناخ الإيماني. وفي العصر العباسي ظهر المعنى نفسه في فتح عمورية سنة 223 هـ بقيادة الخليفة المعتصم بالله، حيث تحولت الاستجابة لصرخة امرأة مسلمة إلى حملة عسكرية كبرى أعادت هيبة الدولة. ثم بلغ الارتباط بين رمضان والمصير ذروته في عين جالوت سنة 658 هـ بقيادة السلطان المملوكي سيف الدين قطز ومعه القائد الظاهر بيبرس، حين أوقف المسلمون المدّ المغولي بقيادة كتبغا. وتكرر المشهد في شقحب سنة 702 هـ بقيادة السلطان الناصر محمد بن قلاوون بمشاركة القائد بيبرس الجاشنكير ضد المغول بقيادة قتلغ شاه. ولم ينقطع هذا الخيط في التاريخ الحديث، فقد جاءت حرب العاشر من رمضان سنة 1393 هـ بقيادة الرئيس المصري محمد أنور السادات عسكرياً عبر قيادة الفريق سعد الدين الشاذلي والقيادات الميدانية، لتؤكد أن الصيام لا يعوق الفعل بل قد يضاعف القدرة عليه عندما تقترن الإرادة بالتخطيط والعلم. إن الجامع بين هذه الوقائع ليس الشهر ذاته بقدر ما هو الإنسان الذي يصنع فيه نفسه من جديد. فالصوم مدرسة ضبط، والقيام مدرسة صبر، والقرآن مدرسة وعي، وعندما تجتمع هذه العناصر تتولد طاقة حضارية قادرة على التغيير. لذلك ظل رمضان في الذاكرة الإسلامية شهراً للعبادة والعمل معاً، لا زمن انسحاب من الحياة، بل موسم إعادة شحن للقوة الكامنة في الإنسان، وتذكيراً بأن أعظم الانتصارات تبدأ من الداخل ثم تمتد لتصنع التاريخ.
1614
| 25 فبراير 2026
في رمضان، حين يخفُّ صخبُ العالم وتعلو همساتُ الروح، تتبدّى حقيقةٌ لا تخطئها البصيرة: أن الزمن لا يستقيم على حال، وأن الحياة لا تعرف السكون ولا الجمود. الدهر نهرٌ جارٍ، لا يستقر على ضفة، ولا يكرر إنتاج موجةً مرت. وما الأمس إلا ظلٌّ انزوى، وما الغد إلا وعدٌ يتشكّل في رحم الغيب. بقاء الحال من المحال… ليست عبارةً تُقال، بل قانونٌ يسري في الذرّة كما يسري في الفرد والمجتمعات والدول، في القلب كما في العروش. الإنسان يتقلّب كما يتقلّب الليل والنهار؛ عافيةٌ تعقبها شدة، وغنىً يعقبه فقر، وسلطانٌ يليه أفول، وربما فرج لا يعقبه ضيق بل فتح من الله ونصر. من سنن الله الخالدة التدافع، ولولا هذا التدافع، وهذا الاختلاف الذي فطر الله الناس عليه، لتوقّفت عجلة الوجود، وتجمدت المعاني في قوالبها. رمضان يعلّمنا فلسفة الحركة في أروع صورها. نجوع فنشعر بضعفنا، ثم نفطر فندرك قيمة النعمة، وفضل الله علينا بالعافية.. نقوم الليل فتتهدّل أجسادنا، ثم تستقيم أرواحنا. هو تدريبٌ على تقبّل التحوّل، وعلى أن نعيش اللحظة مدركين أنها لن تعود. في سورة يوسف، تتجلى هذه السنّة في رؤيا ملكٍ أرقته صورةُ الزمن وهو يأكل بعضه بعضًا: ﴿وَقَالَ الْمَلِكُ إِنِّي أَرَىٰ سَبْعَ بَقَرَاتٍ سِمَانٍ يَأْكُلُهُنَّ سَبْعٌ عِجَافٌ وَسَبْعَ سُنْبُلَاتٍ خُضْرٍ وَأُخَرَ يَابِسَاتٍ يَا أَيُّهَا الْمَلَأُ أَفْتُونِي فِي رُؤْيَايَ إِنْ كُنْتُمْ لِلرُّؤْيَا تَعْبُرُونَ﴾. لم تكن الرؤيا سوى تجسيدٍ لسنن التحول، ولدورة الحياة: خصبٌ يعقبه جدب، ووفرةٌ يعقبها قحط، ثم عامٌ يغاث فيه الناس. هكذا يكتب الله الفصول، لا على صفحة الطبيعة فحسب، بل على صفحة القلوب أيضًا. يوسف عليه السلام لم يقرأ الرؤيا قراءةَ متصوّفٍ يستسلم للغيب، بل قراءةَ حكيمٍ، بتدبر ويستعدّ له. علّم الناس أن التغيير لا يُدفع، لكنه يُدار. وأن الرخاء ليس زمنَ الدعة والترف، بل زمنَ الادّخار. وأن الشدة ليست نهاية، بل جسرٌ إلى عامٍ يُعصر فيه العنب وتفيض فيه السنابل، ويعم الخير الجميع. من هنا نفهم قول الإمام علي بن أبي طالب رضي الله عنه وكرم وجهه: «الدهر يومان، يومٌ لك ويومٌ عليك، فإذا كان لك فلا تبطر، وإذا كان عليك فاصبر». إنها معادلة التوازن: تواضعٌ عند الامتلاك، وثباتٌ عند الفقد. فالبطر يعمي، واليأس يقصم، وكلاهما انحراف عن سنّة التدافع. وقد قالوا: «إنَّ مع اليومِ … غدًا»، لأن الخير والشر يتعاقبان كما يتعاقب المدّ والجزر، والفرج والضيق. ولأن اللحظة التي تضيق اليوم قد تتسع غدًا بما لم يخطر على قلب بشر، وقد يحصل العكس. يا من يظنّ أن الفرح دائم، تذكّر أن الشمس تميل إلى المغيب. ويا من يظنّ أن الحزن أبديّ، تذكّر أن الفجر لا يتخلّف عن موعده. الزمن ليس خصمًا، بل معلّم؛ يأخذ بيد من يفهم حكمته، ويؤدّب من يركن إلى وهم الثبات. رمضان إذن ليس شهر العبادة فحسب، بل شهر الفلسفة الهادئة؛ شهرٌ نُعيد فيه ترتيب علاقتنا بالزمن، كيفما تكون تقلباته، ونتعلم أن نعيش بين قطبين: بين الشكر والصبر، بين العمل والتوكّل، بين التخطيط والرضا. فالدهر يومان… والمؤمن العاقل هو من يقرأ يومه قراءة عابر سبيل، المتدبر، المتحوط لا قراءة المالك، ويتعامل مع النعمة كأمانة، ومع المحنة كرسالة. وبين هذا وذاك، يبقى اليقين الأعظم: أن الأرزاق بيد الله، وأن الأيام دول، وأن في تقلّبها سرًّا من أسرار الرحمة، لو دام لنا الرخاء لفسدت النفوس، ولو دام الضيق لانكسرت الأرواح. فالحمد لله على يومٍ لنا…نشكر والحمد لله على يومٍ علينا…نصبر فكلاهما طريقٌ إليه سبحانه … كيفما تكون الحال …. ختم الله بالصالحات أيامكم
900
| 26 فبراير 2026